تخطَّ إلى المحتوى

لماذا زُيِّنت القاعة؟

والسؤال الذي يسبق كلَّ سؤال: لماذا جُهِّزت هذه الأرضُ بكلّ هذا الحُسن؟ لماذا للجبل مهابة، وللنهر خرير، وللثمر ألوان، وللمال لذّة، وللولد حلاوةٌ تشغل القلب؟ لو كانت الدنيا امتحانًا خالصًا لكانت قاعةً جرداء. لكنّها زُيِّنت عن قصد، وهذا أدقُّ ما في الأمر:

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۝ وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا

الكهف · ٧–٨

فالزينةُ ليست خللًا في التصميم، بل هي التصميم. الأرضُ ببهجتها وجبالها وأنهارها، وكلُّ ما وُضع عليها من زينةٍ وشهوةٍ مُغرية، هذا كلُّه هو التجهيز اللوجستيّ للقاعة، والوسائلُ التعليميّة، والموادُّ الاختباريّة الموضوعة بين يدي الممتحَن ليُختبَر بها. والمالُ في يد رجلين شيئان مختلفان تمامًا: عند أحدهما ورقةُ سؤال، وعند الآخر أثاثُ إقامة.

ولم يُخفِ صاحبُ القاعة مقصده، بل صرّح بأنّ الموت والحياة إنّما جُعلا ليُنظَر ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا﴾. ثمّ نصّ على أنّ خلق الإنسان نفسِه كان لهذه الغاية:

إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍۢ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا

الإنسان · ٢

ثمّ إنّ في تزيين القاعة رحمةً لا يُلتفت إليها كثيرًا. فلو جُرِّدت الأرضُ من حُسنها لصار العملُ اضطرارًا لا اختيارًا، ولانمحى الفرقُ بين مَن ترك الشهوةَ وهي بين يديه ومَن تركها لأنّه لم يجدها. الزينةُ هي التي تجعل للطاعة ثمنًا، وللصبر معنًى، وللاختيار قيمة. ولذلك عُطف على الآية الأولى الإخبارُ عن مصير هذه الزينة نفسِها؛ فالديكورُ الذي شغل الناس عن الامتحان سيُرفَع، وتبقى الورقة.