٢٦. هل تكلّم اللهُ حقًّا؟
السؤال: إن كان للكون خالق، فهل كلّم البشر؟ وهل القرآنُ كلامُه؟
الجوابُ باختصار: هذا سؤالٌ غيرُ سؤال الوجود، ولا يُطرح إلا بعده. والقرآنُ يقدّم نفسَه كلامًا من الله، ويتحدّى من يرتاب فيه أن يأتي بسورةٍ من مثله. وفي هذا الباب ننظر في القرآن من الجهة التي يكثر فيها الكلامُ اليوم: آياتُه عن الكون — ما تقوله بنصّها وتفسيرها، وما يُنسب إليها في زماننا، وما يصمد من هذه الدعاوى، لا من النصّ نفسِه، عند الفحص وما لا يصمد.
لماذا يأتي هذا السؤالُ بعد أبواب الحِجاج؟
نظرت أبوابُ الحِجاج السابقة في مسألة الوجود بالعقل وحدَه: هل للكون خالق؟ ولم تستدلّ فيها بآيةٍ واحدة، لا لقصورٍ في براهين القرآن — فمنها ما يقوم بنفسه على كلّ عاقل — بل لأنّ من لا يُسلّم بمصدر النصّ لا يُلزَم به.
فإذا وصل القارئُ إلى أنّ للكون خالقًا، أو إلى أنّ ذلك هو الأرجح عنده، نشأ سؤالٌ جديد: هل تكلّم هذا الخالقُ؟ وهنا يصير القرآنُ موضوعًا يُفحص، لا دليلًا يُساق: دعوى تُعرض على العقل كما عُرضت عليه من قبلُ دعوى الوجود.
ومثالُ ذلك رسالةٌ تصلك تقول إنّها من رجلٍ تعرفه. فأنت لا تسأل أوّلًا: أموجودٌ هذا الرجل؟ فذاك أمرٌ عرفتَه من قبل. وإنّما تسأل: هل هذه الرسالةُ منه؟ فتنظر في خطّها، وفي ما تعرفه منه ولا يعرفه غيرُه، وفي ما تقوله أيوافق ما عهدتَه منه. فالسؤالُ عن الرسالة غيرُ السؤال عن المرسِل، ولا يُغني أحدُهما عن الآخر.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يُقرّب صورةَ السؤال ولا يصف المرسِل. وما يصحّ على مخلوقٍ من وصفٍ لا يُنقل إلى الخالق.
ما الذي يقوله القرآنُ عن نفسه؟
يقول القرآنُ إنّه منزَّلٌ من عند الله، ويتحدّى من يشكّ في ذلك:
وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
التفسير الميسر
وإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتزعمون أنه ليس من عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم.
والتحدّي بسورةٍ واحدة، وهو أدنى ما طُلب منهم. فالتحدّي في القرآن على ثلاث درجات: أن يأتوا بكلامٍ مثله في سورة الطور، وبعشر سورٍ مثله في سورة هود، وبسورةٍ واحدة في سورتَي يونس والبقرة. ويقول الجلالين في ﴿مِّن مِّثْلِهِۦ﴾: «أي المنزل ومن للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب». وعلى هذا التحدّي قامت كتبُ «إعجاز القرآن» الأولى، وأكثرُ كلامها في البيان والنظم: «بيان إعجاز القرآن» للخطّابي، و«النكت في إعجاز القرآن» للرمّاني، و«إعجاز القرآن» للباقلّاني، و«دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني.
والميزانُ الذي يُوزن به
في الفصل الثاني والعشرين خمسةُ معاييرَ لاختبار أيّ دعوى بأنّ كتابًا وحيٌ من الله: سلامةُ نصّه، واتّساقُ تصوّره، وأن يقول ما يمكن أن يُكذَّب لو كان كذبًا، ومضمونُه الأخلاقيّ، وأثرُه فيمن يحمله. وهي الميزانُ هنا أيضًا بحدودها المذكورة هناك: فهي مصفاةٌ تُسقط ما لا يصمد، لا دليلًا على صدق ما صمد، والحكمُ بها على الدعوى لا على أهلها.
وفي آيات الكون خاصّةً سؤالٌ يتقدّم على غيره، وهو ما سنمشي عليه في هذا الباب: حين يُقال إنّ آيةً سبقت إلى علمٍ حديث، فهل هذا صحيح؟ أكان ذلك العلمُ مجهولًا حين نزلت؟ وهل فهمها منه أهلُ زمانها ومفسّروها الأوّلون؟ وهل تحتمل ألفاظُها عند أهل اللغة والتفسير وجهًا آخرَ أظهرَ ممّا يُدّعى؟
ولماذا نفحص بهذه الصرامة؟ لأنّ القارئ يتلقّى ما يُنسب إلى القرآن على أنّه دين. فإن نُسب إليه قولٌ ثمّ تبيّن أنّ هذا القولَ غيرُ صحيح، لم يسقط القائلُ وحدَه، بل ارتدّ الأثرُ على القرآن نفسِه في نفس من صدّق. والسكوتُ عن دعوى ضعيفةٍ خيرٌ من نصرها، والبيانُ عنها خيرٌ من السكوت.
فأين تقف أنت؟
إن كنتَ ممّن يرى أنّ للكون خالقًا، فالسؤالُ الذي أمامك الآن مشروعٌ وجادّ: هل تكلّم؟ وإن لم تكن وصلتَ إلى ذلك بعد، فهذا الباب لا يطلب منك أن تسلّم بشيء؛ يطلب منك أن تنظر في ما يقوله القرآنُ بنصّه، وفي ما يُقال عنه، ثمّ تحكم في الدعوى: أصحيحةٌ هي أم لا.
وفي الفصلين التاليين خطوتان: أوّلُهما كيف يعرض القرآنُ الكونَ بنفسه، وثانيهما ما يُنسب إليه اليوم من «إعجازٍ علميّ»، وما يثبت منه وما لا يثبت.