٢٥. ما لا يعرفه أحدٌ بعدُ — مؤمنًا كان أو ملحدًا
السؤال: ما الذي بقي بلا حسمٍ من هذه المسائل كلِّها؟
الجوابُ في سطرين: سبعةُ مواضع بأسمائها. وقولُ «لا أعرف» لا يُثبت شيئًا، ولا يقرّب إلى صدق ما أقول. وغايتُه أن يرفع سببًا واحدًا من أسباب سوء الظنّ، ولا يضع في الكفّة شيئًا. ومن جعل تواضعَ كتابٍ دليلًا على صوابه فقد وزن بغير ميزان. وهذا خطأٌ ينفعني أنا ولا ينفع القارئ، ولذلك أنبّه عليه.
والسبعةُ هي: الألم، والخفاء، وقوّةُ الأدلّة منفردةً ومجتمعة، وأرقامٌ مشهورةٌ تُنقل على غير وجهها، وما لا نعرفه عن أنفسنا، والاعتراضُ الأخلاقيّ على مضمون النصّ، والفصلُ بين دعاوى الوحي المتنافسة.
١. لماذا هذا القدرُ من الألم؟
لا جوابَ حاسمًا عندي.
وأصدقُ ما في هذا الباب أنّ المتخصّصين من المؤمنين يقولون ذلك قبلي. فالفيلسوفُ الأمريكيّ بيتر فان إنفاغن كتب محاضراته في مشكلة الشرّ ليقول إنّ حجّةَ الشرّ لا تُلزم، لا ليقول لماذا وقع الشرّ. ولذلك يُسمّى عملُه «دفاعًا» لا «ثيوديسيا»؛ والثيوديسيا محاولةُ تفسير وجود الشرّ مع وجود إلهٍ خيِّر.
والفرقُ بينهما كالفرق بين أن تقول أمام القاضي: «التهمةُ لا تقوم عليّ، لأنّ ثمّ احتمالًا آخرَ ممكنًا»، وأن تقول: «وهذا ما جرى فعلًا». فالأوّلُ يردّ التهمةَ ولا يشرح الحادثة، وهو ما فعله فان إنفاغن: قدّم قصّةً قد تصدق في حدود علمنا، ولا يدّعي أنّها السببُ الواقعيّ. وغايتُه أن يُثبت أنّ حجّةَ الشرّ لا تنجح برهانًا، لا أن يشرح وقوعَ الشرّ. ولا يُنقل عنه أنّه «لا يعلم». فهو لم يقل ذلك، وإنّما قال إنّه لا يدّعي بيانَ السبب الواقعيّ.
والفيلسوفةُ الأمريكيّة مارلين مكورد آدمز — وهي مؤمنة — تُسقط أشهرَ جوابين في الشرور الفظيعة: «دفاعَ الإرادة الحرّة»، الذي يجعل الشرَّ ثمنًا لحرّيّة الإنسان؛ و«ثيوديسيا الخير الأعظم»، التي تجعل الشرَّ طريقًا إلى خيرٍ أكبر. وحجّتُها أنّهما تعالجان الخيرَ الكلّيّ للعالم، لا خيرَ الشخص المصاب بعينه.
وفي الجهة الأخرى الفيلسوفُ الأمريكيّ وليم رو، صاحبُ أشهر صياغةٍ استدلاليّةٍ لحجّة الشرّ. والصياغةُ الاستدلاليّةُ لا تدّعي أنّ الشرّ يناقض وجودَ الله مناقضةً منطقيّة، بل تدّعي أنّه يجعل وجودَه أبعد. ورو يصوغ في المقالة نفسِها مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، ويقرّر أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه.
والفيلسوفُ الأمريكيّ بول درابر يصوغ الحجّةَ مقارِنةً لا ناقضة: فتوزيعُ الألم واللذّة في العالم أرجحُ وقوعًا على فرض «اللامبالاة» منه على فرض وجود الله. و«اللامبالاة» ألّا يكون وراء حال الكائنات الحيّة فاعلٌ خيّرٌ ولا شرّير. وينصّ على أنّ هذا لا يُثبت أنّ القولَ بوجود الله كاذب.
فالحالُ في ميدان الفلسفة: حجّةٌ ترجيحيّةٌ ثقيلة، وردودٌ لا تبلغ الحسم. وليس البابُ خاليًا عند أهل الإسلام: فالدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ جزاء، والجزاءُ بعدها، والصابرُ موعودٌ بالأجر؛ وعجزُنا عن تعيين وجه الحكمة في نازلةٍ بعينها ليس نفيًا للحكمة. وقد وزنتُ هذه الأجوبةَ بحدودها في الفصل الثاني عشر: أقواها عندي «لا أعرف حكمته»، وأمّا الميزانُ بعد الموت فتعويضٌ لا تبرير: إنصافٌ للمظلوم، لا بيانٌ لسبب وقوع الألم. ومسألةُ الشخص الواحد المصاب لا جوابَ لها عندي. ومن فقد ولدَه لا يُقال له «حكمة»؛ فالجوابُ السريع هنا أسوأُ من الصمت، ويُقرأ استعجالًا لإنهاء الحديث.
وإن كنتَ أنت المصاب: فليس عليك أن تجد جوابًا لتبقى، ولا أن تبقى لتجد جوابًا. ولك أن تسأل بأشدّ ما تجد من ألم، ولا يُطلب منك أن تُحسن العبارة. والذي لا أملكه أن أقول لك: لماذا كان هذا بك.
٢. لماذا الخفاء؟
لم يُحسم، والعبءُ على المؤمن هنا ثقيل، ولا أخفّفه.
وحجّةُ الفيلسوف الكنديّ جون شيلينبرغ ليست «لو وُجد لظهر»؛ هي أدقّ من ذلك. فالحبُّ الكامل يقتضي انفتاحًا دائمًا على علاقةٍ بمن يحبّ. والعلاقةُ تستلزم أن يعتقد الطرفُ الآخرُ بوجوده. فإذا وُجد إنسانٌ «غيرُ مقاوِم» — لا يصدّ ولا يعاند، ومع ذلك لا يعتقد — فوجودُه ينقض ذلك. وشرطُ «غير المقاوِم» مكتوبٌ في مقدّمات الحجّة نفسِها. فمن ردّها بأنّ «المنكِرَ معاند» فقد ردّ حجّةً أخرى غيرَها.
وصاحبُها يفصلها عن مشكلة الشرّ صراحةً، فلا تُردّ بالردود على تلك.
وتُنسب إلى الفيلسوف الأمريكيّ مايكل ريا في الردّ عليها أقوالٌ ليست له، فهذا بيانُ ما له وما ليس له:
١. ردُّ ريا يستهدف مقدّمةَ الحبّ، لا مقدّمةَ الاعتقاد. وحاصلُه أنّ تعالي الإله — أي أنّه فوق أن يُقاس على خلقه — يجعل توقّعاتِنا عن صورة الحبّ الكامل غيرَ موثوقة. فنحن نتصوّر أنّ المحبَّ الكامل يكون حاضرًا بالصورة التي نعرفها نحن للحضور، وقد يكون حضورُه بصورٍ لا نعدّها حضورًا — في النصّ، وفي الجماعة، وفي العالم — فنقرؤه غيابًا وهو ليس غيابًا.
ومثالُه: ابنٌ تعلّم أنّ الحبّ مكالمةٌ كلَّ ليلة، وأبوه يعبّر عن حبّه بالبقاء في العمل ليلًا من أجله. الحبُّ قائم، والصورةُ التي يتوقّعها الابنُ غيرُ موجودة، فيقرأ الابنُ غيابًا. *وحدُّ هذا المثال:* الأبُ محدودٌ معذورٌ بحدّه، وصاحبُ الحجّة يقول إنّ مثلَ هذا العذر لا يُقبل في كاملٍ لا حدَّ له. وريا يجيب بأنّ التعالي يقطع القياسَ من أصله، وهذا بعينه موضعُ النزاع.
٢. وأمّا الاعتراضُ الآخر — أنّ الاعتقادَ التصديقيّ ليس شرطًا لازمًا لكلّ صور العلاقة — فليس لريا، وإنّما يُنسب إلى الفيلسوفين بوستن ودورتي، وقد سبقهما إليه الفيلسوفُ وينرايت. وهو اعتراضٌ يصعب تخيّلُه أوّلَ مرّة، فهذا مثالُه المحسوس: رجلٌ لا يعتقد أنّ أباه المفقودَ حيّ، ومع ذلك يكتب إليه رسائلَ يحفظها، ويعيش على رجاءٍ لا على تصديق. فثمّ توجّهٌ قائمٌ بلا اعتقاد. وقياسُه في المسألة: من يدعو دعاءَ الراجي لا دعاءَ المصدِّق، أليس بينه وبين من يدعوه صلةٌ من نوعٍ ما؟ فإن قيل نعم، لم يكن الاعتقادُ شرطًا لازمًا لكلّ صور العلاقة، وسقطت تلك المقدّمة.
٣. ومع ذلك لا حسم. فتعليقُ الأمر على صورةٍ رقيقةٍ من العلاقة — رجاءٍ بلا تصديق — يُضعف دعوى الحبّ الكامل نفسَها: أهذا هو ما يريده المحبُّ الكامل لمن يحبّ؟
والذي أخرج به من هذا كلِّه أقوله صريحًا: الردّان المذكوران يمنعان أن تكون الحجّةُ حاسمة، ولا يجعلانها ساقطة. فمن حملها عليّ فقد حمل شيئًا حقيقيًّا، ومن ظنّها فاصلةً فقد زاد عليها. وهي من أثقل ما عندي.
ومسألةٌ أخرى تُخلط بهذه، وفصلُها يرفع لبسًا ولا يرفع العبء: حجّةُ شيلينبرغ في صفة الإله لا في مصير الشخص. فسؤالُها: أيليق بمحبٍّ كاملٍ أن يترك غيرَ المقاوِم بلا اعتقاد؟ وليس سؤالُها: أيُؤاخَذ هذا الرجل؟ وأمّا الثاني فالقرآنُ يعلّق المؤاخذةَ على بلوغ الرسالة، كما في سورة الإسراء وسورة النساء؛ وأكثرُ أهل السنّة على أنّ من لم تبلغه الدعوةُ لا يُعذَّب، وفي تفصيله بينهم خلاف. وهذا لا يحلّ الحجّةَ ولا ينقص منها شيئًا؛ غايتُه أن يمنع لازمًا ليس منها: أن يُظنّ أنّ من لم يبلغه شيءٌ يُؤخذ بما لم يبلغه.
وفي المسألة مجلَّدٌ جامع، فصولُه كتبها مؤمنون وملحدون وأدريّون، أي ممّن يقولون: لا نعلم. وفيه أجوبةٌ متعارضة، فهو لا يُجمع على شيء.
٣. هل ينهض دليلٌ واحدٌ وحدَه؟ وهل تجتمع الأدلّةُ الضعيفةُ فتقوى؟
من الأدلّة ما أراه يرفع الرجحانَ وحدَه، والتراكمُ بابُه مفتوحٌ بشرطه؛ ولا واحدَ منها يُلزم من لا يسلّم بمقدّماته.
والفيلسوفُ الأستراليّ غراهام أوبي — وهو ملحد — يقرّر أنّ حجج الجهتين لا تنجح بهذا المعنى. ويرى مع ذلك أنّ «الطبيعانيّة» أرجحُ في «الفضائل النظريّة» كالبساطة، كما مرّ في الفصل الحادي والعشرين. والطبيعانيّةُ هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. وموضعُ هذا الترجيح كتابُه الصادر سنة ٢٠١٣، لا مسحُه النقديّ الصادر سنة ٢٠٠٦، ولم أقابله على صفحةٍ بعينها. فلا يُنقل عنه أنّ الكفّتين متعادلتان.
والفيلسوفُ البريطانيّ ريتشارد سوينبرن أوسعُ من دافع عن وجود الله بحساب الاحتمالات. ونتيجتُه المعلنة في كتابه عن هذه المسألة أنّ وجودَ الله أرجحُ من نقيضه، أي أنّ احتمالَه أكبرُ من النصف؛ لا يقينَ ولا برهانًا مُلزِمًا. وهو ينصّ على أنّه لا يمكن إعطاءُ قيمٍ عدديّةٍ دقيقة. فلا يُضاف إلى قوله «بقليل»، ولا يُضاف إليه «رجحانٌ ساحق». وهي نتيجةٌ متنازَعٌ فيها لا مسلَّمة.
ورقمُ «٩٧٪» الذي يُساق أحيانًا عن سوينبرن ليس رقمَه لوجود الله، ولا هو في كتابه عن وجود الله. هو في كتابٍ آخرَ له عن قيامة المسيح، وهو عنده احتمالُ أن يكون المسيحُ هو الإلهَ متجسّدًا وأنّه قام من الموت. وهذا الفرضُ يتضمّن وجودَ الله، لكنّ الحسابَ يبدأ من تقديرٍ لوجود الله بالنصف تُعطيه إيّاه أدلّةُ وجود الله، ثمّ يرتفع بشواهدَ من تاريخ المسيح. فالرقمُ ليس رجحانَ وجود الله عند سوينبرن، ولا ثمرةَ أدلّة وجود الله. ومن نقله على أنّه أحدُهما نقل رقمًا من بابٍ إلى باب. ومن نفى الرقمَ عنه مطلقًا نفى شيئًا موجودًا؛ والنفيُ الناقصُ نقلٌ ناقص. ولا يصحّ كذلك أن يُنسب إليه أنّه «يحسب الشرَّ دليلًا ضدّ وجود الله ثمّ يطرحه من الميزان»، ولا أنّه يرى أنّ وقوعَ الشرّ لا يُنقص احتمالَ وجود الله. فهو يسلّم بأنّ الشرّ يُنقص هذا الاحتمال، ولكن لا بكثير. ودعوى تُنسب إلى رجلٍ وهو يخالفها أشدُّ ما في هذا الباب ضررًا.
وأمّا التراكم — أن يُجبَر ضعفُ كلّ دليلٍ بالآخر — فمشروعٌ في نفسه، لكنّه يشترط أن يكون لكلّ دليلٍ نسبةٌ ترجيحيّةٌ فوق الواحد.
ومعنى أن يكون لدليلٍ نسبةٌ فوق الواحد: أن يكون وقوعُه أرجحَ لو صحّت الدعوى منه لو كذبت. ومثالُه بللٌ في أرض الشرفة صباحًا: يقع لو أمطرت الليلةَ أكثرَ ممّا يقع لو لم تمطر، فنسبتُه فوق الواحد، وهو ينفعك في معرفة المطر. وأمّا غيابُ الشمس مساءً فيقع سواءٌ أمطرت أم لم تمطر، فنسبتُه واحد، ولا ينفعك في المطر ولو تكرّر ألفَ مرّة. وما نسبتُه دون الواحد يقع لو كذبت الدعوى أكثرَ ممّا يقع لو صدقت، فهو يُضعفها.
فمن جمع سبعةَ أدلّةٍ نسبةُ كلٍّ منها واحدٌ أو دونه، وقال «صارت قويّة»، أخطأ في الحساب لا في الذوق: فما لا يرفع النسبةَ لا يرفعها بالتكرار، وما ينزل بها يُنقص ولا يزيد.
ومثالُه: كُسر زجاجُ الفصل، فقال سبعةٌ من التلاميذ إنّ فلانًا كسره. فإن كان كلٌّ منهم يتّهم فلانًا في كلّ حادثةٍ تقع — كسرها أم لم يكسرها — فسبعتُهم لا تزيدك علمًا شيئًا، لأنّ كلامَهم يقع سواءٌ فعل أم لم يفعل. وإنّما ينفعك تلميذٌ واحدٌ لو لم يكسرها فلانٌ لما اتّهمه.
وأمّا الدليلُ الضعيفُ الذي نسبتُه فوق الواحد فيتراكم فعلًا: كلُّ واحدٍ يرفع الرجحانَ قليلًا، فتجتمع الزياداتُ الصغيرة. وهذا بعينه «حسابُ بايز» — وهو طريقةٌ رياضيّةٌ يُعدَّل بها رجحانُ الدعوى كلّما جاء دليلٌ جديد — وعليه بُني عملُ سوينبرن. فالنزاعُ في أيّ الأدلّة نسبتُه فوق الواحد، لا في صحّة التراكم.
فأيُّ الأدلّة نسبتُه فوق الواحد؟
فإن قلتَ: سمِّ لي ما تراه منها فوق الواحد — فهذا ما عندي، أعرضه تقديرًا لا حسابًا:
| الدليل | حالُه عندي | وموضعُ النزاع |
|---|---|---|
| الضبطُ الدقيق، أي أنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة | الأقربُ إلى ما فوق الواحد، بصيغة الفيلسوف روبن كولنز | وهي احتماليّةٌ بنصّ صاحبها، ولا ترجّح إلا على الطبيعانيّة ذاتِ الكون الواحد، أي التي لا تفترض أكوانًا كثيرةً غيرَ كوننا |
| الوعيُ — أي أن يكون لما تمرّ به طعمٌ عندك — والتجربةُ الباطنة | فوق الواحد، بقدرٍ يصعب تقديرُه | وألستون نفسُه لا يدّعي أنّه يفرز به الدعاوى |
| الحدوثُ وابتداءُ الكون | متنازَعٌ فيه أشدَّ النزاع | ومنه ما يرجع إلى مسائل فيزيائيّةٍ مفتوحة |
| الأخلاقُ الموضوعيّة | لا أعدّه فوق الواحد بعد اعتراض ماكي | فماكي ينكر الأساسَ نفسَه، أي أن تكون ثمّ أخلاقٌ موضوعيّة؛ ومن أثبت الأخلاقَ الموضوعيّة بلا إله وافقني على أوّل الكلام ومنعني آخرَه، وهو الأثقل |
| أثرُ الدين في حامله | دون الواحد أو عنده | وقد أعلنتُ ضعفَه في الفصل الثاني والعشرين |
وهذا جدولُ تقديرٍ لا جدولُ حساب، ولا أضع فيه أرقامًا لأنّي لا أملكها. ومن ردّه كلَّه فله ذلك، وليس عندي ما أُلزمه به.
أثقلُ اعتراضٍ على الحساب كلِّه: أن تُحاكَم الإلهيّةُ كما تُحاكَم أيُّ نظريّة
وأثقلُ ما يُواجَه به سوينبرن ليس ردًّا على قيمة عاملٍ من عوامل حسابه، بل دعوى في المنهج نفسِه. و«الإلهيّة» هي القولُ بوجود إلهٍ خالق، والدعوى أنّ الإلهيّةَ تُحاكَم بمعايير أيّ نظريّةٍ أخرى فلا تُعفى منها، وأنّها بتلك المعايير نظريّةٌ غيرُ ناجحة. وفيها أيضًا أنّ إضافةَ شيءٍ جديدٍ من وراء الطبيعة إلى تفسير العالم تجعل التفسيرَ الطبيعيّ أرجحَ منها، لأنّه أبسط. وفيها كذلك أنّ من ضبط عواملَ حسابه بعد أن عرف النتيجة فقد بنى الحسابَ على نتيجته. وقد صاغ ذلك الفيزيائيّ الأمريكيّ شون كارول حين قابل الإلهيّةَ بالنماذج الفيزيائيّة. وهو ينصّ على أنّها تدخل الميزانَ ولا تخرج منه، فلا يُنسب إليه أنّه أخرجها.
*وحدُّ هذا الاعتراض:* أن تُحاكَم الإلهيّةُ بمعايير النظريّة العلميّة — البساطةِ وقوّةِ التنبّؤ — دعوى في المنهج تحتاج سندًا هي الأخرى. فليس مسلَّمًا أنّ تلك المعاييرَ هي الحاكمةُ في المسائل التي لا يبلغها القياسُ ولا التجربة، ومن أطلقها أسقط معها مسائلَ كثيرةً لا يقبل أحدٌ إسقاطَها. وكارول نفسُه ينفي أن يكون في مقاله برهانٌ على عدم وجود الله. فالردُّ ثقيلٌ ولم يُحسم.
٤. أرقامٌ مشهورةٌ تركتُها عمدًا — لأنّ أصحابَها لا يقولون ما يُنسب إليهم
وهذه أشهرُها:
- عشرةٌ مرفوعةٌ إلى عشرةٍ مرفوعةٍ إلى مئةٍ وثلاثةٍ وعشرين، عند الرياضيّ البريطانيّ روجر بنروز. وهذا الرقمُ ليس احتمالًا بالمعنى الذي يُفهم منه عادة. فبنروز لا يقدّمه على أنّه «احتمالُ أن يبدأ الكونُ هكذا»، بل يقول إنّ الحالَ التي بدأ بها الكونُ ضيّقةٌ جدًّا بين الحالات الممكنة، ويقيس ضيقَها بهذا العدد. فهو نسبةُ حجمٍ في «فضاء الطور»، تُقاس بطريقةٍ معلومة. و«فضاءُ الطور» فضاءٌ رياضيٌّ تُرسم فيه حالاتُ الكون الممكنة كلُّها. والعددُ الضخمُ يقع تحت خطّ الكسر، فالمعنى: دقّةُ جزءٍ واحدٍ من هذا العدد. والفرقُ كالفرق بين أن تقول: «بابُ المصعد أضيقُ من باب البيت بكذا»، وأن تقول: «احتمالُ دخولك منه كذا». فالثاني يحتاج كلامًا آخرَ لا يقوله الرقمُ وحدَه. فقراءتُه احتمالًا ليست تحريفًا صريحًا، لكنّها تحتاج مقدّماتٍ إضافيّةً لا تُذكر حين يُساق. وبنروز يسوقه طلبًا لتفسيرٍ فيزيائيّ، وقد اقترح سنة ١٩٧٩ فرضيّةً تُسمّى «فرضيّةَ انحناء فايل». وهي ليست تفسيرًا مستقرًّا، بل هو نفسُه يعدّها قيدًا مقترحًا يطلب تفسيرًا. فلا يُنسب إليه أنّه فسّر الرقم، بل أنّه اقترح له تفسيرًا لم يستقرّ. ويكفي أنّ بابَ التفسير الفيزيائيّ مفتوح، وأنّ صاحبَ الرقم نفسَه هو الذي يطرحه. فدعوى «لم يبقَ إلا التصميم» تسقط بذلك وحده.
- حدُّ واينبرغ الأنثروبيّ على ثابت الكون. و«المبدأُ الأنثروبيّ» أنّنا لا نرصد إلا كونًا يسمح بوجودنا نحن الراصدين. وقد طرح هذا الحدَّ الفيزيائيُّ الأمريكيّ ستيفن واينبرغ، وهو ملحدٌ مصرِّحٌ بإلحاده. وطرحه في إطار كونٍ متعدّد: أكوانٌ كثيرةٌ تختلف فيها قيمُ الثابت، ولا نجد أنفسَنا إلا في واحدٍ منها يسمح بوجودنا. واختبر به تعليلَ صغر الثابت بهذا الانتقاء، ولم يذكر مصمِّمًا.
- دعوى شدّة الضبط: أوسعُ مسحٍ كمّيٍّ حديثٍ لها يضيّقها ولا يوسّعها، ويجد المدى المسموحَ به أوسعَ ممّا يتداوله المتحمّسون.
- وأقوى صياغةٍ فلسفيّةٍ للضبط، وهي صياغةُ كولنز، احتماليّةٌ لا برهانيّة بنصّ صاحبها، ولا ترجّح إلا على الطبيعانيّة ذاتِ الكون الواحد.
ولماذا أتركها؟ لأنّ دعوى يكذّبها من نُسبت إليه أشدُّ ضررًا من الصمت عنها. ومثالُ ذلك: من استشهد في محكمةٍ بشاهد، فقام الشاهدُ ينكر ما نُسب إليه، خسر الدعوى، وخسر ما بقي من كلامه فيها.
٥. وما لا نعرفه عن أنفسنا — الميلُ إلى جهتك وأنت لا تشعر
الاستدلالُ المدفوع ليس عيبَ الخصم وحدَه. والمقصودُ به أن تبحث عن الدليل لتنصر ما تريده سلفًا. فمن جلس ليردّ لا يقرأ الاعتراضَ قراءةً محايدةً أبدًا، وأنا منهم. والمهارةُ في هذا الباب تزيد القدرةَ على الدفاع، لا الاستعدادَ للمراجعة.
وجرّبه في نفسك: شاهد لقطةَ ركلة جزاءٍ متنازَعٍ فيها احتُسبت لفريقك، ثمّ تخيّل اللقطةَ نفسَها معكوسة، واللاعبُ الساقطُ من الفريق الآخر في منطقة فريقك. العينُ واحدة، واللقطةُ واحدة، والحكمُ يختلف. ولستَ كاذبًا ولا مخادعًا، لكنّك لم ترَ محايدًا. وهذا يقع لي وأنا أقرأ اعتراضَ الخصم، كما يقع لك.
وعلاجُه إجرائيٌّ لا وعظيّ: أن تُصاغ أقوى صورةٍ للاعتراض، ثمّ تُعرض على من يعتنقه فعلًا، ويُسأل: أهذا اعتراضُك؟ ولا أدّعي أنّي استوفيتُ هذا في كلّ موضعٍ من هذا الكتاب. وما استطعتُه أن أنقل كلَّ اعتراضٍ من كتاب صاحبه لا من مختصر خصمه، وأن أذكر مع كلّ مرجعٍ ما لا يقوله ممّا يُنسب إليه.
وفي حواشي المراجع ميلٌ أُقرّ به: أكثرُها يقيّد ما يُساق عليّ، وأقلُّها يقيّد ما يُساق لي. وله سببٌ، وليس عذرًا كاملًا: أنّ أكثرَ ما يتداوله القارئُ العربيّ في هذا الباب نقلٌ مبتورٌ عن باحثين غربيّين، فكان أكثرُ التصحيح في تلك الجهة. لكنّ الأثرَ يبقى كما هو: قارئٌ يخرج بأنّ «لا شيءَ يُثبت شيئًا»، ثمّ يجد العبءَ موضوعًا في جهةٍ واحدة. فمن رأى هذا ميلًا فليعدّه ميلًا.
٦. الاعتراضُ الأخلاقيّ على مضمون النصّ — وهو أثقلُ هذه السبعة عليّ
وهذا أثقلُ المواضع السبعة عليّ، وأقربُها إلى ما يُخرج كثيرًا من الناس. فالمواضعُ الخمسةُ قبله عن الله، وعن الأدلّة، وعنّا نحن. وحتى مشكلةُ الألم سؤالٌ عن الله، لا عن الكتاب. وكثيرٌ ممّن يترك دينَه لا يتركه من مسألةٍ في نشأة الكون، بل من نصٍّ قرأه فاستقبحه — وهي ملاحظةٌ لا قياس.
والحالُ عندي:
١. المسألةُ قائمةٌ ولا تُنكَر. فإذا قرأ رجلٌ في نصٍّ من نصوص الوحي حكمًا يستقبحه ضميرُه استقباحًا لا يزيله ما سمعه من شرح، فهذا اعتراضٌ من الطراز الأوّل، لا شبهةٌ عابرة. وهذا يصدق على أيّ نصٍّ عُرضت دعواه على هذا الميزان. وهو معيارُ «المضمون الأخلاقيّ» في الفصل الثاني والعشرين حين يُعمَل في موضعه.
٢. وليس عندي فيه جوابٌ عامّ. والأجوبةُ المطروحةُ ثلاثة، ولكلٍّ منها ثمن:
- أن يُقال إنّ الحكمَ فُهم على غير وجهه. وهذا يصحّ في مواضع، ويُساء استعمالُه في كلّ موضع، فيصير مفتاحًا يفتح كلَّ قفل.
- أو أن يُقال إنّ ميزانَنا الأخلاقيّ ناقصٌ في هذا الباب. وهذا جوابٌ يُبطل المعيارَ من أصله، ويجعل عبارةَ «أعرف يقينًا أنّه ظلم» عبارةً لا موضعَ لها.
- أو أن يُقال إنّ الحكمَ مقيَّدٌ بحالٍ وزمانٍ لا يعمّان. وهذا يحتاج أن يُبيَّن في كلّ موضعٍ على حدة، لا أن يُطلق دعوى.
٣. والذي أقوله: لم أحسمه، وهو أثقلُ ما هنا عليّ. فهو يُبحث في مواضعَ بأعيانها لا في قاعدةٍ كلّيّة. وإجراؤه على نصٍّ بعينه عملٌ آخر، كما مرّ في الفصل الثاني والعشرين، فلا يُبحث هنا. ومن عدّ هذا هروبًا فله وجهٌ ظاهر، ولا أنكر عليه.
فأين تقف أنت؟ إن كان هذا ما أخرجك، فالذي في يدك الآن ثلاثة، وهي قليلٌ ولا أدّعي أنّه كثير:
- أن تكتب النصَّ بعينه: لا «في الكتاب ظلم»، بل موضعَه ولفظَه؛ فالتهمةُ العامّةُ لا تُجاب، والموضعُ المعيَّن يُجاب.
- أن تسأل عن سياقه، أي ما قبله وما بعده، وفي أيّ حالٍ ورد. واسأل عنه من يعرف البابَ، ويقول «لا أعرف» حين لا يعرف، ولا يُفزَع، على ما مرّ في الفصل الثالث والعشرين. فقد تجد أنّ «فُهم على غير وجهه» يصدق في موضعك، وقد تجد أنّه لا يصدق.
- أن تعلم أنّ وقوفك عند هذا الاعتراض ليس نفاقًا ولا ضعفَ عقل؛ فالجوابُ العامّ عنه لم أحسمه أنا أيضًا.
٧. الفصلُ النهائيّ بين دعاوى الوحي — لم يبلغه أهلُ الاختصاص أنفسُهم
الميزانُ الذي أعطيتُك — المعاييرُ الخمسة — أكثرُه يُسقط ولا يرفع. وأمّا الفصلُ النهائيّ بين دعاوى الوحي المتنافسة، فلم يستقرّ عند المشتغلين بفلسفة الدين أنفسِهم. فألستون، وهو من أقوى من دافع عن التجربة الدينيّة حجّةً، يعدّه صعوبةً حقيقيّةً في موقفه هو لا في موقف خصمه. وجوابُه عنها أنّ الثباتَ على طريقته في الاعتقاد عقلانيّ، لأنّه لا توجد أرضٌ محايدةٌ يُفصَل عليها. وهو جوابٌ يحفظ صاحبَه ولا يفرز الدعاوى، ويسوّغ لكلّ صاحب طريقةٍ ما يسوّغه له. فمن قدّم لك ميزانًا يفرز الدعاوى في صفحةٍ واحدة، فقد وعدك بما لم يبلغه المشتغلون بها طوالَ أعمارهم. وهذا خبرٌ عن ميدانهم، لا حكمٌ على المسألة. فللنظر في دعاوى النبوّة بابٌ محرَّرٌ عند علماء المسلمين: ما يُشترط في المعجزة، والفرقُ بينها وبين ما يشبهها من سحرٍ وكهانة. ومن كتبه «أعلام النبوّة» للماورديّ، و«دلائل النبوّة» للبيهقيّ. ولم أدخل هذا البابَ في هذا الكتاب، فتركُه تركُ موضوعٍ لا حكمٌ عليه.
فما فائدةُ الميزان إذن؟ أن يُسقط عنك ما لا يستحقّ وقتَك، ويُبقي أمامك القليلَ الذي يستحقّ أن تُنفق فيه سنة. وأن تعرف في أيّ الأسئلة أنت، بدل أن تدور في «أُصدّق أو لا أُصدّق». ولا يلزمك أن تفرغ منه اليوم، ولا هذا العام.
فماذا يبقى في يدك؟ — لا برهانَ مُلزِمًا، وميزانٌ، وسبعةٌ لم تُحسم
فالذي أقوله بأمانة: لا برهانَ يُلزم كلَّ عاقل، بالمعنى الذي مرّ في الفصل الحادي والعشرين في كلام أوبي. وليس هذا قولًا بأنّه لا دليل. فأن يكون الدليلُ قاطعًا في نفسه شيء، وأن تُلزم به من منع مقدّمتَه شيءٌ آخر. وعند أهل السنّة أنّ وجودَ الله معلومٌ يقينًا، وأنّ الإيمانَ به علمٌ لا ظنٌّ راجح. وقد صاغ علماءُ الكلام ذلك دليلًا: أنّ العالَمَ حادثٌ، ولا بدّ للحادث من مُحدِث؛ وصاغه من جاء بعدهم بالإمكان: أنّ ما جاز وجودُه وعدمُه فلا بدّ له من واجبٍ أوجده. فالذي ليس في يدي إلزامُ من منع هذه المقدّمات، لا نفيُ الدليل عليها.
وأمّا الترجيحُ فدعوى ثانية، ولا تُسلَّم لمجرّد أنّ الأولى قد حُسمت. فمن ادّعاه لزمه أن يسمّي الدليلَ الذي نسبتُه فوق الواحد، وأن يعرض حسابَه. وقد سمّيتُ في الجدول ما عندي تقديرًا لا حسابًا، ولا أُلزم به أحدًا. وأقصى ما بلغته طريقةُ الترجيح بالاحتمالات مصرَّحٌ به عند صاحبها في كتابه عن وجود الله: أنّ وجودَ الله أرجحُ من نقيضه، أي أنّ احتمالَه أكبرُ من النصف. ولا يُضاف إليه «بقليل» ولا «رجحانٌ ساحق»، لأنّ صاحبَه ينصّ على أنّ القيمَ العدديّةَ الدقيقة لا تمكن. وهو موضعُ نزاعٍ لا مسلَّمة. فمن قرأ منّي «ترجيحًا» فليقرأه بهذا القدر، ولا يزد عليه.
فالذي أقوله ثلاثة، لا أكثر:
- أنّ دعوى «خلق ثمّ صمت» — المثبِتةَ لا المتوقّفة — تُسأل عن سندها كما أُسأل أنا؛ وأمّا المتوقّفُ فلا أُلزمه شيئًا.
- أنّ في يدك ميزانًا تزن به ما شئت، بما في ذلك كلامي، وأكثرُه يُسقط ولا يرفع، وقد رأيتَ كيف يُمسَك في تدريبٍ على دعوى غيرِ دينيّة.
- أنّ ما لم يُحسم سبعةُ مواضع عددتُها بأسمائها، وفيها ما هو أثقلُ عليّ منه على خصومي.
ولستُ أملك أن أحملك على الاقتناع، ولا أن أحكم عليك؛ وإنّما أعرض ما عندي وأدعوك أن تنظر فيه. وإن بقيتَ على شكّك فالمسألةُ أكبرُ من أن تُقطع في مجلس. وأن يعرف الرجلُ أين ينتهي علمُه ليس نقصًا في العلم. بل هو شرطٌ لأن يُصدَّق فيما يعلم، لا دليلٌ على أنّه مصيب. وبين الأمرين فرق.