Skip to content

قبل أن تبدأ

هذا الكتابُ لن يُقنعك رغمًا عنك.

فلا كتابَ يُقنع أحدًا رغمًا عنه. وغايةُ ما يصنعه كتابٌ صادقٌ أن يضع بين يديك المسألةَ كلَّها، ما لنا فيها وما علينا، ثمّ يتركك تحكم بعقلك.

ولعلّك تتوقّع كتابًا آخرَ في الردّ على الملحدين: يبدأ بآيةٍ يحتجّ بها عليك قبل أن تؤمن بها، وينتهي بتهديد، وبينهما خصمٌ ضعيفٌ مصنوعٌ يُهزَم في سطرين. ولو كان هذا الكتابُ كذلك لما كتبتُه.

وهذا الصنفُ من الكتب يخسر قارئَه في صفحاته الأولى. لا لأنّ الحقَّ ضعيف، بل لأنّ الكاتبَ يقع في واحدٍ من ثلاثة أخطاء، يكفي أيُّها لإسقاط الكتاب كلِّه. وهذه الثلاثةُ لن تجدها هنا.

أوّلًا: لن أستدلّ عليك بما لا تؤمن به

من الكتّاب من يفتح بابَه بآيةٍ ليُثبت وجودَ الله لمن لا يؤمن بالقرآن أصلًا. ويسمّي أهلُ المنطق هذا «المصادرةَ على المطلوب»: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك، ثمّ تفرح بأنّها خرجت في آخره.

ومثالُها رجلٌ يطالبك بدَينٍ لا تعرفه، فتسأله: أين البيّنة؟ فيأتيك بشاهدٍ من عنده، فتسأل: ومن يزكّي شاهدك؟ فيقول: أنا. فالشاهدُ قد يكون صادقًا في نفسه، ولكنّه لا يفصل بينكما ما دام طريقُك إليه هو المدّعي وحدَه. والعيبُ ليس في الشاهد، بل في أن يُبدأ بما لم تُسلّم به بعد.

لذلك لا تجد في أبواب الحِجاج من هذا الكتاب آيةً ولا حديثًا مسوقًا دليلًا على وجود الله. وليس هذا قدحًا في دلالة القرآن؛ فالقرآنُ نفسُه يحاجّ المنكِر بالخلق والنشأة لا بمجرّد الخبر، وإنّما المتروكُ أن أُلزمك بسلطة النصّ قبل أن تُقرّ بها. وللقرآن بابٌ خاصٌّ بعد أبواب الحِجاج، يُطرح فيه سؤالٌ لا يُطرح إلا بعد الأوّل: هل تكلّم اللهُ حقًّا؟ وهناك تجد آياتِ الكون في القرآن: ما تقوله بنصّها وتفسيرها، وما يُنسب إليها اليوم، وما يصمد من هذا المنسوب عند الفحص وما لا يصمد.

ثانيًا: لن أُضعف خصمي لأغلبه

من الكتّاب من يعرض اعتراضَ الملحد بأضعف صورةٍ يجدها، ثمّ يهدمها ويحتفل. ويسمّون هذا «رجلَ القشّ»: دميةً تُصنع على هيئة الخصم لتُضرب بدلًا منه. ومن هزم دميةً صنعها بيده لم يهزم أحدًا.

أمّا هنا فكلُّ اعتراضٍ مكتوبٌ بأقوى صيغةٍ يعرفها أصحابُه، كما كتبه أقوى من دافع عن الإلحاد من الفلاسفة في القرن الأخير: غراهام أوبي، وج. ل. ماكي، وويليام رو، وبول درابر، وج. ل. شيلينبرغ. وأنقل حججهم عن كتبهم هم، لا عمّن يردّ عليهم. وستجدني أقول في مواضعَ: هذا اعتراضٌ قويّ، وهذا أقصى ما عندي في جوابه. والحدُّ ههنا حدُّ جوابي أنا لا حدُّ المسألة؛ فعجزُ الناصر لا يدلّ على بطلان المنصور.

ثالثًا: لن أدّعي أنّي حسمتُ كلَّ شيء

وهذا أخطرُ الثلاثة، لأنّ ضررَه يتأخّر. يقرأ القارئُ فيُعجَب، ثمّ يبلغ موضعًا يعرف هو أنّ المسألةَ فيه أعقدُ ممّا قيل له، فيسقط الكتابُ عنده كلُّه لا تلك الصفحةُ وحدَها. ومن ادّعى اليقينَ في عشرين موضعًا وصدق في تسعةَ عشر، خسر بالموضع الواحد ولم يربح بالتسعةَ عشر.

لذلك لكلّ سؤالٍ في هذا الكتاب جوابُه في موضعه. فإن كان الجوابُ حاسمًا قلتُه حاسمًا، وإن لم يكن قلتُ ذلك صراحةً، ثمّ قلتُ لك أين تقف: ما الذي يترجّح، ولماذا، وما الذي يبقى مفتوحًا. فلا يبقى سؤالٌ معلَّقًا، ولا جوابٌ يلبس ثوبَ يقينٍ ليس له.


والحقُّ لا يحتاج رقمًا مغلوطًا

ستجد في هذا الكتاب حججًا مشهورةً يتداولها المدافعون عن الإيمان، وهي على غير ما يُقال. من ذلك رقمان يتردّدان كثيرًا في المقالات العربية عن «ضبط الكون»: رقمٌ يُنسب إلى الفيزيائيّ ستيفن واينبرغ، وآخرُ إلى الرياضيّ روجر بنروز. وكلاهما يُنقل على غير وجهه، ولم يسقه صاحبُه دليلًا على خالق. وتجد بيانَ ذلك في فصل «هل ضُبط الكونُ ضبطًا دقيقًا لتقوم الحياة؟».

وأقول لك هذا قبل أن يقوله خصمُك، لأنّ الحجّةَ التي تقوم على رقمٍ منقولٍ خطأً تسقط يومَ يُكتشف الخطأ، وتُسقط معها ثقتَك في كلّ ما سواها. والحقُّ لا يحتاج رقمًا مغلوطًا ينصره.


سؤالٌ يسبق كلَّ دليل

لماذا يترك الناسُ دينهم فعلًا؟

كثيرًا ما يبدأ الطريقُ بحادثةٍ لا بحجّة: ألمٌ لم يجد صاحبُه له تفسيرًا، أو إنسانٌ خلط سلطتَه بسلطة الله فنفّر منها، أو سؤالٌ قُمع في الصغر فتعلّم صاحبُه أمرين معًا: أنّ سؤاله خطر، وأنّ من أسكته لا يملك الجواب. ثمّ يأتي العقلُ بعد ذلك ليؤيّد ما استقرّ في القلب. وبعضُ الناس يبدأ بالحجّة فعلًا، ولهم في الكتاب بابُهم.

وليست هذه تهمةً لك. فما وراء الحجّة يعمل فينا جميعًا: المؤمنُ في طريقه إلى إيمانه كالتارك في طريقه إلى تركه. والقاعدةُ التي لا تصدق على الطرفين ليست قاعدة. وهذا وصفٌ للباعث لا حكمٌ على الدليل: فالطريقُ الذي جاء منه المرءُ شيء، وصحّةُ ما انتهى إليه شيءٌ آخر لا يُعرف إلا بالنظر في دليله.

فإن كان شكُّك بدأ من ألم، فاعلم أنّك قد تقرأ ألفَ برهانٍ فلا يتحرّك فيك شيء. لا لأنّ البراهين ضعيفة، بل لأنّ الدواءَ وُضع في غير موضع الداء. ومن داوى جرحًا ببرهانٍ كمن جبر كسرًا بموعظة. ولذلك كان أوّلُ أبواب هذا الكتاب لهذا وحدَه.


ميزانٌ تزن به هذا الكتابَ قبل غيره

في الفصل الثاني والعشرين خمسةُ معاييرَ تختبر بها أيَّ دعوى بأنّ كتابًا ما وحيٌ من الله. وهي ميزانُ نظرٍ في الدعوى، لا حُكمٌ مُبيَّتٌ على كتاب. وقد وضعتُها في بابها ميزانًا عامًّا، ولم أُجرِها هناك على دينٍ بعينه، لأنّي أريد أن أعطيك الميزانَ لا النتيجة.

وأزيدك: زِنْ بها كلامي أنا. فإن سقط شيءٌ ممّا كتبتُ في ميزانٍ أعطيتُك إيّاه بيدي، فقد سقط بحقّ، ولا أملك أن أعترض.


ولسانٌ واحدٌ لقارئين

وهذا حدٌّ أقوله لك قبل أن تبدأ: هذا الكتابُ يخاطب قارئين لا قارئًا واحدًا — من خرج من الدين، ومن يكتب عنه بلا تدقيق. ولسانٌ واحدٌ لا يسع الاثنين على السواء: فما يحتاجه الثاني من ضبطٍ ونسبةٍ وحدود قد يثقل على الأوّل، وما يريح الأوّلَ قد يراه الثاني تبسيطًا. والنبرةُ تصل إلى القارئ قبل المضمون، ومن اعتاد قراءةَ هذه المسائل بالإنجليزيّة قد يجدها هناك أيسر. فهذا حدُّ الكتاب، أقوله ولا أزعم أنّي تجاوزتُه.


ولك أن تُغلقه

إن بلغتَ بابًا فوجدتَه لا يخاطبك، أو وجدتَ نفسَك تقرأ لتردّ لا لتفهم، فأغلِقه. لا يلزمك أن تُكمل، ولستُ أُحصي عليك.

ولن أختم بتخويفٍ منّي. فالتخويفُ في هذا الموضع لا يليق، وإقرارٌ يُنتزع بتهديدِ بشرٍ سكوتٌ في صورة كلام، لا يُخبرني عن صاحبه بشيء. وليس في الكتاب موضعٌ أُقيم فيه التخويفُ مقامَ الحجّة. وأمّا إنذارُ الوحي فحقٌّ في موضعه.

وأقصى ما أطلبه منك أن تُبقي البابَ مفتوحًا. لا أن تقتنع، ولا أن تُقرّ، ولا أن ترجع. أن تُبقيه مفتوحًا فقط.


وإن وجدتَ خطأً

في آخر الموقع بابٌ تكتب فيه، وكلُّ خطأٍ يثبت يُصحَّح. فكتابٌ في مسألةٍ كهذه لا يستحقّ أن يُقرأ إلا إذا كان له وجهٌ يسقط منه.

ولا يدّعي هذا الكتابُ أنّه اكتشف ما لم يُكتشف. فضلُه، إن كان له فضل، في الجمع والتحقيق والأمانة في النقل. وشرطُه الذي لا يتنازل عنه ألّا تدخله دعوى لم تُقابَل على مصدرها؛ وما لم يُتحقَّق من مراجعه مكتوبٌ عنده «لم يُتحقَّق»، بدل رقمٍ يفتحه القارئُ فلا يجد.

وهذه دعوى تُختبر لا تُصدَّق: افتح أيَّ مرجعٍ في الكتاب، وانظر أيوافق وصفُنا له ما فيه. فإن وجدتَ خلافَ ذلك فاكتب إلينا.