Skip to content

١٦. لو وُلدتُ في الهند لكنتُ هندوسيًّا — أفليس الدينُ وراثة؟

السؤال: لو وُلدتُ في مدراس لكنتُ هندوسيًّا الآن، ولو وُلدتُ في أوسلو لكنتُ لادينيًّا. فأيُّ قيمةٍ لاعتقادٍ سلّمه إليّ مكانُ ولادتي؟

الجوابُ في سطرين: مكانُ ولادتك يفسّر كيف وصلك الاعتقاد، ولا يحكم أصادقٌ هو أم كاذب. لكنّ هذا الجوابَ وحدَه لا يكفي. فأقوى صور الاعتراض ليست في المكان، بل في الطريق الذي أوصلك: أنّ هذا الطريقَ ما كان ليعطيك غيرَ ما أعطاك، صدق الدينُ أو كذب. وعن هذه الصورة ثلاثةُ أجوبة، وليس فيها جوابٌ حاسم. الأوّل أنّ الحجّةَ بصيغتها العامّة تصيب كلَّ اعتقادٍ عند صاحبها نفسِه. والثاني أنّها تصيب من لم يفحص اعتقادَه، لا من فحصه. والثالث أنّ الأديانَ لا تتساوى في قابليّتها للفحص. والثاني أنفعُها وأبعدُها مدًى، وإن لم يكن حاسمًا. أمّا الأوّلُ والثالثُ فدونه في القوّة.

أوّلًا: «إنّما تعتقده لأنّك نشأتَ عليه» — ومصدرُ الاعتقاد غيرُ صدقه

الصيغةُ المتداولةُ للاعتراض هي: «إنّما تعتقد هذا لأنّك نشأتَ فيه». وجوابُها معروفٌ في سطرٍ واحد: الطريقُ الذي وصلتك منه فكرةٌ لا يحكم على صدقها. من تعلّم جدولَ الضرب في مدرسةٍ حكوميّةٍ بائسة، لم يصر حاصلُ سبعةٍ في ثمانيةٍ عنده خاطئًا. ومن تعلّم الإنجليزيّةَ لأنّ أباه هاجر إلى بلدٍ يتكلّمها، لم تصر جملُه ركيكةً بسبب ذلك. فالطريقُ إلى المعلومة شيء، وميزانُها شيءٌ آخر.

ويسمّي أهلُ المنطق الخلطَ بينهما «مغالطةَ التكوين»: أن تحكم على فكرةٍ بالصدق أو الكذب من طريق نشأتها، لا من الدليل عليها. ويقع فيها الطرفان بالتساوي. فمن قال: «العلمُ فسّر كيف ينشأ الاعتقادُ الدينيُّ في الدماغ، فبطل الدين» وقع فيها. ومن قال: «العلمُ أثبت أنّ الميلَ إلى الاعتقاد فطريٌّ في الإنسان، فثبت الدين» وقع فيها بعينها.

وهناك تفسيراتٌ معروفةٌ لنشأة التديّن، أي تشرح كيف ظهر الاعتقادُ الدينيُّ في الإنسان، وكيف ثبت وانتشر. ومنها كتابٌ مشروعُه أن يفسّر هذه النشأة، لا أن يحكم أصادقٌ ما يعتقده الناسُ أم كاذب 1.

وحدُّ هذه الإحالة: هذا وصفٌ لموضوع الكتاب كما يظهر من فهرسه ومن مسار فصوله. وليس نقلًا لتصريحٍ فيه أستطيع أن أدلّك على صفحته. ومن طلب منّي سطرًا بعينه يقول فيه صاحبُه ذلك، فليس عندي.

والصيغةُ المتداولةُ التي مرّت أضعفُ صور الاعتراض. ومن ردّ عليها وحدَها فقد هزم «رجلَ القشّ»: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه. وللاعتراض صورةٌ أقوى بكثير.

ثانيًا: الصيغةُ القويّة — طريقٌ ما كان ليعطيك غيرَ ما أعطاك

الصيغةُ الجادّةُ للاعتراض لا تتكلّم عن المكان، بل عن الطريق الذي أوصلك إلى اعتقادك. وأوضحُ من حلّلها وبيّن أجزاءها الفيلسوفُ روجر وايت، وهو من المشتغلين بـ«نظريّة المعرفة»، أي بالسؤال: متى يحقّ لنا أن نقول إنّنا نعرف؟ ووايت من الذين يردّون هذه الحجّة، لا من أصحابها 2.

تخيّل ميزانَ حرارةٍ في صيدليّةٍ عالقًا عند سبعةٍ وثلاثين. تقيس به حرارةَ رجلٍ سليمٍ فيصدق، وتقيس به حرارةَ محمومٍ فيكذب، وأنت لا تعرف. والعطبُ فيه ليس أنّه أخطأ مرّة، بل أنّ قراءتَه لا تتغيّر بتغيّر الحقيقة. فهو لا ينقل إليك عنها شيئًا أصلًا، ولا يهمّ بعد ذلك أصادف الصوابَ أم لم يصادفه.

فالاعتراضُ في صورته القويّة يقول: الطريقُ الذي أوصلك إلى دينك، أي نشأتُك وأسرتُك ولغتُك، كان سيعطيك اليقينَ نفسَه لو كان الدينُ باطلًا. فإن كان كذلك، فقراءتُه لا تحمل إليك خبرًا، كقراءة الميزان العالق. ويسمّي المشتغلون بنظريّة المعرفة هذا النوعَ «دليلًا من الدرجة الثانية». فهو لا يقول إنّ اعتقادَك كاذب، بل يقول إنّ ما استندتَ إليه لا يصلح أن يُستند إليه. ولذلك هو أخطر. فالدليلُ من الدرجة الأولى هو الدليلُ على المسألة نفسِها، وأنت تقابله بدليلٍ مثله. أمّا هذا فيطعن في الأداة التي تقابل بها.

والأمانةُ أن يُقال: وايت نفسُه لا ينتهي إلى أنّ الاعتقادَ الدينيَّ باطل، بل إلى أنّ هذا الصنفَ من الحجج أصعبُ نجاحًا ممّا يُظنّ، وأنّه يصيب أطرافَ النزاع جميعًا. فلا يُنقل عنه ما لم يقله، ولا يُقدَّم ناقدُ الحجّة على أنّه صاحبُها.

وصيغتان أقوى: «التفسيرُ التامّ يُغني عن الصدق»، و«الأديانُ تتناقض واللادينيّةُ لا تتناقض»

وللاعتراض صيغتان أشدُّ من هذه، وهما اللتان يجب أن يُجاب عنهما لا غيرُهما.

الأولى: التفسيرُ التامّ يُغني عن الصدق. ليست الدعوى هنا: «أصلُه فاسدٌ فهو باطل»، فتلك مغالطةُ التكوين وقد سقطت. الدعوى هي هذه: افترض أنّ تفسيرًا لنشأة الاعتقاد شرح كيف يظهر في الناس، وكيف يثبت فيهم، وكيف ينتشر بينهم. وافترض أنّ شرحَه تامٌّ، لا يحتاج في خطوةٍ واحدةٍ منه إلى أن يكون المعتقَدُ صادقًا. فالصدقُ حينئذٍ زائدٌ في الشرح، لا يضيف إليه شيئًا. ومن أراد أن يُثبته احتاج إلى دليلٍ آخرَ غيرِ أنّ الناسَ يعتقدونه.

والثانية: التنوّعُ ليس متماثلًا. يقول صاحبُها: إذا قلتَ لي «طريقُك يصيبك كما يصيبني» فقد افترضتَ تماثلًا لا وجودَ له. فعدمُ الاعتقاد موقفٌ واحد، أمّا الاعتقادُ فينقسم إلى آلافٍ يكذّب بعضُها بعضًا، ولا يمكن أن تصحّ جميعًا. فالطريقُ الدينيُّ يُخرج نتائجَ متناقضة، تتبع موضعَ صاحبها على الخريطة. وواحدةٌ منها على الأكثر صادقة. فما الذي يميّز نصيبَك أنت منها؟ لا شيءَ إلّا الطريقُ المتّهمُ نفسُه.

وخذ هذه الصيغةَ في مثالٍ من هاتفك: تطبيقٌ تسأله سؤالًا جوابُه الصحيحُ واحدٌ في كلّ مكان، كأن تسأله: من بنى الأهرام؟ فيجيبك في القاهرة بجواب، وفي دلهي بجوابٍ يناقضه، وفي أوسلو بجوابٍ ثالث. والتطبيقُ واحد، وجوابُه يتبع البلدَ الذي أنت فيه، لا الأهرامَ نفسَها. أمّا من يقول «لا أعرف من بناها» فجوابُه واحدٌ في كلّ بلد. فإن كان الجوابُ الذي ظهر على هاتفك أنت هو الصحيح، فما الذي يميّزه عن غيره؟ لا شيءَ إلّا التطبيقُ المتّهمُ نفسُه.

وهاتان الصيغتان أثقلُ ممّا سبق، ولا أدّعي أنّي أحسمهما هنا.

أمّا الأولى فجوابُها ليس هنا. فهي في حقيقتها دعوى أنّ الدينَ مفسَّرٌ تفسيرًا كاملًا بغير الله، وذاك سؤالُ الوجود نفسُه بصيغةٍ أخرى. وموضعُه مع ما بقي مفتوحًا في آخر الفصل العشرين.

وأمّا الثانية فهي التي يصلح فيها الجوابُ الثاني وحدَه، ولا يصلح فيها الأوّل. وأقولها صريحةً: من ساق هذه الصيغةَ الثانية فقد ساق أقوى ما في المسألة، ولستُ أزعم أنّي فرغتُ منها. وما أملكه فيها أقلُّ من حسمٍ وأكثرُ من لا شيء. على أنّ شطرًا منها يسقط بما لا نزاعَ فيه. فمقدّمتُها أنّ الجهةَ المقابلة تخرج بجوابٍ واحدٍ أينما كان صاحبُه، وليس كذلك: من ينفي الوجودَ غيرُ من يقف فلا ينفي ولا يثبت، وهما جوابان مختلفان عن سؤالٍ واحد، وقسمتُهما على البلدان والأساتذة كقسمة ما سواهما. ثمّ إنّ النفيَ دعوى يُطالَب صاحبُها بالدليل عليها كما يُطالَب المثبت، لا موقفًا محايدًا يُعفى منه. فالذي يبقى منها تفاوتٌ في مقدار التشعّب، لا انفرادُ جهةٍ باتّساقٍ تامّ. وهو على ضيقه باقٍ.

ثالثًا: الجوابُ الأوّل — الحجّةُ بصيغتها العامّة تصيب صاحبَها، وحدُّ ذلك

خذ شابًّا وُلد في ستوكهولم لأبوين لادينيّين، ودرس في مدرسةٍ تعامل الدينَ على أنّه أثرٌ من آثار التاريخ، وأصحابُه كلُّهم يرون التديّنَ سذاجة. طريقُه هو الطريقُ نفسُه: لو كان في الوجود إلهٌ لبقي اعتقادُه هو هو، لا يتغيّر.

ولستُ أسوق هذا لأُلزمك بشيء. فإن قلتَ لخصمك إنّ حجّتَه تصيبه كما تصيبك، فهذا ردٌّ يسمّى «المعارضةَ بالمثل». وهو لا يُثبت دعوى. وإنّما أسوقه لأبيّن شيئًا في الحجّة بصيغتها العامّة التي تُقال في المجالس: أنّها تُثبت أكثرَ ممّا يريده صاحبُها. فإن أبطلت اعتقادي أبطلت اعتقادَه، وأبطلت معهما ذوقَه في الموسيقى، ولغتَه، وميلَه السياسيّ، وثقتَه بمعلّمه الأوّل. وما أبطل كلَّ شيءٍ لم يُبطل شيئًا.

وحدُّ هذا الجواب ضيّق، وهو أقلُّ ممّا يُظنّ به: فهو لا يردّ الصيغةَ الثانية التي مرّت قبل قليل. فمن قال لي: «طريقُك يُخرج نتائجَ يناقض بعضُها بعضًا، وطريقي لا يفعل ذلك»، فقد فرّق تفريقًا حقيقيًّا، والمعارضةُ بالمثل لا تمسّه. ولا يصلح جوابٌ في غير موضعه، وإن كان مريحًا.

وهذا الجوابُ لا يُثبت أنّ دينَك حقّ. غايتُه أن يُخرج «مكانَ الولادة» وحدَه من ميزان الحقيقة، فيعود السؤالُ إلى موضعه: ما الأدلّة؟

رابعًا: الجوابُ الثاني — أن تفحص بميزانٍ لم يخرج من المصنع نفسِه

عُد إلى ميزان الحرارة. لو كان في درجك ميزانٌ ثانٍ، فقِستَ به فوافق الأوّل، لخفّ ثقلُ السؤال عن الأوّل ومن أين جاء. وهنا يأتي الاعتراضُ الحقيقيّ، وهو في محلّه: من أين جاءك الميزانُ الثاني؟ وانظر في معاييرك في الاستدلال، وفيما تعدّه دليلًا، وفيمن تثق بعلمه، وفي أيّ الاعتراضات يبلغك أصلًا. فإن كانت هذه كلُّها قد وصلتك من الطريق الأوّل نفسِه، فأنت تختبر الميزانَ بأخيه. وقراءتاهما تتّفقان لأنّهما خرجا من مصنعٍ واحد.

فالفحصُ لا ينفعك إلّا بقدر ما يستقلّ عن المصدر الذي جاءك منه اعتقادُك. وهذا الاستقلالُ عملٌ له علاماتٌ تُرى:

  • أن تُجري المعيارَ على دعواك كما تُجريه على نقيضها.
  • أن تقرأ أقوى ما قاله المخالفُ من كتبه هو، لا من ردود أصحابك عليه.
  • أن تعرف مقدَّمًا أيُّ نتيجةٍ كانت ستغيّر رأيك؛ فمن لا يعرف ذلك لم يفحص، وإن قرأ ألفَ صفحة.

وخذ مثالًا: شابٌّ نشأ على الإسلام، وقيل له إنّ كتابَه محفوظٌ حرفًا بحرف. ففحصُه أن يفعل أربعةَ أشياءَ بعينها:

  • أن يذهب إلى صور المخطوطات المبكّرة المنشورة، لا إلى كتابٍ يخبره عنها.
  • وأن يقرأ أقوى ما كتبه من طعن في هذا الحفظ، من كتاب الطاعن نفسِه، لا من ردٍّ عليه.
  • وأن يقرأ في المقابل كيف انتقلت نصوصٌ قديمةٌ أخرى، دينيّةٌ وغيرُ دينيّة، فيسأل في كلٍّ منها عن طريق النقل لا عن الحكم عليها: أبالمخطوط وحدَه، أم بسندٍ يسمّي ناقليه، أم بتلقٍّ مشافهةً عن جمعٍ عن جمع؟ فمقارنةُ الطرق هي التي تعطي الكلمةَ معناها.
  • وأن يكتب قبل أن يبدأ: «لو وجدتُ نسخًا مبكّرةً تختلف اختلافًا يغيّر الأحكامَ والأخبار، لغيّرتُ رأيي».

فمن كتب هذا السطرَ قبل بحثه، ثمّ بحث، فقد باعد بين الميزانين مباعدةً يُعتدّ بها، ولو كان قد ورث الميزانَ الأوّلَ من أبيه. ولا أقول إنّه ملك ميزانًا ثانيًا تامًّا، فذاك ما لا يبلغه أحد. ومن قرأ عشرين كتابًا كلُّها من جهةٍ واحدة، ولا يعرف ما الذي كان سيغيّر رأيه، فقد اختبر الميزانَ بأخيه، وإن سمّى ذلك بحثًا.

والاستقلالُ التامّ لا يبلغه أحد، لا أنا ولا أنت، لا في الدين ولا في السياسة ولا في الذوق. وليس المطلوبُ أن يكون تامًّا، بل أن يكون بين الميزانين فرقٌ يُعتدّ به. وهذا مبلغُ الجواب، ولا أزيده على قدره.

وهنا مربطُ المسألة: الاعتراضُ صحيحٌ تمامًا في حقّ من لم يفحص شيئًا قطّ. فمن ورث الاعتقادَ ولم يسأله سؤالًا واحدًا، فحالُه في هذا حالُ من ورث نقيضَه ولم يسأله. وهذا يقع في الفريقين، ولا أدّعي عدًّا في واحدٍ منهما. وأقولها بلا تجميل: في المتديّنين من لم يفحص، وفي التاركين من لم يفحص، والفريقان يتراشقان باتّهامٍ واحدٍ يصدق على من لم يفحص من الجهتين.

فليس الجوابُ أن تنكر أثرَ المكان، فأثرُه واقعةٌ لا تُنكر. بل الجوابُ أن تعمل عملَ من عنده ميزانٌ ثانٍ، بالعلامات الثلاث التي مرّت، لا بدعوى تُقال بلا عمل.

خامسًا: الجوابُ الثالث — الأديانُ لا تتساوى في قابليّتها للفحص، وهو أضعفُ الثلاثة

يُقال أحيانًا: «كلُّها دعاوى متساوية». وهذه دعوى تُقال ولا تُفحص. والفحصُ ممكنٌ في بعض الوجوه، لا فيها كلِّها:

ما يُسأل عنهكيف يُفحصماذا يقول لو صحّ
سلامةُ النصّأموجودٌ باللغة التي قيل بها أوّلَ مرّة، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ وهل له سندٌ محفوظٌ يصله بمن قاله؟يُثبت أنّ الذي بين يديك هو الذي قيل — ولا يُثبت أنّه صادق
اتّساقُ التصوّرأفي وصف الإله تناقض؟يُسقط ما تناقض — ولا يرجّح بين ما اتّسق
قابليّةُ التكذيبأيقدّم دعاوى محدّدةَ الصياغة، لو كانت كاذبةً لأمكن أن يظهر كذبُها؟يجعله قابلًا للاختبار — ولا يجعله ناجحًا فيه

والسندُ سلسلةُ من نقلوا النصَّ واحدًا عن واحد. وقابليّةُ التكذيب أن تكون الدعوى مصوغةً صياغةً واضحة، بحيث لو كانت كاذبةً لأمكن أن نعرف كذبَها.

ومثالُ المعيار الثالث: دعوى «هذا النصُّ محفوظٌ بلفظه» دعوى قابلةٌ للتكذيب، فهي تُقابَل على المخطوطات، ولو خرجت نسخةٌ مبكّرةٌ تخالف في الأحكام والأخبار لسقطت. وفي المقابل دعوى «في هذا النصّ إعجازٌ عدديّ»، أي تناسقٌ في أعداد ألفاظه لا يقدر عليه بشر. وهذه الدعوى لا تُختبر أصلًا ما لم تُحدَّد صيغتُها: أيُّ لفظٍ يُعدّ، وأيُّ اشتقاقٍ يدخل في العدّ. ومن عدّ فخالفه العدُّ، ثمّ أعاد صياغةَ دعواه حتى توافق، فقد أخرجها من الاختبار بيده. وكلامٌ لا يمكن أن يظهر كذبُه لا يمكن أن يظهر صدقُه كذلك. وهذا يقع عندنا كثيرًا، وأنا أعرفه من كتاباتنا لا من كتابات غيرنا.

ولا أُجري هذه المعاييرَ هنا عليك ولا على غيري. الذي أقوله إنّ وجودَها يكسر التسويةَ بين الدعاوى، لا بين الأشخاص. فالدعوى التي تعرض نفسَها للفحص ليست في منزلة دعوى تمتنع منه، سواءٌ نجحت فيه أم سقطت. أمّا صاحبُ الدعوى فلا يُخرجه من حكم «كلٌّ نشأ على ما وجد» إلّا أن يفحص بالفعل. فقابليّةُ الفحص لا تُغني عن الفحص، كما لا يُغني وجودُ ميزانٍ ثانٍ في الدرج عن استعماله.

ثلاثةُ اعتراضاتٍ على الجدول: يجيب عن غير السؤال، ومعاييرُه مختارة، وأحدُها يخدم طرفًا

١. الجدولُ يجيب عن غير السؤال. الدعوى كانت أنّ الأديانَ تتساوى في الصدق، والجدولُ يكسر التساويَ في قابليّة الفحص. والجدولُ نفسُه يُقرّ بذلك في عموده الأخير ثلاثَ مرّات. فنصٌّ محفوظٌ حرفًا بحرفٍ وهو كاذب، ونصٌّ ضائعٌ وهو كاذب، كلاهما كاذب، ولا يفرّق الحفظُ بينهما في شيء. فما الذي انكسر إذن؟ شيءٌ واحدٌ لا أزيد عليه: أنّ قولَ «كلُّها سواء، فلا معنى للنظر» دعوى تمنع الفحصَ قبل أن يبدأ، والجدولُ يقول: بل هناك ما يُنظر فيه. وهذا يفتح البابَ ولا يمشي فيه، والفرقُ بين الأمرين كبير.

٢. والمعاييرُ الثلاثةُ اخترتُها أنا. ومن اختار غيرَها وصل إلى ترتيبٍ غيرِ ترتيبي. فمن جعل المعيارَ مضمونَ التعاليم الأخلاقيّ، أو قوّةَ الدين في تفسير العالم، أو أثرَه في أتباعه، حصل على جدولٍ آخر، وربّما انقلبت النتيجة. ولا أزعم أنّ معاييري هي المعاييرُ وحدَها، بل أزعم أنّها تُذكر وتُناقَش. ومن ردّها فعليه أن يضع بدلَها، لا أن يعود إلى «كلُّها سواء».

٣. و«سلامةُ النصّ» معيارٌ يُتّهم بأنّه اختير لأنّه يخدم طرفًا بعينه. وللتهمة وجه. وجوابي أنّه شرطٌ يسبق الدليل، وليس دليلًا. فمن لم يتحقّق عنده أنّ النصَّ الذي يناقشه هو النصُّ الذي قيل، فهو يناقش شيئًا لا يعرفه، لا له ولا عليه. فمنزلتُه منزلةُ التثبّت من هويّة الشاهد قبل سماع شهادته: لا يجعله صادقًا، لكنّه يجعل السؤالَ عن صدقه ممكنًا. ومن قال إنّ هذا المعيارَ يخدمني فهو محقّ، فهو يخدمني. لكنّه مخطئٌ إن ظنّ أنّي أخذتُ به لهذا السبب. وليس عندي ما أُثبت به نيّتي، فليأخذ المعيارَ بحجّته لا بي.

ولا أهوّن ثقلَ التعدّد. فقد دافع بعضُ المؤمنين عن التجربة الدينيّة بوصفها طريقًا إلى المعرفة. ومنهم من يُقرّ بأنّ تعدّدَ الأديان أصعبُ اعتراضٍ على موقفه، وأنّ جوابَه عنه ليس حاسمًا. ووجهُ الصعوبة عنده أنّ لأهل كلّ دينٍ طريقتَهم في بناء الاعتقاد من التجربة. وكلُّ طريقةٍ تبدو صحيحةً بمقاييسها هي بالقدر نفسِه، ثمّ تخرج نتائجُها متناقضة. وغايةُ ما عنده أنّ للمرء أن يمضي على طريقته حين لا يوجد حَكَمٌ محايدٌ يقبله الطرفان 3. وهذا هو بعينه الصيغةُ الثانية التي مرّت. فمن قال لك إنّ المسألةَ سهلة فقد أخفى عنك شيئًا.

وحدُّ هذه الأجوبة كلِّها: أنّها لا تقيم دليلًا على وجود الله، ولا على دينٍ بعينه. غايتُها أن تُزيح حجّةً من الطريق، لا أن تضع حجّةً مكانها. وفي المشتغلين بهذه المسائل من يقرّر أنّ حجج الطرفين جميعًا لا تُلزم الخصمَ العاقل. أي ليس فيها حجّةٌ تُجبر كلَّ عاقلٍ يخالفها على قبولها 4. وهو قولٌ يُذكر ولا يُخفى. على أنّ حكمَه في إلزام المنازع، لا في قيام الدليل في نفسه. والتعادلُ في الحجج ليس تعادلًا في الحقّ، ولا معناه أنّ ما قرّره أهلُ النظر في هذا الباب ساقط.

وأمّا سؤالُ «ولماذا الإسلامُ بعينه؟» فلا جوابَ له هنا، وأقول ذلك صريحًا. وتجده مع ما بقي مفتوحًا من هذه الأسئلة، مجموعًا في آخر الفصل العشرين.

فأين تقف أنت؟ الذي يترجّح أنّ مكانَ الولادة وحدَه لا يحكم على صدق شيء، وأنّ الاعتراضَ في صورته القويّة يصيب من ورث ولم يفحص، في أيّ جهةٍ كان. ويبقى مفتوحًا أثقلُ ما في الاعتراض: دعوى أنّ الأديانَ تتناقض وأنّ اللادينيّةَ لا تتناقض. وليس عندي فيه إلّا الجوابُ الثاني، أن تفحص فحصًا حقيقيًّا، وهو أقلُّ من حسم. والذي أعطيك منه الآن خطوةٌ واحدةٌ تصلح لأيّ دينٍ تنظر فيه: أجرِ عليه أسئلةَ الجدول الثلاثة. أموجودٌ نصُّه باللغة التي قيل بها، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ وهل له سندٌ يصله بمن قاله؟ أفي وصف إلهه تناقض؟ أيقدّم دعاوى محدّدةً يمكن أن يظهر كذبُها لو كانت كاذبة؟ وأوّلُ ما تُجريها عليه دينُك أنت. فمن أجراها فقد بدأ، ومن انتظر كتابًا يختار له فلن يبدأ.