٢٠. نصوصٌ يُستشكل ظاهرُها
السؤال: في النصوص ما لا تستسيغه نفسي: الرقُّ، وأحكامُ المرأة، والعقوبات، والقتال. فكيف يكون هذا من عند إلهٍ عادلٍ رحيم؟
الجوابُ في سطرين: لا أفصل لك هنا في مسألةٍ بعينها، ولا أملك ذلك. الذي أعطيك طريقةٌ في النظر، ومعها إقرارٌ صريح. ففي هذه المسائل خلافٌ حقيقيٌّ بين أهل الاختصاص. ومن زعم أنّ كلَّ إشكالٍ فيها يُحلّ بسطرٍ فقد وعدك بما لا يفي به. وأوّلُ موضعٍ تكتشف فيه ذلك يُسقط عندك كلَّ ما قاله.
أوّلًا: أربعةُ أشياءَ يخلطها السؤال — النصُّ، والفهمُ، والعُرف، والتطبيق
من اشتكى من «المستشفى» لم يُصلح شيئًا حتى يقول: أمِن الطبيب شكواه، أم من الممرّضة، أم من نظام التأمين، أم من موظّف الاستقبال؟ فهذه أربعُ جهاتٍ مختلفةٍ في المسؤوليّة وفي العلاج، وشكوى واحدةٌ تجمعها لا تصل إلى أحد.
وسؤالُك مركّبٌ مثلها من أربعة أشياء:
| ما هو | ومَن يُسأل عنه |
|---|---|
| نصٌّ مكتوب | يُقرأ بلغته وسياقه |
| فهمٌ لأهل العلم له | يُنسب إلى قائله ويُناقَش، وفيه خلافٌ لا إجماع |
| عُرفٌ التبس بالدين | يُفرز عنه، وأكثرُ ما يُشتكى منه من هذا |
| تطبيقُ دولةٍ أو جماعةٍ في زمن | يُحاسَب صاحبُه، ولا يلزم منه شيءٌ للنصّ |
والعُرفُ عادةٌ جرى عليها الناسُ في بلدٍ أو زمن، فظنّها بعضُهم دينًا. ومن لم يفصل بين هذه الأربعة أُجيب عن غير سؤاله، فخرج بأنّ الجوابَ مراوغة. وقد يكون محقًّا في ظنّه، لأنّ الخلطَ يقع من المُجيب كثيرًا.
ثانيًا: النصُّ غيرُ فهم الناس له — بشرط أن يُجرى ذلك في الجهتين
لائحةُ المرور مكتوبةٌ في كتاب، وسلوكُ الشرطيّ في الشارع شيءٌ آخر. والمخالفةُ بينهما واقعةٌ لا تُنكر، ولا تُثبت وحدَها أنّ اللائحةَ قالت ما فعله الشرطيّ.
ولهذا التفريق شرطٌ لا يصحّ بدونه: أن يُجرى في الجهتين. والسلفُ هم الأجيالُ الأولى من المسلمين. فمن قال «هذا فهمُهم لا النصّ» كلّما ضاق به الأمر، ثمّ احتجّ بفهم السلف حيث وافقه، فقد استعمل مسطرتين: قاس بمقياسٍ حين يضرّه، وبآخرَ حين ينفعه. وقراءةُ الناس للنصّ قرونًا داخلةٌ في السؤال، لا خارجةٌ عنه، وإن لم تكن هي النصّ.
ثالثًا: خبرٌ عن واقعةٍ، أم حكمٌ لكلّ زمان؟
في محضر لجنةٍ سطرٌ يقول: «قرّرت اللجنةُ إغلاقَ الشارع يومَ الجمعة». من قرأه بعد عشر سنين فأغلق الشارعَ كلَّ جمعة، فقد حوّل واقعةً إلى قاعدة. وبعضُ ما يُشنَّع به من نصوص القتال من هذا الباب: خبرٌ عن واقعةٍ بعينها، لها طرفاها وزمانُها.
وحدُّ هذا المثال ثقيل، لأنّه يشدّ إلى جهة المعترض لا إلى جهتي. فمحضرُ اللجنة وثيقةٌ بشريّةٌ مؤرّخةٌ لها ظرفُها. فإن كانت النصوصُ محاضرَ اجتماعات، فتلك خطوةٌ في طريق «هذا كتابُ زمانه»، لا في طريق «هذا كلامٌ فوق الزمان». فالمثالُ يُريك الفرقَ بين الخبر والحكم، ولا يُثبت أنّ في النصّ خبرًا وحكمًا. وهذه الدعوى الثانيةُ هي التي أحتاجها، والمثالُ لا يعطيها.
ولهذا المسلك حدٌّ من الجهة الأخرى: لا يصحّ عكسُه أيضًا. فمن ردّ كلَّ حكمٍ إلى واقعةٍ في التاريخ، لم يبقَ في النصّ عنده ما يقول شيئًا لأحدٍ بعد ذلك الزمان. ومن فعل ذلك فقد أبطل النصَّ بدعوى فهمه. ويسمّى هذا المذهبُ «التاريخانيّةَ المطلقة»: أن يُحبس كلُّ حكمٍ في زمانه. وهو إلغاءٌ للنصّ يتسمّى باسم التفسير.
فمتى يكون النصُّ حكايةَ واقعةٍ، ومتى يكون قاعدة؟
وهنا يطلب المعترضُ مطلبًا حقًّا: «قبلتُ منك القاعدة، فأعطني الحدَّ الذي أفرّق به. فإنّ قولَك «لا تستعمل مسطرتين» شرطُ نزاهة، لا ميزانُ قراءة. ويبقى الطرفان يتراشقان بالتهمة نفسِها بلا فيصل». وهو مطلبٌ حقّ. وهذه علاماتٌ يُستدلّ بها، لا آلةٌ تُدار:
١. صيغةُ الخطاب. الخبرُ عن أشخاصٍ معيَّنين بأسمائهم وزمانهم ومكانهم غيرُ الخطاب العامّ المعلَّق بوصفٍ لا باسم. فـ«فعل فلانٌ يومَ كذا» ليس «من فعل كذا فحكمُه كذا».
٢. أعُلّق الحكمُ بوصفٍ يزول، أم بذاتٍ لا تزول؟ فإن عُلّق بوصف، كأن تكون هناك حربٌ قائمة، أو عهدٌ نُقض، فالوصفُ هو «مناطُ» الحكم. والمناطُ هو الشيءُ الذي عُلّق عليه الحكمُ ودار معه. فإذا زال الوصفُ زال تعلّقُ الحكم به. كما يُعفى التلميذُ المريضُ من الحضور إلى المدرسة ما دام مريضًا، فإذا شُفي زال الإعفاء. وهذا أصلٌ مقرَّرٌ لا اختراعَ فيه.
٣. أعمل به المخاطَبون الأوّلون بعد زوال الواقعة، أم وقفوه عليها؟ فعملُ الجيل الذي شهد الواقعةَ قرينةٌ قويّةٌ على أيّ المعنيين فهم.
٤. أيُقرأ متّصلًا بما قبله وما بعده فيتغيّر معناه؟ فقطعُ الجملة من موضعها يصنع حكمًا لم يقله أحد، وهذا يقع من المعترض ومن المدافع سواء.
وأسماءُ هذه العلامات معروفةٌ في «علم أصول الفقه»، وهو العلمُ الذي يضع قواعدَ فهم النصوص واستخراج الأحكام منها. ومنها: العامُّ والخاصّ، وتحقيقُ المناط، وأسبابُ النزول في القرآن، وأسبابُ الورود في الحديث. ولا أزيد على ذكر أسمائها، فشرحُها ليس من أهليّتي. وفي هذا الباب صناعةٌ مضبوطة، وليس فيه مفتاحٌ تفتح به الأحكامَ بنفسك. ومن باعك ذلك المفتاحَ فقد غشّك.
وأصدقُ ما أقوله في هذه العلامات أنّها تُضيّق الخلافَ ولا تُنهيه. فيبقى بعدها موضعٌ يختلف فيه عالمان، وكلاهما استعمل مسطرةً واحدة. وهذا حالُ كلّ نصٍّ يُفسَّر، لا صفةٌ خاصّةٌ بهذا النصّ. ومن وعدك بفيصلٍ قاطعٍ وعدك بما لا يوجد في صناعة التفسير أصلًا.
رابعًا: الرقّ — أوضحُ مسألةٍ يظهر فيها ثقلُ السؤال
وفي كتابات المدافعين وصفٌ شائعٌ للرقّ، ولا أقول إنّه ما عليه أكثرُ من كتب. وخلاصتُه أنّ الرقَّ كان نظامًا عالميًّا قائمًا في كلّ حضارةٍ يومئذ، وأنّ التشريعَ ضيّق بعضَ مداخله ووسّع مخارجه. أي ضيّق الطرقَ التي يدخل بها الإنسانُ في الرقّ، ووسّع الطرقَ التي يخرج بها منه، بالعتق والكفّارات والترغيب في التحرير. ولم يرد فيه إلغاءٌ صريحٌ دفعةً واحدة.
وهنا موضعُ الإشكال، وأقولها بلا تلطيف: من يقول «كنتُ أنتظر من نصٍّ إلهيٍّ أن يقول: لا رقَّ بعد اليوم» يسأل سؤالًا وجيهًا. وأجوبةُ أهل العلم عنه متفاوتة: منها ما يتكلّم عن التدرّج في نظامٍ كان يقوم عليه اقتصادُ العالم كلِّه، ومنها ما يتكلّم عن أنّ إغلاقَ المداخل يبلغ الغايةَ بلا هدمٍ مفاجئ. وفيها ما يُقنع وما لا يُقنع، ولا أزعم لك أنّ المسألةَ محسومةٌ عندي ولا عندهم.
والذي يُقال هنا بلا نزاعٍ أعلمه: أنّ البابَ أُغلق في العالم كلِّه، وأنّ إغلاقَه عند أهل العلم مستندٌ إلى الشرع، لا إلى الواقع وحده. ويذكرون في ذلك ثلاثةَ أشياءَ: أنّ الاسترقاقَ لم يكن واجبًا قطُّ، بل أحدَ ما يسع الإمامَ أن يفعله بمن وقع في يده من أهل الحرب، وقد ذُكر معه المنُّ والفداء كما في سورة محمد؛ وأنّ لوليّ الأمر أن يمنع المباحَ إذا رجحت المصلحةُ في منعه، وهي قاعدةٌ مقرَّرةٌ عندهم؛ وأنّ الدولَ الإسلاميّةَ التزمت إبطالَه في عهودٍ أبرمتها، والوفاءُ بالعهد واجبٌ كما في سورة الإسراء. ومن حاول إحياءه من الجماعات المسلّحة في زماننا قوبل بإنكارٍ واسعٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم. وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب.
فأين تقف أنت؟ الذي أقوله لك جازمًا شيئان. الأوّل أنّ سؤالَك وجيه، ولا يُلام صاحبُه عليه. والثاني أنّ الجوابَ عنه لا يقع إلّا بعد أن تعرف أيَّ السؤالين تسأل. أتقرأ النصَّ على أنّه من عند الله، فتسأل عن حكمته؟ أم على أنّه من عند بشر، فتسأل عن زمانه؟ فالسؤالان مختلفان، والجوابان مختلفان، ومن أجابك قبل أن تحدّد أيَّهما تسأل أجابك عن غير سؤالك.
خامسًا: أحكامُ المرأة، والعقوبات، والقتال — أين موضعُ الثقل في كلٍّ منها
في سؤالك أربعُ مسائل. والرقُّ وحدَه هو الذي أجد في أجوبة أهل العلم عنه ما أستريح إليه، لا أنّ المسألةَ محسومة، أمّا الثلاثُ الباقيةُ فلا. ومن أجاب عن أسهلها وسكت عن الثلاث الأخرى أوهم أنّه أجاب عن الباب كلِّه، وذاك أسوأُ من الصمت عن الأربع. ولا أفصل في واحدةٍ من الثلاث. وفي كلٍّ منها موضعُ ثقلٍ حقيقيّ، وخلافٌ قائم، وأجوبةٌ لا تصلح.
١. أحكامُ المرأة. وأكثرُ ما يُشتكى منه في هذا الباب من الخانة الثالثة في الجدول: عُرفٌ التبس بالدين، من منعِ تعليم، ومنعِ خروج، وتزويجِ إكراه، وحرمانٍ من ميراث. وقولي «أكثرُ» استقراءٌ منّي، لا أُسنده إلى أحد. وهذه الأربعةُ لا تُساق مساقًا واحدًا. فمنها ما لا سندَ له أبدًا، كحرمان الميراث ومنع التعليم؛ ونفيُ السند عن حرمان الميراث ليس رأيًا لي، فميراثُ المرأة مفروضٌ لها في أوّل سورة النساء، وقد عدّ أهلُ العلم منعَها منه أكلَ مالٍ بالباطل. ومنها ما له في كتب المذاهب قولٌ يُدافَع عنه وإن خالفه غيرُه. ولا أفصل بينهما هنا.
وخذ منعَ البنت من التعليم مثالًا تنزل عليه الخاناتُ الأربع. أفي النصّ سطرٌ يمنعه؟ لا. أفي فهم أهل العلم للنصّ ما يمنعه؟ لا. أهو عادةُ بلدٍ التبست بالدين؟ نعم. أهو ما فعلته جماعةٌ أو دولةٌ في زمنٍ بعينه؟ قد يكون. فشكواك منه حقّ، وهي واقعةٌ على الخانتين الأخيرتين. ومن ردّ عليك بالخانة الأولى أجابك عن غير سؤالك.
وهذا نصفُ جوابٍ لا جواب. فخلفه ما هو في النصّ فعلًا، وفي الفهم المستقرّ له قرونًا: مسائلُ الشهادة، والقوامة، والميراث، والطلاق. وهي على رتبٍ مختلفة. فأنصبةُ الميراث منصوصةٌ بأعيانها في سورة النساء، وختم اللهُ آياتِها بأنّها فريضةٌ منه وأنّها حدودُه. ولا خلافَ بين المذاهب في أصلها، وإنّما الخلافُ في فروعِ قسمتها، كالعول والردّ وذوي الأرحام والجدّ مع الإخوة. فمن اشتكى من أصل القسمة فشكواه واقعةٌ على الخانة الأولى وحدها، وهذا أثقلُ عليّ لا أخفّ. والقوامةُ ثابتٌ أصلُها، والخلافُ في مداها. وأمّا الشهادةُ والطلاقُ ففيهما خلافٌ معاصرٌ حقيقيٌّ بين المشتغلين بالفقه، ليس بين مسلمٍ وغيره، بل بينهم هم. ولا أفصل فيها، ولا أسوق لك «الحكمة» منها. فمن علّل الحكمَ بحكمةٍ يظنّها، ثمّ احتجّ بها، جعل الحكمَ يسقط يومَ تسقط تلك الحكمة. وهو من أضعف ما يُكتب في هذا الباب وأكثرِه.
وانظر ذلك في البيت: أبٌ يقول لابنه «لا تسهر، لأنّ الكهرباءَ غالية». فإذا رخصت الكهرباءُ ظنّ الابنُ أنّ السهرَ صار مباحًا، وربّما كان للأب سببٌ آخرُ لم يقله. فمن علّق القاعدةَ بسببٍ ظنّه، علّق بقاءَها ببقاء ظنّه.
والذي أقوله: هذه المسائلُ لا تُجاب في صفحة. ومن أجابك عنها في صفحةٍ فقد اختار لك قولًا وسمّاه الدين. وهذا وصفٌ لطريقة الجواب، لا حكمٌ على نيّة أحد.
٢. العقوبات. وهنا أكثرُ ما يقع فيه الخلطُ بين الخانات الأربع. وفي المسألة ثلاثةُ أشياءَ لا شيءٌ واحد. الأوّل نصٌّ فيه عقوبةٌ مقدَّرة، أي محدّدةٌ بنصّها. والثاني شروطُ الإثبات، أي ما يُشترط لثبوت الجريمة على صاحبها. ومنها ما هو منصوصٌ في النصّ نفسِه، كاشتراط أربعة شهداء في الزنا كما في سورة النور، ومنها ما قرّره الفقهاءُ اجتهادًا. وقد بلغت في الزنا خاصّةً من الشدّة بحيث لا تكاد العقوبةُ تقع، وهي دون ذلك في سائر العقوبات. والثالث تطبيقٌ تُنزَل فيه العقوبةُ بلا شرطٍ ولا نظر، أيًّا كان من يُنزلها. ومن ناقش الأولى في صورة الثالثة ناقش شيئًا لم يُشرَّع. ولستُ أصف هنا بلدًا بعينه، ولا أحكم على قضاءٍ قائم. فالفرقُ بين الخانات شيء، وتقويمُ دولةٍ بعينها شيءٌ آخر. وهذا تفكيكٌ صحيح، ولا أقدّمه جوابًا كاملًا. فيبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أنكره ولا أفصل فيه.
٣. القتال. وهو يمسّه التفريقُ بين الخبر عن واقعةٍ والحكمِ لكلّ زمان، ولا أزعم أنّ هذا التفريقَ يستوعبه. فالقولُ إنّ بعضَ النصوص خبرٌ عن وقائعَ بأعيانها صحيحٌ في بعضها. وهو في بعضها الآخر دعوى تحتاج بيانًا. وهناك ما هو حكمٌ عامٌّ في الحرب والسلم. وقد اختلف أهلُ العلم اختلافًا قديمًا معروفًا في تحرير مناطه، أي في الوصف الذي عُلّق عليه. ولا أقدّم لك ترجيحًا فيه. وشيءٌ واحدٌ أقوله جازمًا، وهو خارجَ موضع النزاع: أنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحةُ اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم. ولا أعلم له قولًا معتبرًا يُسنده. وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب.
وأقول في الثلاث قولًا واحدًا: لا أُرجّح بين أقوال أهل العلم فيها، وليس معنى ذلك أنّ البابَ خالٍ. فالذي يُقال بلا نزاعٍ أعلمه، أنقله ولا أُنشئه: أنّ الحدودَ تُدرأ بالشبهات؛ وأنّ القتالَ مقيَّدٌ بالنهي عن الاعتداء، وأنّ النساءَ والصبيانَ ومن ليس من أهل القتال لا يُقصدون به؛ وأنّ للمرأة من الحقّ على الرجل مثلَ الذي عليها بالمعروف. وهذه أصولٌ تحُدّ موضعَ النزاع ولا ترفعه، ويبقى موضعُ الثقل في كلٍّ منها كما ذكرتُه لك. وأمّا الفصلُ في المسألة المعيّنة فليس من أهليّتي، وجوابٌ مصنوعٌ يسقط أوّلَ ما يُفتَّش عنه أسوأُ من الامتناع.
وأُبيّن هذا الامتناعَ لئلّا يُقرأ على غير وجهه: فليس إقرارًا بصحّة الاعتراض، ولا فيه ترجيحٌ ولا فتوى. ومن قرأ صمتي تصديقًا حمّله ما لا يحتمل. ولو رجّحتُ لك ههنا لأعطيتُك قولَ رجلٍ يكتب في الإلحاد وسمّيتُه لك دينًا، وذاك الذي وصفتُه قبلُ بأنّه اختيارُ قولٍ يُسمّى الدين.
ولكلٍّ من الثلاث بابٌ في كتب الفقه يُعرف باسمه: أحكامُ المرأة في أبواب النكاح والطلاق والنفقات والشهادات والفرائض، والعقوباتُ في أبواب الحدود والجنايات والدِّيات، والقتالُ في أبواب الجهاد والسِّيَر. فيها يُقرأ اللفظُ بشروطه وسياقه، وفيها خلافُ أهل العلم بأصحابه وأدلّتهم. وأكثرُ ذلك مكتوبٌ عندهم قبل أن يصير للمسألة ثمنٌ في زماننا بقرون، فلا يُقال إنّ البابَ فُتح لمّا اشتدّ السؤال. وأنا أدلّك على الموضع ولا أنوب عنك في قراءته.
فأين تقف أنت؟ الذي أعطيك مكانَ الجواب ثلاثةُ أشياء، تفعلها في كلّ مسألةٍ من الثلاث:
- أن تسأل أوّلًا: في أيّ خانةٍ من الأربع تقع شكواي؟ أفي النصّ، أم في الفهم، أم في العُرف، أم في التطبيق؟
- وأن تطلب في كلّ مسألةٍ القولين معًا بأصحابهما، لا قولًا واحدًا.
- وأن تكتب لنفسك مقدَّمًا: أيُّ جوابٍ كان سيُرضيني؟ فإن لم تعرف، فلستَ تسأل بعدُ سؤالًا يُجاب.
سادسًا: الحدسُ الأخلاقيُّ في مقابل النصّ
في المسألة قائلون بحقائقَ أخلاقيّةٍ موضوعيّة. وعلى قولهم يكون الحدسُ الأخلاقيُّ الراسخُ دليلًا يُوزن، لا شعورًا يُستأنس به. والحدسُ الأخلاقيُّ حكمٌ تجده في نفسك واضحًا قبل أيّ دليل. وهذا ما أملكه في هذه المسألة:
١. إن كان الحدسُ دليلًا، فالمواجهةُ بين دليلين، لا بين دليلٍ وعاطفة. وهذا يمنعني من أن أقول لك: «هذا شعورٌ لا حجّةَ فيه»، ولن أقولها.
٢. والدليلان يُوزنان بقوّتهما، لا بجهتهما. فيُنظر في الحدس: أهو حدسٌ عامٌّ عند بني آدم في كلّ زمان، أم حدسُ عصرٍ بعينه؟ فقبحُ تعذيب طفلٍ لغير شيءٍ من الصنف الأوّل. وكثيرٌ ممّا نجزم به اليوم جزمًا تامًّا لم يكن يُجزم به قبل قرنين، وسيُنظر إليه بعد قرنين كما ننظر نحن إلى ما قبلنا. ويُنظر في النصّ كذلك: أهو قطعيٌّ في ثبوته ودلالته، أم هو موضعُ اجتهاد؟ والقطعيُّ ما ثبت نقلُه بلا شكّ، ووضح معناه فلا يحتمل غيرَه. وممّا يُشتكى منه ما ليس قطعيًّا في دلالته، وهو بابٌ معروفٌ عند أهل الأصول؛ ومنه ما هو محكَمٌ قطعيُّ الدلالة لا يدخل في هذا الباب. ولا أدّعي عدًّا في أيّهما أكثر، فذاك استقراءٌ لا أملكه.
وانظر الفرقَ في شيءٍ تعرفه. حدسُك أنّ تعذيبَ طفلٍ لغير ذنبٍ قبيحٌ لا يتغيّر بتغيّر البلد ولا الزمان، فهو ثقيلٌ في الميزان. أمّا حدسُك أنّ مناداةَ أبيك باسمه المجرّد قلّةُ أدب، فهو حدسُ بيئتك، وفي بلادٍ أخرى لا يراه أحدٌ كذلك. فهو لا يكاد يزن شيئًا في مسألةٍ كهذه.
٣. وأصدقُ ما أقوله: قد يبقى بعد هذا الوزن موضعٌ يتعارض فيه حدسٌ قويٌّ ونصٌّ ظاهر. ومن قال لك إنّ هذا لا يقع فقد وعدك بما لا يفي به. والذي عندي في هذا الموضع ليس جوابًا، بل ترتيبٌ للسؤال. فالحدسُ والنصُّ كلاهما يتوقّف على مسألةٍ سابقة: هل هناك إلهٌ تكلّم؟ فإن لم يكن، فالنصُّ كلامُ بشرٍ يُوزن بالحدس، ولا إشكال. وإن كان، فههنا قيدٌ لا بدّ منه، وليس رأيًا لي، بل أصلٌ مقرَّرٌ عند أهل العلم: أنّ القطعَ لا يُنقض بالظنّ. والحدسُ على أقوى أحواله ظنٌّ راجح، والنصُّ الذي قُطع بثبوته وقُطع بدلالته قطعٌ، فلا يُوزن هذا بذاك. وليس هذا خروجًا على ميزان القوّة الذي ذكرتُه قبلُ، بل هو طرفُه الأخير. ويبقى للحدس موضعٌ يعمل فيه: حيث يحتمل النصُّ أكثرَ من وجه، فيكون مرجِّحًا بين الوجوه، لا حاكمًا على النصّ. وأصلٌ ثانٍ معه: أنّ صريحَ العقل لا يعارض صحيحَ النقل؛ فإذا بدا التعارضُ فالخللُ في أحد الطرفين. فيصير السؤالُ في كلّ مسألةٍ على حدة: أين موضعُ الخلل؟ أفي ثبوت النقل؟ أم في فهمي أنا له؟ أم في حدسي أنا؟
٤. وأُقرّ بثمن هذا الترتيب: إنّه يردّ المسألةَ إلى سؤال الوجود مرّةً أخرى. وكثرةُ هذا الردّ تُشبه المهرب.
سابعًا: من يفصل في المسألة المعيّنة؟ — وشرطان فيمن تسأله
لستُ أنا من يفصل في المسألة المعيّنة. ومن أراد الفصلَ في حكمٍ بعينه فمرجعُه أهلُ الاختصاص. وأقترح عليك شرطين في اختيار من تسأل:
- أن يعرض عليك القولين، لا قولًا واحدًا، ويسمّي أصحابَ كلٍّ منهما.
- أن يذكر مستندَه، لا حكمَه فقط. فالذي يعطيك النتيجةَ بلا دليلها يطلب منك ثقةً لا يمكنك مراجعتُها.
واحذر طرفين: من يجيبك عن كلّ شيءٍ في دقيقةٍ بلا تردّد، ومن يقول لك «لا تسأل». وكلاهما يبيعك راحةً، لا جوابًا.
ثامنًا: أن تُبطل حجّةً غيرُ أن تملك جوابًا
وأنفعُ ما تعلّمتُه في هذا الباب هذا التمييز. وأصدقُ مثالٍ عليه من خارج دائرتنا فيلسوفٌ مؤمنٌ كتب كتابًا كاملًا في «مشكلة الشرّ»، أي في السؤال: كيف يجتمع الشرُّ في العالم مع إلهٍ قادرٍ رحيم؟ وهو لا يدّعي فيه أنّه يبيّن السببَ الواقعيَّ لسماح الله بالشرّ. وحجّةُ الشرّ هي الاستدلالُ بوجود الشرّ على أنّه لا إله. وغايةُ هذا الفيلسوف المعلنةُ أن يُثبت أنّ هذه الحجّةَ لا تنجح، لا أن يفسّر الشرّ 1.
وحدُّ هذه الإحالة: لا يُقال إنّه «صرّح بأنّه لا يعلم لماذا يسمح اللهُ بالشرّ»، فذاك نفيُ علمٍ لم يقله. إنّما يقول عن القصّة التي يعرضها على أنّها قد تكون صادقة: أصدّق أجزاءً منها، ولا أكذّب شيئًا منها. فالذي يثبت عنه أنّ دفاعَه لا يدّعي بيانَ السبب الواقعيّ، لا أنّه يعلن جهلَه به.
وخذه في مثالٍ من حياتك: سُرق هاتفُ زميلٍ لك في المدرسة، واتُّهم صديقُك. فأثبتَّ أنّه كان في ملعب المدرسة ساعةَ السرقة، ومعه عشرةُ شهود. لقد أبطلتَ التهمة، لكنّك لا تعرف بعدُ من سرق الهاتف. فإبطالُ الاتّهام شيء، ومعرفةُ الفاعل شيءٌ آخر.
والفرقُ بين الأمرين هو كلُّ شيء: أن تبيّن أنّ الاعتراضَ لا يُلزمك، غيرُ أن تعرف الحكمةَ التي وراءه. ومن خلط بينهما وعد بما لا يملك، ثمّ خسر ثقةَ قارئه في الموضع الذي كان يملك فيه جوابًا صحيحًا.
تاسعًا: أربعةُ أسئلةٍ بقيت مفتوحة — وأين يُطلب جوابُ كلٍّ منها
وقد يقول قائلٌ هنا قولًا ثقيلًا: «كلُّ جوابٍ من هذه الأجوبة ينتهي بإحالةٍ على موضعٍ آخر، فيصير الكلامُ دفترَ ديونٍ فيه مدينٌ ولا دائن. فإن لم يأتِ الموضعُ الذي يسدّد، فما فعلتَه أنّك نزعتَ سلاحَ خصمك ولم تعطه شيئًا، وذاك إخلاءُ ساحةٍ لا إنصاف».
وهذا صحيحٌ في وصفه، وأقبله. وهذه الديونُ أربعة، مجموعةٌ هنا ليُطالَب بها. ولكلٍّ منها موضعٌ يُطلب فيه جوابُه، إلّا واحدًا لا يُوعد به أصلًا:
| السؤال | أين ظهر | وأين يُطلب جوابُه |
|---|---|---|
| العقوبةُ والعدل: لماذا يُعذَّب من لم يؤمن؟ | ١٩ · خامسًا | في مسألة الجزاء والعدل الإلهيّ، وهي أوّلُ ما يستحقّ أن يُفرد له بحثٌ مستقلّ |
| سؤالُ الوجود: هل هناك إلهٌ أصلًا؟ | ١٦ · ١٩ · ٢٠ | وإليه ترجع أكثرُ الإحالات في هذه الفصول، وهي كثرةٌ أُقرّ بأنّها تُشبه المهرب |
| ولماذا الإسلامُ بعينه؟ | ١٦ · خامسًا | وهو السؤالُ الذي يلي جدولَ قابليّة الفحص مباشرةً، وقد فتحتُ بابَه ولم أمشِ فيه |
| الفصلُ في المسائل المعيّنة | ٢٠ · خامسًا | لا أَعِد به، ولا أنوي الوفاءَ به: ليس من أهليّة هذا الكتاب، وأقوله صريحًا لا مؤجَّلًا |
والفرقُ بين الثلاثة الأولى والرابع فرقٌ حقيقيّ. فالثلاثةُ ديونٌ أُقرّ بها وأسمّي موضعَ سدادها. أمّا الرابعُ فامتناعٌ معلَن، لا دَين. ومن خلط بينهما ظنّ أنّي أعده بما لا أنويه.
فأين تقف أنت؟ إن كانت أكثرُ هذه المسائل تردّك إلى سؤالٍ واحد، فذاك خبرٌ ينفعك، لا مهربٌ منك. لا تبدأ من النار، ولا من الرقّ، ولا من أحكام المرأة؛ فتلك كلُّها تتوقّف على جوابك عن سؤالٍ واحد: هل هناك إله؟ فابدأ من هناك، ثمّ عُد إلى هذه المسائل بعده. ومن ناقش الفرعَ قبل أصله طال جدالُه في مسألةٍ لا تُحسم قبل أن يُحسم أصلُها.
وأمّا قولُ القائل «نزعتَ سلاحي ولم تعطني شيئًا» فأقول له: نعم. والحججُ التي لا تصلح تُخرَج من الميدان من الجهتين. فقد أُخرج من حججنا بقدر ما أُخرج من حججكم، ليبقى الميدانُ للسؤال الذي يستحقّ. ومن رأى في ذلك إخلاءَ ساحةٍ فله وجه، ومن رآه تنظيفًا للساحة قبل النزال فله وجهٌ أيضًا، ولا أُلزمك بأيّهما.
لم يزل الإشكالُ قائمًا، ولا أزعم أنّي أزلتُه. وأخشى عليك خطأين: أن تُسقط الدينَ كلَّه بمسألةٍ لم تفحصها، وأن تُصدّق من يقول لك إنّه لا مسألةَ أصلًا. ولك أن تخرج من هنا وإشكالُك معك، وهو موقفٌ أشرفُ من طمأنينةٍ اشتريتَها بجوابٍ لم تفحصه.