١٤. التطوّر: هل ينفي وجودَ الخالق؟
السؤال: إن كان الإنسانُ نتاجَ آليّةٍ عمياءَ تعمل بالتباين والانتقاء، أي بالفروق بين الأفراد وبقاءِ بعضها دون بعض، فأين موضعُ الخلق؟
الجوابُ في سطرين: الانتقاءُ الطبيعيّ نظريّةٌ راسخةُ الأدلّة في تفسير تنوّع الأحياء، وهو بقاءُ الأصلح لبيئته وتكاثرُه أكثرَ من غيره. وهذه مسألةُ علمٍ تُحسم بالأدلّة لا بالمواقف. أمّا القولُ بأنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد، ويسمّى «الطبيعانيّة»، فليس نتيجةً من نتائج علم الأحياء، بل موقفٌ فلسفيٌّ يُضاف إليه. والغلطُ أن تُدمج هاتان الطبقتان في طبقةٍ واحدة، ويقع فيه الفريقان معًا. وخلقُ آدم عليه السلام خارجٌ عن الطبقتين معًا: نصَّ القرآنُ على خلقه من طينٍ ابتداءً، كما في سورة ص والسجدة، وعليه جمهورُ أهل السنّة. فليس موضعَ ترجيحٍ بأدلّة الأحياء، ولا أبني عليه شيئًا ممّا يأتي في هذا الفصل.
أوّلًا: معنى كلمة «نظريّة» في العلم غيرُ معناها في كلام الناس
في الكلام اليوميّ تقول: «عندي نظريّةٌ أنّ الجارَ أخذ الدرّاجة»، أي تخمينٌ لم يُختبر. أمّا في العلم فـ«النظريّة» هي أرفعُ ما يبلغه التفسير: بناءٌ يشرح الوقائع، اجتاز اختباراتٍ كثيرة، وربط وقائعَ متفرّقة، وتنبّأ بما لم يُرَ بعد. والتخمينُ الذي لم يُختبر يُسمّى في العلم فرضيّة.
فمن قال عن التطوّر «مجرّدُ نظريّة» ثمّ دخل غرفةَ عمليّات، فقد سلّم بطنَه لنظريّةٍ من الصنف نفسِه الذي استهان به بلسانه. فالنظريّةُ الجرثوميّةُ للمرض تقول إنّ كثيرًا من الأمراض سببُها كائناتٌ دقيقة. وهي «مجرّدُ نظريّة» بالمعنى نفسِه، وعليها تُعقَّم أدواتُ الجراحة وتُغسل أيدي الأطبّاء.
*وحدُّ هذا المثال:* النظريّاتُ تتفاوت في رسوخها تفاوتًا حقيقيًّا، ومن سلّم بالنظريّة الجرثوميّة لم يلزمه أن يسلّم بكلّ ما يُسمّى نظريّةً في كلّ علم. فالمثالُ يصحّح معنى الكلمة، ولا يقيس قوّةَ الأدلّة في مسألةٍ بعينها.
ثانيًا: أدلّةُ التطوّر: خمسةُ أبوابٍ مستقلّةٍ يشدّ بعضُها بعضًا
الآليّةُ في سطر: فروقٌ بين الأفراد، وتوريثٌ لهذه الفروق إلى الأبناء، وتفاضلٌ في البقاء والتناسل. ومتى اجتمعت الثلاثةُ تغيّرت نسبُ الصفات في الأجيال. وهذا وصفٌ لما يقع، لا دعوى تحتاج من ينصرها.
لكنّ وصفَ الآليّة ليس دليلًا على وقوعها. والأدلّةُ تأتي من أبوابٍ مستقلّةٍ يشدّ بعضُها بعضًا. ولتعرف من أين تأتي قوّتُها، تصوّر هذا: ورقتا امتحانٍ لطالبين، وكلُّ خطأٍ فيهما في الكلمة نفسِها والسطر نفسِه. لا تحتاج أن ترى النقلَ لتعرف أنّه وقع؛ يكفي أنّ الخطأَ الواحدَ لا يقع في الموضع نفسِه مرّتين مصادفة. والأدلّةُ الخمسةُ التالية من هذا النوع: مقاييسُ مستقلّةٌ لم يكن يلزم أن تتّفق، فاتّفقت.
- ترتيبُ الأحياء في مجموعاتٍ داخل مجموعات، كالأسرة داخل العائلة داخل القبيلة. تُرتَّب الأحياءُ في شجرةٍ بمقارنة أعضائها وتشريحها، ثمّ تُرتَّب مرّةً أخرى بمقارنة موادّها الوراثيّة وحدَها، بلا نظرٍ إلى شكلها. فيتوافق الترتيبان توافقًا يفوق المصادفةَ بمراتب. وليس هذا تطابقًا حرفيًّا في كلّ فرع، فبين الشجرتين مواضعُ خلافٍ معروفةٌ تُعالَج بأدواتها. وموضعُ الحجّة أنّ التوافقَ لم يكن يلزم أصلًا: مقياسان مستقلّان تمامًا كان يمكن أن يعطيا شجرتين لا تلتقيان، فالتقتا في هيكلهما.
- بقايا الفيروسات في المادّة الوراثيّة: فيروساتٌ من نوعٍ يُسمّى «القهقريّ» تدخل المادّةَ الوراثيّةَ وتندمج فيها، وتبقى آثارُها في الأجيال. وهذه البقايا ترد في المواضع نفسِها من المادّة الوراثيّة للإنسان والشمبانزي. والموضعُ الذي يندمج فيه الفيروسُ عشوائيّ، فتوافقُ الموضع في نوعين لا يُفسَّر بأنّ له وظيفة.
- اندماجُ الصبغيّين: والصبغيّاتُ هي الحُزَمُ التي تُحمل فيها المادّةُ الوراثيّة. للشمبانزي أربعةٌ وعشرون زوجًا منها، وللإنسان ثلاثةٌ وعشرون. فكان التنبّؤ أن يكون أحدُ صبغيّات الإنسان ناتجَ اندماج اثنين. وللصبغيّ عادةً عقدةٌ واحدةٌ في وسطه تُسمّى «القسيمَ المركزيّ»، وغطاءان في طرفيه يُسمّيان «القسيمين الطرفيّين». فوُجد في الصبغيّ الثاني عند الإنسان أثرُ عقدةٍ ثانيةٍ معطَّلة، وتسلسلاتُ الغطاء الطرفيّ في وسطه حيث لا ينبغي أن تكون — كأنّك وجدتَ في وسط شارعٍ لافتةَ «نهاية الطريق».
- توزيعُ الأحياء على الأرض: أحياءُ الجزر البركانيّة أشبهُ بأحياء أقرب يابسةٍ إليها، لا بأحياء جزرٍ أخرى تشبهها في المناخ.
- حفريّاتٌ انتقاليّةٌ في مواضعَ يُتنبّأ بها قبل الحفر: يُحدَّد العمرُ والطبقةُ الصخريّةُ والموضعُ الجغرافيّ، ثمّ يُحفر هناك فيوجد المتوقَّع. وهذا الشاهدُ يجب أن يُقال على قدره: الإخفاقُ في الحفر هو الغالب ولا يُنشر، والذي يُحتجّ به مواضعُ بأعيانها أصابت. فقوّةُ هذا الشاهد أنّ التنبّؤَ كان يمكن أن يخيب مرّةً بعد مرّةٍ على نمطٍ منتظم، فلم يخب. وليست قوّتُه في أنّ كلَّ حفرٍ يصيب.
وكلُّ بابٍ من هذه الأبواب كان يمكن أن يكذّب الآخر، ولم يفعل. وهذا هو موضعُ الرسوخ، لا كثرةُ الشواهد. فلو وُجدت حفريّةٌ في طبقةٍ لا موضعَ لها فيها أبدًا، كأرنبٍ في صخور العصر الكامبريّ السحيق، لنقضت البناءَ إن صمدت للفحص. وكذلك لو وُجدت شجرةٌ وراثيّةٌ تخالف الشجرةَ التشريحيّة مخالفةً منتظمةً متكرّرة. وشرطُ «إن صمدت للفحص» ليس مهربًا: فالواقعةُ المفردة تُفحص أوّلًا، هل تلوّثت العيّنة؟ هل أخطأ التأريخ؟ هل نقلت المياهُ الحفريّةَ من طبقتها إلى غيرها؟ والتكذيبُ إنّما يقع بنمطٍ يثبت، لا بواقعةٍ شاذّةٍ تُساق وحدَها. وهذا هو معنى أنّ النظريّةَ قابلةٌ للتكذيب ولم تُكذَّب.
تجربةُ البكتيريا والسترات: ما تقوله الورقتان، وما يسكت عنه الفريقان
وأشهرُ ما يُساق في العربية تجربةٌ طويلةٌ على بكتيريا تُسمّى «الإشريكيّة القولونيّة»، ظهرت فيها سلالةٌ صارت تتغذّى بمركّبٍ اسمُه «السترات» في وجود الأكسجين، بعد نحو ٣١٬٥٠٠ جيل.
وهنا موضعُ الأمانة في الجهتين. فالورقةُ المنشورةُ سنة ٢٠٠٨ لا تحدّد الطفرةَ أصلًا، وتنصّ على أنّ أساسَها الوراثيَّ لم يُعرف بعد. وموضوعُها التعاقبُ التاريخيّ: أنّ تغيّرًا سابقًا هيّأ الأرضَ لتغيّرٍ لاحق.
ثمّ عُرف سنة ٢٠١٢ ما الذي وقع بالضبط: تكرّر مقطعٌ من المادّة الوراثيّة، فوقعت نسخةٌ جديدةٌ من الجين الذي ينقل السترات بجوار «مفتاح تشغيلٍ» يعمل في وجود الأكسجين، فاشتغل ما كان مغلقًا. ثمّ تكرّرت النسخةُ مرّاتٍ فزاد عملُه. ويسمّي أهلُ الاختصاص ذلك «تضاعفًا ترادفيًّا نقل ناقلَ السترات إلى جوار محفّزٍ يعمل في وجود الأكسجين، تلته زياداتٌ في عدد النسخ». فليس هذا «معلومةً جديدةً من عدم» كما يُنقل تأييدًا للتطوّر، لأنّ المادّةَ الوراثيّةَ كانت موجودة. ولا هو «تعطيلٌ لجينٍ موجود» كما يُنقل ردًّا عليه، لأنّ وظيفةً منظَّمةً نشأت ولم تكن.
والفريقان ينقلان ورقةَ ٢٠٠٨ ويسكتان عن ورقة ٢٠١٢ التي تفصل، وهي منشورةٌ منذ أكثر من عقد. وهذا بعينه ما يقع لرقم بنروز: أن يؤخذ المرجعُ عند نقطةٍ لا يحسم فيها، ويُغفل ما يحسم.
والمرجعُ الذي يُنقل على غير وجهه ينقلب على ناقله عند أوّل من يفتحه، في أيّ طرفٍ كان الناقل.
ثالثًا: أربعةُ نقولٍ تُساق عندنا في هذا الباب ولا تحمل ما يُحمَّل عليها
١. من يُستشهد به يقول غيرَ ما نُسب إليه. حجّةُ «التعقيد غير القابل للاختزال» أنّ في الخليّة أجهزةً لا تعمل إلا بأجزائها كلِّها، فلا يُتصوّر أن تكون نشأت خطوةً بعد خطوة. وأشهرُ من صاغ هذه الحجّةَ يقول في الكتاب نفسِه الذي صاغها فيه إنّه لا يرى سببًا للشكّ في أنّ عمرَ الكون ملياراتٌ من السنين، وإنّه يجد فكرةَ أنّ الأنواعَ الحيّةَ ترجع إلى أصلٍ مشترك مقنعةً إلى حدٍّ ما. ويُنقل عنه كذلك أنّه لا يجزم بأنّ المصمِّمَ الذي يستدلّ عليه هو الله، وأنّ الاستدلالَ على التصميم عنده يقوم دون أن تُعرف هويّةُ المصمِّم. وهذان القولان لم أقابلهما على موضعٍ بعينه من كتابه، فأسوقهما نقلًا متداولًا لا جزمًا؛ وأمّا ما تقدّم فمقابَلٌ على الكتاب نفسِه 1. فأكثرُ من ينقل عنه عندنا ينقل عن رجلٍ يخالفهم في أصل دعواهم. وأنا أصف النقلَ لا الناقل، والدواءُ واحد: أن يُفتح الكتابُ قبل أن يُنقل عنه.
٢. الحكمُ القضائيُّ ليس حكمًا علميًّا. يُساق حكمُ محكمةٍ أمريكيّةٍ سنة ٢٠٠٥ بأنّ «التصميمَ الذكيّ» ليس علمًا. و«التصميمُ الذكيّ» هو القولُ بأنّ في الأحياء آثارَ تصميمٍ لا تفسّرها الآليّاتُ الطبيعيّة. فيردّ بعضُنا هذا الحكمَ بأنّه «رأيُ قاضٍ واحد»، وهذا يُهمل أنّ وقائعَه أُثبتت بشهادة خبراء، واستجوابٍ من الطرف المقابل، وأدلّةٍ من الوثائق المكتوبة. ويسوقه آخرون كأنّه فصلٌ في المسألة، وهو حكمُ محكمةٍ ابتدائيّةٍ لا يُلزم إلا أطرافَ القضيّة، ولا تلتزم به محكمةٌ أخرى، ولا يُنشئ حقيقةً علميّة. فلا هو برهانٌ، ولا هو رأيُ رجل، وكلا الاستعمالين خطأ.
٣. رقمٌ مأخوذٌ من نزاعٍ لا يُعرف موضعُه. يقال إنّ «٨٠٪ من الجينوم وظيفيّ»، والجينومُ هو المادّةُ الوراثيّةُ كلُّها. ويقال إنّه سقطت بذلك دعوى أنّ في المادّة الوراثيّة «خردةً» لا عملَ لها. وأوّلُ النزاع في معنى الكلمة: أهي «الوظيفة» بمعنى نشاطٍ كيميائيٍّ يُرصد في الخليّة، أم بمعنى أثرٍ حافظ عليه الانتقاءُ الطبيعيُّ لأنّ فيه نفعًا؟ فليس كلُّ ما يتحرّك في البيت يؤدّي عملًا: الستارةُ تتحرّك مع الريح، ولا يقال إنّ وظيفتَها أن تتحرّك.
ومعه نقدٌ في القياس لا يقلّ عنه. والورقةُ الناقدةُ نشرها عالمُ الأحياء دان غراور وزملاؤه سنة ٢٠١٣ ردًّا على المشروع الذي أعلن الرقم. فهي تقول إنّ الرقمَ منفوخٌ بما يُسمّى «الإيجابيّات الكاذبة»، أي أن يُعدّ الشيءُ وظيفيًّا وهو ليس كذلك، كجهاز إنذارٍ يرنّ من دخان الطبخ. وتقول إنّ توسيعَ التعريف يزيد هذه الإيجابيّاتِ الكاذبة، فيزيد مجموعُ ما يُعدّ «وظيفيًّا». و«عاملُ النسخ» بروتينٌ يرتبط بموضعٍ من المادّة الوراثيّة ليشغّل جينًا. وتقول الورقةُ إنّ الموضعَ الذي يلتصق فيه حُسب بنحو ستّمئة قاعدة، والفعليُّ منه بضعُ قواعد فقط. وتقول إنّ قدرًا من الجينوم دخل في العدّ بسبب المقاطع المكرّرة فيه، إذ يقع فيها نحو ١٥٪ من المتغيّرات في التسلسلات المفهرسة. وأمّا ما يُتداول عن «مليارات القواعد» في باب أخطاء المحاذاة فلم يثبت عندي، فلا أسوقه.
فالنقدُ في معنى الكلمة وفي القياس معًا. والذي يبقى أمران. الأوّل أنّ ما حافظ عليه الانتقاءُ فعلًا دون ١٠٪ عند الورقة الناقدة، وأعني ما لو أصابه تلفٌ لتضرّر صاحبُه، فيطرد الانتقاءُ ذلك التلفَ من الأجيال. والثاني أنّ رقمَ ٨٠٪ لا يُسقط دعوى «الخردة»، لأنّه لا يقيسها أصلًا. والنزاعُ في معنى «الوظيفة» قائمٌ لم يُحسم. فمن نقل الرقمَ ولم ينقل موضعَ النزاع، بنى على ما لا يحمل البناء.
وحدُّ ما تأخذه من هذا: لا تسُق رقمَ ٨٠٪ حجّةً لك، ولا تقبله حجّةً عليك. فالمسألةُ في المعمل لم تُغلق بعد، ولا يتوقّف عليها شيءٌ ممّا نتكلّم فيه هنا.
٤. الاقتباسُ المبتور. تُنقل عن عالم الأحياء البريطانيّ ريتشارد دوكينز جملةُ «البيولوجيا دراسةُ أشياءَ تبدو مصمَّمة» على أنّها اعترافٌ منه بالتصميم. وأوّلُ ما فيها أنّها منقولةٌ ناقصة: نصُّه «دراسةُ أشياءَ معقّدةٍ تبدو مصمَّمةً لغرض»، والقيدان يسقطان في النقل الشائع، وعليهما يدور المعنى. وهي ليست اعترافًا، بل هي دعوى دوكينز نفسِه. فهو يقرّر بها ما يجب تفسيرُه، لا ما يسلّم به، ثمّ يمضي كتابُه كلُّه في ردّ هذا «المظهر» إلى آليّةٍ عمياء. ومدارُ الجملة كلِّها على كلمة «تبدو».
والقاعدةُ الصحيحة: إذا عرض كاتبٌ المسألةَ التي يريد حلّها، فلا يصحّ أن يُقتطع عرضُه ويُقرأ كأنّه تسليمٌ بها. كطبيبٍ يكتب في أوّل تقريره «المريضُ يبدو سليمًا»، ثمّ يمضي في التقرير كلِّه يبيّن المرضَ الخفيّ: من اقتطع السطرَ الأوّل جعله يشهد بالسلامة.
والقاعدةُ الجامعةُ للأربعة: من نصر دينَه بنقلٍ مبتورٍ أضرّ به. فالقارئُ الذي يرجع إلى الأصل لا يخسر ذلك النقلَ وحدَه، بل يخسر ثقتَه في الصفحة كلِّها، ثمّ في الباب كلِّه.
رابعًا: التطوّرُ مسألةُ علم، و«لا شيءَ إلا المادّة» موقفٌ فلسفيٌّ يُضاف إليه
الطبقةُ الأولى: التطوّرُ بوصفه آليّةً في علم الأحياء. وهذه مسألةُ علم، أدلّتُها من المعمل والحفريّات والمادّة الوراثيّة، تُقبل أو تُردّ بالنظر في أدلّتها، لا بموقفك منها.
الطبقةُ الثانية: الطبيعانيّةُ الشاملة، أي القولُ بأنّه لا يوجد شيءٌ إلا المادّةُ وما ينشأ عنها.
ولا يُردّ على الطبقة الثانية بأنّها «ليست نتيجةَ تجربة»، فتلك صيغةٌ لا يقول بها أحد. لا يقول فيلسوفٌ محترفٌ إنّ الطبيعانيّةَ خرجت من أنبوب اختبار. وصيغتُها الحقيقيّة أنّها استدلالٌ بأفضل تفسيرٍ من سجلٍّ تراكميّ. والاستدلالُ بأفضل تفسير أن تختار من التفسيرات أحسنَها تفسيرًا لما تراه؛ والسجلُّ التراكميُّ ما اجتمع من نتائج العلم عبر القرون. فحاصلُ حجّتهم أنّ كلَّ بابٍ فُحص إلى اليوم وُجد له تفسيرٌ طبيعيّ. ولم يُفلح تفسيرٌ من غير الطبيعة في بابٍ واحدٍ إذا فُحص فحصًا مستقلًّا. فالأرجحُ عندهم أن يكون الباقي كذلك. وهي الطريقةُ نفسُها التي تحكم بها أنّ صاحبك سيتأخّر غدًا لأنّه تأخّر عشرين مرّة.
وهذا نمطُ استدلالٍ يُستعمل داخل العلم لا خارجه. بل النظريّةُ الجرثوميّةُ التي احتججتُ بها قبل قليلٍ من هذا النمط بعينه. فمن ردّ الطبيعانيّةَ بأنّها «ليست نتيجةَ تجربة» أبطل معها العلمَ الذي يدافع عنه.
فما الجوابُ عن صيغتها الحقيقيّة؟ ثلاثةُ أشياء، ولكلٍّ منها حدّ:
- السجلُّ صحيح، والاستقراءُ منه معتبر. والاستقراءُ أن تستخرج قاعدةً عامّةً من حالاتٍ كثيرةٍ رأيتها. أربعةُ قرونٍ من التفسير الطبيعيّ الناجح ترفع احتمالَ الطبيعانيّة رفعًا حقيقيًّا، ولا أنازع في ذلك. ومن أنكره أنكر معطًى قائمًا.
- لكنّ الاستقراءَ يعمل فيما دخل المعمل. والسجلُّ كلُّه في سؤال «كيف يجري ما يجري» داخلَ نظامٍ قائم. أمّا سؤالُ «لماذا يوجد نظامٌ أصلًا؟» فلم يدخل السجلَّ، لا مفسَّرًا ولا مُخفِقًا. فالاستقراءُ لا يمرّ عليه، لا نفيًا ولا إثباتًا. وهذا فرقٌ في موضع الاستقراء، لا في قوّته.
- وهذا ترجيحٌ لا إلزام، وثِقَلُ السجلّ في كفّتهم لا في كفّتي. من أخذ بالسجلّ التراكميّ وانتهى إلى الطبيعانيّة لم يخالف منطقًا، ولم يُهمل معطًى. وأدقُّ من مسح أدلّةَ المسألة من الملحدين يكتب في هذا كتابًا مستقلًّا يرى فيه الطبيعانيّةَ أرجحَ نظريًّا وأبسط. وأقصى ما أقوله: إنّ الاستقراءَ على ما جرى داخل النظام لا يفصل في سؤالٍ عن النظام نفسِه. وهذه دعوى يُنازَع فيها، لا نقطةٌ أسجّلها لنفسي.
ومثالٌ يقرّب الفرقَ بين الطبقتين: كاميرا المراقبة. الشريطُ يُريك حركةَ السيّارة لحظةً بلحظة، تسلسلًا تامًّا لا فجوةَ فيه، من دخولها الشارعَ إلى وقوفها. فمن قال «الشريطُ تامٌّ، إذن ليس فيها سائق» فقد قال شيئًا لا يقوله الشريط: فالشريطُ صُوِّر من فوق، ولم يوجَّه إلى مقعد السائق قطّ.
*وحدُّ هذا المثال:* نحن نعلم سلفًا أنّ السيّاراتِ يقودها ناس. فالمثالُ يُريك أنّ الطبقتين مستقلّتان، ولا يُثبت أنّ للعالم سائقًا. وأزيد على ذلك: للخصم أن يقول إنّ مئةَ شريطٍ لم يظهر في واحدٍ منها سائقٌ قطّ ترجّح أنّه لا سائق. وهذا هو السجلُّ التراكميُّ يعود من باب المثال، وهو ردٌّ وجيه. فالمثالُ يفصل الطبقتين، ولا يمنع الاستقراءَ من أن يعمل بينهما.
والفصلُ بين الطبقتين حقيقيٌّ، وليس حيلةً من المتديّنين. والشاهدُ على ذلك أنّه قائمٌ عند الطرفين:
- فمن جهة المؤمنين: الفيلسوفُ الأمريكيّ ألفن بلانتينغا، من أبرز فلاسفة الدين المسيحيّين. خصومتُه مع الطبقة الثانية لا مع علم الأحياء. وحجّتُه المشهورة لا تُبطل علمَ الأحياء ولا تُثبت إلهًا، فمن نقلها عندنا إبطالًا للتطوّر خالف صاحبَها. وقيدٌ لا يجوز إسقاطُه: هو يشكّك في الداروينيّة بمعنى الآليّة غير الموجَّهة، أي التي لا يقودها قصد. ونصُّه أنّ ما يقوله لا يلزم من نظريّة التطوّر، وإنّما يلزم من التطوّر غير الموجَّه. فمن قال «بلانتينغا يقبل التطوّر» بلا قيد، أفهم السامعَ أنّه يقبل الداروينيّةَ كما يعرضها علماءُ الأحياء، وليس كذلك. وأمّا قبولُه أنّ الأنواعَ ترجع إلى أصلٍ مشترك فلا أنسبه إليه هنا، لأنّي لم أقابله على موضعٍ بعينه من كتبه. ومن أراده فليبحث عنه في كتبه، فالدعوى التي لا يُعرف موضعُها لا تُبنى عليها نسبة.
- ومن جهة الملحدين: الفيلسوفُ الأمريكيّ توماس ناجل يعلن إلحادَه، ويرفض في الوقت نفسِه التصوّرَ المادّيَّ الداروينيَّ الجديد. والداروينيّةُ الجديدةُ هي الصورةُ التي استقرّت عليها الداروينيّةُ بعد أن ضُمّ إليها علمُ الوراثة. ويطلب ناجل بديلًا «غائيًّا»، أي يرى في الطبيعة اتّجاهًا نحو غايات، ولكن بلا فاعلٍ عاقلٍ يقصدها. فمن نقله عندنا «رجوعَ فيلسوفٍ كبيرٍ إلى الله» نسب إليه ضدَّ ما كتبه في صفحات كتابه الأولى.
فالرجلان يقفان على طرفي نقيض، ويشتركان في أنّ النزاعَ الحقيقيَّ عندهما في الطبقة الثانية لا في أدلّة علم الأحياء. وأزيد ما ليس في صالحي: كلاهما مع ذلك يمدّ خلافَه إلى الطبقة الأولى؛ فبلانتينغا يشكّك في الآليّة غير الموجَّهة، وناجل يرفض أن يكون التصوّرُ الداروينيُّ الجديد كافيًا. فهما يشهدان على أنّ السؤالين اثنان، ولا يشهدان على أنّ أحدًا لا يعبر من أحدهما إلى الآخر. فالفصلُ الذي أدّعيه فصلٌ بين سؤالين. أمّا العبورُ من أحدهما إلى الآخر فواقعٌ عند الفريقين، ومن دمجهما بلا بيانٍ أضاف إلى العلم ما ليس منه.
خامسًا: إن قيل لك إنّ إنكار التطوّر شرطٌ في إيمانك
إن كنتَ نشأتَ على أنّ إنكارَ التطوّر شرطٌ في إيمانك، ثمّ دخلتَ كلّيّةً تُريك من الأدلّة ما لا تستطيع أن تكذّبه بعينك، فأنت في موضعٍ لا يُحسد عليه أحد: بين شيءٍ تراه، وشيءٍ تحبّه.
والذي أقوله لك بأمانة: هذا الشرطُ اشترطه عليك من علّمك، وهو أوسعُ ممّا يقتضيه الدين. فلأهل الدين في تطوّر الأحياء فيما دون الإنسان مواقفُ مختلفة: منهم من يقبل الآليّةَ ويراها الكيفيّةَ التي خلق اللهُ بها الأحياء، ومنهم من يتوقّف، ومنهم من يردّها؛ والفصلُ بينهم مسألةُ نظرٍ لا يتوقّف عليها ما نحن فيه.
وأمّا خلقُ آدم عليه السلام فليس من هذا الباب، وأقولها صريحةً لئلّا تأخذ منّي ما لم أقله: جمهورُ أهل السنّة على أنّه خُلق من طينٍ ابتداءً لا من أصلٍ حيوانيّ، كما في سورة ص والحجر والسجدة وآل عمران، وليس ممّا يَسَعُ فيه الخلافُ عندهم. فمن قبِل الآليّةَ فيما دون الإنسان لم يلزمه في آدمَ شيء، ومن أثبت خلقَ آدمَ ابتداءً لم يلزمه في سائر الأحياء شيء. والتفريقُ بين الموضعين ليس مخرجًا صُنع لهذه اللحظة: مبناه أنّ أحدَهما موضعُ نصٍّ والآخرَ موضعُ بحث.
وأمّا من مضى به الأمرُ فخرج: فلستُ أخاطبك كأنّك في الطريق إلى موضعٍ ستعود إليه لا محالة. والذي هنا ينفعك بمعنًى واحد: أنّ من نقل إليك في علم الأحياء ما لم يتثبّت منه، ثمّ طلب منك أن تصدّقه في الغيب، كان يطلب ما لا يستحقّ. وأنت لمّا رفضتَ أن تصدّقه لم تُخطئ، بل استعملتَ القاعدةَ نفسَها التي مرّت في الفصل السابق: من لم يتثبّت فيما تعرفه لم يلزمك أن تصدّقه فيما لا تعرفه. وأكثرُ هذا تقليدٌ ونقلٌ بلا مقابلة، لا تعمّدَ كذب؛ والوصفُ للنقل لا للناقل. والذي رفضتَه هنا شهادةُ الرجل، لا المسألةُ التي شهد فيها. وإن انتهيتَ إلى أنّ البابَ كلَّه لا يستحقّ العودة، فلستُ أزعم أنّ شيئًا من هذا يردّك. والذي يبقى أنّ العلمَ لا يصحّ أن يُنسب إليه ما ليس منه، سواءٌ نسبه مؤمنٌ أو ملحد.
والذي يعنيه ذلك أنّ وجودَ الله لا يتوقّف على أيٍّ من هذه المواقف. فإن رجّحتَ الآليّةَ فيما دون الإنسان فلستَ خارجًا من بابٍ ولا داخلًا في آخر، بل رجّحتَ مسألةً في علم الأحياء. وأمّا أصلُ الإنسان فموضعٌ آخر: فيه نصٌّ في القرآن، ولأهل العلم كلامٌ ليس هذا موضعَه، ولستُ أُصدر لك فيه حكمًا من عندي. ولك أن تخرج من هذا كلِّه على رأيك أيًّا كان، فلا شرطَ عليك أن تقتنع.
ما لا يُثبته الفصلُ بين الطبقتين
لا يُثبت أنّ التطوّرَ يقتضي الإيمان، ولا أنّ الدينَ يقتضي التطوّر، ولا أنّ الله موجود. غايتُه واحدة: أن يُرفع عنك شرطٌ لا يلزمك، وأن يتبيّن أنّ من جعل علمَ الأحياء معركةَ عقيدةٍ وضع الدينَ في موضعٍ يخسر فيه بلا حاجة.
ولا يُبطل الطبيعانيّة. وغايتُه أنّ علمَ الأحياء وحدَه لا يستلزمها. أمّا السجلُّ التراكميُّ فيرفع احتمالَها رفعًا حقيقيًّا لا أنكره. ورفعُ الاحتمال غيرُ الحكم بالرجحان: فدعواها تعمّ كلَّ موجود، والسجلُّ كلُّه فيما دخل المعمل. ومن قرأ هذا إبطالًا لها، فقد قرأ فيه ما ليس فيه؛ ومن قرأه تسليمًا بها، فقد قرأ فيه ما ليس فيه كذلك.
فأين تقف أنت؟ إن قبلتَ التطوّر، فلم تحسم بقبوله شيئًا في مسألة الله. والسؤالُ الحقيقيُّ في الطبقة الثانية. والسجلُّ التراكميُّ فيها يرفع احتمالَ الطبيعانيّة رفعًا حقيقيًّا، وهو ترجيحٌ في مجاله لا حكمٌ على المسألة كلِّها. ويبقى خارجَ السجلِّ سؤالُ «لماذا يوجد نظامٌ أصلًا؟»، ولا يمرّ عليه الاستقراءُ بنفيٍ ولا إثبات. فالترجيحُ هنا ترجيحٌ لا إلزام، من أيّ جهةٍ جئتَ إليه.