١١. الفطرة، وهل يثق العقلُ بنفسه بلا خالق؟
السؤال: إن كان الميلُ إلى الاعتقاد الدينيّ مركوزًا في تكويننا، فهل هذا شاهدٌ له أم شاهدٌ عليه؟
الجوابُ في سطرين: أبحاثُ الإدراك هي العلمُ الذي يدرس كيف يفكّر الإنسانُ ويفهم. وهي ترصد في الإنسان ميلًا مبكّرًا إلى أمرين: أن يفسّر الأشياءَ بغاياتها، وأن يفترض وراء الحوادث فاعلًا. وهذا الرصدُ يفسّر كيف ينشأ الاعتقاد، ولا يحكم على صدقه، لا له ولا عليه. ويُقرن هذا الميلُ بما يسمّيه أهلُ الدين «الفطرة»، وليسا سواء: فالفطرةُ في لسان الشرع أوسعُ منه، وإنّما تُعرف بخبر الشارع لا برصد الباحث. والكلامُ فيما يأتي على هذا الميل المرصود وما يُبنى عليه في الجدل، لا على الفطرة التي جاء بها الخبر.
ثمّ تأتي حجّةُ الفيلسوف الأمريكيّ ألفن بلانتينغا فتقلب السؤالَ على الطبيعانيّة نفسِها. والطبيعانيّةُ هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. وحجّةُ بلانتينغا حجّةٌ حقيقيّة، لكنّها لا تُثبت إلهًا. وهي كذلك سلاحٌ يجرح حاملَه إن أفرط فيه. وفي المسألة موضعٌ واحدٌ ليس عندي فيه جواب.
أوّلًا: ما الذي ترصده أبحاثُ الإدراك فعلًا
في هذا الحقل ثلاثُ نتائجَ تتكرّر عند أهله.
١. جهازُ كشف الفاعلين مفرطُ الحساسيّة. الإنسانُ ينسب الحركةَ إلى فاعلٍ بسرعةٍ تسبق التفكير. وسرعتُه هذه مفهومةٌ على فرض التطوّر. والتطوّرُ عند أصحابه تغيُّرُ الصفات الموروثة في الأحياء جيلًا بعد جيل، حتى تنشأ عنها أنواعٌ جديدة. فمن ظنّ الحفيفَ في العشب مفترسًا فهرب، ثمّ تبيّن أنّه الريح، خسر ركضة. ومن ظنّه ريحًا فأخطأ، خسر حياته. فكلفةُ الخطأين غيرُ متساوية، والجهازُ مضبوطٌ على الخطأ الأرخص. وما في هذا الفصل من كلامٍ في نشأة آليّات الإدراك محمولٌ على هذا الفرض، لا تقريرٌ في أصل خلق الإنسان؛ وخلقُ آدم عليه السلام ابتداءً منصوصٌ عليه في القرآن، كما في آل عمران ٥٩ والحجر ٢٦.
*مثالٌ محسوس*: أنت وحدك في البيت ليلًا، فيصدر من المطبخ صوتُ ارتطام. يتوتّر جسدُك قبل أن يخطر لك أنّه القطُّ أو الرفُّ المائل. لم تقرّر أن تخاف؛ الجهازُ سبقك.
٢. الغائيّةُ المنتشرة عند الأطفال. «الغائيّة» أن تفسّر الشيءَ بالغاية التي وُجد لها. والطفلُ يميل إلى تفسير الأشياء بوظائفها ومقاصدها: الصخورُ مدبَّبةٌ لئلّا يجلس عليها الحيوان، والبحرُ أزرقُ ليشبه السماء. وهذا ميلٌ تلقائيٌّ يظهر قبل التعليم الدينيّ، ولا يزول بالكِبَر زوالًا تامًّا. ورصدُ هذا الميل لا يحكم على صدق التعليل بالغاية حيث جاء به الخبر؛ فوصفُ الآلة غيرُ الحكم على ما تُخرجه، وتلك قاعدةُ الفصل يأتي تقريرُها بعد قليل.
٣. الاعتقاداتُ التي تخالف المألوفَ قليلًا أثبتُ في الذاكرة. التصوّرُ الذي يوافق ما نتوقّعه من الأشياء إلا في خصلةٍ أو خصلتين يتناقله الناسُ أكثرَ من المألوف تمامًا، وأكثرَ من الغريب تمامًا.
*مثالٌ محسوس*: قارِن ثلاثةَ تصوّرات. «رجلٌ يمشي في السوق»: مألوفٌ تمامًا، يُنسى في ساعة. «كائنٌ في ستّة عشر بُعدًا، لا لونَ له ولا مكان، يتغذّى على الأعداد الزوجيّة، ويتذكّر الغدَ دون الأمس»: غريبٌ تمامًا، لا تحمله الذاكرةُ ولا يعيد أحدٌ روايتَه. و«رجلٌ يمشي في السوق ويعبر الجدران»: خصلةٌ واحدةٌ تخالف المألوف، وسائرُه على ما تعرف، فهو يجوع، ويغضب، ويكذب عليه الناس. وهذا الثالثُ هو الذي يُروى في القرية بعد عشرين سنة.
وهذا الصنفُ تحمله الحكاياتُ الدائرةُ في كلّ أمّة: كنزٌ يحرسه ثعبان، وبابٌ لا يُفتح إلا بكلمة، وعينٌ من شرب منها لم يهرم. فأمّا الخبرُ عن واقعةٍ بعينها فطريقُ الحكم عليه سندُه ودليلُه، لا سهولةُ روايته. والنتيجةُ تنطبق على معتقدي وعلى معتقد غيري سواءً بسواء.
باريت وبواييه: ماذا يقول كلٌّ منهما فعلًا
ويُقال في هذا الباب إنّ الحقلَ نفسَه يشهد بأنّ نتائجه محايدة، لا تنصر الدينَ ولا تهدمه، ويُستشهد لذلك بباحثَين: جستن باريت وباسكال بواييه. وليس الأمرُ كذلك في واحدٍ منهما.
أمّا جستن باريت، فهو أشهرُ من صاغ فكرةَ «جهاز كشف الفاعلين المفرط الحساسيّة»، وهو مسيحيٌّ ملتزم. وصحيحٌ عنه أنّه يقرّر أنّ نشأةَ الاعتقاد من طريقة عمل العقل لا تُبطل الاعتقاد. لكن ليس صحيحًا أنّه محايد. فكتابُه يبني في فصليه السابع والثامن حجّةً لصالح الإيمان. فهو يسوّي بين الاعتقاد بالله والاعتقاد بأنّ لغيرنا عقولًا، فكلاهما عنده اعتقادٌ طبيعيٌّ قريبٌ من صاحبه. ويقرّر أنّ من هاجم الأوّلَ على أساسٍ من التجربة لزمه أن يهاجم الثاني. ويقبل حجّةَ «الضبط الدقيق»، أي القولَ بأنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة. ويرى أنّ عدمَ الإيمان يحتاج من صاحبه إلى نظرٍ متكلَّفٍ يدافع به عن نفسه أكثرَ ممّا يحتاجه الإيمان، لأنّه عنده أبعدُ عن ميل الإنسان التلقائيّ.
وما نسبتُه إليه هنا أنقله كلَّه بالمعنى لا باللفظ: التسويةَ بين الاعتقاد بالله والاعتقاد بأنّ لغيرنا عقولًا، وقبولَ حجّة الضبط الدقيق، وحاجةَ غير المؤمن إلى نظرٍ متكلَّفٍ يدافع به عن نفسه. فأنا آخذ ذلك كلَّه عن مراجعةٍ نقديّةٍ لكتابه لا عن الكتاب نفسِه، ولم أقابل شيئًا منه على الأصل. ومن أراد لفظَه فليطلبه في الفصلين السابع والثامن، فإن خالف ما نقلتُ فالحقُّ لفظُه لا نقلي. وعبءُ الإثبات أنّ من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. فإن وصفتُ موقفَه بأنّه يجعل على غير المؤمن عبءَ إثباتٍ أثقل، فتلك صياغتي أنا لا لفظُه.
فمن ساق باريت شاهدًا للفطرة لم يحمّله ما لا يقول، لأنّه يقول شيئًا في هذا الاتّجاه فعلًا. ولي أن أخالفه، لكن ليس لي أن أنفي عنه قولَه. والخطأُ على المخالف والموافق سواء: أن يُنسب إلى رجلٍ ما لا يقوله، أو يُنفى عنه ما يقوله.
وأمّا باسكال بواييه، فهو عالمُ إنسانٍ (أنثروبولوجيا). ويعرض في كتابه الاعتقادَ الدينيَّ نتاجًا عرضيًّا، أي أثرًا جانبيًّا لآليّاتٍ في العقل لم تنشأ من أجله. ويُنسب إليه أنّه ينصّ على أنّه لا يحكم بصدق المعتقد ولا بكذبه. وليس في كتابه هذا النصّ. وأقصى ما فيه أنّه يترك المسألةَ جانبًا، لا أنّه يصرّح بالحياد: أنّ من جاء يطلب في الكتاب تأييدًا لدعوى أنّ الدينَ حقّ فلن يجد فيه شيئًا، وأنّ الكتابَ لا يناقش تلك الدعوى أصلًا. بل في الكتاب خلافُ الحياد: ففي الفصل التاسع (ص ٣٠٠) يقرّر أنّ ما يعدّه المؤمنون دليلًا على وجود الآلهة «لم يبدُ قطُّ لمن هم خارجَه دليلًا على شيءٍ من ذلك»، ويرى أنّ الدعاوى الدينيّةَ لا يمكن أصلًا أن يُختبر كذبُها. فنسبةُ الحياد إليه لا تصحّ. وأنقل لفظَه لأنّه ينقض دعوى حياده، لا لأنّي أقرّ مضمونه: فهو حكمٌ عامٌّ على الأديان جملةً لا يفصل بينها، والقرآنُ يدعو مخالفَه إلى النظر فيه ويطلب منه البرهان، كما في النساء ٨٢ والبقرة ١١١. وأمّا معيارُ التكذيب نفسُه وما يبلغه وما لا يبلغه، فيأتي في موضعه من هذا الكتاب. ولا أبني على قوله شيئًا في هذه المسألة.
فما الذي يبقى إذا لم يشهد أحدُهما بالحياد؟ يبقى ما هو أمتنُ منهما: أنّ الرجلين ينظران في المعطى نفسِه، وهو جهازٌ ينسب الفعلَ إلى فاعلٍ قبل التفكير. فيخرج أحدُهما بحجّةٍ للإيمان بالله، ويخرج الآخرُ بتفسيرٍ للاعتقاد على أنّه نتاجٌ عرضيٌّ لآليّةٍ لا شأنَ لها بالحقيقة.
واختلافُ الرجلين في الحكم على معطًى واحدٍ يدلّ على أنّ هذا المعطى لا يحسم المسألة، لكنّه لا يبرهن على ذلك. فقد يختلف اثنان في معطًى حاسم ويكون أحدُهما مخطئًا؛ وإلّا لزم أنّ كلَّ مسألةٍ اختُلف فيها لا حسمَ فيها. والذي يُثبت أنّ هذا المعطى لا يحسم هو طبيعتُه نفسُها. فأن تصف كيف تعمل آلةٌ شيء، وأن تقول إنّ ما تُخرجه صحيحٌ أو فاسدٌ شيءٌ آخر. فمن وصف الآلةَ لم يقل شيئًا في صدق ما تُخرجه، لا لي ولا عليّ. وهذه هي «مغالطةُ التكوين»: أن يُحكم على صدق فكرةٍ بطريقة نشأتها. والخلافُ بين الرجلين يكشف ذلك، لكنّه ليس سببَه. ومن احتاج إلى أن يشهد له من يخالفه بالحياد، فقد بنى على أضعف ما يُبنى عليه.
«العلمُ أثبت الفطرة» — ولماذا لا يصحّ هذا القول
قد يقول قائل: أرأيت؟ الفطرةُ ثابتةٌ علميًّا.
وهذا غلط. وهو غلطٌ يكثر في الكتابة الدعويّة المعاصرة بالعربيّة، وأنا أعرفه من نفسي قبل غيري. فوجودُ آليّةٍ في الدماغ تُنتج الاعتقادَ لا يقول شيئًا عن صدقه. والانتقالُ من «كيف نشأ الاعتقاد» إلى «فهو إذن صادق» أو «فهو إذن باطل» هو بعينه ما يسمّيه أهلُ المنطق «مغالطةَ التكوين»: أن تحكم على صدق فكرةٍ بطريقة نشأتها.
والمثال: ميزانُ الحمّام في بيتك، أنت اشتريتَه ووضعتَه. وأنا أستطيع أن أشرح لك صناعتَه كلَّها: زنبركٌ ومؤشّرٌ ومعايرةٌ في المصنع. وشرحي هذا لا يقول لك كم تزن. فقد يكون الميزانُ صادقًا، وقد يكون معطوبًا، ومعرفةُ تركيبه لا تحسم أحدَ الأمرين.
فالطريقُ مسدودٌ في الاتّجاهين:
| الدعوى | لماذا لا تصحّ |
|---|---|
| «العلمُ أثبت الفطرةَ، فثبت الدين» | النشأةُ آليّةٌ لا شهادةٌ على صدق ما تُنتجه؛ والجهازُ نفسُه يُنتج ما نعدّه نحن باطلًا، كنسبة الفعل إلى الجمادات |
| «العلمُ أثبت أنّ الدماغَ يخترع الآلهة» | التفسيرُ من جهة التطوّر يفسّر انتشارَ الاعتقاد لا صدقَه؛ ووصفُ آليّةٍ ليس حكمًا على ما تُنتجه |
وليس في هذا نفيٌ للفطرة، وإنّما هو حكمٌ على طريقٍ إليها. فالفطرةُ ثابتةٌ بخبر الشارع: جاء بها القرآنُ كما في سورة الروم ٣٠، وجاء الحديثُ «كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي هريرة. والذي يمتنع أن يُتّخذ الرصدُ دليلًا يُلزم من لا يقبل الخبرَ أصلًا. ونفيُ الإلزام ليس نفيًا للمدلول؛ ومقامُ المناظرة غيرُ مقام التقرير، على ما تقدّم في أوّل الكتاب: التعادلُ في الحجج ليس تعادلًا في الحقّ.
والمرصودُ يبقى موصوفًا كما هو. فقد يوافق ما جاء به الخبر، ولا تجعل الموافقةُ الرصدَ أصلًا يقوم عليه الخبر. ومن جعله أصلًا علّق ثبوتَ النصّ على ورقةٍ تُنشر، فإن نُقضت الورقةُ بعد عشر سنين حسب النصَّ منقوضًا معها. وذاك وجهٌ ثانٍ من الغلط في قول «العلمُ أثبت الفطرة»: أنّه يُنزل الأصلَ منزلةَ الفرع.
وتنبيهٌ على دعوى مشهورةٍ عُرفت باسم «خوذةِ الله»، وهي القولُ بأنّ حقلًا مغناطيسيًّا يُسلَّط على الرأس يولّد التجربةَ الدينيّة. ولم تجد تجربةٌ «مزدوجةُ التعمية» — أي لا يعرف فيها المشاركون ولا القائمون عليها من عُرّض للحقل حقًّا، وفيها مجموعةٌ ضابطةٌ عُرّضت لحقلٍ زائف — أثرًا للحقل المغناطيسيّ. وتبيّن أنّ الذي يتنبّأ بالتجربة قابليّةُ الشخص للإيحاء. فلم تقم دعوى الحقل على هذه التجربة. ثمّ نازع أصحابُ الدعوى في منهجها، وردّ عليهم القائمون بها في الدوريّة نفسِها، والنزاعُ لم يُحسم. ولا يعني هذا أنّ التجربةَ الدينيّة ثبتت ولا أنّها بطلت. والطرفان يتجاوزان ما في الورقة: هذا يقول «ثبت أنّ الدينَ وهم»، وذاك يقول «ثبت أنّ العلمَ عجز»، وكلاهما يقرأ في الورقة ما ليس فيها.
حجّةُ التقويض: كيف يصير التفسيرُ التطوّريُّ ضدَّ الاعتقاد لا محايدًا
وأزيدك ما هو أثقل. فهناك صيغةُ حجّةٍ تجعل التفسيرَ التطوّريَّ ضدَّ الاعتقاد، لا محايدًا. وتُسمّى «حجّةَ التقويض»، لأنّها لا تقول إنّ الاعتقادَ كاذب، بل تهدم الأساسَ الذي تقوم عليه ثقتُك به. وهي معروفةٌ في الفلسفة المعاصرة، وأدقُّ صياغاتها في باب القيم الأخلاقيّة لا في الاعتقاد الدينيّ، فنقلُها إلى الاعتقاد نقلٌ منّي لا من صاحبة تلك الصياغة. ولها في باب الاعتقاد جوابٌ معروفٌ يُسمّى «العامل الثالث»: أنّ الذي صنع الملكةَ ضمن أن تطابق الحقيقة، فتكون مضبوطةً على الصدق لا على النجاة وحدَها. وهو محلُّ نزاعٍ لم يُفرغ منه، وثمنُه أنّ تقريرَه نفسَه يجري بالملكات المتنازَع فيها، وذاك يأتي في آخر هذا الباب. فلا أبني عليه ههنا، ولا أقول إنّ المسألةَ بلا جوابٍ عند أحد. وبنيةُ الحجّة:
المَلَكةُ قدرةٌ في العقل. فإن كانت لي ملكةٌ تُنتج الاعتقادَ بشيءٍ ما، وكان عملُها لا يتأثّر بصدق هذا الشيء ولا بكذبه، فوجودُ هذا الاعتقاد عندي لا ينقل إليّ شيئًا عن الواقع. وينبغي حينئذٍ أن أخفّض ثقتي به.
والمثال: ميزانُ حرارةٍ في صيدليّةٍ عالقٌ عند سبعةٍ وثلاثين. تقيس به حرارةَ سليمٍ فيصدق، وتقيس به حرارةَ محمومٍ فيكذب. وعطبُه ليس أنّه أخطأ مرّة، بل أنّ قراءتَه لا تتغيّر بتغيّر الحقيقة، فهي لا تنقل عنها شيئًا أصلًا.
*وحدُّ هذا المثال:* في الحرارة نملك ميزانًا ثانيًا نقابل به الأوّل. أمّا حين يكون المتنازَعُ فيه هو أداةَ القياس نفسَها، فلا ميزانَ خارجها نقابل به.
جوابي عن حجّة التقويض — وحدُّه: الفاعلُ القريب دون البعيد
في الحجّة شرطٌ ثانٍ يقول إنّ الملكةَ لا تتأثّر بصدق ما تُنتجه. وأوّلُ الجواب أنّ هذا الشرطَ محلُّ نزاع، لا أمرٌ مسلَّم. فمن ادّعى أنّ جهازَ كشف الفاعلين يعمل مثلَ الميزان العالق، فعليه أن يُثبت أنّه لا يتأثّر بوجود الفاعلين ولا بعدمهم. وهو يتأثّر في الفاعلين القريبين: يُصيب في الأسد ويخطئ في الريح، ولولا إصابتُه في شيءٍ ما بقي.
لكنّ الحساسيّةَ لمفترسٍ في العشب ليست حساسيّةً لفاعلٍ وراء العالم. وحجّةُ التقويض موجّهةٌ إلى الثاني لا إلى الأوّل. فمن أجاب بأنّ الجهازَ «يصيب في الأسد» فقد أجاب عن سؤالٍ لم يُسأل: لم يدّعِ أحدٌ أنّه لا يكشف الأسود. الدعوى أنّ ضبطَه على الأسود لا يقول شيئًا عن دقّته خارج الأسود.
وأوضحُ ما يُدينني أنّ المبدأَ الذي يكسر هذا الجواب مبدأٌ أقول به أنا. وهو أنّ الملاءمةَ لا تفسّر الانتقال. فالمفتاحُ الذي بُرِد على قفلٍ يفتحه، لكنّ فتحَه لهذا القفل لا يشهد له بشيءٍ في قفلٍ لم يره صانعُه. وهذا هو الحكمُ هنا حرفًا بحرف: مَلَكةٌ ضُبطت في ميدانٍ ثمّ نُقلت إلى ميدانٍ آخر، لا يشهد لها نجاحُها في الأوّل بشيءٍ في الثاني. فاستعمالُ مبدأ الانتقال حيث يخدمني في الرياضيّات، وإنكارُه حيث يضرّني في الفطرة، كيلٌ بمكيالين. ومثالي أنا يهدم جوابي: الميزانُ العالقُ عند سبعةٍ وثلاثين يصيب في السليم، ولم ينفعه ذلك عندي؛ فلماذا ينفع الجهازَ أنّه يصيب في الأسد؟
فالحقُّ أن يُقال: الحجّةُ صحيحةُ البناء. وتطبيقُها على الفاعل القريب غيرُ مسلَّم. وأمّا في الفاعل البعيد، وهو وحدَه موضعُ النزاع، فلا جوابَ عندي. وهو الموضعُ نفسُه في حجّة بلانتينغا: أنّ الترابطَ بين الصدق والبقاء ثابتٌ في الإدراك القريب دون البعيد. ومن أخذ الجوابَ الأوّلَ ونسي هذا القيدَ، فقد نصرني بما لا أقول.
وهنا تنقص الدعوى نفسُها، لا المثالُ وحدَه. فقد يبدو الحاصلُ في مسألة الفطرة تعادلًا: لا الفطرةُ دليلٌ لمن يؤمن، ولا تفسيرُها دليلٌ على من يؤمن. والحقُّ أنّ الحاصلَ في طريق الرصد أقلُّ من التعادل في الشقّ الذي يخصّني: فالذي ترصده أبحاثُ الإدراك لا يشهد لنا، على ما تقدّم في مغالطة التكوين. وأمّا الفطرةُ بمعناها في الشرع فخبرٌ جاء به النصُّ عن حال المخلوق، لا استنباطٌ من رصد، فلا يتناولها هذا البابُ نفيًا ولا إثباتًا. وحجّةُ التقويض في الفاعل البعيد قائمةٌ بلا جوابٍ عندي. والذي يمنعها من أن تبلغ إبطالَ الاعتقاد ليس جوابي. الذي يمنعها أنّ الانتقالَ من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض اعتقادي» يحتاج مبدأً لم يُبرهَن عليه. وهو مبدأٌ يعمل لصالحي وضدّي في آنٍ واحد.
فأين تقف أنت؟ ليس ما ترصده أبحاثُ الإدراك دليلًا لك. فمن قال لك: «العلمُ أثبت الفطرة»، فقد قال شيئًا عن نشأة الاعتقاد لا عن صدقه. وأمّا الفطرةُ التي جاء بها النصُّ فخبرٌ عن حال المخلوق، ثبوتُه من جهة صدق الخبر، فلا يُثبته رصدٌ ولا يردّه، وليس هو المرادَ حيثما وقع لفظُ «الفطرة» في هذا الباب. والذي يترجّح أنّ الحاصلَ دون التعادل في الشقّ الذي يخصّ من يؤمن: فالمرصودُ ليس دليلًا له، وحجّةُ التقويض في الفاعل البعيد قائمةٌ بلا جوابٍ عندي. والذي يمنعها من أن تبلغ إبطالَ الاعتقاد مبدأٌ لم يُبرهَن عليه، لا جوابٌ في يدي. ويبقى مفتوحًا سؤالٌ واحد: هل يصلح جهازٌ ضُبط على الفاعل القريب شاهدًا على فاعلٍ بعيد؟
حجّةُ بلانتينغا: قلبُ السؤال على السائل
هنا يُدخل بلانتينغا نقلةً في الموضوع. يقول: ما دمنا نتكلّم في منشأ ملكاتنا العقليّة، فلنطبّق القاعدةَ على من يطبّقها.
وصياغتُها في أربع خطوات:
- افترض أنّ الطبيعانيّةَ صادقة، فلا شيءَ وراء العالم الطبيعيّ، وأنّ العقلَ البشريَّ ثمرةُ «انتقاءٍ طبيعيٍّ» غيرِ موجَّه. والانتقاءُ الطبيعيُّ بقاءُ الأصلح لبيئته وتكاثرُه أكثرَ من غيره؛ و«غيرُ موجَّه» أي لا يقصد غايةً ولا يديره أحد.
- والانتقاءُ يعمل على السلوك: يُبقي الكائنَ الذي يهرب في وقته ويأكل ما ينفعه، ولا يرى ما في ذهنه إلا من خلال أثره في سلوكه. وهنا المقدّمةُ التي تحمل الحجّةَ كلَّها: أنّ ما في الذهن يمكن أن يتبدّل ويبقى السلوكُ هو هو. أي أنّ مجموعةً كاملةً من الاعتقادات الكاذبة يمكن أن تُنتج السلوكَ النافعَ نفسَه. وهذه دعوى كبيرةٌ في فلسفة العقل، لا مسلَّمة. فقد يُقال إنّ معنى الفكرة في ذهنك هو نفسُه ما يجعل سلوكَك ناجحًا، أي أنّ فكرتَك لا تكون فكرةً «عن الأسد» إلا لأنّها هي التي تعمل مع الأسود. ومن قال هذا لم يقبل المقدّمةَ أصلًا، إذ لا يمكن عنده أن يتبدّل ما في الذهن ويبقى السلوك. فتسقط الحجّةُ عنده من هذه الخطوة.
- والمقصودُ أن تبلغ ملكاتُنا الحقيقةَ، لا أن تُنتج السلوكَ النافع فحسب. واحتمالُ أن تكون موثوقةً في بلوغ الحقيقة ليس في أيدينا ما نقدّره به.
- وهنا مفصلُ الحجّة، ولا تصحّ إلا به. والصياغةُ التالية صياغتي أنا، لا لفظُ صاحبها. فالحجّةُ لا تنتقل من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض ثقتي». ولو انتقلت هذا الانتقالَ لسقطت بالنقطة (أ) من ردّ فيتلسون وسوبر، وهي نقطةٌ أقبلها أنا. وإنّما تقول: من علم أنّ ملكاتِه نتجت عن آليّةٍ لا تستهدف الصدقَ أصلًا، فقد علم عنها شيئًا. فليس الأمرُ أنّه يجهل حالَها، بل أنّه يعلم أنّ مصدرَها لم يكن معنيًّا بالصدق. فالذي يهدم الثقةَ هو هذا العلمُ، لا ذاك الجهل. ومن قبِله لزمه أن يشكّ في كلّ ما أنتجته ملكاتُه. وأوّلُ ما يدخل في هذا الشكّ الطبيعانيّةُ ونظريّةُ التطوّر نفسُهما، لأنّهما من نتاج تلك الملكات. فالموقفُ ينقض نفسَه.
والنزاعُ كلُّه في الخطوة الرابعة: أهي علمٌ بمصدرٍ لا يستهدف الصدق، أم جهلٌ بمقدار احتمال؟ فإن كانت الثاني سقطت الحجّة، وإن كانت الأوّل بقيت.
والصيغةُ الأصليّةُ عند صاحبها احتماليّة: تبدأ من أنّ احتمالَ أن تكون ملكاتُنا موثوقةً، إذا فرضنا الطبيعانيّةَ والتطوّر، احتمالٌ منخفضٌ أو لا يمكن تقديرُه، وتنتهي إلى أنّ قبولَ الطبيعانيّة والتطوّر معًا ينقض نفسَه. وعلى هذه الصيغة بشقّيها ردّ الفيلسوفان الأمريكيّان براندن فيتلسون وإليوت سوبر باسمها. أمّا صيغةُ «العلم بالمصدر» التي في الخطوة الرابعة فهي صياغتي أنا، وهي وحدَها تنجو من النقطة (أ). ولي أن أرى الصيغةَ الأصليّةَ ساقطة. وليس لي أن أنفي عن الرجل صيغتَه، ولا أن أرمي من نقلها عنه بالخطأ.
والمثالُ المحسوس: وظّفتَ بائعًا، وجعلتَ أجرَه على عدد الصفقات لا على صدق كلامه. بعد سنةٍ صار بارعًا في عباراتٍ تُتمّ الصفقة. أهي صادقة؟ لم يقِسها أحدٌ قطّ، فالمقياسُ كان البيعَ وحدَه. قد تكون صادقةً بالمصادفة، وقد لا تكون؛ والذي نعلمه يقينًا أنّها تربح، لا أنّها صحيحة.
ومثالٌ ثانٍ يُري الفكرةَ في أقصر صورة: كلبٌ يفرّ من كلّ حبلٍ لامع. فرّ مئةَ مرّة، تسعٌ وتسعون منها من حبل. سلوكُه أنجاه في المرّة التي كانت أفعى، واعتقادُه كان كاذبًا تسعًا وتسعين مرّة.
*وحدُّ هذا المثال:* هذا الكلبُ ليس مقطوعَ الصلة بالحقيقة، بل يميل إلى الخطأ الذي لا يكلّفه كثيرًا. ولولا أنّ للمعان الحبل صلةً بالأفعى ما نفعه فرارُه. فالمثالُ يُريك أنّ الخطأَ رخيصٌ في جانبٍ دون جانب. ولا يُريك انفصالَ ما في الذهن عن الواقع انفصالًا تامًّا. والحجّةُ تحتاج هذا الانفصالَ التامّ، وهو أثقلُ ممّا يُريه المثال. وهو الحكمُ نفسُه في جهاز كشف الفاعلين، فلا يكون المثالُ الواحدُ دليلَ ثقةٍ هنا ودليلَ انفصالٍ هناك.
وثلاثةُ تنبيهاتٍ لا تُترك، وهي التي يُهملها كثيرٌ ممّن ينقل الحجّة:
- لا تُثبت إلهًا. غايتُها أنّ الجمعَ بين الطبيعانيّة والتطوّر جمعٌ لا يقبله العقل. فمن ردّها لم يلزمه شيءٌ في الإيمان بالله، ومن قبِلها لم يلزمه أن يؤمن.
- وليست حجّةً على نظريّة التطوّر. هي موجّهةٌ إلى الطبيعانيّة مقترنةً بالتطوّر غيرِ الموجَّه، لا إلى علم الأحياء. وصاحبُها يقرّر أنّ التصميمَ والتطوّرَ لا يتعارضان منطقيًّا. ولا يلزم من ذلك أنّه يتبنّى القولَ بأنّ الأنواعَ الحيّةَ ترجع كلُّها إلى أسلافٍ مشتركة. فله مقالٌ منشورٌ سنة ١٩٩١ يوصي فيه بشكٍّ مهتمٍّ حذرٍ في هذا القول، ويقول إنّه يظنّ الخلقَ المنفصلَ أرجحَ منه قليلًا على الشواهد لمن يؤمن بالله، مع إقراره بأنّ الأصلَ المشتركَ ممكن، وأنّ الشواهدَ ملتبسة. فمن ساق الحجّةَ في العربيّة إبطالًا للتطوّر خالف معناها، ومن نسب إليه في هذه المقالة قبولَ الأصلِ المشترك خالف لفظَه فيها. والاثنان خطأ. ولا يُحكم بهذه المقالة على ما كتبه بعدها.
- وليست دعوى أنّ الملحدَ لا يعقل. الدعوى في اتّساق موقفٍ نظريٍّ مع نفسه، لا حكمٌ على أشخاصٍ ولا على عقولهم. والذي يُخالَف قولٌ، لا رجل.
ردُّ فيتلسون وسوبر: ثلاثُ نقاطٍ على الحجّة
من أشهر ما نُشر في نقض هذه الحجّة ورقةُ فيتلسون وسوبر سنة ١٩٩٨. ولا أقول إنّها أدقُّ ما كُتب، فذاك حكمُ تفضيلٍ لا يُختبر. وفي المسألة مجلّدٌ كاملٌ خُصّص للردود على الحجّة ولردود بلانتينغا عليها. وفي الورقة ثلاثُ نقاطٍ منفصلة، وخلاصتُها عندهما أنّ حججَ بلانتينغا الاحتماليّة لا تنجح.
(أ) الرقمُ غيرُ محسوب. قولُ «الاحتمالُ منخفض» يقتضي أن تعرف كم مجموعةً من الاعتقادات يمكن أن تكون في الذهن، وكم منها صادق، حتى تقسم هذا على ذاك. وليس عند أحدٍ هذا العدّ. وإن قيل: «الاحتمالُ غامضٌ لا نعرفه»، فتلك حالُ من يقول «لا أدري»، وليست سببًا لإسقاط الثقة. والانتقالُ من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض ثقتي» يحتاج مبدأً لم يُبرهَن عليه.
*مثالٌ محسوس*: لو سألك أحدٌ: ما احتمالُ أن يكون في علبةٍ مغلقةٍ لم ترها كرةٌ حمراء؟ فلا يصحّ أن تقول «منخفض»، لأنّك لا تعرف ما في العلب. الصادقُ أن تقول «لا أدري». و«لا أدري» لا تعني أنّ عندك ما ينفي الكرة.
وأنا أقبل هذه النقطة. ولا ينجو منها إلا صيغةُ «العلم بالمصدر» التي في الخطوة الرابعة، لا صيغةُ «الجهل بالاحتمال». وتلك صياغتي أنا، والورقةُ إنّما تردّ على الصيغة الاحتماليّة بلفظها.
(ب) الشرطُ ناقص. السؤالُ ليس: ما احتمالُ أن تكون ملكاتُنا موثوقةً لو لم نعلم عنها شيئًا؟ بل: ما احتمالُها مع كلّ ما نعلمه فعلًا؟ ونحن نعلم كثيرًا: تنبّؤاتٌ تحقّقت، وجسورٌ قامت، وطائراتٌ طارت، ولقاحاتٌ عملت، وباحثون مستقلّون اتّفقوا دون أن يتواطؤوا. فالحكمُ على الأداة بمعزلٍ عن سجلّها حكمٌ على حالٍ ليست حالَنا.
(ج) الصدقُ والبقاءُ مترابطان في أكثر الأحوال. الكائنُ الذي يخطئ في تقدير المسافة يسقط، والذي يخطئ في تمييز الغذاء من السمّ يموت. فما في الذهن ليس منفصلًا عن السلوك كما تفترض المقدّمةُ التي تحمل الحجّة. وأن تكون الاعتقاداتُ كلُّها كاذبةً ثمّ تُنتج سلوكًا يظلّ ناجحًا في بيئاتٍ متغيّرة، أمرٌ لا يُتصوّر بسهولة.
وفائدةٌ تُستثمر: فيتلسون وسوبر لا يدّعيان أنّهما أثبتا أنّ ملكاتِنا موثوقة. وهما ينصّان على أنّ المؤمنَ يقع في ورطةِ شكٍّ مماثلة. وهذا هو بعينه «الحدُّ الثاني» على من يُفرط في الحجّة: فالنقطةُ التي أعدّها حدًّا على نفسي يقرّرها أشهرُ ناقضَي الحجّة، ويجعلانها على الطرفين معًا.
وجوابُ بلانتينغا عن (ب): أنّ هذه الشواهدَ كلَّها، الجسورَ والطائراتِ واللقاحات، هي من نتاج الملكات التي نشكّ فيها، فلا تصلح لتبرئتها. ومن استعمل شهادةَ شاهدٍ في إثبات عدالة الشاهد نفسِه، فقد دار في دائرة.
وهو جوابٌ يُثبت أكثرَ ممّا يريد. فهذه الدائرةُ حالُ كلّ متكلّم، فلا تصلح سلاحًا يُسقَط به سجلُّ الملكات في (ب). ومن أسقط بها السجلَّ أسقطه على الطرفين، فلم يبقَ في يده ما يرجّح به شيئًا. ولا تبقى في يده حجّةُ بلانتينغا نفسُها، فهي أيضًا من نتاج تلك الملكات. فالأدقّ أنّ السجلَّ لا يُبرّئ الملكاتِ تبرئةً مستقلّةً عنها. لكنّه لا يُلغى كذلك، لأنّ إلغاءَه يلزم منه إلغاءُ كلّ استدلال. فالنقطةُ (ب) تُضعف الحجّةَ ولا تُسقطها. وهذا أقلُّ نفعًا لي، لكنّه الأدقّ.
وجوابي عن (ج)، وهو موضعُ النزاع الحقيقيّ: أنّ الترابطَ بين الصدق والبقاء ثابتٌ في الإدراك القريب، أي في المسافة والغذاء والمفترس. وإنّما تعمل الحجّةُ في الحقائق البعيدة عن أثر البقاء: علمِ نشأة الكون، والرياضيّاتِ المجرّدة، والأسئلةِ فيما وراء الطبيعة، والأخلاق. فالسؤال: أيُّ ضغطٍ في الانتقاء الطبيعيّ ضبط أذهانَنا على صدق أحكامنا في نشأة الكون؟ لا شيءَ في نجاة الجدّ الأوّل كان يتوقّف عليها.
وما وراء هذا القدر نزاعٌ في فلسفة العقل لم يُحسم: هل معنى ما في الذهن تحدّده وظيفتُه في بقاء الكائن، فتسقط المقدّمةُ التي تحمل الحجّةَ من أصلها، أم لا؟ ولا أعلم لهذا جوابًا حاسمًا، وليس عليه عند أهل الاختصاص إجماع.
فأين تقف أنت؟ خُذ من هذه الحجّة قدرَها ولا تزد عليه. فسؤالُ «بأيّ حقٍّ أثق بعقلي؟» يقع على المؤمن والملحد سواءً، وليس في يد أحدٍ منهما في هذا الموضع جوابٌ يحسمه. وليست هذه نتيجةً في وجود الله: لا يُبنى عليها إيمانٌ ولا إلحاد، وإنّما تُبنى عليها تسويةٌ بين الطرفين في نقطة البداية. ويبقى مفتوحًا — عندي وعند أهل الاختصاص — سؤالٌ واحد: هل يمكن أن يتبدّل ما في الذهن ويبقى السلوكُ كما هو؟
حجّةُ بلانتينغا سيفٌ ذو حدّين: حدّان على من يُفرط فيها
وللحجّة حدّان يقعان على من أفرط فيها.
الحدُّ الأوّل: إن قلتَ «العقلُ لا يُوثق به، لأنّ منشأه لا يستهدف الحقيقة»، فبأيّ أداةٍ قرأتَ حجّةَ بلانتينغا وفهمتَها وحكمتَ بصحّتها؟ بالعقل نفسِه. فمن أفرط في الحجّة هدم الأرضَ التي يقف عليها، ولم يبقَ له ما يستدلّ به على شيء، ولا على وجود الله.
والحدُّ الثاني: من يقول «ملكاتي موثوقةٌ لأنّ اللهَ صنعها متقنة» يستعمل تلك الملكاتِ نفسَها في تقرير أنّ اللهَ موجود وأنّه صنعها متقنة. والاسمُ المستقرّ لهذا في كتب الفلسفة «الدورُ المعرفيّ»، أي أن تستعمل أداةَ المعرفة في إثبات صحّتها هي. واستقرّ الاسمُ بهذا المعنى عند الفيلسوف الأمريكيّ وليم ألستون سنة ١٩٨٦. وأقدمُ صياغات المسألة ما يُعرف بـ«مسألة المعيار»: بأيّ معيارٍ تحكم على معاييرك؟ أمّا الفيلسوفُ الاسكتلنديُّ توماس ريد (ت ١٧٩٦) فقد سبق هذا الاسمَ بنحو قرنين. وهو صاحبُ الموقف، لا صاحبُ الاسم. فقد قرّر أنّ الثقةَ الأولى بالملكات لا تُبرهَن، وأنّها حالُ كلّ إنسان، لا خصلةُ فريقٍ بعينه.
والمثال: ساعةُ حائطٍ وقفت عند الثالثة. هي أدقُّ ساعةٍ في العالم مرّتين كلَّ يوم، وأدقُّ في هاتين اللحظتين من ساعةٍ تتأخّر دقيقتين. ومع ذلك لا يضبط عليها أحدٌ موعدًا، لأنّك لا تعرف متى تصدق إلا بساعةٍ أخرى.
*وحدُّ هذا المثال:* في الساعة نعلم أنّها واقفةٌ من مصدرٍ خارجها؛ أمّا في مسألتنا فالحكمُ بأنّ العقلَ واقفٌ يصدر عن العقل نفسِه. فالمثالُ يُريك الفكرة، ولا يُخرجنا من الدائرة.
فما الذي يبقى بعد الحدّين؟ يبقى شيءٌ واحدٌ صادق: أنّ الثقةَ بالعقل ليست نتيجةَ برهانٍ عند أحد، لا عند المؤمن ولا عند الملحد. بل هي نقطةُ بدايةٍ يسلّم بها كلُّ من يتكلّم. ومن طلب برهانًا عليها طلب مستحيلًا، لأنّ البرهانَ نفسَه يفترضها.
هل صورةُ المؤمن للعالم أخفُّ حملًا في تفسير الثقة بالعقل؟
وقد يُقال: هذا يفتح بابًا صغيرًا لا أكبرَ منه. فمن كانت صورتُه للعالم تجعل الثقةَ بالعقل متوقَّعة، فهو أخفُّ حملًا ممّن تجعلها صورتُه مفاجأةً لا تفسيرَ لها. وعلى هذا القول اعتراضان، وكلاهما يعمل.
الأوّل: لا يجوز أن يُعلَن التعادلُ ثمّ يُسجَّل بعده لأحد الطرفين. فالدائرةُ واحدةٌ عند الطرفين. فإن كانت كذلك فلا أفضليّةَ لأحد؛ وإن كانت لأحدهما أفضليّة فالدائرتان ليستا سواءً. ولا يجتمع القولان.
والثاني، وهو أثقل: الدائرتان في الحقيقة ليستا سواءً، ولكن لا في صالحي. فمن لا يؤمن يبدأ بمسلَّمةٍ واحدةٍ لا برهانَ عليها: «ملكاتي تصلح بقدرٍ ما»، ثمّ يختبرها قطعةً قطعة. والمؤمنُ يبدأ بالمسلَّمة نفسِها، ثمّ يزيد عليها دعوى ثانية: «وثاقتُها لأنّ اللهَ أتقنها». وهذه الدعوى الثانيةُ نفسُها من إنتاج تلك الملكات. فمن جعلها سندًا لثقته بملكاته فدائرتُه أكبر، والدائرةُ الكبرى ليست كالصغرى، والقولُ إنّ «من استعمل شهادةَ شاهدٍ في إثبات عدالة الشاهد فقد دار» ينقلب عليّ حرفًا بحرف. ومن جعلها ثمرةً متأخّرةً عن نظرٍ يبدأ من المسلَّمة الأولى — وهو ترتيبُ أهل النظر — فليس في دائرته زيادة، وبقي عليه أن يقيم ذلك النظرَ في موضعه. فالمأخذُ على صورةٍ من صور القول، لا على كلّ من يقول به.
والمثال: رجلان يقيسان بمترٍ لا يعرفان أهو مضبوطٌ أم لا. الأوّلُ يقول: «سأستعمله، وأقابل به الأشياء، فإن اطّرد وثقتُ به قليلًا». والثاني يقول: «هو مضبوطٌ لأنّ صانعَه بارع»، وهو إنّما عرف براعةَ الصانع بهذا المتر نفسِه. فالثاني يحمل ما يحمله الأوّل وزيادة، ولا تنفعه الزيادةُ في الخروج من الدائرة.
وهنا تنقص الدعوى نفسُها، لا المثالُ وحدَه. والترجيحُ يقوم على أن يكون الشيءُ الواقعُ متوقَّعًا على الفرض أكثرَ منه على نقيضه. أمّا اشتراطُ أن يمنع الفرضُ نقيضَه فشرطٌ أشدّ، وهو يهدم الترجيحَ الاحتماليَّ كلَّه، وقد رددتُه. فالقاعدةُ الصحيحة هي الحاكمةُ هنا، لا الشرطُ الأشدّ: أيُرجّح فرضُ الإله عقلًا موثوقًا على عقلٍ غيرِ موثوق؟ قد يُقال: نعم. ومن قاله لزمه أن يقدّر هذا الرجحانَ بمقدار، وليس في يده مقدار. فتقديرُه يُستخرج من الحال بعد وقوعها لا قبلها.
فإن قيل: في التصوّر الدينيّ نفسِه ما يشدّ في الجهة الأخرى، فإنّ في كتب الاعتقاد بابًا واسعًا في قصور العقل عن إدراك الغيب، وفيها أنّ الابتلاءَ سنّةٌ جارية. فالجوابُ أنّ هذا كلَّه في غير موضع النزاع: فالقصورُ عندهم قصورٌ عن الاستقلال بتفاصيل الغيب، لا طعنٌ في صحّة الإدراك؛ والعقلُ عندهم حجّةٌ في بابه، وهو مناطُ التكليف. وأمّا الابتلاءُ فمقتضاه أن يُخطئ الإنسانُ ويَضلّ، لا أن يكون إدراكُه في أصله غيرَ موثوق؛ إذ لا يُكلَّف من لا يصحّ إدراكُه. فغايةُ ما في هذا أنّ الإنسانَ لا يُؤمَن عليه الخطأ، وحجّةُ بلانتينغا لا تدور على أنّنا لا نخطئ، بل على أصل الثقة بالإدراك. فالنزاعُ هنا في مقدار الرجحان لا في انعدامه. وإفراطي في الإنصاف يبطل بالطريقة التي يبطل بها إفراطي في الترجيح، سواءً بسواء.
فهذا البابُ الصغيرُ ضيّق، لا يتّسع لأكثرَ من الاتّساق. ولا أقول إنّه مغلق، فإغلاقُه يحتاج إلى أن ينعدم الرجحانُ أصلًا. وهذا حكمٌ يقوم على الشرط الأشدّ الذي رددتُه. والذي يبقى منه أقلُّ بكثيرٍ ممّا يوهمه القولُ الأوّل: ملحوظةٌ في الاتّساق الداخليّ، ورجحانٌ غيرُ مقدَّرٍ بمقدار إن كان، فلا يُبنى عليه. أي أنّ من التزم صورةً للعالم تجعل هذه الثقةَ متوقَّعة، فقد التزم صورةً متّسقةً في هذا الموضع. ولا يلزم من اتّساق الصورة صدقُها، فالصورُ المتّسقةُ الكاذبةُ كثيرة. ومن أراد أن يعدّ هذا في ميزان، فليعدّه في ميزان الاتّساق وحدَه، وليعلم أنّ في الكفّة الأخرى تلك الدعوى الثانيةَ الزائدة.
خلاصةُ البابين: ما ثبت وما لم يثبت
| الدعوى | حالُها |
|---|---|
| في العالم طبقةٌ أساسيّةٌ تقبل وصفًا رياضيًّا مطّردًا | واقعة — أمّا نسبةُ ما يقبل الاختصارَ من العالم إلى ما لا يقبله فمحلُّ نزاعٍ لم أفصل فيه |
| هذه الواقعةُ تُثبت خالقًا | لا تُثبت — ولا تبلغ درجةَ الدليل؛ لغزٌ قائم |
| العلمُ عاجزٌ من أصل طريقته عن تفسير القوانين | مشروطة بموقفٍ في طبيعة القوانين لا يلتزمه الجميع |
| في الإنسان ميلٌ مبكّرٌ إلى افتراض الفاعل وإلى تفسير الأشياء بغاياتها | مرصود |
| هذا الميلُ يُثبت صدقَ الاعتقاد | لا يُثبته — وتفسيرُه لا يُبطله كذلك |
| حجّةُ التقويض مدفوعةٌ عن الاعتقاد بالله | غيرُ مدفوعةٍ عندي في الفاعل البعيد — ولها جوابٌ معروفٌ عند غيري هو «العامل الثالث»، لم أبنِ عليه |
| حجّةُ بلانتينغا تُثبت وجودَ الله | لا تُثبته — ولا تُبطل علمَ الأحياء؛ ومدارُها على مقدّمةٍ في فلسفة العقل لم تُحسم |
| الثقةُ بالعقل يمكن أن يُقام عليها برهان | لا يمكن عند أحدٍ من الطرفين، مؤمنًا كان أو ملحدًا |
| صورةُ المؤمن للعالم أخفُّ حملًا في تفسير الثقة بالعقل | لا تبلغ ترجيحًا يُحسب — فالرجحانُ إن كان غيرُ مقدَّرٍ بمقدار، وفي الكفّة الأخرى الدعوى الثانيةُ الزائدة؛ ويبقى اتّساقٌ داخليٌّ لا أكثر |
نسبةُ هذا الموقف إلى صاحبه، وما يبقى في يدك من السؤالين
الأولى في نسبة القول إلى أهله: الموقفُ الوسطُ الذي انتهيتُ إليه ليس اكتشافًا لي. وحاصلُه أنّه لا حجّةَ ناجحةً في الاتّجاهين. والحجّةُ الناجحةُ هنا هي التي تُلزم المخالفَ العاقلَ بنتيجتها. وقد قرّره قبل عشرين سنةً الفيلسوفُ الأستراليُّ غراهام أوبي، وهو ملحدٌ من أبرز من دافع عن الإلحاد. وقرّره بتفصيلٍ أشدّ، وتتبّع فيه الحججَ تتبّعًا أوسع.
والثانية في النتيجة: في العالم سؤالان حقيقيّان لا يجيبهما العلمُ من داخله: لماذا يُفهم العالم؟ وبأيّ حقٍّ نثق بفهمنا؟ ولا أحدَ يملك عنهما جوابًا يُلزم. ومن قال لك غيرَ ذلك من أيّ الجهتين فقد وعدك بما ليس عنده. وليسا مدارَ المسألة كلِّها: سؤالان وقف عندهما النظرُ المجرَّد، فما تعذّر فيهما حكمٌ عليهما وحدَهما، لا على ما في سائر أبواب الكتاب. وهما لا يُخرجانك من شكّك، لكنّك تعرف بهما موضعَ قدمك.