Skip to content

من أعماق الماء

في المرّة الأخيرة التي حسمتَ فيها رأيَك في مسألة الوجود — أين كنتَ جالسًا؟

لا أعرف الجواب ولا أزعم أنّي أعرفه. لكنّي أعرف جوابي أنا: كنتُ في غرفة. بيني وبين السماء سقف، وبيني وبين الأفق جدار، وفي يدي شاشةٌ قطرُها ستُّ بوصاتٍ أو سبع. وأكثرُ ما أعرفه عن هذا العالم رآه غيري عنّي ثمّ صوّره لي ثمّ اختصره في دقائق. ولم أرَ من البحر إلّا سطحَه، ولا من السماء إلّا ما تركته لي مدينتي.

فإن كان حالُك غيرَ حالي فهذه الرسالةُ ليست لك، واتركها بلا حرج. وإن كان قريبًا منه فأنا لا أصف عيبًا فيك — أصف عيبًا وجدتُه في نفسي ثمّ سألتُ: أهو فيّ وحدي؟

ولستُ أقول إنّ من رأى البحر يؤمن حتمًا ومن لم يره يُنكر حتمًا. فمن جعل المنظرَ وحدَه سببَ الإيمان أو الإنكار فقد قال سخفًا لا يستحقّ الردّ، وسترى قبل آخر الرسالة أنّي لا أبني عليه شيئًا لا من قريبٍ ولا من بعيد. أقول شيئًا أضيقَ من ذلك وأصعبَ منه: أنّ ما رأيناه من الوجود بأعيننا عيّنةٌ صغيرة، والحكمَ الذي نصدره على الوجود أكبرُ منها بما لا يُقاس. وأعني بالعيّنة ما أدركناه بحواسّنا وحدَها، لا الدليلَ ولا التفكيرَ فيه.

كأنّك حكمتَ على مباراةٍ كاملة ولم ترَ منها إلّا عشرَ ثوانٍ في مقطعٍ على هاتفك. قد يكون حكمُك صحيحًا — لكنّك لم ترَ المباراة. وهذه حالُنا جميعًا فيما نراه بأعيننا: أنا وأنت، والمؤمنُ والملحد. ولو كان الأمرُ امتحانًا في كثرة ما رأينا لرسبنا كلُّنا بالدرجة نفسِها تقريبًا.

فدعني أحدّثك عن مكانٍ واحد. ثمّ أذكر ما لا تفعله هذه الرسالة. ثمّ أطلب منك شيئًا واحدًا وأقول لك ما أدفعه أنا في مقابله. ثمّ أسكت.

تحت ألف متر: أين ينتهي الضوءُ في البحر

الضوءُ في الماء لا يخفت بالتدريج الذي تتخيّله. الأحمرُ يُبتلع في الأمتار الأولى. فلو نزلتَ قليلًا ثمّ جرحتَ إصبعَك، لصار دمُك أخضرَ داكنًا. ثمّ يمضي الأزرقُ وحدَه هابطًا. وعند مئتَي متر يكون الباقي أقلَّ من واحدٍ في المئة من ضوء السطح، وعندها يتوقّف النباتُ عن العمل. ثمّ تبقى العينُ ترى شيئًا في ظلامٍ متزايد إلى نحوِ ألفِ متر 1.

وليس الألفُ حدًّا حادًّا: يتغيّر بصفاء الماء، وبقُربك من خطّ الاستواء أو بُعدك عنه، وبحال السطح. وهو حدُّ ما تلتقطه أشدُّ العيون حساسيّةً في الأرض، لا حدُّ انعدام الضوء.

وما تحت الألف يسمّيه علماءُ البحار bathypelagic، وأترجمها هنا «طبقةَ اللُّجّة» — واللُّجّةُ في العربية معظمُ الماء. وهذه الترجمةُ منّي، لا من اصطلاحٍ ثابتٍ عند العلماء، فلا تنقلها عنّي كأنّها اسمٌ متّفقٌ عليه. وتمتدّ هذه الطبقةُ إلى أربعة آلاف متر.

ولا يصلها من ضوء الشمس شيءٌ تلتقطه عينٌ ولا آلة، لا في الظهيرة ولا في الصيف. وما بقي منه، إن بقي شيء، أضعفُ من أن تلتقطه أشدُّ العيون حساسيّةً في الأرض.

وقد يُقال لك إنّه لا يصلها فوتونٌ واحدٌ أبدًا، والفوتونُ أصغرُ مقدارٍ من الضوء. وهذه عبارةٌ جميلة، لكنّها غيرُ صحيحة. الضوءُ ينقص بالنصف كلّما نزلتَ مسافةً معيّنة: نصفٌ، ثمّ ربع، ثمّ ثُمن، ثمّ نصفُ الثُّمن. وإذا أخذتَ النصفَ مرّةً بعد مرّة لم تبلغ الصفرَ أبدًا، لكنّك تبلغ مقدارًا أقلَّ من أن تلتقطه عينٌ أو آلة. فالذي انتهى هو الرؤيةُ لا الضوء.

وهي ليست خالية. وليست شبهَ خالية.

قبالة ساحل كاليفورنيا، في منطقة خليج مونتيري من قرب الشاطئ إلى عرض البحر، رصد باحثان ما تراه غوّاصاتٌ آليّةٌ تُدار عن بُعد على مدى سبعةَ عشرَ عامًا، من السطح إلى ٣٬٩٠٠ متر. فاجتمع عندهما نحو ثلاثمئة وخمسين ألفَ ملاحظة. ونشرا ما وجداه سنة ٢٠١٧ في بحثٍ علميٍّ محكَّم. والبحثُ المحكَّم لا يُنشر حتّى يقرأه مختصّون غيرُ أصحابه ويُجيزوه. فكانت النتيجةُ أنّ ٧٦٪ من الحيوانات المرصودة تصنع ضوءَها بنفسها 2.

وأغربُ ما في البحث ليس الرقمَ بل ثباتَه: النسبةُ لا ترتفع كلّما هبطتَ ولا تنخفض. والضوءُ الحيويّ هو الضوءُ الذي يصنعه الكائنُ الحيّ في جسده. وهو ليس شيئًا خاصًّا بالأعماق وحدها، بل هو الغالبُ على كلّ ما رصداه من السطح إلى ٣٬٩٠٠ متر.

وحدُّ الرقم أنّه منطقةٌ واحدةٌ أُحصيت بالغوّاصات، لا محيطاتُ الأرض. والماءُ المظلم في الأعماق أضخمُ مكانٍ مأهولٍ على هذا الكوكب، لا نافذةَ فيه ولا فجر. وفي تلك المنطقة وحدَها، كان أكثرُ ما رصدته الغوّاصاتُ من سكّانه يصنع ضوءَه بنفسه. أمّا نسبةُ المحيطات كلِّها فلا أعرفها والبحثُ لا يقولها، ولن أزيد عليها كلمة.

١٩٧٧: حياةٌ كاملةٌ لا تأكل من الشمس

في فبراير من تلك السنة نزلت غوّاصةُ «ألفن» إلى صدع غالاباغوس تبحث عن ينابيعَ حارّةٍ في القاع. كان الفريقُ جيولوجيًّا؛ لم يكن على متنها عالمُ أحياءٍ واحد 3.

فوجدوا ما لم يذهب أحدٌ يبحث عنه: ديدانًا أنبوبيّةً بيضاءَ السيقان حمراءَ الرؤوس، ومحارًا كبيرًا، وسرطانات 3 — حول فوهاتٍ تنفث ماءً محمَّلًا بكبريتيد الهيدروجين، وهو سُمٌّ عندنا 4.

ويسهل هنا أن يُقال «فوجدوا مدينة». وليست مدينة؛ هذه زينةٌ لا وصف. وسأعيب بعد قليلٍ على من يبيعك عجبًا أكبرَ من الحقيقة، ولا يستقيم أن أمنع الزخرفةَ هناك وأبيحَها هنا.

وبعد الاكتشاف بسنتين ظنّ الباحثون، ثمّ رجّحوا بعد سنةٍ أخرى، أنّ أساس ذلك الغذاء كلِّه بكتيريا تبني المادّة العضويّة من كيمياء الأرض لا من ضوء الشمس 4 5. وكان علماءُ الأحياء إلى ليلة ذلك الاكتشاف يرون الحياةَ كلَّها تبدأ من الشمس: نباتٌ يلتقط الضوء، ثمّ آكلُ نبات، ثمّ آكلُ لحم. فصار للحياة بابٌ آخر لم يكن أحدٌ يظنّه موجودًا.

وأنا لا أزيد على هذا حرفًا. وسأنقص منه شيئًا، لأنّ الأمانة أنفع لي معك من الحماسة: هذه البكتيريا تحتاج أكسجينًا لتستخرج طاقتَها من الكبريت، كما تحتاج أنت الأكسجينَ لتستخرج طاقتك من الطعام. ولذلك تختنق أنت إن حُبس عنك النفَس. وذلك الأكسجينُ جاء أصلًا من نباتٍ رأى الشمسَ في مكانٍ آخر. فهي مستقلّةٌ عن الضوء في إنتاجها، لا في كلّ حلقةٍ من حلقاتها. ومن قال لك غير ذلك فقد باعك عجبًا أكبرَ من الحقيقة. والعجبُ المبالَغ فيه ينهار بعد شهرين، حين تقرأ البحثَ بنفسك.

أعمقُ من إفرست

خندقُ ماريانا. قِيس أعمقُ نقطةٍ فيه بالسونار المتعدّد الحُزَم، وهو جهازٌ يرسل أصواتًا إلى القاع ويحسب العمقَ من زمن رجوعها. فبلغ العمقُ نحوَ ١٠٬٩٢٤ مترًا 6، ومعه هامشُ خطأٍ معلن. والرقمُ ليس نهائيًّا ولا متّفقًا عليه. فالتقديراتُ المنشورة يختلف بعضُها عن بعضٍ بعشرات الأمتار، بحسب الأداة وسرعة الصوت والمدّ والجزر. وارتفاعُ إفرست ٨٬٨٤٩. أي أنّك لو اقتلعتَ الجبلَ من جذره وأغرقتَه هناك لبقي فوق قمّته نحوُ كيلومترين من الماء.

وفي القاع أحياء، منها قشريّاتٌ صغيرة، وكائناتٌ وحيدةُ الخليّة بحجم الكفّ 7. وهي تعيش تحت ضغطٍ يقارب ألفَ ضِعفٍ من الضغط الذي تحته أنت الآن. والعجيبُ أنّها هناك أصلًا.

وحين انطلق مشروعٌ عالميّ سنة ٢٠١٧ ليرسم قاعَ المحيطات 8، كان ما رُسم منه بدقّة الأجهزة الحديثة نحوَ ستّة في المئة، بنصّ موقع المشروع نفسِه. وهذا رقمُ تلك السنة لا رقمُ اليوم، فقد ارتفع منذ ذلك الحين ارتفاعًا كبيرًا، وسيرتفع.

ومع ذلك فخريطةُ سطح المرّيخ عندنا أوضحُ من خريطة قاع محيطنا في دقّة الشبكة. أي أنّ مربّعات خريطة المرّيخ أصغر، فتفاصيلُها أدقّ. وهذا مقياسٌ واحدٌ لا كلُّ شيء: نحن نعرف عن ماء محيطنا وأحيائه ما لا نعرف مثلَه عن المرّيخ. فكلامي عن وضوح الخريطة، لا عن علمنا كلِّه.

نحن نعيش على كوكبٍ لم نره.

وفوق رأسك: أكثرُ من ثلث البشر لا يرون المجرّة من بيوتهم

وثمّة نصفٌ ثانٍ من الحكاية لا يحتاج منك رخصةَ غوص.

قاس فريقٌ في العالم كلِّه سطوعَ سماء الليل الذي يأتي من الضوء الصناعيّ، فوجد أنّ ٨٣٪ من سكّان الأرض يعيشون تحت سماءٍ ملوّثةٍ بالضوء. ومعنى ذلك أنّ ضوءَ المدن زاد سماءَهم سطوعًا يمكن قياسُه فوق ظلمتها الطبيعيّة. ووجد أنّ أكثر من ثلث البشر لا يستطيعون رؤية درب التبّانة من حيث يسكنون، ومنهم نحو ثمانين في المئة من سكّان أمريكا الشماليّة 9.

وهو قياسٌ للسماء لا للناس: البحثُ يحسب سطوعَ السماء من صور الأقمار الصناعيّة فوق كلّ بقعة، ولا يسأل أهلَها: أرأيتم المجرّة أم لم تروها؟ ولا يقول إنّهم لا يرونها أبدًا.

فأقول ما أعرفه بقدره، بلا زيادة. قد يولد أحدُنا في مدينةٍ سماؤها برتقاليّة، فلا يرى منها ما فوقها أبدًا، ولا أعرف أيسافر بعد ذلك أم لا. لكنّي أعرف أنّ كثيرًا ممّن يتحاورون في الوجود على الإنترنت لم يروا المجرّةَ من مساكنهم مرّةً واحدة. وليس ذلك رفضًا منهم ولا زهدًا، بل لأنّ الفرصةَ لم تُتَح لهم.

أقوى خمسةِ اعتراضاتٍ في وجه هذا الكلام

ولستُ أعرف ما يدور في رأسك، ومن ادّعى ذلك فقد ادّعى ما ليس له. لكنّي أسوق الاعتراضَ في أقوى صورةٍ أقدر عليها لا في أضعفَ منها — فإن كان اعتراضُك أقوى منها فقائمتي أنا الناقصة، وأنا أحبّ أن أعرف:

«حسنًا. البحرُ عجيب. والسماءُ عجيبة. وماذا في ذلك؟ العجبُ حالةٌ تحدث في دماغي، وليس صفةً في الشيء نفسِه. والتطوّرُ يفسّر الوميض، وأعني بالتطوّر نشوءَ الأنواع الحيّة من أصولٍ مشتركةٍ عبر أجيالٍ طويلة. والكيمياءُ الحراريّة تفسّر الفوهات، والضغطُ يفسّر تكيُّف القشريّات. ثمّ إنّ عبءَ الإثبات ليس عليّ. أنت صاحبُ الدعوى، فعليك أنت أن تأتي بالدليل — لا عليّ أنا أن أُثبت أنّ الشيء غيرُ موجود. من قال لك إنّ في جيبه مئةَ جنيه فعليه أن يفتح جيبه؛ ولستَ أنت مطالَبًا بأن تُثبت أنّ جيبه فارغ. ثمّ إنّ القولَ بوجود «خالق» ليس فرضيّةً أصلًا بالمعنى الذي أعمل به، لأنّه لا يتنبّأ بشيء. والقولُ النافع يُخبرك بما سيقع، فيمنع أن يقع غيرُه: لو قلتُ لك إنّ في حقيبتك كتابًا، فهذا قولٌ يمكن أن يكذب — تفتحها فلا تجده. فبماذا يتنبّأ «خالق»، وماذا يمنع؟ سمِّ لي مشاهدةً واحدةً لو وقعت لقلنا: إذًا لا خالق. لا أجد واحدًا. وما لا يمنع شيئًا لا يفسّر شيئًا. ثمّ إنّ طريقةَ توزّع الألم في هذا العالم لا تتّفق مع الصفات التي تُنسب إلى الخالق. طفلٌ يموت وجعًا في مكانٍ لا يعلم به أحد — هذا أثقلُ عندي من ٧٦٪ قبالة ساحلٍ في كاليفورنيا. وكلُّ ما تسوقه له تفسيرٌ يفترض أشياءَ أقلَّ من تفسيرك، والذي يفترض أقلَّ أولى بالقبول. سمعتَ صوتًا في المطبخ ليلًا: القطّةُ أولى من اللصّ، لا لأنّ اللصَّ مستحيل، بل لأنّ القطّة عندك أصلًا واللصَّ يحتاج أن تفترضه من جديد.»

وما كتبتُه في هذه الرسالة لا يهدم هذه الخمس، وأنت محقّ في ذلك. ولم يتركها الكتابُ بلا نظر: التطوّرُ في الفصل الرابع عشر، ودعوى أنّ التفسيرَ العلميَّ يُغني في الثالث عشر، وعبءُ الإثبات وأنّ الدعوى لا تتنبّأ بشيءٍ في الرابع، وسؤالُ الألم في الثاني عشر، ودعوى أنّ الأبسطَ ألّا يكون إلهٌ في الخامس عشر. وأزيد: في هذه الرسالة لا أنازع في واحدةٍ منها — لا لأنّي أسلّم بها كلِّها، بل لأنّ هذه الرسالة لا تملك أدواتِ منازعتها. ولو زعمتُ غير ذلك لكنتُ غيّرتُ الموضوع ثمّ سمّيتُ تغييرَ الموضوع جوابًا — وذاك ما أعيبه على غيري.

وأثقلُ الخمس عندي الرابعة: سؤالُ الألم، والطفلُ الذي يموت وجعًا. وليس لها في هذه الرسالة حرف. وموضعُها من هذا الكتاب الفصلُ الثاني عشر: «لماذا الشرُّ والألم إن كان اللهُ موجودًا؟» فهناك أبحثها بما عندي، وأقول صريحًا أين لا جوابَ عندي ولا أملك إلّا أن أقول: لا أعرف.

والفيزيائيّ شون كارول ملحدٌ يُعلن إلحادَه، وله كتابٌ اسمه «الصورة الكبرى». وهو يقول شيئًا قريبًا من أوّل هذه الاعتراضات، وأنا لا أنازعه فيه: الدهشةُ ليست حكرًا على المتديّن، ولا تُصرف من عملةٍ إلى عملة 10. وأنا ألخّص موقفَه مُقرًّا بحجّته في هذا الموضع وحدَه، ولا أنسب إليه لفظًا لم يكتبه، ولا أقتطع منها ما يخدمني.

ومن جعل دهشتَك نفسَها دليلًا — كأنّ الشيءَ ثبت لأنّه أدهشك — فقد حمّلها ما لا تحتمل. أمّا التفكّرُ في الخلق والاستدلالُ به فبابٌ آخر غيرُ هذا، وهو بابٌ يأمر به النصُّ ويسوقه حجّةً. وله مقدّماتٌ يقوم عليها، يُسأل عن كلّ واحدةٍ منها وحدَها، وليس في هذه الرسالة منه شيء. وموضعُه الفصلُ السابع والعشرون: «كيف يعرض القرآنُ الكونَ؟».

وهذا الموقعُ الذي أكتب من داخله أسقط أربعَ مقالاتٍ ممّا يُسمّى «الإعجاز العدديّ»، لأنّ عدَّ ألفاظ النصّ خالف الأرقامَ التي ادّعاها كاتبوها. فلم تُسقَط لأنّها ضعيفة، بل لأنّ أرقامَها غيرُ صحيحة. والخطأُ في عدِّ من عدّ، لا في النصّ المعدود. والدعوى التي ينسبها صاحبُها إلى الدين ثمّ يكذّبها العدُّ تضرّ الدينَ أكثرَ ممّا يضرّه السكوت.

ما لا تفعله هذه الرسالة

وقد يُقال إنّ العجبَ يُعيد فتحَ ملفٍّ أُغلق. فأيُّ ملفّ؟ سمِّ بندًا واحدًا من الخمسة يتحرّك بعد ليلةٍ في صحراء.

وأقولها صريحةً، بلا تشبيهٍ ولا تحفّظ: لا يتحرّك بندٌ واحدٌ من الخمسة بليلةٍ في صحراء ولا بغوصةٍ في بركة. ما قلتَه في عبء الإثبات يبقى حيث وضعتَه. وسؤالُ الألم يبقى كما هو. وقلتَ إنّ الدعوى لا تتنبّأ بشيء، وهذا لا تنقضه ثلاثةُ أمتارٍ نزلتَها في بركة. ولا يوجد في هذه الرسالة استدلالٌ بالوميض على وجود خالق، ولن يوجد، حتّى في سطرها الأخير.

وهذه رسالةٌ لا برهان. لا تحمل مقدّمةً ولا نتيجة، ولا يصحّ أن يُحتجّ بها في مناظرة. وهي تفعل شيئًا واحدًا صغيرًا تلمسه بنفسك: توسّع العيّنة. ولا أستدلّ بذلك على الله، ولا أطلب منك أن تستدلّ به. أنت الآن تحكم على وجودٍ رأيتَ منه ما تراه من غرفة؛ وبعد ساعتين تحكم عليه وقد رأيتَ منه قليلًا أكثر. وقد يبقى حكمُك كما هو، وهذا احتمالٌ قائمٌ لا أُنكره. لكنّك تكون قد أصدرتَه بعد أن رأيت.

هذا كلُّ ما عندي، وهو أقلُّ ممّا يُقدَّم عادةً في رسائل من هذا الباب.

ما أطلبه منك بالضبط

ولأنّ الكلام رخيص، فالطلبُ محدّدٌ وقابلٌ للتنفيذ هذا الأسبوع.

وأصارحك بأمرٍ قبل التفاصيل، لأنّ كتمانَه هو التلاعب: ما سأقترحه عليك ظرفٌ أعلمُ أثرَه. ليلٌ بلا قمر، وانفرادٌ بنفسك، وسكون، وهاتفٌ مطفأٌ لا يُلهيك، ثمّ نظرٌ إلى السماء — ساعتان تختارهما أنت وتقطعهما متى شئت. وهذا يفعل بالإنسان شيئًا، وأنا أعلمه وأقصده وأقترحه عليك عن عمد. فخذه وأنت تعرفه، ولا تحسبني صادفتُه.

ولا أدّعي أنّ ما ستشعر به هناك دليلٌ على شيءٍ خارج نفسك. الشعورُ ليس دليلًا — لا شعورُك ولا شعوري. والرهبةُ تُصيب الملحدَ والمؤمنَ سواءً تحت تلك السماء، ولا تُثبت لأحدهما شيئًا؛ وأوّلُ من يقول ذلك أنا.

إن كان بينك وبين ماءٍ ساعة: ابحث عن مركز غوصٍ معتمدٍ من جهةٍ معروفة، لا يضيق بما تدين به، واطلب تجربةً استكشافية. ليست دورة، ولا شهادة، ولا التزام. تملأ استمارةً طبّيّةً قصيرة، ويشرح لك مدرِّبٌ نصفَ ساعة، ثمّ تنزل معه في بركةٍ إلى ثلاثة أمتار. المجموع ساعتان. واملأ الاستمارةَ بصدق؛ فإن وقف بك سطرٌ فيها فاسأل طبيبًا قبل أن تنزل. وأنت لا تجيد السباحة؟ في أكثر المراكز لا يُشترط لهذه التجربة إجادةُ السباحة، فاسأل المركزَ قبل أن تحجز، والقرارُ فيها لمدرِّبك لا لي.

وإن أعجبك، فالدورة الأولى ثلاثةُ أيّامٍ أو أربعة: بركةٌ أوّلًا حتّى يصير التنفّسُ تحت الماء أمرًا مملًّا، ثمّ أربعُ غوصاتٍ في الماء المفتوح إلى نحوِ ثمانيةَ عشرَ مترًا.

ولن ترى الفوهات. ولن ترى ما تحت الألف متر. قلّةٌ من البشر رأته. لكنّك سترى ما يكفي: أنّك تتنفّس في مكانٍ لم يُهيَّأ جسدُك للتنفّس فيه، وأنّ فوقك سطحًا كان قبل ساعةٍ هو كلَّ ما تعرفه عن هذا البحر.

وإن لم يكن بينك وبين ماء: فالبديلُ أرخص. اخرج ليلةً بلا قمر إلى مكانٍ آمنٍ يُباح دخولُه، خارجَ المدينة بأربعين أو خمسين كيلومترًا — صحراءٌ أو ساحلٌ أو جبل — وليعلم أحدٌ من أهلك أين أنت، وإن لم تأمن الانفرادَ فاصطحب من لا يشغلك. ثمّ افعل الشيء الوحيد الصعب في هذه الرسالة كلِّها: أسكِت الهاتف واقلب وجهه، ولا تمسّه بعدها. ويبقى معك في جيبك.

واجلس. أوّلُ عشرين دقيقةً ستكون مملّةً وستشعر أنّك تُضيّع وقتَك؛ عينُك تتكيّف مع الظلام في نحو نصف ساعة، وقبل ذلك أنت لا ترى شيئًا في الحقيقة. ولا تنظر إلى شاشةٍ في أثناء ذلك ولو ثانية، فالتكيُّف يُهدم في لحظة ويُبنى في نصف ساعة.

ثمّ انظر.

ساعتان. لا رحلة، ولا خلوة، ولا تغييرَ حياة. ساعتان.

وما أدفعه أنا

وقد يُقال لي، وهو اعتراضٌ أستحقّه: الرسالةُ كلُّها تسير في اتّجاهٍ واحد؛ أنا أخاطر وأنت تكتب. فأذكر ما أدفعه بالمقابل، محدَّدًا كما طلبتُ منك:

الأوّل: أفعل الاثنين في الأسبوع نفسِه — البركةَ والليلة. ولا أطلب منك ما لم أدفع ثمنَه.

الثاني: أن أقرأ أقوى صيغةٍ للاعتراض من كتب أصحابه، لا من كتب من يردّ عليهم. وألّا أنقل جملةً عن مخالفٍ حتّى أقرأ الصفحةَ التي حولها. وقد فعلتُ ذلك في هذه الرسالة مع كارول، وهذا أسهلُ ما يكون: رجلٌ واحدٌ في رسالةٍ واحدة. والوعدُ أن أفعلها في كلّ موضعٍ لا في موضعٍ أفاخر به.

الثالث — وهو الذي يُقاس: أن أُسقط من هذا الموقع أيَّ دعوى يخالفها العدُّ ولو كانت أنفعَ ما يُحتجّ به في المجلس. وهذا ليس وعدًا في الهواء: أربعُ مقالاتٍ أُسقطت فعلًا، ومنها ما كان أشهرَ ما يسوقه كتّابُ هذا الباب — والخطأُ فيها خطأُ عدِّهم لا خطأُ النصّ. فإن وجدتَ عندي رقمًا لا يصمد فأرسله، والحكمُ للعدّ لا لي.

ما الذي أخرجك؟

«ما الذي أخرجك؟» سؤالٌ كان يجب أن يسبق كلَّ ما تقدّم.

فأكثرُ من يخالفني ليس رجلًا وُلد على رأيٍ ولم يفكّر قطُّ. ومن ترك موقفًا كان عليه فلستُ أعلم ما جرى في نفسه يومَ تركه. فلا أتّهمه بأنّه حكم بلا تفكير، وإن خالفتُه فيما انتهى إليه. وقد دفع في خروجه ثمنًا لا أعرفه، ولا أُحسن تقديره.

فإن كنتَ منهم فاترك الطلبَ الذي تقدّم إن شئت، واقرأ هذا بدلًا منه: أنا لا أعرف قصّتك، وأودّ أن أسمعها أكثرَ ممّا أودّ أن تسمع رسالتي. وثلاثُ سنواتٍ من قصّتك، بأسمائها التي تعرفها أنت، أحقُّ من ٧٦٪ في منطقة خليج مونتيري بأن يُكتب عنها سطر.

ما أطلبه في آخر الكلام: انظر مرّةً ثمّ أعِد الحكم

أنا لا أعرف ماذا سيحدث لك هناك، ولا أزعم أنّي أعرف. ربّما لا شيء. هذا احتمالٌ قائمٌ لا أُنكره؛ ولو زعمتُ لك أنّ كلَّ من نظر تغيّر لكنتُ أكذب، والكذبُ في هذا الباب أعلى كلفةً من الصمت.

وأعرف أنّ العيّنة التي بين يديّ وبين يديك من هذا الوجود ضيّقةٌ جدًّا، وأنّ توسيعَها ممكنٌ في ساعتين. وأنا أحتجّ عليك بقاعدة «انظر قبل أن تحكم» لأنّها القاعدةُ التي تحتجّ بها أنت، لا لأنّي أفرض عليك قاعدةً من عندي. فأنا أسوقها إليك بلفظك، ولا أزعم أنّك أهملتَها.

لستُ أسألك أن تغيّر رأيك. أسألك أن تنظر مرّةً ثمّ تعيد الحكم. فإن بقي حكمُك كما هو، فقد صار حكمًا جاء بعد النظر، وكان قبل ذلك حكمًا لم يمرّ بالنظر. وذاك وحدَه ما أطلبه، وهو أقلُّ ممّا يُطلب في هذا الباب عادةً، وأنا أعلم.