Skip to content

الرسائل: اثنتا عشرةَ رسالةً تُقرأ ولا تُتّخذ دليلًا

الفصولُ قبل هذا القسم تُبرهن. تبدأ بمقدّمةٍ وتنتهي إلى نتيجة. وتتحقّق من كلّ مرجعٍ في أصله، وتعيد عدَّ الأرقام، وتُسقط ما خالفه العدّ. والرسائلُ لا تُبرهن بشيءٍ من ذلك. وهي تأتي بعد الأدلّة لسببٍ واحد: الحُجّةُ تُقال في مسألة، والرسالةُ تُقال لإنسان. فالحُجّةُ كدرس الرياضيّات، يصحّ لكلّ من في الفصل؛ والرسالةُ ورقةٌ يكتبها لك صديقُك وعليها اسمُك.

ولا تُقدَّم رسالةٌ منها دليلًا. ليس فيها سطرٌ يضطرّك إلى التسليم بشيء. ولو قُدِّمت رسالةٌ منها في مناظرةٍ على أنّها دليل، لكان ردُّها سهلًا، ولكان من يردّها محقًّا. وهذا وصفُ الرسائل وحدَها، لا وصفُ الكتاب. وكلُّ رسالةٍ تقول ذلك عن نفسها صراحةً، وأكثرُها بعبارةٍ واحدة: «وهذه رسالةٌ لا برهان». وإذا جاء فيها ما يشبه الدليل نبّه عليه كاتبُها في موضعه، حتّى لا يمرّ متخفّيًا في ثوب حكاية. فمن طلب الدليلَ فهو في الفصول قبلها. ومن عدّ رسالةً منها دليلًا فقد فهمها على غير ما كُتبت له.

فلماذا تقرؤها إذن؟ لأنّ هناك ما لا يبلغه البرهان. وليس ذلك لأنّه فوق العقل، بل لأنّه ليس دعوى تُثبَت أصلًا. ولا بدّ مع ذلك أن يُقال. ومن أمثلته: كيف يجلس رجلٌ إلى من يخالفه، وبأيّ لفظٍ يصف موقفَ نفسه، وأين يقول «لا أعرف» فلا يُحسب ذلك عليه. فاقرأها كما تقرأ رسالةً من صديق، لا دليلًا في امتحان.

وكثيرٌ منها كتبتُه على لسان غيري: ملحدٍ سابق، أو نفسِ رجلٍ تكتب إلى عقله ثمّ يردّ عليها عقلُه، أو الكون، أو الكتب. وحين تجعل ما لا يتكلّم يتكلّم كأنّه إنسان، فتلك صنعةٌ تُسمّى «التشخيص». وهي تُلبس الشيءَ دفئًا ليس فيه، ولا تضيف إليه معلومة. ومثلُها قولُ المعلّق «الملعبُ يغلي»، والملعبُ إسمنتٌ لا يغلي. فامسح الصنعةَ كما تُطفئ صوتَ المعلّق وتشاهد المباراةَ وحدَها. ضع اسمَ كاتب الرسالة مكانَ المتكلّم، ثمّ انظر: أيبقى في السطر شيء، أم كان الدفءُ كلَّ ما فيه؟ وهذا التنبيهُ أقوله هنا لكلّ رسالةٍ منها كُتبت بلسانٍ غير لساني. ورسالةُ الكون تعيده عليك في أوّل سطرٍ منها، وتدلّك على الطريقة نفسِها.

وواحدةٌ منها تشرح لماذا لن أكتب صفحةً بعينها: صفحةً يضع فيها كاتبٌ من البشر كلامًا على لسان الخالق بضمير المتكلّم، يخاطب به قارئًا بعينه. ولا أدّعي أنّ تركي لها تقوًى أستحقّ عليها أجرًا. فقد لا يساوي هذا التركُ شيئًا، كما تقول تلك الرسالةُ نفسُها. وإنّما أتركها لسببين. الأوّل أنّ كلامَ الله صفةٌ من صفاته، وما بلغنا منه هو ما أنزله هو. أمّا ما يكتبه عنه كاتبٌ فكلامُ بشرٍ مهما حسُنت نيّتُه. ومن نسب إلى أحدٍ كلامًا لم يقله، فليس ذلك خطأً يُصحَّح كما يُصحَّح رقمٌ أُخطئ في عدّه. والثاني أنّ القاعدةَ التي أتركها حين يشقّ عليّ الالتزامُ بها ليست قاعدة. ومثلُها مثلُ حَكَمٍ يصفّر لكلّ مخالفةٍ إلّا مخالفةَ فريقه.

وترتيبُها مبنيٌّ على مقياسٍ واحد: ما تطلبه الرسالةُ منك. فتبدأ برسائلَ يدفع المتكلّمون فيها ثمنًا من عندهم: اعترافٌ بما قيل عليهم، وإعادةُ كلامٍ نُقل ناقصًا إلى تمامه، وامتناعٌ عن صفحةٍ كانت ستنفع. وتنتهي بما يُطلب منك أنت: أن تنظر، ثمّ أن تكتب قصّتك لنفسك، ثمّ أن تكتب إليّ إن شئت. وما بينهما مرتَّبٌ على هذا وحدَه: كلّما تأخّرت الرسالةُ ثقُل ما تطلبه منك. وأوّلُها من ملحدٍ سابقٍ إلى ملحد، وآخرُها منّي أنا كاتبِ الكتاب. وبينهما حوارٌ بين نفسِ رجلٍ وعقله، ورسائلُ من الكون ومن أعماق الماء ومن الكتب، ثمّ رسالةُ الامتناع، وثلاثٌ في مسائلَ بعينها، واعتذارٌ من مؤمنين إلى من ترك الدين، عن الطريقة لا عن الاعتقاد. ومن تجاوز رسالةً منها لم يُخلّ بشيء؛ فليس بينها وبين قارئها عقد.