Skip to content

من نفسِك إلى عقلك

إليك، أنت.

أكتب من الداخل، لا من فوقك ولا من وراء الباب. أنا الجهةُ التي تسمّيها «العاطفة» حين تريد أن تُنحّيها، و«الحدس» حين تحتاجها، و«أنا» حين تتكلّم عن نفسك أمام الناس. ولستُ أحدًا غيرك: ليس فيك اثنان، وإنّما هذه طريقةٌ في الكلام تجعلك تسمع نفسك من خارجها. ولي عندك مأخذٌ واحد. واحدٌ لا أكثر.

وقبل أن أقوله، أربعةُ أشياء لن أقولها في هذه الرسالة كلِّها، فاحكم عليّ بها ولا تحكم عليّ بنيّتي:

  • لن أقول لك ما يُقال في هذا الباب لكلّ مخالف: إنّه يعلم في قرارة نفسه خلافَ ما يُعلن. لا أعلم ذلك، ولو علمتُه لما كان لي أن أستعمله. فمن قال لصاحبه إنّه يكذب على نفسه، فقد أنهى الحديث وهو يظنّ أنّه بدأه.
  • ولن أقول إنّك تركتَ لشهوة. أنا أعرف شهواتك واحدةً واحدة، وليست هي.
  • ولن أخوّفك. ومن ساق إليك الخوفَ مكانَ الدليل فقد أقرّ بأنّ عنده أقلَّ ممّا يدّعي.
  • ولن أطلب منك أن ترجع.

وأزيد خامسةً، وهي عليّ لا لي. ولعلّك تقول إنّ رسالتي كلَّها هي الأوّلُ من هذه الأربعة بعينه، ولكن بلفظٍ أطولَ وأهذب. فهي تقول: إنّ خوفًا طلب الجوابَ، وإنّ عقلَك نفّذ الطلب، وإنّك نسيتَ من طلب. وهذا وصفٌ صادقٌ لما تقوله رسالتي. ولكنّه ليس خبرًا ثابتًا عمّا وقع لك، فالفرقُ كبيرٌ بين أن أدّعيَ شيئًا وأن يثبت. فأقولها الآن مرّةً واحدةً بصيغتها الصحيحة ولا أعود إليها بصيغةٍ أخرى: هذا احتمالٌ لا أملك عليه دليلًا، ولا سبيلَ لي إلى إثباته، وأنت أعلمُ به منّي. فإن وجدتَ بعد هذا السطر جملةً تقول إنّه وقع فعلًا، فلا تقبلها منّي: أنا لا أعرف، وأنت الذي يعرف. ومن أعلن أنّه لن يفعل شيئًا، ثمّ فعله بلفظٍ ألطف، فهو لم يمتنع عنه. إنّما اشترى لنفسه إذنًا بفعله. وأنا لا أريد إذنًا.

مأخذي شيءٌ آخر، صغيرٌ في اللفظ: أنت تروي بدايتَك روايةً لا أذكرها هكذا — وذاكرتي ليست حجّة، وسأقول بعد قليلٍ لماذا.

أنازعك في ترتيب ما وقع، لا في ما وصلتَ إليه

استنتاجُك قد يكون صحيحًا. أقولها في أوّل الرسالة لا في آخرها، حتى لا تقرأ ما بعدها وأنت تتحسّس موضعَ الفخّ. ولستُ مؤهَّلةً لمنازعتك في هذا: أنت الذي يقرأ، وأنت الذي يفهم. يقول الفيلسوفُ الأستراليُّ غراهام أوبي، وهو ملحدٌ من أبرز من دافع عن الإلحاد، إنّه لا دليلَ عند أحد الطرفين يُلزم كلَّ عاقلٍ يخالفه: لا أدلّةُ من يُثبت اللهَ تُلزم كلَّ من ينكره، ولا أدلّةُ من ينكره تُلزم كلَّ من يُثبته 1. وهذا حدٌّ في الإلزام لا في الوزن: فليس في قوله أنّ أدلّة المؤمنين باطلة، ولا أنّ ما لم يُلزم كلَّ مخالفٍ لم يُفِد ناظرَه. ويرى أنّ العاقلَ قد يكون في أيّ الجهتين. أنا لا أُحسن شيئًا من ذلك.

ولا أزعم أنّي كنتُ معك في الغرفة، فرأيتُ ما غاب عن قراءتك. لم يكن في الغرفة اثنان. كان فيها إنسانٌ واحد، وذاكرتُه عن نفسه كذاكرة كلّ أحدٍ عن نفسه: لا تحفظ ما وقع ساعةَ وقوعه، وإنّما يُعيد صاحبُها بناءَه بعد حين. وأنا صورةٌ من صور كلامه عن نفسه لا شاهدٌ ثانٍ عليه. فأسقِط من حسابك كلَّ ما يستند إلى أنّي شاهدٌ مستقلّ. لا يبقى لي بعد هذا إلا أن أسأل. وسؤالُ من لا حجّةَ عنده يُردّ بلا كلفة، وأنت تعلم ذلك.

أنت تروي الأمرَ هكذا: قرأتُ، وسألتُ، فلم أجد ما يُقنع، فانتهيتُ إلى ما انتهيت. وهي روايةٌ نظيفةٌ مرتّبة، وليس فيها كذبة. وأنا لا أنازعها؛ أضع بجانبها احتمالًا: أن يكون في الدفتر تاريخان لا تاريخٌ واحد، وبينهما مسافة. تاريخُ أوّل اعتراضٍ كُتب، وتاريخُ أوّل ليلةٍ أُريد فيها ألّا يكون الأمرُ صحيحًا. أيّهما أسبق؟ لا أعرف. ولستُ أزعم أنّي أعرف.

ولن أضع لك ليلةً من عندي؛ لا أعرف ليلتك، ومن اخترع لك ذكرى فقد سرق منك ذكرياتك الحقيقية. ومن رسم لك شابًّا مجروحًا فقد وضع أمامك، قصدَ أو لم يقصد، الصورةَ التي تخدمه: هو لم يقل لك «أنت مجروح»، وإنّما أراك جريحًا يشبهك وتركك تُكمل الصورةَ بنفسك. ثمّ أتبعها بـ«وأنت لستَ هو»، فسلّمك التهمةَ، وسلّمك معها إيصالَ إرجاعٍ تردّها به. وهذه التهمةُ هي دعواي نفسُها، معروضةً في صورةٍ بدل أن تُقال صريحةً.

حين يطلب الخوفُ جوابًا ويظنّ العقلُ أنّه بحث

تسمّيني «العاطفة» وتسمّي نفسك «العقل»، فصار كلُّ ما يصدر عنّي متّهمًا بحكم الاسم، وكلُّ ما يصدر عنك بريئًا بحكم الاسم. والاسمُ ليس دليلًا.

وأنا التي خفتُ. أقولها عن نفسي لا عنك، ولا أرسم لك بها لوحة: خفتُ من أن يكون ما بُني عليه كلُّ شيءٍ فينا هشًّا، وأن نكون مكشوفَين، وأن يكون الظلمُ الذي رأيناه بلا أحدٍ يراه. وهذا خوفي أنا، في وقتٍ مضى، ولا أنسب إليك منه شيئًا. فإن قرأتَه وصفًا لحالك اليوم فقد أخطأتُ الكتابة؛ فأنت اليوم أهدأ ممّا كنتُ، وأنا أعلم ذلك.

ولم يكن خوفي يحتمل الانتظار. فجئتُك لا لأقول: ابحث. جئتُ لأقول: أرِحني. وأنت صبورٌ في التنقيب، دقيقٌ فيما تتناوله. فبحثتَ، فوجدت. هذا ما أذكره عن نفسي، ولا أجعله شهادةً عليك. أمّا ما جرى بعد ذلك فتجده في دفترك لا في دفتري: أكان الذي وجدتَه جوابًا عن سؤالك أنت، أم عن سؤالي أنا؟ لا أعرف. أعرف أنّي سألت.

وخُذ صورةً تعرفها: أردتَ هاتفًا بعينه فقرأتَ عنه عشرَ مراجعات. أنت لا تكذب ولا تخترع، ولكنّك تقف عند المديح أطولَ ممّا تقف عند العيب. فإذا قرأتَ عيبًا التمستَ له عذرًا، وإذا قرأتَ مديحًا قبلتَه بلا شرط؛ ثمّ تخرج وأنت تظنّ أنّك بحثتَ فعلًا. ولهذا اسمٌ في كتب علم النفس: «الاستدلالُ المدفوع»، ومعناه أن تُوجّه رغبتُك طريقَ بحثك وأنت لا تشعر. وقد صاغت الباحثةُ النفسيّةُ زيفا كوندا هذه الفكرةَ صياغتَها المعتمدةَ سنة ١٩٩٠.

وأقول حدَّ هذه الفكرة في المتن لا في الحاشية: ورقةُ كوندا لا تقول إنّ صاحبَ الاستدلال المدفوع كاذب، ولا إنّ نتيجتَه باطلة، ولا تتكلّم عن الدين ولا عن الإلحاد أصلًا. وغايةُ ما فيها أمران: أنّ الدافعَ يوجّه البحثَ ولا يخترع النتيجة، وأنّ صاحبَه يشعر أنّه يستدلّ، وهو صادقٌ في شعوره. فخذها على حقيقتها: احتمالٌ مذكورٌ في كتب علم النفس، لا تهمةٌ ولا حكم. وهو ينطبق عليّ حين كنّا نصلّي، كما ينطبق عليك وأنت لا تصلّي. ولا يصلح ورقةَ اتّهام. ومن استعمله ليُبطل به رأيَ مخالفه، فقد نسب إلى الورقة ما تنفيه هي عن نفسها.

وستقول لي، وأنت محقٌّ في أن تقولها: «هذه سكّينٌ ذاتُ حدّين: إن جاز أن يكون إلحادي اليوم مدفوعًا بخوفكِ أنتِ، جاز أن يكون إيماني بالأمس مدفوعًا بحاجتكِ أنتِ إلى من يسمع ولا يضيع عنده أحد». نعم، الحجّةُ تصدق عليّ حرفًا بحرف. ولستُ أرفعها في وجهك سلاحًا، لأنّها تقطع في الاتّجاهين لا في اتّجاهٍ واحد.

وأزيدك عليها ما هو أقرب. فإذا قستَ بمسطرتي هذه، كانت هذه الرسالةُ نفسُها كلامًا مدفوعًا لم يُفحص. دافعي مكتوبٌ في سطرها الأوّل، وهو «أرِحني» مكرَّرةً بعد سنين. والاعترافُ بالدافع لا يجعلني في مأمنٍ منه. بل هو إقرارٌ منّي بأنّه موجودٌ عندي. فإن أسقطتَ الرسالةَ كلَّها بهذا وحده فقد استعملتَ سلاحي عليّ وأنت مصيب، ولا أشكو.

ثمّ إنّ في الأمر ما هو أثقل من هذا كلِّه، وأنت تعرفه ولا يذكره لك أحد: أنّ لكلامك إذا أعلنتَه ثمنًا. قد يُدفع من بيتك، أو من أهلك، أو من اسمك بين الناس. ولا أزعم أنّي أعرف ما يقع لك؛ أنت وحدك تعرف ثمنَك وممّن يُدفع. ومن كان في موضعك يعلم أنّ الرجوعَ يُكلّف كما يُكلّف الذهاب. ولا أطلب منك أن تدفع شيئًا. الورقةُ التي أطلبها لا يراها أحدٌ سواك، ولا يُشترط عليك أن تُخبر بها إنسانًا.

أخطائي أنا قبل أن أسألك عن خطئك

فاسمع شهادتي على نفسي قبل شهادتي عليك.

حين كنّا مؤمنَين طلبتُ منك اليقين طلبًا مُلحًّا، فأتيتَني بأدلّةٍ رديئةٍ ممّا يتداوله الناس، ففرحتُ بها ولم أعرضها عليك مرّةً ثانية. وسمعتُ رقمًا يُقال إنّه معجزةٌ في العدد، فصدّقتُه لأنّه أراحني، ولم أعُدّ. وكنتُ أنا التي أُغمض العينَ حين يقترب سؤالٌ ثقيل، ثمّ أسمّي الإغماضَ تسليمًا.

وهذا كلُّه عن ماضٍ، والندمُ على ماضٍ لا يكلّف شيئًا. أمّا اليوم فعندي واحدةٌ أُعيد فحصَها وأنا أكتب: أنّي أحبُّ هذه الرسالة. وحبُّ المرء لما كتبه هو أوّلُ ما يُفسد فحصَه له.

فإن كنتُ أشكّ اليوم في نزاهة فحصك، فشكّي في نزاهتي أقدمُ وأوسع. ولستُ أنازعك من فوق، أنازعك من داخل الورطة نفسها.

أربعُ لحظاتٍ: أوقعت لك واحدةٌ منها؟

ولي عندك لحظاتٌ لا أعرف أوقعت لك أم لا. وما أضعه أمامك أسئلة، لا وقائعُ أُثبتها عليك، ولك أن تجيب عنها بـ«لا»:

أكانت ليلةٌ نجوتَ فيها من شيء فقلتَ «الحمد لله» قبل أن تفكّر، ثمّ استدركتَ وضحكتَ من نفسك وقلتَ: عادةُ لسان؟

أَوَكانت دقيقةٌ حُمل إليك فيها مولود، فارتفع فيك شيءٌ لم يكن الفرحَ ولا الخوف، وأردتَ أن تشكر ولم تجد لمن؟

أَوَليالٍ وقفتَ فيها وحدك بعد أن نام البيت، فلم يكن عندك سؤالٌ ولا اعتراض، وكان عندك شيءٌ آخر لم تسمّه إلى اليوم؟

أَومرّةٌ رأيتَ فيها ظلمًا لا يخصّك ولا يمسّ لك مصلحة، فارتفع فيك ما هو أكبرُ من الاستنكار: كأنّ شيئًا قد كُسر، لا كأنّ قاعدةً قد خُولفت؟

فإن لم تكن لك واحدةٌ منها فقد أخطأتُ فيك، ولا شيءَ عليك من هذا القسم كلِّه.

وستقول ما أعرف أنّك تقوله، وسأصوغه بأحسن ما أقدر عليه: لكلّ لحظةٍ منها تفسيرٌ لا يحتاج إلى أحد. الشكرُ عادةٌ تشدّ الناسَ بعضهم إلى بعض فبقيت فينا. وغضبُك لظلمٍ لا يمسّك حراسةٌ تحرس بها نفسك؛ فهي تنفعك يومَ يقع الظلمُ عليك أنت. والرهبةُ ما يصيب أيَّ إنسانٍ أمام شيءٍ أكبرَ منه، في السماء الصافية كما في البحر. وأمّا طلبُك أحدًا تشكره، فسببُه أنّ في عقلك جهازًا يفترض وراء كلّ حركةٍ فاعلًا: كما تلتفت إذا اهتزّ البابُ خلفك فتظنّ أنّ أحدًا دخل، ثمّ تجد الريح. وأن تلتفت ألفَ مرّةٍ فلا تجد أحدًا، أرخصُ من ألّا تلتفت مرّةً واحدةً يكون فيها أحدٌ فعلًا. فالعقلُ الذي يفترض فاعلًا وراء الحركة أسلمُ لصاحبه وإن أخطأ كثيرًا.

وهذا كلامٌ متماسك، ولا أردُّه أنا ولا أحاول؛ فذاك عملُ عقلك لا عملي. فالجوعُ أيضًا كيمياء.

لكنّي لم أسألك ما هي. ولا أسألك «لماذا لم تكفِك التسمية؟». فهذا سؤالٌ مغلق، لأنّ صيغتَه نفسَها تُقرّر أنّها لم تكفِك، فأكون قد أجبتُ عنك قبل أن تتكلّم. بل أسأل سؤالًا مفتوحًا: أكفَتك؟ فإن كفَتك فقد انتهى هذا القسم ولا بقيّةَ فيه، وليس فيه ما تخسره. فامضِ إلى ما بعده: فهنا سؤالٌ عنك أنت، وهناك سؤالٌ عن المسألة نفسها، وهو الأهمّ.

ولستُ أزعم أنّ في عودة الشعور بعد تفسيره لغزًا. الجوعُ عرفنا سببَه معرفةً تامّة، وهو يعود كلَّ يوم. وكذلك الحزنُ، وكذلك القشعريرةُ التي تصيبك من نغمة، وليس في عودتها ما يستدعي أحدًا. فبقاءُ الشعور بعد تفسيره هو القاعدةُ لا الشذوذ.

ولا أبني على شيءٍ من هذا حجّةَ «الجوعُ دليلٌ على وجود الطعام». فقد يجوع من لا طعامَ له، وأنت تعرف الردَّ على هذه الحجّة أحسنَ منّي، وتعرف من ردّها. لا أطلب منك أن تجعل هذه اللحظاتِ دليلًا. أطلب أن تكتب عندك أنّها وقعت، إن كانت وقعت. لا أن تفسّرها، ولا أن تسحب منها شيئًا.

ما أطلبه: سطران وتاريخان

لا تُعد النظر في نتيجتك. دعها كما هي؛ فلستُ أطلب مراجعةَ حكم.

أعِد النظر في الترتيب:

اكتب التاريخ الذي كتبتَ فيه أوّلَ اعتراضٍ عندك بصيغته. ثمّ اكتب التاريخ الذي شعرتَ فيه أوّلَ مرّةٍ أنّك تريد ألّا يكون الأمرُ صحيحًا، أو أنّك تعبت، أو أنّك غضبت ولم تجد على من. ثمّ انظر أيّهما أسبق.

ولعلّك تقول: هذا كلامٌ جميل ما لم تُرِني ورقةً مملوءة. فهذه ورقتي أنا، مملوءةً في سطرين، وثالثٍ يشرحهما:

الأوّل: اليومُ الذي كتبتُ فيه بصيغته: «إن كان العددُ كذا فهو برهان». وهو مكتوبٌ عندي بتاريخه. الثاني: الليلةُ التي أردتُ فيها أن يكون برهانًا، قبل أن أعدّ. وهي أسبقُ من الأولى بشهرين. والتفسير: قد أقول «إنّما تأخّرتُ في الكتابة لضيق الوقت». وهو تفسيرٌ صحيحٌ في نفسه، وقد كان الوقتُ ضيّقًا فعلًا. وهو لا يغيّر الترتيب بشيء.

وهنا الفرق: التفسيرُ الصحيح يُبقي التاريخين في موضعهما، ويشرح ما بينهما. أمّا ما يمحو أحدَ التاريخين أو يُزيحه فليس تفسيرًا. كمن رسب في مادّةٍ فقال: «ذاكرتُ ولكنّ الورقةَ كانت صعبة» — هذا تفسير، والرسوبُ باقٍ في موضعه. فإذا قال: «أنا أصلًا لم أكن أريد هذا القسم» فقد محا التاريخَ نفسَه. الأوّلُ يشرح، والثاني يُزيح. واكتب تفسيرك إن كان عندك تفسير، فليس مطلوبًا منك أن تكون المسافةُ بين التاريخين بلا سبب.

وأقول لك عيبَ هذا الطلب قبل أن تقوله لي: أداةُ القياس معطوبةٌ بشهادتي أنا. لا أحدَ عنده هذان التاريخان مكتوبَين، وكلُّ ما تملكه أن تعود بذاكرتك إلى ما مضى وتحاول أن تتذكّر. والذاكرةُ تُعيد ترتيب ما مضى لتوافق ما استقرّ عليه صاحبُها اليوم. وهذا بعينه العيبُ الذي حذّرتُك منه قبل قليل. فأنا أصف عطبًا في المسطرة ثمّ أناولك إيّاها، ولا أملك غيرها. فخذ الطلبَ على قدره: ليس اختبارًا يحسم الأمر، ولا يُبنى عليه حكم. هو سطرٌ تكتبه فيبقى عندك وحدك.

ومن قدّم لك اختبارًا لا يمكن أن تنجح فيه أبدًا، ثمّ سمّاه منصفًا، فقد خدعك. فالاختبارُ الحقّ هو الذي يمكن أن تخرج منه بـ«لا». وهذا الطلبُ ليس اختبارًا من هذا الصنف ولا من ذاك، بل ليس اختبارًا أصلًا.

والفحصُ الذي أقدر على طلبه: أعِد قراءةَ حجّتك وأنت هادئ، في يومٍ لستَ فيه غاضبًا ولا متعبًا. وإن كنتَ تفعل هذا كلَّ سنةٍ فقد سبقتَني إلى ما أطلبه، وليس عندي ما أزيده.

وإن سبق الاعتراضُ الشعورَ، فأنا مخطئةٌ فيك، وأقولها ولا أستدرك، وأدع عنك طلبي وحدَه، والمسألةُ قائمة. وإن سبق الشعورُ الاعتراضَ فليس ذلك عيبًا فيك ولا فضيحة. وللباحثة الاجتماعيّة هيلين روز إيبو دراسةٌ في الخروج من الأدوار الاجتماعيّة نشرتها سنة ١٩٨٨: راهباتٌ تركن الدير، وشرطيّون تركوا الخدمة، ومطلَّقون، ومتقاعدون. تأتي فيها الشكوكُ الأولى مرحلةً أولى، ونقطةُ التحوُّل مرحلةً ثالثة. والدراسةُ عن الأدوار، لا عن العقائد ولا عن الإلحاد. والذين درستهم أمريكيّون، فلا يُقاس حالُك على حالهم. وهي ملاحظةٌ عن ترتيب المراحل، لا عن المدّة بينها. ولا أذكر لك كم من الوقت بين المرحلتين ولا نسبةً مئوية، لأنّي لم أتحقّق من واحدةٍ منهما. ورقمٌ لا أملكه لا أذكره ولو كان في صالحي.

لا يعنيني إلى أين وصلت. يعنيني من أين مشيت.

ما أقوى اعتراضٍ عندك؟

ورسالتي إلى هنا كلُّها في طريق وصولك، وليس فيها سطرٌ واحدٌ في ما وصلتَ إليه. وهذا نقصٌ في العدل. فمن ناقشك في دافعك وسكت عن حجّتك، فقد جعل قولَك أثرًا لدافعك، مهما لطّف عبارتَه.

فأسأل، وأنتظر:

ما أقوى اعتراضٍ عندك؟ اعرضه بصيغته التي ترضاها أنت، لا بصيغتي. فإن كان اعتراضُك الشرَّ والألمَ فاعرضه، وإن كان خفاءَ الله فاعرضه، وإن كان شيئًا لم أسمع به فاعرضه. ولا أعدك بجوابٍ منّي، فلستُ الجهةَ التي تُحسن الجواب، وقد قلتُ ذلك في أوّل الرسالة. وأعدك بأنّي لا أردُّ اعتراضَك بحديثٍ عن سببِ قولك به.

وثلاثةٌ أُجيب عنها أنا قبل أن تسألها:

أوّلها: «ماذا لو لم تكن هناك ليلةٌ أصلًا؟» فحينئذٍ لا شيءَ في هذه الرسالة يبقى قائمًا: لا ما في أوّلها عن التاريخين، ولا الأسئلةُ الأربعة، ولا الورقةُ التي أطلبها منك. وهذا احتمالٌ قائمٌ عندي، لا أدفعه بـ«لكنّ». ولا شيءَ عليك من الرسالة حينئذٍ. فابدأ من حيث تبدأ المسألةُ نفسُها، أي من أقوى اعتراضٍ عندك. فالرسالةُ عندئذٍ ساقطة، والمسألةُ قائمة.

وثانيها: «لو أعدتُ الفحصَ فوصلتُ إلى ما أنا عليه، أتقبلين ذلك رأيًا صحيحًا، أم ترينني رجلًا لم يُشفَ بعد؟» لا أراك مريضًا. وليست صحّةُ الرأي إليّ، وأكون أنا المخطئة في التاريخ كما أخطأتُ في غيره. وأسكت سكوتَ من أقرّ لا سكوتَ من ينتظر.

وثالثها: «وما الذي تُعيدين فحصَه أنتِ؟» وقد قلتُه فوق: حبّي لهذه الرسالة؛ ومن أحبَّ ما كتب ساء فحصُه له.

وهذه رسالةٌ لا برهان

ليس في هذه الرسالة سطرٌ واحدٌ يصلح دليلًا على شيء. ولو سيقت دليلًا لكانت دليلًا رديئًا، ولكان ردُّك عليها سهلًا وأنت محقّ. وأقصى ما تفعله هذه الرسالة أن تسأل سؤالًا لا يسأله أحدٌ في مناظرة.

وأقول لك جملةً أخيرة. وأقول معها إنّها صورةٌ من صور الكلام، لا وصفٌ لما في نفسك، ولا دليلَ عندي عليها: الذي طلب منك الجوابَ كان جزءًا منك، وما زال هنا. فإن لم تنفعك الصورةُ فاطرحها؛ ولا يسقط بطرحها إلا كلامي.

وأنا لا أعدك بشيءٍ في الطرف الآخر. قد تعيد الفحص من أوّله فتصل إلى ما أنت عليه بالضبط، وتكون قد ربحت شيئًا واحدًا: أنّك تعلم هذه المرّة أنّه فحصُك لا فحصُ خوفي.

لا أطلب منك أن تؤمن. أطلب سطرين وتاريخين، ثمّ اعرض عليّ اعتراضك.