٣. معاني الكلمات قبل الجدال فيها
السؤال: قبل أن نسأل «أيوجد الله؟» — هل نعرف ما تعنيه الكلماتُ التي سنختلف فيها؟
الجوابُ في سطرين: كثيرٌ ممّا يبدو خلافًا في الحقيقة هو خلافٌ في معنى كلمة، ولو اتّفق المتحاوران على معناها لسقط بعضُ النزاع قبل أن يبدأ. وهنا سبعةَ عشرَ لفظًا في خمسةَ عشرَ مدخلًا، يُحرَّر معنى كلٍّ منها، ثمّ جدولٌ تعرف به أين تقف بالضبط، وما الذي يلزمك في موقفك. وتحريرُ المعاني وحدَه لا يحسم شيئًا من النزاع الأصليّ.
ثلاثُ ساعاتٍ من الخصام في كلمةٍ واحدة: «الصدفة»
جلس رجلان يتناقشان في «الصدفة» ثلاثَ ساعات. كان أحدُهما يعني بها: ما لا سببَ له. وكان الآخرُ يعني بها: ما لم يقصده أحد. فكان كلٌّ منهما يردّ على معنًى لم يقله صاحبُه، ويظنّ أنّ خصمَه يكابر. ولو سأل أحدُهما الآخرَ في الدقيقة الأولى: ماذا تعني بهذه الكلمة؟ لخرجا من المجلس بشيء.
وقد تقول: هذا تلاعبٌ بالألفاظ، وهروبٌ من صلب المسألة. وليس كذلك. وأوضحُ شاهدٍ على أنّه ليس كذلك يأتي من العلم التجريبيّ نفسِه، حيث يتقاسم المختلفون المختبرَ والأدوات.
في سنة ٢٠١٢ أعلن مشروعٌ علميٌّ كبيرٌ اسمُه `ENCODE` أنّ نحو ٨٠٪ من المادّة الوراثيّة في الإنسان «وظيفيّ»، أي له عمل. فقامت ضجّةٌ عظيمة. وردّ عليه عالمُ الأحياء دان غراور وزملاؤه بنقدٍ له شقّان، ولا يصحّ أن يُنقل إلا بشقّيه معًا. *الشقُّ الأوّل في معنى الكلمة*: أنّ `ENCODE` عدّت «وظيفيًّا» كلَّ جزءٍ من المادّة الوراثيّة يُرصد فيه نشاطٌ كيميائيٌّ داخل الخليّة، ولم تشترط أن يكون ممّا حفظه التطوّر. والتطوّرُ هو نشوءُ الأنواع الحيّة من أصولٍ مشتركةٍ عبر أجيالٍ طويلة. والجزءُ الذي «حفظه» التطوّرُ هو الذي يضرّ تلفُه صاحبَه. *والشقُّ الثاني في القياس نفسِه*: أنّ الرقمَ منفوخ. ففي ملخّص ورقتهم أنّ طرقَ العدّ عند `ENCODE` تُخطئ في اتّجاهٍ واحدٍ فتضخّم التقدير. فهي تحرص على ألّا يفوتها جزءٌ له عمل أكثرَ من حرصها على ألّا تعدّ ما لا عملَ له. والانتقاءُ الطبيعيّ هو بقاءُ الأصلح لبيئته وتكاثرُه أكثرَ من غيره. وينتهون إلى أنّ ما حفظه هذا الانتقاءُ دون ١٠٪ 1. فمن نقل هذه الورقةَ على أنّها تقول «الخلافُ في اللفظ وحدَه، والعدُّ سليم» فقد نقل نصفَها.
وموضعُ الشاهد من قصّتنا في ردّ فريق `ENCODE` نفسِه. فقد فصل كيليس وزملاؤه بين ثلاثة تعريفاتٍ للوظيفة: تعريفٍ كيميائيٍّ حيويّ (أن يجري في الجزء نشاط)، وتعريفٍ تطوّريّ (أن يكون ممّا حفظه الانتقاء)، وتعريفٍ جينيّ (أن يظهر أثرُ تعطيله في الكائن). وقرّروا أنّ لكلّ تعريفٍ موضعَه وأداتَه. وقرّروا كذلك أنّ الأرقامَ الناتجةَ عن هذه التعريفات لا تُقارَن ما لم يُصرَّح بأيّها يُقاس 2.
والدرسُ من هذا أدقُّ ممّا يُظنّ. فليس الدرسُ أنّ لأحد الفريقين «المعنى الصحيح» ولخصمه «المعنى الخاطئ». الدرسُ شيئان:
- أن يُصرّح كلُّ متكلّمٍ بتعريفه ويثبت عليه، فلا يقيس بتعريفٍ ثمّ يحتجّ بتعريفٍ آخر.
- وأن يُسأل عن كلّ تعريف: أيَّ سؤالٍ يخدم؟ فالتعريفُ الكيميائيّ الحيويّ يخدم سؤالًا، والتطوّريّ يخدم سؤالًا آخر، وكلاهما مشروعٌ في موضعه.
فإذا كان هذا يقع بين علماءَ يتقاسمون المختبرَ والأداة، فكم يقع بيننا ونحن نختلف في «إله» و«دليل» و«إيمان»؟
فتحريرُ معنى اللفظ ليس مقدّمةً للبحث، بل هو نصفُه. وهي قاعدةٌ تُلزمنا نحن قبل غيرنا.
كيف يُعرض كلُّ لفظ: أربعةُ أشياء، ولكلٍّ منها حدّ
ولكلّ لفظٍ أربعةُ أشياء، ولكلّ واحدٍ منها حدٌّ يقف عنده. ومن أهمل هذه الحدودَ جعل تحريرَ الألفاظ سلاحًا يضرب به خصمَه، بدل أن يكون ميزانًا يحتكمان إليه. وأكثرُ هذه الحدود مقرَّرٌ منذ قرونٍ في كتب العقيدة والتعريفات عند أهل السنّة: فقسمةُ الحكم العقليّ إلى واجبٍ وجائزٍ ومستحيل مبسوطةٌ في «أمّ البراهين» للسنوسيّ، وحدُّ الدليل والبرهان واليقين والفرقُ بين العلّة والسبب محرَّرٌ في «التعريفات» للجرجانيّ، وأسبابُ العلم الثلاثةُ — الحواسُّ السليمة والخبرُ الصادق والعقل — منصوصةٌ في «العقائد النسفيّة»، وهي طرقُ المعرفة الثلاثُ التي يفتتح بها الفصلُ التالي. فليست هذه الموازينُ مستوردةً؛ وإنّما صيغت ههنا بعبارةٍ يفهمها من لم يقرأ تلك الكتب. وليس سبقُ أحدٍ إليها حجّةً على صحّتها.
١. أصلُ الكلمة في اللغة. يوضّح ولا يُحتجّ به. فأصلُ الكلمة تاريخُها، وليس حَكَمًا على صواب استعمالها اليوم. ولو كان الأصلُ حَكَمًا لكان كلُّ تغيّرٍ في معاني الكلمات، في كلّ لغة، خطأً — وهذا لا يقوله أحد. ومن احتجّ بأصل الكلمة على أنّ خصمَه «أخطأ في المعنى» فقد وقع فيما يسمّى «المغالطة الاشتقاقيّة»: أن يُجعل أقدمُ معاني الكلمة أصدقَها.
٢. التعريفُ الذي نلتزمه. وهو ليس «المعنى الدقيق» على الإطلاق، فالكلماتُ ليست ملكًا لأحد. إنّما هو إعلانٌ للمعنى الذي يجري عليه الكلام. ومن اختار تعريفًا غيرَه فليصرّح به وليثبت عليه، ويصير النزاعُ عندئذٍ في الشيء نفسِه لا في اسمه.
٣. التعريفُ الآخرُ الذي يُخلط به فيُفسد الجدل. وليس هذا «معنًى خاطئًا شائعًا» دائمًا. فبعضُ ما تحته تعريفٌ آخرُ مشروع، وبعضُه موقفٌ فلسفيٌّ جادّ لا غلطٌ في اللغة. فهو تعريفٌ آخر، والضررُ فيما يترتّب على الخلط بينه وبين الأوّل.
٤. مثالٌ يُرى.
١) إله: وصفُ علاقةٍ قبل أن يكون وصفَ قوّة
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (أ ل هـ)، وفيها معنى العبادة والسكون إلى الشيء؛ فـ«أَلِهَ» معناها عَبَد، و«أَلِهَ إليه» معناها اطمأنّ إليه. و«إله» على وزنٍ بمعنى المفعول: المألوه، أي المعبود.
*والتعريفُ الذي نلتزمه* له استعمالان يجب الفصلُ بينهما:
- استعمالٌ وصفيّ: الإلهُ هو المعبودُ بالفعل، أي ما صرف إليه الإنسانُ غايةَ حبّه وغايةَ خضوعه معًا. وهذا شيءٌ يُشاهَد في الناس ويُوصف، ولا يحتاج إلى دليلٍ على وجوده، لأنّه يقع كلَّ يوم.
- استعمالٌ حُكميّ: الإلهُ هو المستحقُّ لأن يُصرف إليه غايةُ الحبّ وغايةُ الخضوع. وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي موضعُ النزاع كلِّه.
وفي الاستعمالين معًا: الكلمةُ تصف علاقةً قبل أن تصف قوّة.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أنّ «الإله» مرادفٌ لـ«الخالق» أو لـ«القوّة العظمى». وضررُ هذا الخلط من جهةٍ واحدةٍ بعينها: أنّه يحوّل السؤالَ إلى سؤالٍ عن جسمٍ هائلٍ في مكانٍ ما، فيُبحث عنه بأدوات الفيزياء، ثمّ يُقال: بحثنا فلم نجد. وليس هذا التعريفُ «خطأً» في نفسه؛ إنّه تعريفٌ يخدم سؤالًا آخر.
*مثال:* رجلٌ يزن كلَّ قرارٍ في حياته بسؤالٍ واحد: ماذا سيقول الناس؟ يلبس ما يرضيهم، ويصادق من يرفع قدرَه عندهم، ويترك ما يحبّ خوفًا من كلمة. وهو لم يزعم يومًا أنّ «الناس» خلقوا السماء. ومع ذلك ظهر فيه المعنى الوصفيّ كاملًا، بلا حرفٍ واحدٍ عن الخلق. والمثالُ مرسومٌ على غايته عمدًا؛ فإنّما يتحقّق هذا المعنى حين تبلغ المحبّةُ والخضوعُ غايتَهما معًا. أمّا مراعاةُ الناس والخوفُ الطبيعيّ منهم فدون ذلك، وبين الأمرين فرقٌ لا يُلغى. والكلامُ ههنا في وصف علاقةٍ تقع، لا في إنزال حكمٍ على أحدٍ بعينه.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يبيّن أنّ العبادةَ بهذا المعنى شيءٌ يقع فعلًا، ولا يبيّن أنّ هناك من يستحقّها. بل هو في نفسه شاهدٌ على أنّ المعبودَ بالفعل قد يكون أحقرَ من أن يُعبد. فكلامُ الناس الذي يخافه هذا الرجل لا يستحقّ شيئًا من ذلك. فمن قبِل هذا المثال لم يقبل شيئًا من دعوى هذا الكتاب، ودليلُ الاستحقاق في موضعه من أبوابٍ أخرى.
وقد يقول قائل: «أنتم نقلتم الملعب. أنا لا أنازع في وجود علاقة العبادة؛ أراها في نفسي وفي غيري وأُقرّ بها. النزاعُ عندي في وجود كائنٍ له أوصافٌ بعينها: واعٍ، مريد، قادر، ليس بجسم، لا يحتاج إلى غيره. فأن تعرّفوا الكلمةَ بالعلاقة، ثمّ تتّهموا من يطلبها في باب الوجود بأنّه أفسد الجدل — هذا نقلٌ للملعب، لا تحريرٌ للفظ.»
والاعتراضُ صحيح، ونقبله بحرفه. فالسؤالُ المتنازَع فيه سؤالُ الوجود: هل هناك كائنٌ بتلك الأوصاف؟ وليس سؤالَ العلاقة. ومن طلب الإلهَ في باب الوجود فقد طلبه في موضعه، ولا عيبَ عليه في ذلك. فالاستعمالُ الوصفيّ لا يُغني عن سؤال الوجود، ولا يقرّبنا من جوابه خطوةً واحدة. وفائدتُه أن يمنع خطأً واحدًا: أن يُظنّ أنّ نفيَ «الجسم الهائل» نفيٌ لما يدّعيه المؤمن.
٢) ربّ: الذي يرعى كلَّ يوم، لا الذي صنع ثمّ انصرف
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (ر ب ب)، وتجمع ثلاثةَ معانٍ متلازمة: التربيةَ والإصلاح، والمِلك (فربُّ الدار مالكُها)، والسيادةَ والتدبير.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الربُّ هو المالكُ المدبِّر الذي يسوق من يرعاه من نقصٍ إلى تمام. وأخصُّ ما في هذا المعنى: الاستمرار.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُختصر الربُّ في «الصانع»، أي من صنع ثمّ انصرف. والفرقُ بينهما جوهريّ: الصانعُ انتهى فعلُه، والربُّ فعلُه قائمٌ لا ينقطع. وكثيرٌ من الجدل الحديث يدور بين من يُثبت «صانعًا أوّل» ومن ينكره، ومعنى الاستمرار غائبٌ عن كثيرٍ منه. ولا نقول إنّ من تكلّم في «الصانع الأوّل» أخطأ في اللغة؛ نقول إنّه تكلّم في مسألةٍ أضيق. وإثباتُ صانعٍ أوّل لا يُنتج ربًّا بهذا المعنى — وهذا قيدٌ علينا نحن قبل أن يكون قيدًا على غيرنا.
*مثال:* الذي باعك الشتلةَ في المشتل انتهى دورُه عند الباب. والذي يسقيها كلَّ صباح، ويظلّلها من شمس الظهيرة، حاضرٌ معها كلَّ يوم. والفرقُ بين الاثنين هو الفرقُ بين «صانع» و«ربّ» — وليس فرقًا في القوّة.
٣) خلق: إيجادٌ فيه تقديرٌ وترتيب
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (خ ل ق)، ومعناها الأوّل التقديرُ على مثال؛ يقال «خلَق الأديمَ» أي قدّر الجلدَ بالمقياس قبل أن يقطعه.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الخلقُ إيجادٌ على تقديرٍ وترتيب، أي إيجادٌ فيه هندسة.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُحصر الخلقُ في «الإنشاء الفوريّ في لحظة». وهذا الحصرُ يصنع خصومةً وهميّةً مع كلّ كلامٍ عن تدرّجٍ في الزمن. ولهذه الملاحظة حدّ: هي تقول إنّ الخصومةَ على اللفظ لا وجهَ لها. ولا تقول إنّ الخصومةَ على الواقعة لا وجهَ لها. فمن نازع في تفصيلٍ من تفاصيل تاريخ الطبيعة فإنّما ينازع في شيءٍ يُبحث بطريقه، لا في معنى كلمةٍ عربيّة.
*مثال:* صانعُ المفاتيح يضع المفتاحَ الأصليّ في الآلة، ويقيس الأسنانَ سنًّا سنًّا، ثمّ يبرد، ثمّ يجرّب في القفل، فيعود فيبرد. سلسلةُ مراحل، وكلُّها داخلةٌ في معنى «خَلَق» في أصل اللغة. فمن جادل بأنّ الخلقَ لا يكون إلا في «لحظةٍ واحدة» فقد جادل بشيءٍ لم تقله الكلمة.
٤) العلّة والسبب: الشرطُ الكامل وجزءٌ منه
*أصلُ الكلمتين:* العلّةُ من مادّة (ع ل ل)، وأصلُها تكرارُ الشيء ومعاودتُه، ومنه «العِلّة» بمعنى المرض. والسببُ من مادّة (س ب ب)، وأصلُه الحبل الذي يُتوصَّل به إلى الماء؛ فكلُّ ما يُتوصَّل به إلى غيره سبب.
*والتعريفان اللذان نلتزمهما:* العلّةُ التامّة ما إذا وُجد وُجد الأثر، وإذا عُدم عُدم الأثر، فالأثرُ لا يتخلّف عنها. والسبب ما يُفضي إلى الشيء، ولا يلزم أن يكون وحدَه كافيًا لإيجاده. فالسببُ جزءٌ من العلّة التامّة، لا طبقةٌ دونها.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُظنّ أنّ السببَ والعلّةَ اسمان لشيءٍ واحد. فيُسأل عن العلّة التامّة، فيُجاب بسببٍ جزئيّ، ويُظنّ أنّ البابَ أُغلق.
*المثالُ الأوّل، وهو للفرق بين الناقص والتامّ فقط:* تضغط مفتاحَ النور فتضيء اللمبة. سببُ الإضاءة بلا شكّ ضغطُك على المفتاح. ثمّ ينقطع التيّارُ عن الحيّ، فتضغط المفتاحَ نفسَه عشرَ مرّاتٍ فلا يضيء شيء. فالضغطُ سببٌ صادق، لكنّه ليس الشيءَ الذي متى وُجد لزم النور. والعلّةُ التامّة هنا: مفتاحٌ مضغوط، وتيّارٌ قائم، وأسلاكٌ سليمة، ولمبةٌ صالحة. وكلُّها من صنفٍ واحد: شروطٌ فيزيائيّةٌ تجتمع، لا «طبقاتٌ» مختلفةٌ للسؤال.
وأمّا «طبقاتُ السؤال» فشيءٌ آخر، يجب أن يُعرَّف ويُمثَّل لا أن يُلقى بكلمة. فمن قال لك «سُئل سؤالٌ من طبقةٍ فأُجيب من طبقةٍ أخرى» ولم يعرّف ولم يمثّل، فمن حقّك أن تسأله: ما الطبقات؟
*التعريف:* طبقةُ الجواب هي مستواه. وأشهرُ المستويات ثلاثة:
| الطبقة | صيغةُ السؤال | الجوابُ في مثالنا |
|---|---|---|
| الآليّة | كيف يجري؟ | لأنّ حرارةَ الموقد رفعت طاقةَ جزيئات الماء حتى بلغ ضغطُ بخاره ضغطَ الجوّ |
| الفاعلُ القريب | من فعل ومتى؟ | لأنّي أشعلتُ الموقد قبل خمس دقائق |
| الغاية | لماذا فُعل؟ | لأنّي أردتُ أن أصنع شايًا لضيفٍ يطرق البابَ الآن |
*المثال:* يغلي الماءُ في الإبريق. والأجوبةُ الثلاثة كلُّها صادقة: لا يكذّب واحدٌ منها غيرَه، ولا يُغني عنه. فمن أجاب عن سؤال الغاية بجواب الآليّة أجاب جوابًا صحيحًا عن سؤالٍ لم يُسأل، ومن أجاب عن سؤال الآليّة بجواب الغاية فكذلك.
*وحدُّ هذا التقسيم:* وجودُ هذه الطبقات في أفعال العقلاء لا نزاعَ فيه، لأنّنا نعلم أنّ هناك فاعلًا له غاية. أمّا هل للكون طبقةُ غايةٍ أصلًا، فذلك هو عينُ النزاع، ولا يُحسم بتحرير لفظ. ومن احتجّ بهذا التقسيم فقال: «الفيزياء تجيب عن الكيف لا عن اللماذا، فهناك لماذا بلا جواب»، فقد أدخل دعواه في التعريف. والتعريفُ لا يحمل دعوى. فالتقسيمُ يقول: إن كانت هناك غاية، فجوابُ الآليّة لا يُغنيك عنها. ولا يقول: هناك غاية. والثانيةُ دعوى لها بابُها.
*وقيدٌ ثانٍ، على تعريف العلّة نفسِه:* هذا التعريفُ للسببيّة — أنّ الأثرَ يلزم عن علّته — لا يقبله بحاله بعضُ من نخاطبهم. فالفيزيائيّ شون كارول، وهو ملحدٌ يصرّح بإلحاده، يرى أنّ «السبب» ليس من كلمات الفيزياء الأساسيّة: فمعادلاتُها تصف كيف تنتقل حالةُ العالم من لحظةٍ إلى لحظة، ولا تقول «هذا فعل ذاك». وكلامُنا عن سببٍ ونتيجة، عنده، لغةٌ تنشأ في عالمنا الكبير الذي نراه. وهي تأخذ اتّجاهَها من أنّ العالمَ كان في الماضي أكثرَ ترتيبًا، وهو يسير إلى ترتيبٍ أقلّ. وهذا ما يسمّيه الفيزيائيّون «انحدار الإنتروبيا». فصار للزمن اتّجاهٌ نسمّي ما في أوّله سببًا وما في آخره أثرًا 3.
وهذا التعريفُ ليس مسلَّمًا به. ومن نازع فيه فقد نازع في مقدّمةٍ من مقدّمات أدلّة هذا الباب، لا في اصطلاح. وذلك نزاعٌ حقيقيّ، يُناقَش في الفصلين الخامس والسادس: «لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء؟» و«هل للكون بداية؟».
٥) واجبٌ وممكن: ما وجودُه من ذاته، وما يمكن أن يوجد وألّا يوجد
*أصلُ الكلمتين:* الوجوبُ من مادّة (و ج ب)، وأصلُها الثبوتُ واللزوم؛ ومنه قولهم «وجبت الشمسُ» أي سقطت لزومًا في وقتها. والإمكانُ من مادّة (م ك ن)، من التمكّن وقبولِ الحصول.
*والتعريفان اللذان نلتزمهما:* الواجب (أو واجبُ الوجود) ما وجودُه من ذاته لا من غيره، فلا يمكن أن يُعدم. والممكن ما يستوي فيه الوجودُ والعدم: يمكن أن يوجد، ويمكن ألّا يوجد، وليس في ذاته ما يوجب أحدَ الأمرين.
*وقفةٌ لازمة:* قد يُزاد في تعريف الممكن أنّه «لا يترجّح أحدُ طرفيه — الوجودُ أو العدم — إلا بمرجّحٍ من خارجه»، ومن هنا يُوصف كثيرًا بأنّه «ما يأخذ وجودَه من غيره». وهذه الزيادةُ ليست من التعريف في شيء. إنّها مبدأ السبب الكافي، أي القاعدةُ القائلة إنّ لكلّ موجودٍ تفسيرًا لوجوده. وهذا المبدأُ من أعظم المقدّمات التي تقوم عليها أدلّةُ هذا الباب كلِّه. وإدخالُه في تعريف الكلمة يجعل الدليلَ يخرج من المعجم، فيربح صاحبُه النزاعَ قبل أن يبدأ. وهذا بعينه ما يسمّى «المصادرة على المطلوب»: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك. فلا يُدخل المبدأُ في التعريف. والقولُ بأنّ الممكن لا يترجّح فيه الوجودُ على العدم إلا بمرجّحٍ من خارجه دعوى أخرى. ولهذه الدعوى أدلّتُها ولها منازعوها، وموضعُها الفصلُ الخامس: «لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء؟». فوصفُ الممكن بأنّه «يأخذ وجودَه من غيره» قائمٌ على ذلك المبدأ، لا على معنى الكلمة وحدَه.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُفهم «الواجب» على أنّه الشيءُ القويّ جدًّا، أو الأقدمُ زمنًا. وهذا يحوّل بحثًا في نوع الوجود — أهو من الذات أم من الغير — إلى مسابقةٍ في القِدَم والقوّة. فيصير النزاعُ: أيّهما أقدم، الكونُ أم غيرُه؟ وذلك سؤالٌ آخر تمامًا.
*مثال:* انظر إلى فاتورة الكهرباء. الرقمُ الكبير في أسفلها كان يمكن أن يكون غيرَه: لو أطفأتَ المكيّفَ ليلتين لنقص، ولو استضفتَ أهلك أسبوعًا لزاد. ليس في الرقم نفسِه ما يمنع أن يكون سواه. وفي الورقة نفسِها شيءٌ آخر: أنّ المجموعَ يساوي حاصلَ جمع البنود. وهذا لا يمكن أن يكون غيرَه، ولو أفلست شركةُ الكهرباء كلُّها. الأوّلُ ممكن، والثاني من صنفٍ آخر.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يفرّق بين واقعةٍ وحسابٍ رياضيّ. ومن سلّم بأنّ المجموعَ واجب، لم يسلّم بذلك بأنّ هناك موجودًا واجبًا. وهناك من ينازع أصلًا في أن يكون لهذا الصنف الثاني نظيرٌ بين الأشياء الموجودة: يقول إنّ «الواجب» وصفٌ لجملٍ نقولها — كقولك «٢+٢=٤» — لا وصفٌ لشيءٍ قائمٍ خارجَ الذهن. وهو اعتراضٌ معتبَر، موضعُه الفصلُ الخامس.
*ومثالٌ آخر أقربُ إلى السؤال نفسِه:* هاتفُك يعمل ما دامت فيه البطاريّة، والبطاريّةُ تعمل ما دام الشاحن، والشاحنُ يعمل ما دامت الكهرباءُ في البيت، والكهرباءُ موجودةٌ ما دامت المحطّةُ تدور. كلُّ واحدٍ منها يستعير عملَه ممّن قبله. والسؤالُ في هذا الباب كلِّه: هل هناك شيءٌ لا يستعير؟
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يصوّر السؤالَ ولا يجيب عنه، وجوابُه موضعُ الفصل الخامس.
٦) دليل: أوسعُ من التجربة
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (د ل ل)، والدلالةُ الإرشاد؛ والدليلُ هو الهادي إلى الطريق.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الدليلُ كلُّ شيءٍ إذا عرفتَه عرفتَ به شيئًا آخر، سواءٌ أفاد اليقينَ أم أفاد الرجحانَ وحدَه. فهو بابٌ واسع.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُحصر الدليلُ في «التجربة المعمليّة». فيقول قائل «لا دليل» وهو يقصد «لا تجربةَ معمليّة» — وهما شيئان. ولو التُزم هذا الحصر لسقط التاريخُ كلُّه: فلا تجربةَ معمليّةً تُثبت أنّ جدَّك عاش. ومن حصر الدليلَ في التجربة فقد يكون له في ذلك مذهبٌ يحتجّ له. وهو موقفٌ في «نظريّة المعرفة»، أي البحث في كيف نعرف ما نعرف. فهو يُناقَش بأدلّته، وليس غلطًا في العربيّة.
*مثال:* تدخل الحمّامَ صباحًا فتجد المرآةَ مغبَّشة والأرضَ رطبة. فتعلم بلا تردّد أنّ أحدًا استحمّ قبلك بقليل. لم ترَه، ولم تُجرِ تجربة، ولم تسأل أحدًا. ومع ذلك عندك دليل، وأنت مصيبٌ في العمل به.
٧) برهان: الدليلُ الذي لا مهربَ منه
*أصلُ الكلمة:* فيه خلافٌ قديم: قيل من مادّة (ب ر هـ)، وفيها البياضُ الناصعُ والقطع؛ وقيل هي كلمةٌ رباعيّةٌ مستقلّة؛ وقيل ثلاثيّةٌ بنونٍ زائدة. ولسنا نجزم بشيءٍ من ذلك، ولا يترتّب على الجزم شيء. وهذا مثالٌ حيٌّ على أنّ أصلَ الكلمة للإيضاح لا للاحتجاج: لو كان الأصلُ حَكَمًا لتوقّف معنى «البرهان» على خلافٍ في الصرف.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* البرهانُ هو الدليلُ القاطع الذي يفيد اليقين. ويتألّف من مقدّماتٍ يقينيّةٍ مرتّبةٍ ترتيبًا صحيحًا.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُطلق «البرهان» على كلّ ما أقنعني أنا. فيصير «البرهانُ» عند صاحبه «حجّةً أعجبتني»، ثمّ يتعجّب ممّن لم يقنعه «برهانُه».
*مثال:* في درجك ثلاثةَ عشرَ جوربًا من لونين لا ثالثَ لهما، والغرفةُ مظلمة. اسحب ثلاثةً دون أن تنظر: لا بدّ أن يتّفق اثنان منها في اللون. ليس هذا ظنًّا غالبًا، ولا تجربةً كرّرتَها، ولا مخرجَ منه أبدًا. وقارِن هذا بقولك: «رأيتُ عشرَ سيّاراتٍ حمراءَ اليوم، فالحمراءُ هي الأكثرُ في المدينة». هذا دليل، وليس برهانًا.
٨) احتمال: كلمةُ «يمكن» ليست رقمًا
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (ح م ل)، و«الاحتمال» أن يحتمل الأمرُ وجهين، أي يقبلهما.
*والتعريفُ الذي نلتزمه* له معنيان يجب الفصلُ بينهما:
- احتمالٌ منطقيّ: أن يقبل الأمرُ الوجهَ وضدَّه، أي أن يكون ممكنًا.
- احتمالٌ عدديّ: قدرٌ يُحسب، إمّا من تكرارٍ رُصد، وإمّا من معلوماتٍ عندنا.
*والخلطُ الذي يُفسد الجدل:* القفزُ من المعنى الأوّل إلى الثاني بلا مسوّغ: «يحتمل أن يكون كذا»، إذن «احتمالُه ٥٠٪». وهذا ليس حسابًا؛ إنّه جهلٌ لبس ثوبَ رقم.
*مثال:* تسأل: هل الطبيبُ في عيادته الآن؟ فيقال لك: يحتمل. وهذا صحيح. فإن قلتَ: «إذن الاحتمالُ ٥٠٪، لأنّه إمّا موجودٌ وإمّا غيرُ موجود»، لزمك أن تقول أيضًا: احتمالُ وجود زرافةٍ في العيادة ٥٠٪، فهي كذلك إمّا موجودةٌ وإمّا لا. والفسادُ ظاهرٌ في الثانية، وهو قائمٌ في الأولى بعينه. فالرقمُ يحتاج إلى معرفةٍ بالعيادات والأطبّاء وساعات العمل، لا إلى جهلي أنا.
وهذا الخلطُ بعينه هو أصلُ أشهر رقمٍ في هذا الباب. يُنقل عن الرياضيّ روجر بنروز رقمٌ هائل، ويُقدَّم على أنّه «احتمالُ نشوء الكون صدفة». وحقيقتُه أنّه نسبةُ حجمٍ في فضاءٍ رياضيّ، لا احتمالُ حادثة. أي أنّه نسبةُ رقعةٍ صغيرةٍ إلى رقعةٍ هائلةٍ في رسمٍ تخيّليٍّ تُوضع فيه كلُّ الحالات الممكنة للكون. وبنروز يسوقه ليطلب له تفسيرًا فيزيائيًّا، لا ليحتجّ به على تصميم 4. فمن نقله على غير وجهه خسر مرّتين: خسر الحجّة، وخسر ثقةَ قارئٍ فتح المصدر.
وهذا السلاحُ لا يُرفع في وجه جهةٍ ويُخفى عن أخرى. فالاعتراضُ نفسُه — «من أين جاء الرقم؟ وعلى أيّ مقياس؟» — يقف في وجه حجّة الضبط الدقيق. والضبطُ الدقيق هو أنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة، وهي حجّةٌ يُحتجّ بها في هذا الباب لصالح وجود الله. ونصُّ الاعتراض عند أصحابه — تيموثي ماكغرو وزميليه — أنّك لكي تقول «احتمالُ هذه القيمة ضئيل» تحتاج أوّلًا إلى مدًى محدودٍ تقسم عليه. فإن قلتَ إنّ قيمةَ الثابت كان يمكن أن تكون أيَّ رقمٍ بلا حدّ، فلا معنى للقسمة أصلًا، كمن يسألك: ما احتمالُ أن أختار الرقمَ سبعةً من بين الأعداد كلِّها بلا نهاية؟ فالسؤالُ نفسُه بلا جواب، لا بالكبير ولا بالصغير. فتكون النسبةُ التي تقوم عليها الحجّة، في قولهم، غيرَ معرَّفةٍ رياضيًّا أصلًا، لا صغيرةً ولا كبيرة 5. والفيلسوفُ روبن كولنز، وهو من أمتن من صاغ حجّة الضبط الدقيق، يعرف هذا الاعتراضَ ويخصّص له بابًا يجيب فيه بأن يحصر المدى في مدًى محدودٍ تمكن المقارنةُ فيه 6. وجوابُه محلُّ نزاعٍ لم ينقطع: فلا يُنقل الاعتراضُ وكأنّه بلا جواب، ولا الجوابُ وكأنّه مسلَّم. ومن ساق رقمًا في هذا الباب، من أيّ جهةٍ كان، سُئل عن مقياسه، ولا يُعفى أحد.
٩) يقين: مطابقةُ الواقع، لا شدّةُ الشعور
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (ي ق ن)، وأصلُها الاستقرارُ والسكون؛ يقال «يَقِنَ الماءُ» إذا استقرّ وصفا.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* اليقينُ جزمٌ مطابقٌ للواقع، قائمٌ على مستند.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* الجزمُ النفسيّ، أي شدّةُ الشعور. وشدّةُ الشعور توجد عند المخطئ كما توجد عند المصيب تمامًا؛ فهي وصفٌ للنفس، لا وصفٌ للحقيقة.
*مثال:* شاهدٌ في محكمةٍ يقول: «أذكر وجهَه كأنّي أراه الآن». وثقتُه في ذاكرته لا تزيد ولا تنقص بصحّة الذاكرة نفسِها: فالثقةُ شعورٌ في صدره، والصوابُ واقعةٌ خارجَه. ومن جعل شدّةَ شعوره ميزانًا للحقّ لم يملك ميزانًا أبدًا. فهو لن يشعر يومًا بأنّه مخطئ وهو مخطئ. وهذا يقع على المؤمن والمنكر سواءً بسواء، وليس عيبًا في جهةٍ دون جهة.
١٠) إيمان: تصديقٌ عن مستند، أم اعتقادٌ بلا دليل؟
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (أ م ن)، وفيها معنيان: الأمن ضدّ الخوف، والتصديق.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الإيمانُ تصديقٌ جازمٌ يستقرّ في القلب فيظهر أثرُه في العمل، أي تصديقٌ وإذعانٌ معًا، لا إقرارٌ ذهنيٌّ مجرّد. وهو حدٌّ إجماليٌّ مقرَّرٌ في كتب الاعتقاد عند أهل السنّة، يكفي في تحرير اللفظ ههنا ولا يفصل في مسألةٍ أخرى: أيدخل القولُ والعملُ في مسمّى الإيمان، أم يكونان أثرًا لازمًا له؟ وفيها خلافٌ مشهورٌ بين أهل السنّة أنفسِهم، وموضعُ تحريره غيرُ هذا الباب.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُعرَّف الإيمانُ بأنّه «الاعتقادُ بلا دليل». وهذا أخطرُ ما في هذه الألفاظ، وفيه شطران يجب الفصلُ بينهما:
- الشطرُ الأوّل، بوصفه تعريفًا: هذا تعريفٌ آخرُ للكلمة، لا وصفٌ لما نعنيه بها. ومن التزمه فليعلم أنّه يتكلّم في شيءٍ غير الذي يتكلّم فيه المسلم، فيقع النزاعُ على اسمٍ لا على الشيء نفسِه.
- والشطرُ الثاني، الدعوى الواقعيّة التي تحته: أنّ كثيرًا من المتديّنين يعتقدون بلا مستند، ويمدحون ذلك، ويسمّونه «تسليمًا». وتقول الدعوى كذلك إنّ الذي قال لأحدهم «لا تسأل، اسكت واعمل» لم يكن مستشرقًا يكتب عن الدين من خارجه، ولا صاحبَ معجم. وهذه دعوى واقعيّةٌ تُناقَش بالشواهد، ولا تُردّ بالمعجم أبدًا.
وقد يُجاب عن هذا التعريف بأنّه «مستورَدٌ من سياقٍ آخر، وليس في أصل المادّة العربيّة ما يدلّ عليه». وهذا جوابٌ لغويٌّ عن سؤالٍ اجتماعيّ، وردٌّ على غير ما قيل. فالاشتقاقُ لا يخبرك بما يفعله الناس.
ونُقرّ بالواقعة إقرارًا صريحًا: هذه الممارسةُ موجودة، وهي مخالفةٌ للتعريف الذي نلتزمه نحن. والحجّةُ علينا أن نبيّن أنّ تعريفَنا هو الذي يجري عليه أصلُ الدين، لا أن ننكر أنّ الواقعةَ تقع. وبيانُ ذلك قريب: أصلُ الدين يذمّ تقليدَ الآباء، ويطالب المدّعيَ ببرهانه، ويأمر من جهل أن يسأل أهلَ العلم. فالمنعُ من السؤال مخالفٌ لهذا الأصل، لا صادرٌ عنه.
*مثال:* يُدخلونك غرفةَ العمليّات فتُخدَّر تخديرًا كاملًا. أنت تسلّم جسدَك، بلا وعيٍ ولا مراقبة، إلى أناسٍ لا تعرف أسماءهم. ولستَ في ذلك جاهلًا ولا متهوّرًا: فأنت تعلم أنّ وراءهم كلّيّةَ طبٍّ، ورخصةَ مزاولة، وسجلَّ مستشفى، ونقابةً تحاسب. تصديقٌ، مع أمن، عن مستند.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يبيّن أنّ التسليمَ عن مستندٍ ممكنٌ ومعقول، ولا يبيّن أنّ مستندَ الإيمان قائم؛ فتلك دعوى الكتاب، لا دعوى المثال. ولا يصلح المثالُ حجّةً على من قيل له «اسكت ولا تسأل»: فذلك تسليمٌ بلا مستند، وهو ما ننكره معه لا عليه.
١١) شكّ: الوقوفُ بين طرفين متساويين
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (ش ك ك)، وأصلُها الاختراقُ والتداخل؛ ومنه «شكّه بالرمح» أي اخترقه. فكأنّ الأمرين تداخلا في ذهن الشاكّ فلم يتميّز أحدُهما من الآخر.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الشكُّ استواءُ الطرفين، بلا ترجيحٍ لأحدهما.
*والخلطُ الذي يُفسد الجدل:* أن يُطلق «الشكّ» على كلّ تردّد، ثمّ يُنتقل منه إلى موقف: «أنا شاكّ، إذن أنا منكر». والشكُّ بهذا التعريف وقوفٌ عند الاستواء. ومن مال إلى أحد الطرفين فقد خرج منه إلى الظنّ، وعليه عندئذٍ ما على أهل الظنّ.
*مثال:* بيدك مظروفٌ مغلقٌ فيه نتيجةُ تحليلٍ طبّيّ. لا ترجّح شيئًا: هذا شكّ. فإن قلتَ «أظنّها سيّئة، لأنّهم أرسلوها بالبريد ولم يتّصلوا بي» فقد خرجتَ من الشكّ وبنيتَ على قرينة، وصار من حقّ محاورك أن يناقشك في القرينة.
١٢) فطرة: استعدادٌ يولد معك، لا معلومةٌ محفورة
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (ف ط ر)، وأصلُها الشقُّ والابتداء؛ ومنه «فطرَ» بمعنى ابتدأ.
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الفطرةُ هي الهيئةُ الأولى التي بُدئ عليها الإنسان، من استعدادٍ وميلٍ يسبقان التعلّم. والمقصودُ بها في مسألتنا خاصّةً: ما يولد عليه الإنسانُ من ميلٍ إلى الإقرار بخالق. وهل يوجد هذا الميلُ فعلًا؟ ثبوتُه عندنا بالنصّ لا بالتجربة، ولا نحتجّ عليك بالنصّ لأنّك لا تُقرّ بمصدره. وإنّما الذي يُبحث بأدوات التجربة آثارُه في الناس، لا أصلُ ثبوته. وتعريفُ الكلمة لا يُجيب عن هذا ولا عن ذاك.
*والخلطُ الذي يقع فيه الطرفان معًا:* أن تُفهم الفطرةُ على أنّها معلومةٌ تفصيليّةٌ محفورةٌ في النفس. فيقول منكرُها: لو كانت موجودةً لعرف الطفلُ التفاصيلَ بلا تعليم. ويقول مثبتُها: إذن لا حاجةَ إلى نظرٍ ولا استدلال. وكلاهما حمّل الكلمةَ ما لا تحمل: فالفطرةُ استعدادٌ يُنمَّى أو يُطمَس، لا ملفٌّ جاهز.
*مثال:* الطفلُ يتقن الكلامَ في الثالثة بلا درسٍ واحدٍ في النحو، ويصوغ جملًا لم يسمعها قطّ فتخرج مستقيمة. ثمّ لا يقرأ حرفًا واحدًا إلا بتعليمٍ ومعاناةٍ وسنوات. فالاستعدادُ فطريّ، والتفصيلُ مكتسَب؛ وأيَّ لغةٍ يتكلّم فمن بيئته لا من فطرته.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّه يبيّن أنّ صنفَ «الاستعداد السابق على التعلّم» موجودٌ في الإنسان، ولا يبيّن أنّ للدين استعدادًا من هذا الصنف. تلك دعوى تجريبيّة تُبحث بطريقها، وسيأتي في الفصل التالي أنّ البحثَ فيها لا يفصل في صدق المعتقد على أيّ حال.
١٣) غيب: الغائبُ عنك ليس معدومًا
*أصلُ الكلمة:* من مادّة (غ ي ب)، وأصلُها الاستتارُ عن الحواسّ؛ ومنه «غابت الشمس».
*والتعريفُ الذي نلتزمه:* الغيبُ ما احتجب عن إدراك الحواسّ. وهو قسمان: غيبٌ نسبيّ، غائبٌ عنك حاضرٌ لغيرك؛ وغيبٌ مطلق، لا يُدرك بالحواسّ أصلًا.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* أن يُجعل الغيبُ هو المعدوم، أو ما لا سبيلَ إليه بحال.
*مثال:* في جوفك كبد. لم ترها قطّ، ولعلّك لم تتصوّرها يومًا. ولو سألك سائل «أفي بطنك كبد؟» لعددتَ سؤالَه عبثًا من شدّة جزمك. وجزمُك هذا كلُّه قائمٌ على أثرٍ وخبر، لا على مشاهدة.
*وحدُّ هذا المثال، وهو حدٌّ ثقيل:* الكبدُ غيبٌ نسبيٌّ تمامًا. رآها الجرّاحون، وصوّرتها الأشعّة، وشُرّحت ألوفَ المرّات، وبينك وبينها سلسلةُ شهودٍ متّصلة. فالمثالُ يُثبت القسمَ الأوّل، ولا يمسّ الثاني بحرف. ومن استنتج منه أنّ «الغيبَ المطلق له طرقُه» فقد أخذ الكلمةَ بمعناها الصعب، وبرهن على معناها السهل، ثمّ عمّم الحكم. وهذه صورةٌ من «المصادرة على المطلوب» التي مرّت بك في مدخل «واجب وممكن»: أن تضع النتيجةَ في المقدّمة ثمّ تستخرجها منها. وسيأتي شرحُها في الفصل التالي.
والمأخوذُ من هذا كلِّه شيئان لا ثالثَ لهما:
- أنّ «غائبٌ عنّي» غيرُ «معدوم»، وهذا لا ينازع فيه عاقل.
- وأنّ الوصولَ إلى الشيء بأثره صنفٌ معروفٌ من المعرفة في الجملة.
أمّا أنّ للغيب المطلق طريقًا فدعوى مستقلّةٌ تحتاج إلى دليلها. والطريقُ الذي يُدّعى له في هذا الكتاب هو الخبرُ المعصوم، أي خبرُ الوحي، وثبوتُه بابٌ كاملٌ في آخر الكتاب. ولك أن تنظر فيه هناك، وليس عليك أن تقبله هنا بحجّة أنّك سلّمتَ بالكبد.
١٤) طبيعانيّة: قيدٌ على الأداة، أم دعوى عن العالم؟
*أصلُ الكلمة:* مصطلحٌ مترجَم عن الإنجليزيّة (naturalism)، وليس له أصلٌ في مادّةٍ عربيّةٍ يُحتجّ به. وهذا مثالٌ ثانٍ على أنّ أصلَ الكلمة ليس ركنًا في تحرير المعنى. وهو لفظُ موقف الجهة الأخرى، ويحتاج إلى التحرير كما تحتاج إليه ألفاظُ الجهة المقابلة.
*والتعريفان اللذان يجب الفصلُ بينهما:* الطبيعانيّةُ في أشهر معانيها هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. لكنّ الكلمةَ تُطلق على شيئين مختلفين:
- طبيعانيّةٌ منهجيّة: أن يقتصر الباحثُ في عمله على الأسباب الطبيعيّة، لأنّ أدواته لا تتناول غيرَها. وهي قيدٌ على الأداة، يلتزمه الباحثُ المؤمنُ والملحدُ سواء، ولا تقول شيئًا عن الوجود.
- طبيعانيّةٌ ميتافيزيقيّة، أي في حقيقة الوجود: أنّه ليس في الوجود إلا الطبيعة. وهذه دعوى عن العالم، وعليها ما على كلّ دعوى.
*والخلطُ الذي يُفسد الجدل، ويقع من الجهتين:* أن يُحمل المعنى الأوّل على الثاني. فيقول المتديّن: «العلمُ ملحدٌ بطبعه»، وليس كذلك، إنّما هو مقيَّدٌ بأداته. ويقول الطبيعانيّ: «نجاحُ التفسير الطبيعيّ المطّرد في كلّ ميدانٍ دخله يرفع احتمالَ ألّا يكون وراءه شيءٌ غيرُه». وهذه صيغتُه القويّة، وهي استقراءٌ يُناقَش لا غلطٌ يُكسر. والاستقراءُ أن تستخرج قاعدةً عامّةً من حالاتٍ كثيرةٍ رأيتها. أمّا «نجاحُ المنهج يُثبت المذهب» فصيغةٌ ضعيفة، لا يعتمدها من يُحسن الدفاع عن هذا الموقف. وفي جواب الصيغة القويّة أمران. الأوّل: أنّ نجاحَ أداةٍ في مجالها ليس حصرًا للوجود في مجال تلك الأداة. والثاني: أنّ هذا الاستقراءَ لا يقوى إلا بشرط: أن تكون الميادينُ التي دخلها المنهجُ من جنس الميدان المتنازَع فيه.
*مثال:* المحقّقُ الجنائيّ لا يكتب في تقريره «فعلَه شيءٌ لا يُرى». وليس ذلك لأنّه يقطع بأنّ هذا مستحيل، بل لأنّ أدواته لا تتناوله، ولأنّ المحكمةَ لا تحكم بما لا يُختبر. وهذا قيدٌ على أداة القضاء، لا حكمٌ على الوجود. فهذه طبيعانيّةٌ منهجيّة، ولا أحدَ ينازع فيها. فإن خرج المحقّقُ من المحكمة فقال: «ولا يوجد في الوجود إلا ما تلتقطه أدواتي»، فقد قال شيئًا آخر تمامًا، وعليه دليلُه.
*وتنبيه:* كونُ الطبيعانيّة الميتافيزيقيّة دعوى لا يعني أنّها دعوى ضعيفة. فلها من يصوغها صياغةً منظّمة، كشون كارول، ويحتجّ لها بأنّها أبسط، وأنّ ما تفترضه أقلّ 3. وهذا موقفٌ له مكانُه بين المواقف، لا سقطةٌ في الطريق.
١٥) أمرٌ خامّ: حيث ينتهي التفسير
*أصلُ الكلمة:* ترجمةٌ للمصطلح الإنجليزيّ `brute fact`، ولا أصلَ له في العربيّة. وهو لفظُ الموقف المقابل في أثقل مسائل هذا الباب.
*والتعريف:* الأمرُ الخامّ ما لا تفسيرَ له، ولا يُطلب له تفسير؛ أي ما يقف عنده التفسيرُ وقوفَ انتهاء، لا وقوفَ عجزٍ مؤقّت.
*والتعريفُ الآخر الذي يُخلط به:* «ما لم نفسّره بعد». والفرقُ بينهما هو الفرقُ بين «انتهى الطريق» و«لم نصل بعد». ومن خلط بينهما ظنّ كلَّ جهلٍ أمرًا خامًّا، أو ظنّ كلَّ أمرٍ خامٍّ جهلًا.
وهذا اللفظُ يكشف بنيةَ النزاع كلِّه. فكلُّ تفسيرٍ ينتهي، عند من يقول بانتهائه، إلى شيءٍ لا يُفسَّر بغيره. أمّا من قال بالتسلسل — أي بسلسلة أسبابٍ لا أوّلَ لها — أو بنظامٍ يفسّر بعضُه بعضًا، فلم يقف عند طرفٍ أصلًا. وهذا قولٌ له أهلُه، ولا يصحّ أن يُختصر في صفٍّ من جدول. فالصفّان الآتيان أشهرُ المواقف، لا كلُّها:
| الطرف | أين يقف | ماذا يقول عن موقفه |
|---|---|---|
| القائلُ بواجب الوجود | عند ذاتٍ وجودُها من ذاتها | لا يقف عند «أمرٍ خامّ»، لأنّ الوجوبَ عنده تفسيرٌ لا انقطاع |
| الطبيعانيّ | عند الكون، أو قوانينه، أو حالته الأولى | يقول: هذا أمرٌ خامّ، ولا يلزم أن يكون لكلّ شيءٍ تفسير |
فالنزاعُ ليس بين «من يفسّر» و«من لا يفسّر». النزاعُ في أيّ الطرفين أولى بأن يكون نهايةَ التفسير، وهل «واجبُ الوجود» تفسيرٌ حقيقيّ أم اسمٌ لتوقّفٍ من نوعٍ آخر. وهذا سؤالٌ لا يحسمه تحريرُ الألفاظ، وإنّما يضع طرفيه في لفظين واضحين.
*مثال:* تسأل طفلًا: لماذا سقط الكوب؟ فيقول: لأنّي دفعتُه. فتسأل: ولماذا يسقط ما يُدفع؟ فيقول: الجاذبيّة. فتسأل: ولماذا توجد جاذبيّة؟ وستصل، إن واصلت، إلى موضعٍ يقال فيه أحدُ جوابين: «لا نعلم بعد»، أو «هكذا هو». فالأوّلُ جهلٌ مؤقّت، والثاني دعوى بأنّ هذا أمرٌ خامّ. ومن قالهما في موضعٍ واحدٍ فقد جمع بين متنافيين.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ كلَّ شيءٍ يصحّ أن يُسأل عن تفسيره، فستطلب طرفًا لا يُسأل عنه لأنّ وجودَه من ذاته، وهذا موقفُ القائل بواجب الوجود. وإن كنتَ ترى أنّ السؤالَ يقف عند الكون وقوانينه، وأنّه لا يلزم أن يكون لكلّ شيءٍ تفسير، فأنت مع الطبيعانيّ. وإن كنتَ ترى أنّ السلسلةَ لا طرفَ لها أصلًا، فلك موقفٌ ثالث. وليس في تحرير الألفاظ ما يرجّح واحدًا منها، فالسؤالُ هنا مفتوح: أيُّ هذه المواقف أولى بالقبول؟ وهذا ما تزنه أبوابُ الأدلّة.
سبعةُ مواقف في الإيمان بالله والدين: أين تقف أنت، وما الذي يلزمك؟
وللجدول الآتي ثلاثةُ قيود، فالجدولُ بلا قيوده يظلم:
١. هذا جدولُ أعباءٍ لا جدولُ أحكام. والعبءُ المقصود هو «عبءُ الإثبات»: أنّ من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. فليست صفوفُ الجدول «أصنافَ الضالّين»، ولا مراتبَ في الذمّ. ولا يصحّ أن يُسمّى الربوبيُّ واللادينيُّ ملحدَين. فالربوبيُّ يُقرّ بخالق، واللادينيُّ يُقرّ بالله ويُعرض عن الرسالة. وليس نفيُ اسم الإلحاد عنهما إثباتًا لاسم الإيمان؛ فالتصديقُ بالله وحدَه دون رسله لا يُسمّى في الشرع إيمانًا. ومن سمّاهما ملحدَين جعل كلمةَ «الإلحاد» اسمًا للفئة الباقية كلِّها: كلُّ من ليس منّا. وهذا بعينه الخلطُ في الألفاظ الذي مضى التحذيرُ منه. والجامعُ بين الصفوف أنّ كلًّا منها موقفٌ في مسألة الإيمان بالله والدين، ولكلٍّ عبؤه.
٢. الجدولُ يصف مواقفَ لا سِيَرًا. لا أحدَ يصل إلى موقفه عبر جدول.
٣. ومن لم يجد خانتَه فليقلها. فالصفوفُ أشهرُ المواقف لا كلُّها، ومن الناس من يجمع بين موقفين.
| الموقف | بلسان صاحبه | ما يلزمه من عبء |
|---|---|---|
| الإنكارُ الجازم | «أجزم بأنّه لا إله» | دعوى إيجابيّةٌ عن الواقع، فعليه دليلُها كما على المؤمن دليلُ دعواه — وهو أثقلُ الصفوف عبئًا |
| عدمُ الإيمان غيرُ الجازم | «لا أؤمن، لأنّ الأدلّةَ لم تكفِني» | لا يلزمه أن يُبرهن على نفي. ويلزمه، إن أراد أن يُقنع محاورَه، أن يبيّن لماذا لم تكفِه الأدلّةُ التي عُرضت عليه هو، لا كلُّ ما قيل في الباب منذ أرسطو. ومن لم يُرِد الإقناعَ فليس عليه إلا النظر |
| المفاضلةُ الطبيعانيّة | «الطبيعانيّةُ عندي نظريّةٌ أفضلُ من الإيمان بالله: أبسط، وأقلُّ افتراضًا، وأقوى تفسيرًا» | دعوى مقارنةٍ صريحة، وعليه عبؤها: أن يبيّن معنى «أبسط» ومقياسَه، وأن يفسّر بمذهبه ما يفسّره الإيمانُ بالله عند خصمه، أو يبيّن أنّه لا يحتاج إلى تفسير. وهو موقفٌ له أعباؤه، ولا يُعفى منها بالسكوت |
| اللاأدريّةُ الضعيفة | «لا أعلم، ولم أحسم بعد» | لا يلزمه برهان، ويلزمه النظرُ كما يلزم غيرَه؛ فهو أخفُّ الصفوف عبئًا في المناظرة |
| اللاأدريّةُ القويّة | «لا سبيلَ لأحدٍ إلى العلم به» | دعوى على حدود المعرفة نفسِها، فعليه أن يبيّن كيف عرف أنّ البابَ مغلق — وهو أخفى ما في الباب |
| الربوبيّة، بمعنى الإيمان بصانعٍ منعزل | «هناك خالق، لكنّه لم يُرسل وحيًا ولا شريعة» | عليه أن يعلّل لماذا خَلَق ثمّ صَمَت؛ فقد أقرّ بالفاعل وأنكر الخبر |
| اللادينيّة | «أؤمن بالله، ولا أنتمي إلى دين» | يُقرّ بالمرسِل ويُعرض عن الرسالة، فعبؤه في نقد الرسالة لا في وجود المرسِل |
وعلى الجدول أربعةُ تنبيهات:
التنبيه الأوّل: التصريحُ بالموقف مطلوب، واتّهامُ النيّة ممنوع. يُقال أحيانًا إنّ الانتقالَ في المناظرة من الصفّ الأوّل إلى الثاني «حيلة»، وإنّ صاحبَه «ينجو» بذلك من عبءٍ التزمه، وإنّ هذا «أمرٌ ملحوظ». ولا نقول شيئًا من ذلك، لثلاثة أسباب:
- «حيلة» و«ينجو» كلمتان في النيّة لا في الحجّة، ونحن لا نملك النيّات.
- وكلامُ المجالس ليس محضرًا يُحاسَب عليه صاحبُه. من قال بين أصحابه «لا إله» لم يوقّع على دعوى. ومثلُه المؤمنُ يقول في مجلسٍ «هذا حرام» ولم يتحقّق بعدُ من انطباق الحكم على المسألة، فكلمتُه لا تُنزَّل منزلةَ الفتوى التي يُلزَم بها الناس، وليست رخصةً له في القول بغير علم. ومن أخذ كلامَ محاوره العاديَّ على أدقّ معنًى منطقيّ ثمّ حاسبه به، فقد صنع الدعوى بيده ثمّ نسبها إليه.
- و«هذا ملحوظ» ليس مستندًا. ومن وضع في ذيل كلامه عشرين إحالةً بأرقامها لا يجوز أن يبني اتّهامًا على «ملحوظ».
فالصفوفُ السبعة أعباؤها مختلفة. ومن سُئل في مناظرةٍ عن موقفه صرّح به وأُخذ بتصريحه، ولا يُطالَب بعبء صفٍّ لا يقف فيه. وإن رأى محاورُه أنّ كلامَه في موضعٍ آخر يخالف تصريحَه، فليقل له: «قلتَ كذا، أفتلتزمه؟» — سؤالًا لا تهمة.
التنبيه الثاني: مطالبةُ من لا دعوى له ببرهانٍ خطأٌ في المناظرة، ويقع فيه كثيرٌ من المتديّنين. فمن قال «لم يثبت عندي» لم يدّعِ شيئًا يُطالَب بإثباته.
التنبيه الثالث: عدمُ لزوم البرهان ليس عدمَ لزوم النظر، وهذا يقع على الجهتين معًا. فالفرقُ بين «لا يلزمني أن أُثبت» و«لا يلزمني أن أنظر» فرقٌ حاسم: الأولى صحيحة، والثانية لا تليق بمسألةٍ بهذا الوزن. ومثلُها سواءً بسواء: المؤمنُ الذي ورث إيمانَه ولم ينظر فيه يومًا لا يُعفى بحجّة أنّ العبءَ على غيره؛ فالعبءُ في المناظرة شيء، والنظرُ في المصير شيءٌ آخر. ولا يلزم من ذلك حكمٌ على إيمان المقلِّد بالبطلان؛ فجمهورُ أهل السنّة على صحّته، وإنّما الكلامُ ههنا في لزوم النظر لمن قدر عليه.
التنبيه الرابع: الجدولُ لا يتّسع لكلّ أحد، وهذا حدُّه. فهناك مواقفُ مركّبة، كمن يفاضل بين الفرضين ويقف عند «لا أعلم» في وقتٍ واحد، وكمن يُقرّ بالخالق ويقف من الرسالة موقفَ الباحث. فالجدولُ أداةٌ لتصنيف الأعباء، لا صندوقٌ يُحشر فيه الناس.
ولماذا يترك الناسُ الدينَ فعلًا؟ — الطريقُ إلى الموقف غيرُ الموقف
وقد يقول قائل: «هذا يعاملني كأنّي خانةٌ في جدول، ولا أحدَ يخرج عبر جدول. أنا لم أستيقظ يومًا فرجّحتُ فرضًا على فرض؛ خرجتُ من بابٍ آخر، ثمّ قرأتُ الفلسفةَ بعد الخروج لأفهم أين وقفت.» والملاحظةُ صحيحة، وفيها أربعةُ أمور:
١. الجدولُ يصف الموقفَ لا الطريقَ إليه، ولا يدّعي غيرَ ذلك. ونفعُه في المناظرة وحدَها: يقول لك ما يلزمك الآن، لا كيف وصلت.
٢. وكثيرٌ من الناس يصلون إلى مواقفهم بغير النظر أوّلًا، من الجهتين معًا: مؤمنون ورثوا إيمانَهم عن أهلهم قبل أن ينظروا فيه، وتاركون خرجوا من بابٍ غير باب الدليل ثمّ طلبوا الدليلَ بعد ذلك. ولا نقول «أكثرُ الناس»: فتلك نسبةٌ تحتاج إلى مسوحٍ لا نملكها، وما لا يُعَدّ لا يُدَّعى. وليس هذا عيبًا يُؤخذ على أحدٍ في المناظرة؛ إنّه وصفٌ لحال الناس.
٣. والسيرةُ لا تفصل في الصدق ولا في الكذب، في الاتّجاهين. فمن ترك دينَه بعد ظلمٍ ناله باسم الدين، يُسمع اعتراضُه لذاته؛ ومن آمن بعد كربةٍ نجا منها، يُنظر في إيمانه لذاته. وسيأتي في الفصل التالي أنّ الحكمَ على الدعوى بمنشئها مغالطةٌ اسمُها «مغالطة التكوين»، وأنّها تقع من الجهتين. وسيرتُك ليست مادّةً لشرح مغالطة؛ إنّها حالُ إنسانٍ نُقرّ بها، ولا نحاكمه بها.
٤. وهناك سؤالٌ عمليٌّ لا جوابَ له هنا: ما الذي يُعين من خرج من بابٍ غير باب الدليل على أن ينظر في الدليل بنفسٍ صافية؟ هذا سؤالٌ في النفس والمجتمع لا في المنطق، وموضعُه أبوابُ الشبهات العمليّة من هذا الكتاب، ولا نزعم أنّ ميزانًا منطقيًّا يكفي فيه.
وتحريرُ الألفاظ لا يُثبت شيئًا عن الله، لا إثباتًا ولا نفيًا. ليس فيه دليلٌ واحدٌ على وجوده ولا على عدمه، ولا يصلح لذلك. وغايتُه أن يجعل المتحاورَين يتنازعان في شيءٍ واحد. فبعضُ ما يُخسر في هذا الباب إنّما يُخسر قبل أن يبدأ الجدال: في لفظٍ يُقرأ بمعنيين.