Skip to content

إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر

قلتَ: افترضْ أنّي سلّمتُ بخالق. هذا لا يعطيني دينًا. فهناك طريقٌ من قولك: «حسنًا، لهذا الكون سببٌ أوّل» إلى قولك: «وهذا الكتابُ الذي بين يديّ كلامُ ذلك السبب». ولم يمشِ فيه أحدٌ أمامي بخطواتٍ أستطيع أن أتتبّعها خطوةً خطوة. فبأيّ ميزانٍ أختبر دعوى من قال إنّه تكلّم؟

ومن أسهل ما يُجاب به هذا السؤال في كلّ ملّة أن يُبدأ بالنتيجة: يُقال لك «ديني»، ثمّ تُساق الشواهدُ التي تخدمها. وأنا أضع بين يديك بدل ذلك خمسةَ معايير، لكلٍّ منها سؤالٌ تُجريه بيدك، ومعه حدُّه: ما الذي لا يستطيع هذا المعيارُ أن يفحصه، وعند أيّ نقطةٍ يجب أن تقف به، وأيُّ الدعاوى تفلت منه بلا حكم. فحدودُ الأداة جزءٌ منها، ومن أعطاك أداةً بلا حدودها فقد أعطاك نصفَها.

قبل الخمسة: متى يُوضع الميزان، ومن يستطيع إجراءه، وما الذي لا يجيب عنه

الأوّل: الميزانُ يُوضع قبل أن تعرف الجواب. المعيارُ الذي تصوغه بعد أن تعلم أيَّ دعوًى تريد إنجاحَها ليس معيارًا، بل وصفًا لها. فلو وجدتَ في الخمسة معيارًا مفصَّلًا على مقاسنا، فمن حقّك أن تشطبه. وسأُسمّي لك في المعيار الثالث شرطًا واحدًا بعينه لو وقع لقلتُ إنّ دعوانا باطلة. ولا بدّ من ذلك: فمن طالبك أربعَ صفحاتٍ بشرطٍ يُكذِّب دعواك، ثمّ لم يذكر الشرطَ الذي يُكذِّب دعواه هو، فقد سقط في معياره نفسِه، في الورقة نفسِها التي وضعه فيها.

والثاني: الميزانُ في متناول رجلٍ واحد — على ثلاث طبقات. ميزانٌ لا يُجريه إلا من أتقن ستَّ لغاتٍ وقرأ ألفَ مجلّد ليس ميزانًا، بل تأجيلٌ مهذَّب. ولستُ أزعم مع ذلك أنّك تفتح صفحةً من مصحفٍ كُتب في القرن الأوّل فتقرؤها في أمسية: حروفُه بلا نقاطٍ ولا حركات، فالباءُ والتاءُ والثاءُ فيه صورةٌ واحدة — وتلك حالُ الكتابة العربيّة في ذلك العصر، والمقروءُ عندنا غيرُ المرسوم: مُعوَّلُنا في نقله التلقّي والمشافهة. وقراءةُ تلك الصفحةِ تدريبُ سنين لا سهرةُ ليلة، وكذلك مخطوطاتُ البحر الميت.

إنّما الذي يُجرى في أمسيةٍ طبقتان: أن ترى صورَ المخطوطات منشورةً من جهةٍ لا تخاصم ولا تنصر، وأن ترى أين يُنشر اختلافُ النسخ: أفي حواشي كتب أهله، أم عند خصومه وحدَهم؟ أمّا الطبقةُ الثالثة، وهي أن تُقابَل النسخُ حرفًا بحرف، فيفعلها المتخصّصون، وقد فعلوا. وعملُك أنت فيها أن تسأل: أنشروا ما وجدوا أم كتموه؟ ومن قال لك «افعلها بنفسك» وهو يعلم أنّك لا تستطيع، أعادك إلى «ثِقْ بي» من بابٍ خلفيّ.

والثالث اعترافٌ لا شرط: هذه الخمسةُ لا تجيب عن سؤالك الأصليّ. فأنت لا تقارن بين نصَّين، بل بين «نصٍّ من إله» و«لا شيء». وسؤالُك: هل تفسّر هذه الدعوى شيئًا لا يُفسَّر إذا غابت؟ وهذا سؤالٌ مقارِن: يضع احتمالين في كفّتين ويسأل أيُّهما أرجح.

أمّا الخمسةُ فكلٌّ منها يزن دعوى واحدةً وحدَها، بعد أن تكون قد قبلتَ أنّ هناك إلهًا تكلَّم؛ ولا يقول لك: أهناك إلهٌ تكلَّم أصلًا؟ فهي مصفاةٌ تُسقط من الدعاوى ما لا يصمد، لا دليلٌ على أنّ وراءها كلامًا من الله.

وهي أشبهُ بفحص هاتفٍ مستعمل قبل أن تشتريه: يقول لك أسليمٌ هو أم معطوب، وأصليٌّ أم مقلَّد — ولا يقول لك أتحتاج هاتفًا أصلًا أم لا. وسؤالُك أنت من النوع الثاني. وأقولُه لك في أوّل الرسالة لا في آخرها، لأنّك لو لم تعرفه لظننتَ أنّ هذه الخمسة تجيب عن السؤال الذي جئتَ به — وهي لا تجيب عنه.

أوّلًا: سلامةُ النصّ

قبل أن تسأل: أصادقٌ هذا الكتاب؟ اسأل: أهو كتابٌ نعرف لفظَه، أم صورةٌ عن صورةٍ عن صورة؟

وهو أوّلٌ لسببٍ واحد: لا يصحّ أن تنسب قولًا إلى كتابٍ بعينه قبل أن تفحص سلامةَ نصّه. فمن لم يُثبت ما النصُّ، لم يجز له أن يقول «هذا الكتابُ يقول كذا». وليس أوّلًا لأنّه بوّابةٌ لا يُدخل إلى ما بعده إلا منها. فلو كان كذلك، لخرج من الميزان قبل أن يُسأل كلُّ دينٍ لا كتابَ له، كالأديان التي تُنقل بالحفظ والرواية من صدرٍ إلى صدر. وهذه الأديانُ تُسأل ببقيّة المعايير الخمسة، ولا يقول لها المعيارُ الأوّلُ إلا شيئًا واحدًا: أنّ لفظَها لا يُقابَل على نُسخٍ مكتوبةٍ قديمة.

وأنت تستطيع أن تفحص وصفَ إلهٍ فحصًا تامًّا وأنت لا تعرف شيئًا عن تاريخ نقل كتابه. والسببُ أنّ التناقضَ يقع بين جملتين تقولان شيئين لا يجتمعان. وهذا يُرى في المعنى، لا في الورقة التي كُتب عليها الكلامُ ولا في تاريخ نسخها.

والريبةُ في هذا الترتيب في محلّها: فالمعيارُ الذي قدَّمتُه هو الذي تملك فيه دعوانا أقوى ما عندها. فلا تأخذ بترتيبي، بل خذ المعاييرَ بأيّ ترتيبٍ شئت، وابدأ بأيّها أردت. فلا واحدَ منها يشترط أن يسبقه غيرُه، إلا في نسبة القول إلى كتابٍ بعينه.

والسؤالُ العمليّ ثلاثةُ أسئلةٍ صغيرة:

١. أهو موجودٌ بلغته الأولى، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ انظر: بأيّ لسانٍ قيل إنّه نزل؟ وهل بين يديك اليومَ نصٌّ بذلك اللسان، أم أنّ ما تقرؤه منقولٌ عن نقل؟ وكلُّ حلقةٍ في هذه السلسلة موضعٌ يتسرّب منه الخطأ. والدعوى التي لا يوجد أصلُها بلغته لا تسقط بذلك، لكنّها تصير دعوى يقولها الناسُ عن نصّ، لا دعوى يقولها النصُّ نفسُه.

٢. أله نُسخٌ قديمةٌ يمكن مقابلتُها؟ وهنا تحديدًا أنصحك ألّا تصدّق أحدًا، لا منّا ولا من خصومنا. فصورُ المخطوطات منشورةٌ على الشبكة مجّانًا، وأنا أسمّي لك ثلاثةً تفتحها الآن وأنت تقرأ:

مخطوطُ سيناء نسخةٌ من الكتاب المقدّس كُتبت في القرن الرابع. وقد صُوّرت أوراقُه الباقيةُ كلُّها ونُشرت على codexsinaiticus.org، ويشترك في المشروع أربعُ جهات: المكتبةُ البريطانية وجامعةُ لايبتسغ ودير سانت كاترين والمكتبةُ الوطنية الروسية. وأقول «الباقية» لأنّ المخطوطَ ناقصٌ في أصله، إذ ضاع منه بعد كتابته نحوُ نصفِ العهد القديم، وأكثرُ ما ضاع من أوّله 1. فالذي اكتمل هو تصويرُ ما بقي منه.

ومخطوطاتُ البحر الميت منشورةٌ في مكتبة ليون ليفي الرقمية 2، على deadseascrolls.org.il. ومصاحفُ القرن الأوّل والثاني وقراءاتُها في أرشيف «كوربوس كورانيكوم» بأكاديمية برلين-براندنبورغ، على corpuscoranicum.de.

ولستُ أُحيلك عليها لتجد ما يسرّني، ولا أزعم أنّ فتحَها قراءتُها. بل أُحيلك عليها لأنّ الطبقتين الأوليَين يمكن أن تُجرَيا في أمسية، وهما سؤالان: من نشرها؟ وهل هو خصمٌ أم حليف؟

٣. أفي متنه خلافٌ، ومن الذي يذكره؟ هذا أدقُّ الثلاثة. كلُّ نصٍّ قديمٍ فيه خلاف، فوجودُ الخلاف ليس تهمة. إنّما التهمةُ أن يكون الخلافُ معلومًا عند أهله ومكتومًا عن غيرهم. فاسأل: أين يُنشر اختلافُ النسخ؟ أفي حواشي كتبهم هم، أم في كتب من يهاجمهم وحدَهم؟ والتقليدُ الذي يطبع خلافَه بنفسه، ويذكر أسماءَ من نقلوه واحدًا عن واحد، يُعطيك سببًا لتصديقه فيما سوى ذلك. أمّا الذي لا تعرف خلافَه إلا من عدوّه، فاعتبرْ أنّك لم تعرف نصَّه بعد.

وانتبه لحدٍّ يخلط فيه الجميع: سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول. لو ثبت أنّ نصًّا وصل كما قيل حرفًا بحرف، فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله، لا أنّ من قاله صادق. فالمعيارُ الأوّل شرطٌ لا بدّ منه، لكنّه وحدَه لا يُثبت شيئًا. ومن جعل سلامةَ النقل برهانًا على أنّ مصدرَ النصّ إلهيّ، فقد قفز فوق خطوةٍ كاملة، فأعِدْه إليها 3.

ثانيًا: اتّساقُ التصوّر

الآن اقرأ في النصّ وصفَ الإله، ثمّ اسأل: أفي هذا الوصف تناقضٌ يهدمه من داخله؟

والسؤالُ العمليُّ هنا واحد، وأجملُ ما فيه أنّك تستطيع أن تجريه وأنت جالسٌ بلا كتابٍ ولا مكتبةٍ ولا مخطوط: خذ صفةً واحدةً وسِرْ بها إلى آخرها.

ومعنى ذلك بالمثال: قل: هو يعلم كلَّ شيء. حسنًا — أيعلم اليومَ ماذا ستأكل غدًا على العشاء؟ فإن قلتَ: نعم، فهل تستطيع غدًا أن تأكل غيرَه؟ فإن قلتَ: أستطيع، فقد أخطأ علمُه وهو لا يخطئ. وإن قلتَ: لا أستطيع، فمن الذي اختار العشاء إذن؟ هكذا تسير بالصفة إلى آخرها، حتى ترى: أتصطدم بشيءٍ أم تسلم؟

ولن أسوق لك أخفَّ الاعتراضات وأسكت عن أثقلها، فإنّ ذلك أشهرُ حيلةٍ في هذا الباب. إن قيل لك: «واحدٌ لا شبيهَ له ولا جزءَ فيه»، فهنا أربعةُ أسئلةٍ لا واحد، وأثقلُها ليس أوّلَها:

  • فكيف نتكلّم عنه إذن؟ كلُّ كلمةٍ نملكها تعلّمناها من أشياءَ نراها ونلمسها: «قويّ» عرفناها من رجلٍ يحمل ثقيلًا، و«يعلم» من تلميذٍ حفظ درسَه، و«يسمع» من أذنٍ ولها صاحب. فبأيّ لفظٍ نصفُ من ليس مثلَ شيءٍ من هذا كلِّه؟
  • وإن كان قادرًا خيّرًا عالمًا، فلماذا يوجد الشرُّ في العالم؟ ولا أعني الشرَّ الذي يصنعه إنسانٌ باختياره وحدَه، بل ألمَ الطفل الذي يموت وجعًا. وهذا أثقلُ ما في الباب كلِّه بلا منازع.
  • ولماذا يخفى؟ يقول المعترض: إن كان يريد أن يُعرف، ويحاسبَ الناسَ على معرفته، فلماذا بقي في العالم من طلبه بإخلاصٍ فلم يجده؟
  • وإن كان يعلم اليومَ كلَّ ما ستفعله غدًا علمًا لا يخطئ، فأيُّ اختيارٍ بقي لك؟ فأنت كتلميذٍ صُحّحت ورقةُ امتحانه قبل أن يدخل القاعة. ولماذا يحاسبك على فعلٍ كان يعلم قبل أن تولد أنّك ستفعله؟

ولكلٍّ من هذه الأربعة أجوبةٌ مقرَّرةٌ عند من يقول بهذا التصوّر، مبسوطةٌ في كتبها، بعضُها قديمٌ وبعضُها من هذا القرن. وأذكر لك رأسَ كلٍّ منها في سطرٍ حتى تعرف أين تطلبه. أمّا اللفظُ فيقولون: الصفةُ تُثبَت ويُنفى عنها الشبه، فالمعنى مفهومٌ والكيفُ مجهول. وأمّا الشرُّ فيقولون: الحكمةُ قد تخفى، ولا يلزم من خفائها عليك أنّها معدومة. وأمّا الخفاءُ فيقولون: الدلائلُ منصوبةٌ في الآفاق وفي النفس، وظهورٌ يُلجئ إلى التصديق يرفع معنى الابتلاء من أصله. وأمّا العلمُ السابق فيقولون: هو كاشفٌ لا جابر، علِم ما ستفعل لأنّك ستفعله، لا أنّك فعلتَه لأنّه علِم، فالاختيارُ اختيارُك وإن لم يخرج عن علمه وقدرته. ولستُ أبسطها هنا ولا أحكم فيها، لأنّ عملي في هذه الرسالة أن أدلَّك على مواضع الثقل، لا أن أحسمها لك. فاطلبها، وانظر أتقنع.

فإن عرض عليك أحدٌ تصوُّرَه ولم يذكر من الأربعة إلا الأوّل، وهو سؤالُ: كيف نصفه بألفاظنا ونحن لا نملك إلا ألفاظَ ما نراه؟ فاعلم أنّ هذا أخفُّها وأقدمُها حلًّا. ومن فعل ذلك فقد اختار لك خصمًا سهلًا يغلبه، وسكت عن الثلاثة التي تُتعبه.

وإن قيل لك: «واحدٌ صار جسدًا»، فاسأل: كيف يجتمع في شيءٍ واحدٍ ما هو محدودٌ وما ليس بمحدود؟ فإن قيل: لم يستحل اللاهوتُ ناسوتًا، بل اتّحدا بلا اختلاطٍ ولا امتزاجٍ ولا تغيير، وكلٌّ باقٍ على خاصّته، فاسأل على هذه الصيغة نفسِها: ما الذي زاده الاتّحادُ على مجرّد الاقتران؟ وإلى أيّهما يُردّ ما اجتمع له من علمٍ وجهلٍ في وقتٍ واحد؟ وهذا سؤالٌ ثقيلٌ على ذلك التصوّر، وله عندهم أجوبة، أشهرُها أن يُنسب الحدُّ ونقصُ العلم إلى ناسوته، والإطلاقُ وتمامُ العلم إلى لاهوته، والذاتُ واحدةٌ لا تنقسم. فانظر أتقنع.

وإن قيل لك: «آلهةٌ كثيرة»، فاسأل: من يحكم بينهم إذا اختلفوا؟ فإن قيل: فوقهم حاكم، فاسأل عن منزلته منهم. وإن قيل: لكلٍّ منهم مجالُه لا يتجاوزه، فاسأل: ما الذي يرسم حدودَ هذه المجالات، ومن الذي رسمها؟ وهذا سؤالٌ ثقيلٌ على ذلك التصوّر، وله عندهم أجوبة، أشهرُها اثنان: أن تُقسَم المجالاتُ قسمةً لا يتداخل فيها اثنان، وأن يُجعل بينهم ترتيبٌ يعلو فيه واحدٌ على الباقين. فانظر أتقنع.

ولاحظ أنّي لم أقل أيُّ هذه التصوّرات ينجو بهذا الميزان، لا الثالثُ ولا غيرُه. فهذا ليس عملي في هذه الرسالة. وليس معنى ذلك أنّ الأمر عندي موقوف — فأنا مسلمٌ أدين بالتوحيد وببطلان ما سواه — وإنّما أفصل بين حدّ الأداة وحدّ الاعتقاد. والأمانةُ تقتضي أن أقول لك: الاتّساقُ يُكتسب بثمن. كلُّ تصوّرٍ يُصلح تناقضًا ظاهرًا فيه بأن يعدّل صفةً أو يضيّقها، ومن عدّل فعليه أن يقول ماذا عدّل ولماذا.

ومثالُه حتى ترى الثمنَ وهو يُدفع: قيل: هو خارج الزمان كلِّه، لا يجري عليه قبلٌ ولا بعد. فقيل: وكيف يسمع دعاءً وقع الساعةَ ثمّ يُجيب بعده؟ فقال قائلٌ منهم: بل هو في الزمان، غير أنّه بلا أوّلٍ ولا آخر 4. فاستقام عنده الوصفُ وذهب التناقض. وهذا هو الثمن: صفةٌ خفَّت. فاسأل عند كلّ تعديلٍ كما تسأل عن النتيجة: أيَّ صفةٍ خفَّفوا حتى استقام لهم الوصف؟ وهل بقي المعبودُ بعد التخفيف هو المعبودَ الذي بدأنا به؟

ثالثًا: قابليةُ التكذيب

وهذا أقسى الخمسة، وهو الذي نحن أوّلُ من يقع تحته. ومعناه في جملة: أتقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه، أم أنّها مصوغةٌ بحيث يوافقها كلُّ احتمال؟

والدعوى التي لا يمكن أن تُكذَّب لا يمكن أن تُوزَن بهذا الميزان. وقفْ عند هذا الحدّ ولا تتجاوزه، فهذا لا يعني أنّها باطلة، ولا أنّها بلا معنى. خذ ثلاثَ جمل: «العالمُ الخارجيّ موجود»، و«الأعدادُ الأوّليّةُ لا تنتهي»، و«تعذيبُ بريءٍ لغير غايةٍ شرّ». لا تنقضها تجربة، وهي مع ذلك مصدَّقةٌ على أساسٍ متين.

والفيلسوفُ كارل بوبر هو صاحبُ هذا المعيار، وقد ردَّ بنفسه على من جعله ميزانًا يُعرف به ما له معنًى وما لا معنى له. قال: ما لا يمكن تكذيبُه ليس علمًا. ولم يقل إنّه باطل، ولا إنّه بلا معنى، بل قال إنّ منه ما له معنًى، ومنه ما ينفع العلمَ نفسَه 5. فالمعيارُ حدُّ الآلة لا حدُّ الحقيقة: هو يقول ما الذي تستطيع هذه الأداةُ وزنَه، ولا يقول ما الذي يصدق وما الذي يكذب.

خذ نموذجًا — وأقول نموذجًا لأنّه مصنوعٌ للتوضيح لا حكايةٌ وقعت. أزعم أنّ في جيبي حجرًا يحفظك من السوء. فتقول: قد أصابني أمسِ سوء. فأقول: لولا الحجرُ لكان أشدّ. فتقول: وقد أصاب جاري خيرٌ ولا حجرَ معه. فأقول: أثرُ حجري يفيض على الجيران. لاحظ ما فعلتُه: جعلتُ كلَّ ما قد يقع في الدنيا شاهدًا لي. وهذا بالضبط عيبي لا فضلي. وليس السببُ أنّ الدعوى باطلةٌ بالضرورة، بل أنّي جعلتُ العالمَ شاهدًا لها، وهي لا تُعرِّض نفسَها لأيّ شيءٍ يقع فيه. فالدعوى التي تبتلع كلَّ نتيجةٍ محتملة لم تقل عن العالم شيئًا يُختبر، ولا يصحّ أن تُساق دليلًا منه.

فما شكلُ الدعوى القابلة للتكذيب في كلامٍ يُنسب إلى إله؟ أن يقول شيئًا يمكن لواقعةٍ أن تنقضه: أن يُثبت لنصّه حفظًا يُقابَل بالمخطوطات؛ أو يخبر عن حادثةٍ في زمنٍ ومكانٍ يُنقّب فيهما؛ أو يقرّر عددًا يُعدّ؛ أو يَعِد بأمرٍ في أجلٍ يُنتظر؛ أو يُقرأ فيه خبرٌ عن الطبيعة على أنّه تقريرٌ علميّ.

وهذا الأخيرُ بابٌ يدخله كثيرٌ من المسلمين اليوم، ومن دخله فقد قبِل الامتحان بيده. فإن خالف القياسُ قراءتَه، لزمه أن يُسقطها، كما نُسقط نحن الدعوى العدديّةَ حين يخالفها العدّ. ولستُ أحكم لك هنا في نتيجته؛ أقول: هذه دعوى من الصنف الذي يُوزن، فزِنْها.

ولماذا قلتُ إنّه علينا؟ لأنّه يمنع المؤمنَ من أسهل حركةٍ في يده: أن يعيد تأويلَ كلّ ما خالفه، فيصير الخلافُ موافقة. وكثيرٌ من «الدفاع عن الدين» يعيش في هذه الحركة بالضبط. وليست كلُّ مراجعةٍ للفهم منها. فالنصُّ شيءٌ ودلالةُ الناس عليه شيءٌ آخر؛ ومن ردَّ قراءةً بشريّةً إلى حدّها بقرينةٍ تقوم بنفسها، لا بالحاجة إليها، فقد صحّح فهمًا ولم يُحصّن دعوى. وإنّما المذمومُ أن يُعدَّل القولُ بعد ظهور المخالفة بلا حجّةٍ إلا أنّه خولف. والمعيارُ يقول: من فعل ذلك لم يخسر جولةً، بل خسر حقَّه في أن يُوزَن أصلًا.

وهنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ. وتحتاج قبله إلى أمرين. الأوّل: أنّ صورةَ الكتابة غيرُ الكلام المكتوب؛ وصورةُ الكتابة: شكلُ الحرف، والنقاطُ التي تحته أو فوقه، وطريقةُ كتابة الألف. والثاني: أنّ للقرآن قراءاتٍ معروفة. والقراءةُ وجهٌ في أداء كلمات القرآن واختلافِها: منه اختلافُ النطق وحدَه، ومنه اختلافُ الحرف والكلمة، وفيه ما يتغيّر به المعنى. وهي منقولةٌ بالتواتر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تلقّاها الجمعُ عن الجمع، ومعها أسانيدُ مدوّنةٌ بأسماء من نقلوها واحدًا عن واحد. والقراءاتُ مثبتةٌ مطبوعة، يستطيع كلُّ أحدٍ أن يراجعها.

فلو نشرت جهةٌ أكاديميّةٌ لا تخاصمنا ولا تنصرنا نصًّا من مصاحف القرن الأوّل، يخالف المصحفَ الذي بأيدينا في الكلمات لا في صورة الكتابة، ولا يوافق خلافَه وجهٌ من وجوه القراءات المنقولة، لكانت دعوى الحفظ التي أقولها لك اليومَ باطلة، ولقلتُ ذلك بنفسي.

وأقول لك حدَّه الآن، لا بعد أن ترى. والقراءاتُ المنقولةُ أوسعُ من العشر التي يُقرأ بها اليوم؛ عندنا وجوهٌ لا يُقرأ بها، ألفاظُها وأسماءُ ناقليها مكتوبةٌ في كتبنا منذ قرون، فحرفٌ منها يظهر في ورقةٍ قديمةٍ لم يكشف مكتومًا، بل أظهر ما نطبعه نحن. وإنّما يقع الشرطُ أن تتّفق شواهدُ من المصاحف التي انتسخها الناسُ بعد جمع عثمان، مستقلٌّ بعضُها عن بعض، على كلمةٍ غير التي بأيدينا، لا يُردّ خلافُها إلى نقلٍ معروف. فلا يقع بصحيفةٍ شخصيّةٍ لرجلٍ من الصحابة كُتبت قبل الجمع، ولا بحرفٍ ينفرد به شاهدٌ واحد، ولا بطبقةٍ سفلى من رقٍّ مُحِيَ وأُعيد استعماله. ولك أن تقول: ضيّقتَه حتّى لا يقع. وهذه شروطُ من يحقّق أيَّ نصٍّ قديم، لا شروطٌ وضعتُها لكتابي؛ ولو رفعتُها لصار الشرطُ يُبطل بما لا يُبطل به أحدٌ شيئًا.

والأرشيفُ الذي أحلتُك عليه هو نفسُه موضعُ إجراء هذا الشرط: فاذهب إليه واقرأ ما يُنشر فيه من صور المصاحف وموادّ القراءات، فتلك وحدَها محلُّه؛ فأمّا تفسيرُه فيقرأ النصَّ قراءةً تاريخيّةً وله فيها موقفٌ علميّ. والمشروعُ نفسُه لا يُصدِّق دعوى الحفظ بمعناها العقديّ ولا يُكذّبها. وقد قلتُ إنّ الدعوى في المصحف الذي بأيدينا؛ وأمّا مصاحفُ الصحابة الشخصيّةُ قبل جمع عثمان فقد اختلفت، وذاك مدوَّنٌ في كتبنا منذ القديم، نطبعه نحن لا خصومُنا. ولا تأخذ عنّي النتيجة، فالشرطُ شرطي، ولستُ أملك نتيجتَه أصلًا. وأقول لك مع ذلك من أين نأخذ نحن: عمدتُنا في حفظ اللفظ نقلُ الجمع عن الجمع، جيلًا بعد جيل، في أمصارٍ متباعدة؛ والمصحفُ عندنا ضابطٌ لهذا المنقول وشاهدٌ عليه لا مصدرٌ له. ولهذا احتكم شرطي إلى القراءات لا إلى الورق وحدَه. وليس هذا بابًا أنجو منه: فالشاهدُ إذا شهد بخلاف ما نُقل، سقطت دعوى النقل نفسُها. وإنّما عرضتُ عليك الورقَ لأنّه ما تستطيع أنت أن تفحصه بيدك.

وأمّا ما وقع فعلًا فأصغرُ من ذلك بكثير، وأقولُه بحجمه. ننشر في موقعنا نسخةً رقميّةً من المصحف، نقلناها عن مشروعٍ على الشبكة. فقابلناها على مصدرٍ ثالث، لا هو نحن ولا الذي أخذنا عنه، فشذَّت خمسُ آياتٍ من ستّة آلافٍ ومئتين وستٍّ وثلاثين. والخطأُ في الخمس كلِّها في نسختنا الرقميّة لا في المصحف. فيها ألفٌ مقصورةٌ زائدةٌ لا تكشفها العين، وفيها كلمتان وُصلتا وهما في المصحف مفصولتان، فاختلّ عددُ الكلمات في فهرسنا. فأصلحناها، وكتبنا أنّ هذا الخطأ وقع.

وعددنا بالحاسوب دعاوى عدديّةً مشهورةً تُساق في كتب «الإعجاز العدديّ»، فخالف العدُّ أربعًا كنّا ننشرها، فأسقطناها. ولم نُسقطها لأنّها تضرّنا في الجدل، بل لأنّها كانت قابلةً للاختبار فاختُبرت فسقطت.

وأعلم أنّ هذا ليس جرحًا بليغًا. فهي أربعُ مقالاتٍ في الإعجاز العدديّ، وهو بابٌ مختلَفٌ فيه بين أهل العلم عندنا أصلًا. وخمسةُ مواضعَ في نسخةٍ رقميّةٍ نقلناها عن الشبكة، لا في المصحف. لكنّه فعلٌ وقع لا كلامٌ قيل، وهذا كلُّ ما أدّعيه له. أمّا الجرحُ البليغ فهو الشرطُ الذي كتبتُه قبل قليل، ولم يقع بعد. فاحسبْ لي الصغيرَ صغيرًا، ولا تحسبْ لي الكبيرَ حتى يقع.

واستعمل هذا المعيار سؤالًا لا مقصلة: ما الذي لو وقع لَعلمتُ أنّ هذه الدعوى باطلة؟ فإن لم يكن لدعوًى جوابٌ عن هذا السؤال، فاعلم أنّها خارجَ هذه الأداة. ولا تحسبْ خروجَها منها حكمًا عليها.

رابعًا: المضمونُ الأخلاقيّ

والثلاثةُ التي مضت تفحص النقلَ، والوصفَ، وشكلَ الدعوى. ولا ينظر واحدٌ منها في الكلام نفسِه: ماذا يأمر هذا الكتاب؟ وماذا يقول فيمن خالفه؟ والميزانُ الذي لا يزن هذا الجانبَ يترك بابًا مفتوحًا.

والسؤال: أفي مضمون الدعوى ما تعرف يقينًا أنّه ظلم؟ لا ما يستثقله ذوقُك، ولا ما يخالف عادةَ زمانك، بل ما لو رأيتَه من رجلٍ لم تتردّد في تسميته ظلمًا، ولا يتغيّر حكمُك فيه بتغيّر الفاعل.

ومثالُه: يُعرض عليك دستورُ جمعيّةٍ تُدعى إلى الانضمام إليها. لا تسأل أوّلَ ما تسأل عن سلامة نسخته ولا عن اتّساق موادّه؛ تقرأ المادّةَ التي تقول ماذا يُفعل بالمخالف. فإن وجدتَ فيها ما لا يقبله ضميرُك، فلن يُنقذها أنّ نسختَها أصليّة، ولا أنّ موادَّها لا تتناقض.

ويقوم هذا المعيارُ على فكرةٍ مسبقة لا أُخفيها عنك، وهي محلُّ نزاع: أنّ لكلمة «الظلم» معنًى واحدًا، سواءٌ قيلت عن رجلٍ أم عن إله. ويقابله قولُ جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريديّة: العقلُ لا يوجب على الله شيئًا، ومن كان فوق كلّ شيءٍ لا يصحّ أن يُقاس بمقاييسنا، فقد يكون في فعله من الحكمة ما لا نبلغه. وأنا آخذ بالأوّل في هذا الميزان وحدَه: دعوًى تُعرض عليك ولم يثبت بعدُ أنّها من الله، فتوزنها قبل أن تصدّقها. فالموزونُ قولُ من يدّعي، لا فعلُ الله. ولا أزعم أنّه مسلَّمٌ لا يُنازَع فيه. ومن لم يأخذ به في هذا الموضع لن يقبل هذا المعيارَ أصلًا. وهذا ثمنٌ أقوله لك صراحةً ولا أكتمه.

ولهذا المعيار حدٌّ ثقيل، فاعرفه قبل أن تستعمله:

  • معرفةُ الظلم يقينًا دعوى. وقد اختلف الناسُ فيما هو ظلمٌ اختلافًا عظيمًا، وما عدَّه قرنٌ عدلًا عدَّه الذي بعده جورًا. فمن استعمله فليستعمله فيما لا يكاد يختلف فيه اثنان، لا فيما يختلف فيه العصران.
  • وهو يعمل على ديني كما يعمل على غيره. أقول ذلك وأنا أعلم أنّه يقع عليّ، وأنّي حين أدخلتُه فتحتُ على نفسي بابًا كان يمكنني أن أُبقيه مغلقًا.
  • ولا يقول لك: فالدعوى كاذبة. يقول: هنا موضعٌ ثقيلٌ يحتاج إلى جواب، ومن مرّ به دون جوابٍ فقد مرّ بأثقل ما في الطريق.

خامسًا: أثرُه في حامله

وأقول قبل أن أشرحه: هذا أضعفُ الخمسة، ولا يُؤخذ به إلا مؤيِّدًا لغيره.

سببُ ضعفه أنّه أكثرُها عرضةً للانتقاء. فلكلّ دينٍ صالحون تذكرهم كتبُه، وسيّئون تذكرهم كتبُ خصومه، وكلا الفريقين مختارٌ اختيارًا. فمن حكم بهذا المعيار وحدَه، فقد حكم على الناس الذين قرأ عنهم، لا على الناس كما هم.

فإن أردتَ أن تستعمله على وجهٍ يُحتمل، فبصيغةٍ واحدة: لا تسأل «أأهلُه أخيارٌ أم أشرار؟» — بل اسأل: حين أساء أهلُه، أأساؤوا من نصّه أم عليه؟ أي: هل يجد الظالمُ في المتن ما يبني عليه بلا تعسُّف، أم يحتاج أن يخنق النصَّ ليُخرج منه ما يريد؟

ومثالُه من مدرستك، قبل أن تحمله إلى دين: في اللائحة سطرٌ يقول: من تأخّر ثلاث مرّاتٍ يُحرم من الرحلة. فحرم ناظرٌ تلميذًا تأخّر مرّةً واحدة. أأساء من اللائحة أم عليها؟ اقرأ اللفظ: فيه «ثلاث مرّات» — فهو أساء عليها وخنق النصّ، والعيبُ فيه هو. ولو كان السطرُ يقول: «من تأخّر يُحرم» بلا عدد، لكان أساء منها، والعيبُ في السطر. على أن تقرأ اللفظَ بقيوده قبل أن تحكم عليه: ما جاء معه في سياقه، وما فسّره به أهلُه وعملوا عليه. فإن استقام بها فالعيبُ في قارئه لا فيه. هكذا اقرأ نصوصَ كلّ دينٍ يُحتجّ عليك به.

ولن أتركك بلا موضعٍ تبدأ منه، فأبدأ بنا. التُّهَمُ التي يوجّهها الخصومُ إلى تقليدنا معروفةٌ ومعدودة، وهذه ثلاثٌ منها بأسمائها: القتالُ — من يُقاتَل ولماذا · الرقُّ وما تسمّيه كتبُ الفقه «ملك اليمين» · قتلُ من ترك الدين وهو المسمّى «حدّ المرتدّ».

خذ واحدةً منها، ثمّ أجرِ عليها المعيارَ في أربع خطوات. الأولى: ما اللفظُ الذي يستند إليه من أساء باسمها؟ والثانية: هل يستند إليه مجرَّدًا، أم أنّ له في سياقه شروطًا أسقطها؟ والثالثة: هل خالفه في ذلك أهلُه أنفسُهم، ومتى بدأ هذا الخلاف؟ أبعد أن صار للمسألة ثمنٌ في زماننا، أم قبل ذلك بقرون؟ والرابعة: أين يُطبع خلافُهم، أعندهم أم عند خصومهم؟

ولن أبسطَ لك جوابَ الثلاث هنا، لسببين. الأوّل أنّ جوابَ كلٍّ منها بابٌ كاملٌ من الفقه، أطولُ من رسالة. والثاني أنّي لا أريدك أن تأخذ عنّي النتيجةَ في بابٍ ينبغي أن تقرأ فيه كتبَ أهله بنفسك. أريدك أن تعلم أنّي أعرف أين يوجَّه الفحص، وأنّي وجّهته إلينا قبل غيرنا. ولا أدعك عند «اذهب فاقرأ» وأنت لا تدري أين تقرأ — فقد عبتُ ذلك في أوّل الرسالة. فإليك المواضع: لكلٍّ من الثلاث في كتب الفقه أبوابٌ تُعرف بأسمائها — أبوابُ الجهاد والسِّيَر، وأبوابُ العتق والمكاتبة، وأبوابُ المرتدّ — فيها يُقرأ اللفظُ بشروطه وسياقه، وفيها اختلافُ أهل العلم فيه. وهذا الاختلافُ مكتوبٌ عندهم هم، وقد كُتب قبل أن يصير للمسألة ثمنٌ في زماننا بقرون. وذاك جوابُ الخطوتين الثالثة والرابعة، تراه بعينك.

وأزيدك في الثالثة كلمةً، لأنّها تقع عليك أنت وأنت تقرأ. اللفظُ الذي سُقتُه فيها لفظُ الخصوم لا تحريرُ المسألة عند أهلها. فمن قرأها في بابها وجد النزاعَ فيها قديمًا في موضعين: في تكييفها — أحَدٌّ هي أم تعزيرٌ يُنظر فيه إلى المصلحة — وفي مناطها: أهو تبدُّلُ الاعتقاد في نفسه، أم الخروجُ على الجماعة في زمن حربٍ وما يُسمّى اليوم الخيانةَ العظمى. ومن المعاصرين من حرّرها فقصرها على الثاني. وأصلُ البابِ ما في سورة البقرة ٢٥٦ من نفي الإكراه في الدين، وهي محكمةٌ عند المحقّقين، ومعها ما في سورة يونس ٩٩ وسورة الكهف ٢٩. ولستُ أُفتي ولا هذا موضعُ فتوى؛ ومن أراد قولًا يعتمد عليه سأل أهلَ الفتوى في بلده. وأنت وأنت تقرأ هذه الرسالة لستَ في هذا البابِ أصلًا: ليس في قراءةٍ ولا في سؤالٍ ما يُحاسَب عليه أحد.

والمعيارُ نفسُه يُجرى على المذاهب غير الدينيّة بالصيغة نفسِها: كلُّ دعوًى تُحرّك الناس تُسأل: حين أساء حاملوها، أأساؤوا منها أم عليها؟ ولا يُعفى منها مذهبٌ لأنّه لا يذكر إلهًا.

والسؤالُ العمليّ فيه لطيف: اقرأ ما يقوله المخالفون من أهله عن أنفسهم. فالتقليدُ الذي يتحمّل نقدَ أبنائه ويطبعه، ليس كالتقليد الذي لا يخرج منه إلا صوتُ من يصفّق. وهذا سؤالٌ يبقى لك فيه حظٌّ كبيرٌ من التأويل، ولذلك بقي المعيارُ ضعيفًا. وأنا أُبقيه في القائمة ولا أرفعه فوق مقامه.

كيف تجمع الخمسة

هي ميزانٌ لا مفتاح. لا يحسم واحدٌ منها وحده:

  • الأوّلُ شرطٌ للنسبة: من سقط فيه لم يجز له أن ينسب قولًا إلى كتابٍ بعينه — ولم يُمنع من فحص القول نفسِه.
  • والثاني مانع: التصوّرُ المتناقضُ من داخله لا ينقذه نقلٌ سليم.
  • والثالث مُدخِلٌ إلى الوزن: من لم يقل شيئًا يمكن تكذيبُه لم يدخل الميزانَ أصلًا؛ فهو لم يسقط فيه، بل بقي خارجه.
  • والرابع موقِفٌ عند ثِقَل: لا يقول لك «كذبت الدعوى»، بل يقول: هنا ما يحتاج إلى جواب، فاطلب الجوابَ ممّن يدعوك إليها.
  • والخامس مؤيِّدٌ لا أكثر، ولا يرجّح كفّةً وحدَه.

وأربعةٌ منها تُجرى على الورق، وواحدٌ يُجرى على الناس. والأربعةُ أوثق.

وسألتَني: وماذا أصنع بما لم يدخل الميزان؟ أصنع به هذا. خذ ثلاثةَ تصوّراتٍ لا تدخله. الأوّل إلهٌ يُقال إنّه خلق العالمَ ثمّ تركه يمضي بقوانينه، ولم يُرسل رسولًا ولا أنزل كتابًا، ويسمّي أصحابُه هذا «الربوبيّة». والثاني إلهُ الفيلسوف سبينوزا، وهو عنده اسمٌ آخرُ للطبيعة كلِّها، لا ذاتٌ تسمع وتُجيب. والثالث التصوّرُ الفلسفيُّ الذي يقول: هو موجود، ولا نقول فيه شيئًا آخر، ولا يستند إلى وحيٍ أصلًا. هذه الثلاثةُ لا يمسّها المعيارُ الأوّل، لأنّه لا كتابَ لها يُنسب إليها. ولا الرابع، للعلّة نفسِها: لا كتابَ لها يأمر بشيءٍ حتى يُسأل عمّا يأمر به. ولا الثالث، لأنّها لا تقول شيئًا تنقضه واقعة. ويبقى عليها المعيارُ الثاني كاملًا، والاتّساقُ وحدَه بابٌ طويل. فليس معنى «خارج الميزان» أن تُهمَل، بل معناه أنّ ثلاثةً من المعايير الخمسة تسكت عنها سكوتًا تامًّا.

وأُقرّ لك بما يترتّب على ذلك، وهو ثقيل. المعيارُ الثالث يُخرج من الميزان أبعدَ الدعاوى عن الاختبار، ويُبقي فيه أشدَّها تعرّضًا له، وأعني بالأشدّ التي التزمت بشيءٍ يمكن قياسُه. وهذا ليس اختيارًا منّي، بل هو طبيعةُ الأداة. وثمنُه أنّ الدعوى التي لا تقول شيئًا تنجو منها دائمًا. وما أملك في مقابله إلا ملاحظةً واحدة: أنّ التي دخلت الميزانَ إنّما دخلته لأنّها خاطرت بقولٍ يُنقض، والتي لم تدخل لم تخاطر. وهذه ليست حجّةً على صدقها؛ هي فرقٌ في نوع الدعوى لا في قيمتها.

وسألتَ: وماذا لو اجتاز أكثرُ من واحد؟ فأقول: لا شيء. هذه المصفاةُ لا ترتّب الناجين، وليس عندي في هذه الرسالة معيارُ ترجيحٍ بعد النجاة. فالترجيحُ يحتاج إلى سؤالٍ يقارن بين دعويين، من نوع السؤال الذي جئتَ به. أمّا الخمسةُ فكلُّها تزن كلَّ دعوى وحدَها. فهذا نقصٌ في الميزان أُسمّيه ولا أُغطّيه.

وأصدقُ ما فيه أنّه يُسقط ولا يُثبت. لو اجتاز نصٌّ الخمسةَ كلَّها لم يلزم منه أنّه من الله؛ يلزم منه أنّه نجا من خمسة أبوابٍ يسقط فيها أكثرُ ما يُدَّعى. وهذا قليل. لكنّه القليلُ الذي تملكه، وهو خيرٌ من كثيرٍ لا تملكه.

وهذه رسالةٌ لا برهان

لم أُثبت لك شيئًا في هذه الصفحات، ولم أقصد. أعطيتُك أداةً، والأداةُ لا تحمل نتيجتَها في جوفها.

ولستُ أزعم أنّك جئتَ فارغَ اليد فملأتُها لك. فالخمسةُ ليست جديدةً ولا خفيّة، ويعرفها من جادل أسبوعًا. وما الطريقُ نفسُه بجديد: المشيُ من الإقرار بخالقٍ إلى تصديق رسولٍ بعينه علمٌ قائمٌ بذاته له مصنَّفاتُه منذ قرون، اسمُه علمُ دلائل النبوّة. والذي أزعمه أصغر: أنّها هنا مجموعةٌ مرتَّبةٌ في مكانٍ واحد، ومعها حدودُها مكتوبةً بيد من يخسر بها.

فاحملها إلى كلّ ما عُرض عليك، وابدأ بنا. انظر من نشر المخطوطات، وأين يُطبع خلافُ النسخ. واقرأ وصفَ الإله، واطلب أثقلَ الاعتراضات لا أخفَّها. واسأل عن الدعاوى التي يمكن أن تُكذَّب، ثمّ اختبرها. واقرأ ما يأمر به النصُّ في المخالف، واسأل ضميرَك فيه. ولا تصدّقني في رقمٍ حتى تعدَّه. وقد كتبتُ لك شرطي: إن ظهر ذلك المصحفُ المخالفُ بشرطه المكتوب فأسقِطْ صياغتي أنا لدعوى الحفظ. وليس هذا كرمًا منّي، بل هو المعيارُ الثالثُ أُجريه على نفسي، ولو امتنعتُ منه لسقطتُ فيه.

وإن خرجتَ من هذا كلِّه بلا شيء، فقد خرجتَ بميزانٍ في يدك. وهذا هو ما كتبتُ من أجله، لا أن توافقني.