Skip to content

١٥. من خلق الله؟ وأليس الأبسطُ ألّا يكون إله؟

السؤال: إن كان كلُّ شيءٍ يحتاج إلى خالق، فمن خلق الله؟ وإن جاز أن يوجد شيءٌ بلا خالق، فلماذا لا يكون ذلك الشيءُ هو الكونَ نفسَه، فنستريح من الوسيط؟

الجوابُ في سطرين: برهانُ الإمكان حجّةٌ تستدلّ على الله بوجود الأشياء التي تأخذ وجودَها من غيرها. وهو لا يقول «كلُّ شيءٍ له خالق»، ولو قاله لهدم نفسَه في سطرين. بل يقول: «كلُّ ممكنٍ له علّة». والممكنُ ما يأخذ وجودَه من غيره، وكان يمكن ألّا يوجد، فيستوي في حقّه الوجودُ والعدم. والواجبُ هو ما وجودُه من ذاته لا من غيره، فلا يمكن أن يعدم. وهذا الجوابُ لا يُثبت أنّ «الواجب» إله. غايتُه أنّ السؤالَ بهذه الصيغة لا يُسقط البرهان. ويبقى بعده سؤالٌ أصعبُ منه.

أوّلًا: الاعتراضُ في أقوى صورته — «استثناءُ الله لا دليلَ عليه إلا حاجتُكم إليه»

يقول المعترض، ومن اختصر قولَه ردّ على غير ما قيل:

«أنتم قلتم: لا شيءَ يوجد من غير علّة. ثمّ استثنيتم واحدًا. والاستثناءُ ليس عليه دليلٌ إلا حاجتُكم إليه، فهو مفصَّلٌ على مقاس النتيجة. ثمّ إنّكم إن أذنتم باستثناءٍ واحد، فقد أذنتم بأن يكون المستثنى هو الكونَ نفسَه؛ وعندئذٍ يسقط الوسيطُ ويبقى ما كنّا نراه. فأنتم زدتم كائنًا ولم تُنقصوا سؤالًا.»

والاعتراضُ يُقوَّم بمضمونه لا بمن قاله، ومن سأله في تعليقٍ على الإنترنت فقد سأله كاملًا. والفيلسوفُ الأمريكيّ ويليام رو والفيلسوفُ الأستراليّ غراهام أوبي من أبرز من دافع عن الإلحاد في الفلسفة المعاصرة. واسماهما يدلّانك على أين تجد تفصيلَ هذا الاعتراض مكتوبًا في مئتي صفحة، ولا يمنحانه رخصةً بأن يكون جادًّا.

ثانيًا: الفرقُ بين «كلُّ شيء» و«كلُّ ممكن»، ولماذا ليس تحايلًا

مثال: عمارةٌ فيها عشرون شقّة، وعلى مدخلها لوحة: «على كلّ مستأجرٍ أن يسدّد الإيجارَ في الخامس من الشهر». فيسألك طفل: وكم يدفع المالك؟

والجواب: لا يدفع شيئًا. وليس هذا احتيالًا منه، ولا استثناءً منحه لنفسه، بل لأنّ القاعدةَ قيلت من أوّل سطرٍ في المستأجرين، والمالكُ ليس منهم. فهو ليس معفًى من قاعدةٍ تشمله؛ هو خارجُ موضوعها.

لكنّ كتابةَ القيد من أوّل سطرٍ شرطٌ لا بدّ منه، ولا يكفي وحدَه. فلو كانت اللوحةُ تقول «على كلّ من في العمارة أن يسدّد»، ثمّ لمّا سُئل المالكُ قال «أقصد المستأجرين»، لكان قد عدّل القاعدةَ ليسلم منها، وهذا هو التحايلُ المنفيّ. لكنّ العكسَ لا يكفي: فالقيدُ المكتوبُ من البداية قد يكون مع ذلك مصنوعًا لإنقاذ النتيجة. والمطلوبُ أن تكون لهذه الكلمة فائدةٌ في مسائلَ أخرى غيرِ هذه المسألة. فإن لم يكن لها عملٌ إلا هنا، فهي كلمةٌ صُنعت لإنقاذ النتيجة ولو كُتبت قبل ألف سنة. فالاعتراضُ ليس على تاريخ كتابة القيد، بل على أنّه لا سببَ له مستقلًّا عن هذه النتيجة. ومن أجاب بأنّ القيدَ قديمٌ أجاب عن غير ما سُئل.

ومثالٌ آخر يوضّح هذا الشرط: لائحةُ المدرسة تقول «كلُّ طالبٍ يدخل الصفَّ بالزيّ المدرسيّ»، والناظرُ يدخل بلا زيّ، وليس مستثنًى من القاعدة، لأنّه ليس طالبًا. ولو كانت كلمةُ «طالب» لا معنى لها إلا في هذه اللائحة وحدَها، لقلتَ إنّها صُنعت لإخراجه. وإنّما صحّ القيدُ لأنّ الكلمةَ تعمل في المدرسة كلِّها: في الجدول، وفي كشف الغياب، وفي شهادة النجاح.

وهنا موضعُ الامتحان الحقيقيّ، فلنُجرِه. القيدُ مكتوبٌ سلفًا فعلًا: صياغةُ البرهان عند أصحابه، من ابن سينا إلى لايبنتس إلى الصياغات المعاصرة، تقول «الممكن» لا «الشيء»، وتعرّف الممكنَ قبل أن تستعمله. وهذا ينفي أنّ القيدَ عُدّل في لحظة السؤال. أمّا أنّه مصنوعٌ على مقاس النتيجة فيُختبر بشيءٍ آخر: أن يكون لهذه الأداة عملٌ في غير هذه المسألة.

وقسمةُ الأشياء إلى واجبٍ وممكنٍ ليست مصطلحًا صُنع لهذه المسألة. فأصلُها بابٌ في المنطق يُسمّى «منطقَ الجهات»، يبحث في الفرق بين ما لا بدّ أن يكون، وما يجوز أن يكون وألّا يكون، وما يستحيل أن يكون. ولا أحتجّ هنا بأنّ الرياضيّين وأهلَ اللغة يستعملونها، لأنّ وجوبَ القضيّة غيرُ وجوب الموجود. فقولُك «اثنان واثنان أربعة» واجبُ الصدق، وهذا وجوبٌ في الجملة. أمّا وجوبُ الموجود فأن يكون الشيءُ نفسُه لا يمكن أن يعدم. ومن سوّى بينهما خدعه اشتراكُ اللفظ. والشاهدُ الذي يحمل الدعوى واحدٌ يكفي: خصومُ البرهان أنفسُهم يستعملون هذه القسمةَ في موضعها نفسِه. والطبيعانيُّ هو القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. ويقول أوبي إنّ للطبيعانيّ أن يجعل حالةً أولى للكون الفيزيائيّ واجبةَ الوجود، ويردّ بها عليك. وأداةٌ يستعملها خصمُك ضدّك ليست مفصَّلةً على مقاسك.

وهذا يُسقط تهمةَ التحايل، ولا يُسقط أصلَ الاعتراض. فيبقى أمران. الأوّل أنّ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة» نفسَه لا برهانَ عليه. والثاني أنّ القولَ بأنّ الكونَ ممكنٌ لا واجبٌ دعوى تحتاج دليلًا، لا حدسًا.

*وحدُّ هذا المثال:* المالكُ في العمارة نعرفه من غير هذه اللوحة، نراه ونعرف اسمَه. والمطلوبُ في مسألتنا أن يُبرهَن على الواجب، لا أن يُفترض. فالمثالُ يُريك أنّ تقييدَ القاعدة مشروعٌ في المنطق، ولا يُريك أنّ في مسألتنا مالكًا.

ثالثًا: السؤالُ بلفظه الأدقّ — ولماذا يكون الواجبُ إلهًا لا الكونَ نفسَه؟

وهنا موضعُ الصدق الذي يفرق بين البحث والخطابة: سؤالُك لم يسقط، وإنّما تغيّر لفظُه.

فالذي سقط صيغةٌ بعينها: «كلُّ شيءٍ له خالق، فمن خلق الله؟»؛ لأنّها تُلزم البرهانَ بمقدّمةٍ لم يقلها. أمّا مضمونُ الاعتراض فلم يسقط. ومضمونُه أنّ الموضعَ الذي نتوقّف عنده اختيارٌ اعتباطيّ، أي بلا سببٍ يوجبه. وإنّما انتقل هذا الاعتباطُ من لفظ «الشيء» إلى تعريف «الممكن»، وإلى دعوى أنّ الكونَ من الممكنات. والدليلُ أنّي لا أملك عنه جوابًا حاسمًا. فمن كان سؤالُه يصيب الموضعَ الضعيفَ في البرهان، ثمّ بقي الموضعُ ضعيفًا بعد إعادة الصياغة، فقد أصاب. ولا يجوز أن أسجّل لنفسي عليه نصرًا في الألفاظ.

فالسؤالُ بلفظه الأدقّ:

لماذا يكون الواجبُ إلهًا، لا الكونَ نفسَه؟

وهذا هو اعتراضُ رو وأوبي، وحاصلُه ثلاثةُ شقوق، أثقلُها عندي الثالث:

  • أنّ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة» لا برهانَ عليه، ولا هو بديهيّ. وهو صورةٌ ممّا يُسمّى «مبدأ السبب الكافي»، أي القاعدةِ القائلة إنّ لكلّ موجودٍ تفسيرًا لوجوده. ومن رفضه لم يقع في تناقض.
  • وأنّ للطبيعانيّ أن يجعل حالةً أولى للكون الفيزيائيّ نفسِه واجبةَ الوجود، فيستوفي ما يطلبه البرهانُ بلا إله. فهو لا ينكر أنّ ثمّ شيئًا لا بدّ منه، وإنّما يقول: هو الكونُ نفسُه، لا شيءٌ وراءه. ودعوى «المادّةُ لا تكون واجبة» ليست حجّةً، بل حدسٌ يقابله حدس.
  • والثالث: انهيارُ الجهات. إن كان لكلّ ممكنٍ سببٌ يفسّره تفسيرًا تامًّا، وكان الواجبُ لا يمكن أن يكون على غير حاله، فكلُّ ما يصدر عنه يصدر بالضرورة كذلك. وما يلزم عن الواجب لزومًا لا يتخلّف يكون واجبًا مثلَه. وحينئذٍ يصير الكونُ نفسُه واجبًا لا ممكنًا، فيسقط الفرقُ بين «ما لا بدّ أن يكون» و«ما يجوز أن يكون وألّا يكون»، وعلى هذا الفرق بُني البرهانُ كلُّه. مثالُه على هذا التقدير: النارُ طبعُها أن تُحرق، لا تملك أن تكفّ عن الإحراق؛ فالحرارةُ التي تجدها ليست عطيّةً اختارتها لك، بل هي لازمةٌ عن طبعها كما يلزم الظلُّ عن الجسم. فإن قلتَ: بل الله يفعل باختياره، فله أن يفعل وله ألّا يفعل، فقد أثبتَّ أمرًا يقع بلا سببٍ يفسّره تفسيرًا تامًّا. وهذا نفسُه ما كنتَ تُنكره على خصمك في أوّل البرهان. وهذا من أشهر ما يواجه برهانَ الإمكان، والنزاعُ الفلسفيُّ فيه قائم، ولا أملك فيه فصلًا يُلزم الخصم. ولأهل البرهان عنه أجوبة، كالتفريق بين التفسير «التامّ» الذي يُلزم والتفسير «الكافي» الذي لا يُلزم، أو القولِ بحرّيّةٍ لا تنقض المبدأ. وهي أجوبةٌ منازَعٌ فيها، ولا أدّعي أنّها تحسم. وأمّا نفيُ الاختيار عن الله، وهو ما يصوّره المثال، فأهلُ السنّة متّفقون على خلافه: هو فاعلٌ بالاختيار، يفعل إن شاء ويترك إن شاء، لا موجَبٌ بذاته يصدر عنه العالمُ صدورًا لا يملك دفعَه. وحاصلُ قول المتكلّمين منهم أنّ الذي خصّ العالمَ بوقته وصفته إرادةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاته، وأنّ الترجيحَ بالإرادة ترجيحٌ بمرجِّحٍ لا وقوعٌ بلا مرجِّح؛ وعلى هذا دار خلافُهم مع الفلاسفة في قِدَم العالم. فالذي لا أدّعيه أن يُلزِم هذا الجوابُ خصمًا لا يسلّم بأصله، لا أنّ المسألةَ عند أهل القبلة موقوفة.

وماذا يعني هذا لك؟ يعني أنّ صياغةَ الإمكان وحدَها لا تحسم لك هذه المسألة. ومن قدّمها إليك على أنّها قاطعةٌ فقد حمّلها ما لا تحتمل. ولا يعني أنّ الله غيرُ موجود؛ إنّما يعني أنّ هذا الطريقَ بعينه لا يوصلك وحدَه إلى نهايته.

ويجيب أهلُ البرهان عن الشقّ الثاني: لو كان الكونُ واجبًا لكانت أجزاؤه وثوابتُه واجبةً كذلك، ونحن لا نراها كذلك. وهذا لا يحسم، فللخصم أن يقول إنّ الواجبَ حالةٌ أولى بسيطة، تلزم عنها التفاصيلُ بعد ذلك.

فالحاصل: سؤالُك لم يسقط، بل صار له لفظٌ أدقّ وثلاثةُ فروع. ولا أملك جوابًا حاسمًا عن واحدٍ منها، وأقولها لك صريحة. وهذه الفروعُ الثلاثةُ إنّما تَرِدُ على صياغة الإمكان؛ ولمتكلّمي أهل السنّة طريقٌ غيرُها، مبناه أنّ ما لم يكن ثمّ كان مفتقرٌ إلى مُحدِث، وموضعُ الكلام عليه الفصلُ السادس. وإن أردتَ أن تقرأ فيها بنفسك: فالشقّان الأوّلان مفصّلان في مسح أوبي النقديّ لأدلّة المسألة، وهو في مراجع الكتاب، والثالثُ مرّ مفصَّلًا في الفصل الخامس. واقرأ من جهة الإثبات كلامَ المتكلّمين على ذلك الطريق في «الإرشاد» للجوينيّ و«الاقتصاد في الاعتقاد» للغزاليّ، فالمسألةُ لا تُقرأ من طرفٍ واحد. وأدلّك عليها لأنّي لا أملك جوابها، لا لأصرفك عنها.

رابعًا: ردُّ دوكينز — «الإلهُ الذي تفترضونه أعقدُ ممّا يفسّره»

وهذا ردٌّ آخر من جهةٍ أخرى تمامًا، وهو أذكى ما قيل في هذا الباب عند عامّة القرّاء. وصاحبُه عالمُ الأحياء البريطانيّ ريتشارد دوكينز. وحاصلُه، بعبارتي أنا لا بلفظه، أن يقول:

هبْ أنّكم قيّدتم المقدّمةَ كما شئتم؛ يبقى أنّ ما تفترضونه تفسيرًا أعقدُ من الشيء الذي تفسّرونه. فكائنٌ يقدر على تصميم كونٍ بقوانينه، ويعلم كلَّ ذرّةٍ فيه، ويتابع ملايين الأصوات في اللحظة الواحدة، هو في نفسه بناءٌ بالغُ التركيب. والتركيبُ هو بعينه ما كنّا نطلب تفسيرَه. فأنتم لم تفسّروا شيئًا، وإنّما أجّلتم السؤالَ وزدتم عليه: صرنا نحتاج تفسيرًا للكون، وتفسيرًا لمن فسّره.

وليست هذه أقوى صياغةٍ لهذا الاعتراض. وأقوى منها صياغةٌ لا تدور على «التعقيد» بل على «التحديد». وهي معروفةٌ عند من كتب في هذا الباب، وليست نصَّ دوكينز 1. وأسوقها في أمتن صورةٍ وجدتُها لها، لأنّها الموضعُ الذي يجب أن يُجاب عنه.

من اختار لك قميصًا بعينه من بين ألف قميصٍ في المحلّ، فقد كان في رأسه وصفُ ذلك القميص: لونُه ومقاسُه وقَصّتُه. فالاختيارُ نفسُه يحمل من التفصيل قدرَ ما اختار، ولا يكون الاختيارُ أبسطَ من المختار. وكذلك أيُّ كائنٍ يقدر على أن ينتقي هذا العالمَ بعينه من بين عوالمَ ممكنةٍ لا تُحصى، لا بدّ أن يحمل في نفسه من التحديد قدرَ ما ينتقيه. فمن أراد كونًا بهذه القوانين دون غيرها، فإرادتُه محدَّدةٌ بهذا المضمون بعينه. والتحديدُ هو «المعامِلُ الحرّ». والمعامِلُ الحرّ رقمٌ لا يأتي من داخل النظريّة، بل تضعه أنت بيدك لتطابق به ما تراه. وهو معامِلٌ حرٌّ سواءٌ سمّيتَه رقمًا في معادلة، أو مضمونًا في إرادة.

وأقوى ما في هذا الردّ أنّه يقلب سلاحَ المؤمن عليه: أنت تحتجّ بأنّ فرضًا واحدًا يفسّر أشياءَ كثيرة، وهو يقول لك إنّ فرضَك هو الأثقلُ لا الأخفّ. فلا يُردّ عليه بأنّه «مغالطةٌ معروفة»؛ فمن قال ذلك أراح نفسَه ولم يُجب. والجوابُ عن الصياغة الأولى لا يمسّ هذه الصياغةَ الثانية.

خامسًا: الجوابُ عن دوكينز: البساطةُ تُعدّ ولا تُذاق

يقوم الجوابُ على تمييزٍ واحد، ومتى فُهم انحلّ بعضُ الإشكال:

التعقيدُ الذي يُعتدّ به في الموازنة بين الفروض ليس غنى الأثر، ولا صعوبةَ التصوّر. هو عددُ ما تفترضه ونوعُه: كم كيانًا تفترض؟ وكم صفةً مستقلّة؟ وكم رقمًا حرًّا يجب أن تضبطه بيدك؟

مثال: كُتيّبُ جهازٍ فيه قانونان محتملان:

  • الأوّل: «القوّةُ تتناسب عكسيًّا مع مربّع المسافة».
  • والثاني: «القوّةُ تتناسب عكسيًّا مع المسافة مرفوعةً للقوّة ٢٫٠٠٠٠١٧٣».

والثاني ليس أفقرَ أثرًا من الأوّل ولا أغنى، فهو يعطي أرقامًا تكاد تطابق أرقامَه. ومع ذلك يعلم كلُّ من نظر فيهما أنّ الثاني أعقدُ فرضًا: فيه رقمٌ لا يأتي من أيّ شيء، إلا من أنّك كتبتَه. فالبساطةُ بهذا المعنى تُعدّ ولا تُذاق.

*وحدُّ هذا المثال:* تفضيلُنا الأسَّ «اثنين» ليس ذوقًا حرًّا في البساطة. فالأسُّ اثنان يلزم عن هندسة فضاءٍ له ثلاثةُ أبعاد. فالقوّةُ تتوزّع على سطح كرةٍ تكبر مساحتُه بمربّع نصف قطرها، كضوء المصباح: كلّما ابتعدتَ عنه توزّع على مساحةٍ أوسع فخفت. فالبساطةُ هنا مشتقّةٌ لا مختارة. والمثالُ يُريك ما هو المعامِلُ الحرّ، ولا يُريك أنّ اختيارَ الأبسط حكمٌ حرٌّ في كلّ موضع.

ومثالٌ ثانٍ: كُتيّبُ قواعد المرور بضعُ صفحات، وحركةُ المدينة التي تنتج عنه لا تُحصى، ولا تكفي لوصفها مجلّدات. فغنى الأثر شيء، وبساطةُ الفرض شيءٌ آخر. ومن قاس الفرضَ بأثره خلط بين أمرين.

وعلى هذا يقوم جوابُ من أجاب دوكينز: قولُك «قدرةٌ لا نهاية لها» و«علمٌ لا نهاية له» ليس أعقدَ من «قدرةٍ بمقدارٍ معيّن»، بل هو أبسطُ منه بهذا المقياس. فاللانهائيُّ ليس فيه رقمٌ يُضبط، أمّا المقدارُ المعيّن فيستدعي سؤالًا زائدًا: ولماذا هذا المقدارُ دون غيره؟ وهذه هي حجّةُ ريتشارد سوينبرن في موضعها، وهو فيلسوفٌ بريطانيٌّ من أبرز من دافع عن الإيمان بالله في الفلسفة المعاصرة. ونتيجتُه التي يعلنها أنّ احتمالَ وجود الله يزيد على النصف، بلا رقمٍ يحدّده فوق ذلك. فلا هي يقين، ولا هي رجحانٌ ساحق. وأقولها لك صريحة.

*وحدُّ هذا الجواب، لا المثال:* هذا الجوابُ يردّ الصياغةَ التي تدور على مقدار القدرة، ولا يمسّ صياغةَ التحديد أبدًا. فالقدرةُ اللانهائيّة لا تحدّد أيَّ عالمٍ يُراد. والمعامِلُ الحرّ في مضمون الإرادة، لا في مقدار القدرة، كما أنّ من اختار القميصَ كان في رأسه وصفُه، مهما كان مالُه بلا حدّ. وقد يقول قائل: الذاتُ العالمةُ المريدةُ ليست خاليةً من المعامِلات الحرّة، لأنّ لها معرفةً بمضمونٍ بعينه، وإرادةً لمقاصدَ بعينها، وكلُّ ذلك يحتاج تحديدًا. ومن قال ذلك فقد أصاب موضعًا لا يدفعه جوابُ سوينبرن. وله جوابٌ آخر عند علماء الكلام من أهل السنّة: العلمُ صفةٌ واحدةٌ لا تنقسم، تتعلّق بالمعلومات على كثرتها؛ والإرادةُ كذلك واحدةٌ. فالكثرةُ في المعلوم لا في العالِم، وفي المراد لا في المريد. فالصفاتُ عندهم ليست أبعاضًا تتركّب منها الذات حتى تُعدّ «معامِلاتٍ حرّةً» تُضاف إليها. وأصلُ ذلك أنّ أحكامَ المركَّبات إنّما عرفناها فينا، وقياسُ الخالق على المخلوق ممتنع: نفت سورةُ الشورى أن يكون له مثل، ونفت سورةُ الإخلاص التبعيضَ عنه بالأحديّة. وقرّره الجوينيُّ في «الإرشاد» والغزاليُّ في «الاقتصاد في الاعتقاد». والخصمُ لا يسلّم هذه المقدّمة، فالنزاعُ الفلسفيُّ قائمٌ بعدها؛ لكنّ الاعتراضَ لم يبقَ بلا جواب.

فالحاصل: دوكينز وسوينبرن يقيسان بمقياسين مختلفين، وكلاهما مستعمَلٌ في الموازنة بين الفروض. فسوينبرن يعدّ الكياناتِ والمعامِلاتِ الحرّة، ودوكينز يقيس احتمالَ الشيء المفسِّر في نفسه. وليس أحدُهما مخطئًا في معرفة القاعدة. وإنّما النزاعُ في أيّ المقياسين يليق بفرضٍ من هذا النوع. وهو نزاعٌ لم يُحسم، ولا أملك مسطرةً أحسمه بها.

فمن قال «ردُّ دوكينز مغالطةٌ معروفة» فقد أراح نفسَه ولم يُجب. ومن قال «ردُّه يهدم البرهان» فقد أخذ مقياسًا هو نفسُه موضعُ النزاع، وجعله أمرًا مسلَّمًا. وأنا أقف حيث يقف الدليل. فالردُّ يُثقل فرضَ الإله إثقالًا حقيقيًّا لا يُدفع بكلمة. والجوابُ عنه يتوقّف على دعوى «بساطة فرض الإله»، وهي دعوى منازَعٌ فيها. فلا حسم.

فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ أنّ ذاتًا عالمةً مريدةً تحمل من التحديد قدرَ ما تريد، فصياغةُ التحديد قائمةٌ عندك، وليس عندي ما يُسقطها. وإن رأيتَ أنّ ذاتًا لا حدَّ لقدرتها ولا لعلمها أبسطُ من كلّ مقدارٍ محدود، فجوابُ سوينبرن يرجّح عندك ولا يُلزمك. والشيءُ النافعُ الذي يبقى لك في الحالين: لا تسُق في وجه أحدٍ «فرضٌ واحدٌ يفسّر كلَّ شيء، وهذا منتهى البساطة». فهذه العبارةُ أضعفُ ما عندنا لا أقواه.

وأمّا «التعادل» الذي يُنقل عن الفيلسوف غراهام أوبي، فحدُّه هذا. أوبي مسح أشهرَ أدلّة وجود الله وعدمِه مسحًا نقديًّا، وانتهى إلى أنّ الحججَ لا تنجح في الاتّجاهين معًا. فيُنقل عنه: «إذن خصمُك لا يملك برهانًا أيضًا». لكنّ «النجاح» عنده أن تُلزم الحجّةُ كلَّ عاقلٍ كان ينكر نتيجتها، وهذا معيارٌ لا تجتازه حجّةٌ في الفلسفة كلِّها تقريبًا. فالتعادلُ عنده أنّ حججَ الطرفين لم تجتز معيارًا لا يجتازه أحد، وليس تعادلًا في الميزان. والرجلُ نفسُه طبيعانيٌّ يرى الطبيعانيّةَ أرجحَ نظريًّا وأبسط، ويكتب في ذلك كتابًا مستقلًّا. فمن أخذ منه «لا حجّةَ ناجحة» وترك «والطبيعانيّةُ أرجح»، أخذ نصفَ الرجل.

سادسًا: نصلُ أوكام: ما هو، وما ليس هو

تُنسب هذه القاعدةُ إلى ويليام الأوكاميّ، وهو فيلسوفٌ إنجليزيٌّ من القرن الرابع عشر. وحاصلُها: لا تُكثر من الفروض بلا حاجة. وسُمّيت «نصلًا» لأنّها تقصّ من التفسير ما زاد عن الحاجة. وثلاثةُ أشياء يجب أن تُعرف فيها:

١. هو مرجِّحٌ لا برهان، ولا يعمل إلا بعد التساوي. أي أنّه قاعدةٌ نختار بها بين فرضين تساويا في تفسير ما نراه. فإن لم يتساويا لم يعمل أصلًا. والفرضُ الأبسطُ الذي لا يفسّر ما نراه يُطرح، ولا يشفع له أنّه أبسط.

مثال: اختفت رحلتُك من شاشة المطار. فهنا فرضٌ واحد: تغيّرت البوّابةُ ولم تُحدَّث الشاشة. أو ثلاثةُ فروض: أُلغيت الرحلة، ثمّ أُعيدت جدولتُها، ثمّ نُسي إدخالُها. والموظّفُ يبدأ بالأوّل، لا لأنّه أصدقُ في نفسه، بل لأنّه أسهلُ فحصًا وأكثرُ وقوعًا.

*وحدُّ هذا المثال:* البساطةُ هنا ترتيبٌ للفحص لا حكمٌ بالصدق؛ فقد تكون الرحلةُ أُلغيت فعلًا. ومن جعل ترتيبَ الفحص حكمًا على الواقع أخطأ في اللحظة التي يظنّ فيها أنّه يحتاط.

٢. هو نصلٌ لا ميزان: يقصّ الزائدَ، ولا يزن الصادق. خريطةُ المترو أبسطُ بكثيرٍ من الصورة الجوّيّة للمدينة، وخطوطُها مستقيمةٌ ومسافاتُها غيرُ صحيحة، ومع ذلك هي التي توصلك. فالأبسطُ هنا أبعدُ عن الواقع وأنفعُ معًا. ومن جعل النصلَ مقياسًا للحقيقة، لا قاعدةً للاقتصاد في الفروض، حمّله ما لا يحمل.

٣. ويُساء استعمالُه في الجهتين، وهذا أهمُّ الثلاثة.

  • عند المؤمن: «فرضٌ واحدٌ يفسّر كلَّ شيء، وهذا منتهى البساطة». والعيبُ أنّ الفرضَ الذي يفسّر كلَّ شيءٍ لا يميّز شيئًا من شيء. وشرطُ الترجيح، كما يقرّره الفيلسوفُ الأمريكيّ بول درابر، مقارنةٌ بين فرضين معيَّنين، لا بين فرضٍ ونقيضه. والمطلوبُ أن يكون وقوعُ ما نراه أرجحَ إذا صحّ أحدُهما منه إذا صحّ الآخر، رجحانًا يُعتدّ به. فتسأل: أيُّ الفرضين كان يتوقّع ما رأيناه؟ فإن كان كلاهما يتوقّعه على السواء، فرؤيتُه لا ترجّح واحدًا منهما. مثالُه: وجدتَ الشارعَ مبلولًا في الصباح. وهذا يتوقّعه من قال «أمطرت في الليل» ومن قال «مرّت سيّارةُ رشّ الشوارع» جميعًا، فلا يرجّح البللُ أحدَهما. فمرونةُ الفرض، أي أن يتّسع لكلّ نتيجة، ليست فضيلةً فيه، بل نقصٌ في قدرته على الترجيح.
  • وعند المخالف: «الكونُ وحدَه أبسطُ من الكون مع إله». وهذا يفترض أنّ الكونَ وحدَه يفسّر ما يُراد تفسيرُه، وذلك هو المتنازَعُ فيه بعينه. فقد استُعمل النصلُ قبل أن يثبت أنّ الفرضين متساويان في التفسير، أي في غير موضعه.

والعلّةُ التي تجمع الغلطين أنّ الخلافَ الحقيقيّ ليس في القاعدة، بل في كيف تُعدّ الفروض. فمن عدّ «الإله» فرضًا واحدًا، وعدّ خصمُه «كونًا قائمًا بلا علّة» فرضًا واحدًا، لم يحكم النصلُ بينهما، لأنّه لا يملك مسطرةً لعدّ الفروض. فهو يفصل حيث تكون الفروضُ منفصلةً ظاهرةً، كالفروض في أمر حقيبةٍ ضاعت في مطار. ويسكت حيث يكون النزاعُ في سؤالٍ قبل ذلك: هل الفرضُ واحدٌ أصلًا؟

وهذا بعينه سببُ أنّ الخلافَ بين دوكينز وسوينبرن بقي بلا حسم: من لا مسطرةَ عنده لعدّ الفروض لا يملك أن يقول لخصمه «أنت تقيس بغير المقياس».

ما لا يُثبته الجوابُ عن «من خلق الله؟»

لا يُثبت أنّ الله موجود. كلُّ ما فيه ثلاثة أمور. الأوّل أنّ صيغةً بعينها من سؤال «من خلق الله؟» لا تهدم البرهان، لأنّها تخاطب مقدّمةً لم يقلها. والثاني أنّ ردَّ دوكينز يقيس بمقياسٍ غيرِ مقياس سوينبرن، لا بمقياسٍ خاطئ. والثالث أنّ نصلَ أوكام لا يفصل في مسألةٍ لم تتحدّد فيها الفروضُ بعدُ.

ويبقى الأصعبُ قائمًا في ثلاثة: لماذا يكون الواجبُ إلهًا، لا حالةً فيزيائيّةً أولى؟ وما دليلُ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة»؟ وكيف يُدفع انهيارُ الجهات؟ لا جوابَ حاسمًا عندي في واحدٍ منها، ولا عند من قرأتُ لهم من الطرفين. وإنّما هو ترجيحٌ يقوم على «حدوسٍ في الجهات»، أي أحكامٍ مباشرةٍ بأنّ هذا ممكنٌ وذاك واجب. وهذه الحدوسُ لا يشترك فيها الناسُ كما يشتركون في الحساب.

*وحدُّ هذا الإقرار:* «الطرفان» فيه طرفا هذا الجدل المعاصر وحدَه، ولستُ أعني أنّ المسألةَ بقيت بلا قولٍ لأهلها. فلمتكلّمي أهل السنّة من الأشاعرة والماتريديّة فيها تحريرٌ يسبق هذا الجدلَ بقرون، وطريقُه غيرُ طريقه: لا يبنون على «مبدأ السبب الكافي» أصلًا، بل على أنّ ما لا يخلو من التغيّر حادثٌ، والحالةُ الفيزيائيّةُ لا تخلو منه فلا تكون واجبة؛ وأنّ افتقارَ الحادث إلى مُحدِثٍ بديهيٌّ لا يُطلب عليه دليل؛ وأنّ الله فاعلٌ باختياره لا بطبعه، فلا يلزم من وجوب الذات وجوبُ الفعل. ومواضعُ ذلك «الإرشاد» للجوينيّ، و«الاقتصاد في الاعتقاد» و«تهافت الفلاسفة» للغزاليّ. والذي أقوله: إنّ الخصمَ لا يسلّم مقدّماتِ هذا التحرير، فلا يُلزمه في ميزانه هو — لا أنّ الجوابَ معدوم.

ولو تمّ البرهانُ كلُّه، لما أثبت أكثرَ من موجودٍ واجبِ الوجود لا نعرف مَن هو: لا صلاةَ فيه، ولا كتاب، ولا شريعة. وتلك المسافةُ هي المسافةُ كلُّها، ولا يقطعها شيءٌ من هذه الحجج.

فأين تقف أنت؟ لك أن تخرج من هنا وسؤالُك معك. وغايةُ ما أطلبه أن يكون سؤالُك بعد هذا أدقَّ ممّا كان. وذلك أن تعرف أنّ صيغةَ «كلُّ شيءٍ له خالق» سقطت، وأنّ ما بقي بعدها ثلاثةُ فروعٍ لم يحسمها أحد. وذاك مكسبٌ لك أنت، سواءٌ انتهيتَ إلى ما انتهيتُ إليه، أو خالفتني فيه.