٢. لماذا يترك الناسُ دينهم فعلًا؟
السؤال: حين يترك إنسانٌ دينه، ما الذي جرى؟
الجوابُ في سطرين: في حكايات التاركين التي جُمعت ودُوّنت يتكرّر أن يسبق الحجّةَ شيءٌ وقع في حياة صاحبها. ثمّ تأتي الحجّةُ بعده، فتكون حقيقيّةً عنده، وتستحقّ جوابًا جادًّا. وهذا وصفٌ لما تكرّر في تلك الحكايات، لا حكمٌ بأنّ أكثرَ الناس كذلك أو أقلَّهم. فالحكاياتُ كلُّها من عيّناتٍ غربيّة، ورواتُها متطوّعون.
ولا أسأل هنا عن سببٍ يُخفيه التاركُ أو يكذب فيه؛ أسأل عمّا جرى في حكاياتٍ رواها أصحابُها بأنفسهم. ولا أعلم أيتكرّر هذا في الشابّ المسلم العربيّ أم لا. فلم يدرسه بحث، ولا أملك أن أدّعيه. فما يتكرّر في تلك الحكايات احتمالٌ يُختبر على النفس وعلى من نعرف، لا حكمٌ مقرَّرٌ على أحد.
ومعنى أنّ الرواةَ متطوّعون: أنّهم تقدّموا بحكاياتهم من أنفسهم، ولم يُختاروا اختيارًا يمثّل الناسَ جميعًا؛ ولذلك تُسمّى عيّنتُهم «عيّنةً متطوّعةً غيرَ تمثيليّة». وصورتُها استمارةٌ تُعلَّق في المدرسة تسأل: «لماذا تركتَ فريقَ الكرة؟» فلا يملؤها إلا من عنده قصّةٌ يحبّ أن يحكيها، ومن ترك بلا قصّةٍ لا يكتب شيئًا. فتخرج النتيجةُ وكأنّ كلَّ من ترك الفريقَ عنده قصّة، والذين لا قصّةَ لهم لم يُعدّوا أصلًا. ومن عيّنةٍ كهذه لا يُستخرج رقم، ولا يُقال منها «أكثرُ الناس» ولا «قليلٌ منهم».
ولهذا السؤال أهمّيّةٌ تسبق كلَّ دليل. فالخطأُ في فهم السؤال يقع قبل الخطأ في جوابه، ومن أخطأ في الأوّل لم ينفعه أن يُحسن الثاني. وهو كطالبٍ يُتقن الجوابَ عن سؤالٍ لم يأتِ في ورقة الامتحان.
وقد يقول التارك: «تقول في الفصل الأوّل إنّك لا تعدني بأن أقتنع، ثمّ تتكلّم عن أسباب تركي كما يتكلّم الطبيبُ عن مرضٍ يشخّصه؛ فأنا المريضُ وأنت الطبيب». وهذا حقّ. فصورةُ الطبيب والمريض ليست زينةً في الكلام، بل دعوى مخبوءة. تجعل لأحد الطرفين شكوى، وتجعل للآخر أداةً ينظر بها فيه. ولستُ أملك صورةَ أشعّةٍ تكشف الأسباب. إنّما أملك احتمالاتٍ أعرضها عليك لتقيسها أنت على نفسك، وأنت وحدك من يملك أن يردّها.
لماذا لا يكفي أن تسأل: «لماذا تركتَ؟»
إذا سألتَ من ترك دينه: «لماذا؟» فالجوابُ الذي يتكرّر في الحكايات المدوّنة: «لم أجد دليلًا مقنعًا». وهذا وصفٌ لما تكرّر فيها، لا حكمٌ على الناس بالأكثر والأقلّ.
وهذا الجوابُ صادقٌ فيما يشعر به صاحبُه. لستُ أتّهمه بالكذب، ولا أزعم أنّي أعرف من تاريخه ما لا يعرفه. وإنّما أقول شيئًا أضيقَ من ذلك: أنّ سؤالَ «لماذا تركتَ؟» أداةٌ خشنة، كشبكة صيدٍ واسعة الثقوب لا يعلق فيها إلا السمكُ الكبير. فهو يطلب سببًا واحدًا مرتّبًا يُقال في جملة. أمّا الذي جرى في النفس فليس سببًا واحدًا، ولا يأتي مرتّبًا. فما يخرج في الجواب هو رأسُ السلسلة، لا السلسلةُ كلُّها. وهذا يقع لي ولك في أهون الأمور: اسأل نفسك لماذا تركتَ صديقًا أو ناديًا، واكتب الجواب، ثمّ اكتب بعده ما تعرف أنّك لم تقله.
ومثالُه أن تدخل على طبيبٍ فتقول: «ظهري يؤلمني من رفع الصندوق أمس». وأنت صادق: الصندوقُ رُفع، والألمُ بدأ بعده. ثمّ يصوّر الطبيبُ ظهرك فيجد انزلاقًا غضروفيًّا يتكوّن منذ سنتين. لم تكذب، ولم تُبطل الصورةُ روايتك؛ بل زادت عليها.
*وحدُّ هذا المثال، وهو يهدم نصفَه:* أنّ الطبيبَ يملك صورةَ أشعّة، وأنا لا أملك أشعّةً على الأسباب. فالصورةُ شيءٌ ثالثٌ خارجَ روايتك وخارجَ ظنّ الطبيب، تُرى ويُشار إليها. وليس عندي في هذا الباب إلا أنماطٌ في حكاياتٍ رواها متطوّعون في بلادٍ أخرى. وما دام ليس عندي شيءٌ أضعه على الطاولة كما تُوضع الصورة، فليس لي أن أقول لك: «الصندوقُ ليس هو السبب». غايةُ ما لي أن أقول: اسأل نفسك: أثمّ انزلاق؟ فإن نظرتَ فلم تجد، فليس عندي ما أردّ به عليك.
ولذلك لا أقول إنّ التاركَ عاجزٌ عن الوصول إلى سببه الحقيقيّ. فلو قلتُ ذلك لأغلقتُ عليه البابَ إغلاقًا: إن قال «كانت الحجّةُ فعلًا» قلتُ: هذا نفسُه ما يقوله صاحبُ الجرح! والدعوى التي تُصدّقها كلُّ شهادةٍ، أيًّا كانت، لا تُخبر عن الواقع بشيء. فهي كميزان حرارةٍ علق عند ٣٧، يقرأ الرقمَ نفسَه على السليم والمحموم. فغايةُ ما أقوله: أنّ السؤالَ أداةٌ خشنة، لا أنّ الجوابَ مشوَّهٌ بحبّ الكرامة.
ولِما نعرفه عن ترك الدين حدود. فمعظمُ البحث فيه أُجري على عيّناتٍ غربية، أكثرُها بروتستانتيةٌ أمريكية أو ألمانية. وأغلبُ هذه العيّنات متطوّعة، أي من أناسٍ قبلوا أن يُقابَلوا ويحكوا. وهؤلاء أميلُ من عموم الناس إلى الكلام عن أنفسهم، وإلى تفسير ما جرى لهم بالأفكار. وأحجامُها تختلف:
- عند عالم الاجتماع الأمريكيّ فِل زوكرمان: نحوُ سبعٍ وثمانين مقابلة.
- وعند الباحث سايمون كوتي: نحوُ خمسةٍ وثلاثين.
- وفي دراسة بيلفلد، وهي دراسةٌ ألمانيّةٌ أمريكيّةٌ مشتركة أجراها هاينتس شترايب ورالف هود وزملاؤهما ونُشرت سنة ٢٠٠٩: أجاب استبانتَها نحوُ ألفٍ ومئتين، منهم مئةٌ وتسعةٌ وعشرون تاركًا، والباقون باقون في تقاليدهم الدينيّة. ثمّ قابل الباحثون نحوَ مئةٍ من التاركين ليحكوا قصصَهم.
فليست العيّناتُ «عشراتٍ» في كلّ موضع، وليست آلافًا في أيّ موضع، ولا يُنسب الألفُ والمئتان إلى التاركين وحدهم. والعيبُ الذي يُبنى عليه الحكمُ ليس العددَ، بل أنّها عيّنةٌ متطوّعةٌ غيرُ تمثيليّة. فالقياسُ منها إلى الشابّ المسلم العربيّ قياسٌ لا نقل. ومعنى «قياسٌ لا نقل» أنّنا نستأنس بهذه البحوث بحذر، ولا ننقل نتائجها إلينا كما هي. ولا نسبةَ مئويّةً تصحّ هنا: لا أملكها، ولا يملكها من ادّعاها.
ستّةُ أبوابٍ يخرج منها الناس
كلُّ حكايةٍ في هذه الأبواب مركَّبة: جُمعت ملامحُها من أنماطٍ تتكرّر في حكايات الناس، كما يرسم الرسّامُ وجهًا من ملامحَ رآها في وجوهٍ كثيرة. فلا تحكي واقعةً جرت لشخصٍ بعينه، ولا تُنسب إلى أحد؛ هي نموذجٌ يُريك الشكل، لا شهادةٌ تُروى. وتفاصيلُها من عندي، كالأماكن والعبادات والأعمار، وليست من عيّنةٍ درسها باحث. فلا يُبنى عليها حكمٌ على صنفٍ من الناس. والحكايةُ المركّبةُ تصلح أن يُرسم بها شخص، ولا تصلح أن تكون شهادةً يُستدلّ بها على دعوى؛ فليس في واحدةٍ منها جوابٌ على لسان صاحبها يشهد لما أقول.
الباب الأوّل: جرحٌ لم يجد صاحبُه له تفسيرًا
موتُ طفل. مرضٌ طال. ظلمٌ وقع ولم يُرفع. دعاءٌ تكرّر ولم يُستجب. والإنسانُ في هذه الحال لا يبحث عن برهانٍ على وجود الله، بل عن معنًى لما أصابه. فإن لم يجده انصرف.
الحكاية: رجلٌ في الأربعين، بقيت ابنتُه في المستشفى تسعةَ أشهر. كان يبيت على الكرسيّ بجانبها، ويدعو كلَّ ليلةٍ دعاءً واحدًا لا يزيد عليه. ثمّ ماتت. وفي اليوم الثالث جاءه من قال له، بحسن نيّةٍ ظاهرة: «الحمد لله، هذا خيرٌ لها، وحكمةُ الله فوق ما نعلم». والقولُ حقٌّ في نفسه، وإنّما الخطأُ في موضعه ووقته: فرجلٌ في اليوم الثالث من فقد ابنته لم يكن يسأل سؤالًا ينتظر عليه جوابًا. لم يجادله يومَها، ولم يقل شيئًا. لكنّه توقّف عن الدعاء، لأنّ الدعاءَ صار موضعَ حرجٍ عنده. وبعد ثلاث سنواتٍ صار يصف نفسه بأنّه لا يؤمن، وإذا تكلّم في الأمر ساق مشكلةَ الشرّ بصياغةٍ محكمةٍ كأنّها من كتاب. ومشكلةُ الشرّ هي سؤال: كيف يوجد هذا الألمُ كلُّه إن كان اللهُ رحيمًا قادرًا؟
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ مشكلة الشرّ عنده اعتراضٌ حقيقيّ، يستحقّ أقوى جوابٍ نملكه، ولا يجوز التعالي عليه بحال.
*وما لا تُظهره:* أنّ اعتراضَه باطل. فالجرحُ، إن كان، يفسّر لماذا ذهب يبحث، ولا يقول شيئًا عمّا وجد.
*وحدُّ هذه الحكاية:* أنّها مركّبة، فترتيبُ الوقائع فيها من صنعي أنا. ولو انعكس الترتيبُ لخرجت الحكايةُ نفسُها بمعنًى آخر تمامًا: أن يقرأ الرجلُ في مشكلة الشرّ قبل مرض ابنته، ثمّ يجيء المرضُ فيصدّق عنده ما قرأ. والحكايةُ لا تفصل بين الترتيبين، وأنا الذي اخترت. فخذها بيانًا لشكلٍ تعرفه إن رأيتَه، لا شاهدًا على أنّ هذا هو الغالب.
الباب الثاني: سلطةٌ خلطت نفسَها بالله
أبٌ يضرب باسم الدين. معلّمٌ يُهين. ومحيطٌ يعظ بما لا يعمل به. فيتكوّن في النفس اقترانٌ بين «الله» وبين «الذي آذاني»، ثمّ يُقال لصاحبه: «الله ليس كذلك». وهو يعلم أنّ الله ليس كذلك، لكنّ جسده لا يعلم. كمن عضّه كلبٌ في صغره: يعرف أنّ الكلبَ الذي أمامه أليف، ويتراجع جسدُه مع ذلك قبل أن يفكّر.
الحكاية (وهي مركّبةٌ كأخواتها، لا يُحكم بتفاصيلها على صنفٍ من الناس): شابٌّ في السابعة والعشرين، تعلّم دينَه صغيرًا على رجلٍ كان يضربه، ويقول له وهو يضربه: «الله غاضبٌ عليك». وهو اليومَ لا يجادل في وجود الله ولا في النبوّة، ولو ناظرتَه في برهانٍ لم يمانع. لكنّه إذا سمع «الله رحيم» انقبض صدرُه انقباضًا لا يملكه. جرّب الصلاةَ ثلاثَ مرّاتٍ في سنة، وفي كلّ مرّةٍ يعود إليه صوتُ ذلك الرجل عند تكبيرة الإحرام، أي عند أوّل «الله أكبر» يدخل بها في الصلاة.
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ هذه إصابةٌ لا شبهة. وأيُّ برهانٍ يُساق إليه لا يمسّ موضعَ العطب أصلًا، بل قد يقرؤه تواطؤًا مع من آذاه. وهنا فرقٌ عليه مدارُ الأمر كلِّه: «لا أُصدّق» غيرُ «لا أستطيع». فالأوّلُ يُخاطَب بالنظر والحجّة، والثاني يُخاطَب كما يُخاطَب من أصابه كسر.
*وكيف تعرف أيُّهما أنت؟* سؤالٌ واحدٌ لا يكفي للفرز، فهذه أربعُ علاماتٍ عمليّة تنظر فيها بنفسك، ولا يملك أحدٌ أن ينظر فيها عنك:
- موضعُ الأثر: حين تُعرض عليك حجّةٌ قويّةٌ للإيمان، أين تجد الحركة؟ في الرأس («هذه أقوى ممّا ظننت») أم في الصدر (انقباضٌ، أو غضبٌ يسبق الفهم)؟ الأوّلُ نظر. والثاني ليس نقصًا فيك، لكنّه ليس نظرًا.
- هل يتغيّر شيء؟ لو زال الاعتراضُ الذي تسوقه، أتتوقّع أن يتغيّر عندك شيء؟ من جوابُه «نعم» فهو في مسألة نظر. ومن جوابُه «لا، وأعرف لماذا: ليس عندي سببٌ أصلًا للتصديق» فهو في مسألةٍ أخرى من جنس النظر أيضًا، وسأعود إليها. ومن جوابُه «لا، ولا أعرف لماذا» فلينظر في العلامتين الباقيتين.
- الجسدُ في المكان: أتستطيع أن تدخل مسجدًا، أو تسمع أذانًا، وأنت هادئ؟ من يجد ضيقًا لا يعرف له تفسيرًا فليس الخللُ عنده في الاستدلال.
- اختبارُ الشرح: خذ أقوى اعتراضٍ عندك، واشرحه لمن لا يعرفه شرحًا كاملًا: بمقدّماته، وبما يُعترض به عليه، وبما يُجاب عنه. فمن كان اعتراضُه هو الجدارَ الذي يحمل موقفَه فعلًا وجد عنده ما يقوله فقاله. ومن وجد أنّه يملك العنوان ولا يملك التفصيل، فقد وجد شيئًا يستحقّ النظر. وهذا وهمٌ عامٌّ في الناس، وقد قِيس في فهمهم لأشياءَ يستعملونها كلَّ يوم. نظنّ أنّنا نفهم كيف تعمل الأشياء أكثرَ ممّا نفهم، ولا يظهر لنا ذلك إلا حين يُطلب منّا الشرح. جرّب أن تشرح لنفسك كيف يعمل سحّابُ حقيبتك، وسترى.
*وحدُّ هذا الاختبار:* أنّه قيس على فهم الناس لسيفون الحمّام والدرّاجة والقفل، لا على المعتقدات. ونقلُه إلى مسائل الإيمان استعمالٌ له خارجَ الميدان الذي جُرّب فيه. فخذه تمرينًا نافعًا، لا مقياسًا يُحكم به. ولم أجد له في بابنا بديلًا جُرّب وقِيس، فأقول: لا أعلم.
*وما لا يُقال له*: «ما فعله بك ذلك الرجل لا علاقة له بالدين». فالصلةُ بين ما أصابه وبين الدين قائمةٌ في تجربته هو، وإن لم تكن قائمةً في الحكم على الأمر. ومن نفى هذه الصلة فقد كذّبه في أوضح شيءٍ يعرفه، فأغلق البابَ. والصيغةُ الأنفع ثلاثُ خطوات. أن يُسمّى الفعلُ بما هو: ظلمٌ وخيانةُ أمانة. وأن يُعترَف بأنّه وقع باسم الدين فعلًا. وأن يُعرض عليه الفصلُ بين الفاعل وبين ما نُسب إليه الفعل، احتمالًا يملكه لا واجبًا يُفرض عليه. ولا يُطلب منه أن يسامح، ولا أن يفصل بينهما الآن. فالفصلُ بين الرجل والدين ثمرةُ الشفاء، لا شرطٌ لبدايته.
الباب الثالث: سؤالٌ قُمع في الصغر
طفلٌ سأل مرّةً فقيل له: «اسكت، هذا كفر». فتعلّم شيئين معًا: أنّ سؤالَه خطر، وأنّه وقع على من لا جوابَ عنده، كما بدا له هو. والأمرُ الثاني ظنٌّ ظنّه الطفل، لا خبرٌ صحيحٌ عن الرجل. ولا أعلم ما الذي حمل الرجلَ على ما قال. والخطرُ في أثر هذا الظنّ، لا في صدقه. فالطفلُ يعمّم ما ظنّه: إن لم يكن عند هذا جواب، فلعلّه لا جوابَ أصلًا.
الحكاية: بنتٌ في العاشرة سألت على المائدة سؤالًا خطر لها، فقيل لها أمام أعمامها: «هذا سؤالُ من في قلبه مرض». وهي اليومَ في التاسعة عشرة، وفي دفترها أربعةَ عشرَ اعتراضًا مكتوبةً مرقّمة، محرّرةً تحريرًا جيّدًا. ولو كانت مؤمنةً وفي دفترها أربعةَ عشرَ جوابًا لقلنا: هذا طلبُ علم. فأقول في دفترها ما كنتُ سأقوله في ذلك الدفتر: هذا طلبُ علم.
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ الاعتراضاتِ الأربعةَ عشرَ حقيقيّة، وكلٌّ منها يستحقّ جوابًا جادًّا. وهذا هو الذي يلزمني: أن أجيب عنها. وأمّا ما وراءها فاحتمالٌ أعرضه ولا أُثبته. فمن تعلّم في العاشرة أنّ السؤالَ عار، وأنّ أهلَه عاجزون عن جوابه، قد يحمل في نفسه درسًا لا يُنقَض بجواب. وإنّما يُنقَض بمجلسٍ آخرَ يقع فيه العكس، فيُسأل فيه السؤالُ فيُحترم ويُجاب. فإن قالت لي: «لا، اعتراضاتي هي هي، وليس تحتها شيء»، فليس عندي ما أردّ به عليها، وليس لي إلا أن أجيب عنها واحدًا واحدًا.
*وما لا تُظهره:* أنّ من أسكتها كان يمثّل الدين. ولا أعلم ما الذي حمله على ذلك: أجهلٌ بالجواب، أم خوفٌ على البنت من هذا الباب، أم سوءُ تقديرٍ للمجلس؟ ولا أملك ما يفصل بين هذه، فلا أحكم به. والذي أعلمه أنّ الفعلَ أغلق بابًا كان يجب أن يُفتح. ومثلُه يقع من العاجز عن الجواب، ويقع من الغيور الحريص كذلك.
الباب الرابع: عارٌ وذنبٌ لا يُطاقان
هذا البابُ قلَّ أن يُذكر في المناظرات، ولم أجده في شيءٍ ممّا قرأت. وهذا خبرٌ عن قراءتي أنا، لا عن الواقع كلِّه. ولا أعلم كم يقع، فلم يُحصِه أحد، ولا أملك عليه شاهدًا أسوقه. وإنّما أعرضه صورةً تعرفها إن رأيتَها في نفسك.
وقد يقال: بابٌ يستحيي أهلُه من ذكره لا يظهر في أيّ إحصاء. وهذا معقول، لكنّه لا يُثبت أنّ البابَ واقع. فالشيءُ الذي لا يظهر في الإحصاء قد يكون قليلًا، وقد يكون كثيرًا مستورًا. ولا أملك ما يفصل بين الاحتمالين.
وصورتُه إنسانٌ وقع فيما يستحيي منه، فصار كلُّ شيءٍ في دينه يذكّره به: الصلاةُ موعدُ محاسبة، والمسجدُ مكانُ فضيحةٍ يتخيّلها، ورمضانُ شهرُ مقارنةٍ بين حاله اليوم وحاله قبلُ. فصار يشعر أنّ حملَ ما هو فيه أثقلُ عليه من الخروج من الدين كلِّه. وهذا وصفٌ لما وقع في نفسه هو، لا حكمٌ يُقرَّر.
الحكاية: شابٌّ في الثالثة والعشرين، بينه وبين نفسه أمرٌ لا يعرفه أحد. حاول التوبةَ إحدى عشرةَ مرّةً وعاد. وفي المرّة الأخيرة لم يقل «لا أستطيع»، بل قال: «لعلّه لا يوجد أصلًا». ولم يكن ذلك منه حيلةً ولا مكرًا. كان في شعوره هو طلبًا للراحة، فقد بدا له أنّ هدمَ البيت كلِّه أهونُ من أن يقف كلَّ يومٍ في غرفةٍ منه يُحاسَب فيها.
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ الترك قد يكون مخرجًا من ألمٍ، لا طلبًا لشهوة. وهذا تمييزٌ لا يُتساهل فيه.
*وما ظنّه صاحبُها وليس كذلك:* أنّ البابَ أُغلق عليه بعد العَود. فهو حين حاول التوبةَ إحدى عشرةَ مرّةً كان يحاولها على حكمٍ قدّره في نفسه، والحكمُ في دينه خلافُه: فالقرآنُ ينهى عن هذا الظنّ نهيًا صريحًا، ويسمّيه قنوطًا ويأسًا من رَوح الله، كما في سورتَي الزمر ويوسف؛ ويُخبر أنّ الله يغفر الذنوب جميعًا لمن رجع إليه. وتكرارُ العَود لا يُغلق بابَ التوبة، وهي مقبولةٌ ما لم يحضر الأجل. فالثقلُ الذي هرب منه واقعٌ في نفسه، والحكمُ الذي ظنّه ليس من دينه.
*وما لا يُقال له:* «أنت لا تريد الحقّ، تريد الشهوة». وأُحذّر من هذه الجملة تحذيرًا شديدًا. ولستُ أُحذّر منها لأنّي أعلم أنّها تهمةٌ كاذبة، فأنا لا أعلم ذلك. فقد قلتُ قبل قليلٍ إنّ السؤالَ أداةٌ خشنة لا يخرج في جوابه إلا رأسُ السلسلة. فلا يجوز لي أن أستدلّ بغياب الشهوة من الحكاية على غيابها من الواقع، وإلا كنتُ أستعمل الميزانَ في جهةٍ وأكسره في جهة. وإنّما أُحذّر منها لأنّها تُغلق بابَ الصدق من الجهتين: إن أنكرها بدا مدافعًا عن نفسه، وإن سكت بدا مُقرًّا بها. فمن رماه بها لم يترك له بابًا يدخل منه صادقًا. وهذا وحدَه يكفي لتركها، صدقت التهمةُ أو كذبت. فالذي يرميها لا يملك ما يفصل بين الحالين، والذي تُرمى عليه لا يملك ما يدفعها به. وهي من جنس «رجل القشّ»، وهو أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه. وصورتُه هنا أن تنسب إليه موقفًا لم يقله، ثمّ تحاكمه إليه. وفوق هذا كلِّه، الحكمُ على ما في القلوب ليس إلينا: نحكم بالظاهر، والسرائرُ إلى الله. وقد أنكر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على أسامة بن زيد حين قتل رجلًا قد نطق بالشهادة، فقال له: «أفلا شققتَ عن قلبه؟»؛ والحديثُ في صحيح مسلم. وأنا أنهى عنها نفسي، وأنهى عنها القارئ.
الباب الخامس: البيئةُ والانتماء
وهذا أوسعُ الأبواب وأخفاها، لأنّه لا يوجعك فتنتبه إليه. الناسُ يرثون دينَهم بالعلاقة أكثرَ ممّا يرثونه بالحجّة، ويتركونه بالعلاقة كذلك. وفي ذلك دراسةٌ أمريكيّةٌ تتبّعت الأسرَ نفسَها عبر أجيالها نحو خمسةٍ وثلاثين عامًا، ولذلك تُسمّى دراسةً «طوليّة». وقد وجدت أنّ دفءَ الأب وقربَه من أبنائه من أقوى العلامات التي يُتوقَّع بها أن ينتقل الدينُ إليهم. وفيها أنّ الأبَ المتديّنَ الباردَ أو المتسلّط يرتبط بانفصال أبنائه عن الدين.
وهو ارتباطٌ لا سببيّة، في عيّنةٍ أمريكيّةٍ بعينها. أي أنّ الدراسةَ رأت الأمرين يجتمعان، ولم تُثبت أنّ أحدَهما صنع الآخر. وذلك كما تجتمع كثرةُ المظلّات في الشارع وكثرةُ الزحام، ولا تصنع المظلّاتُ الزحام، بل يصنعهما المطرُ معًا. فليس هذا قانونًا يجري على كلّ فرد. ولا يصحّ أن يُقال لأبٍ بعينه: «ابنُك ترك لأنّك قسوت»، ولا لتاركٍ بعينه: «أبوك هو السبب».
وهنا شيئان يجب أن يُفصل بينهما:
الأوّلُ عمليّ، وهو الذي أستطيع أن أدّعيه: إن كان انتقالُ الدين في عيّنةٍ أمريكيّةٍ يرتبط بدفء الأب ارتباطًا قويًّا، فمن أراد أن يفهم قريبًا له فلينظر في هذا قبل أن يجمع له البراهين.
والثاني معرفيّ، أي يتعلّق بصحّة الاعتقاد نفسِه. وهو دعوى خصمي لا دعواي. وخلاصتُها: إن كان الاعتقادُ يتبع دفءَ الأب، فطريقُ التوريث لا يتتبّع الصدق. أي أنّه كان سينقل إليك الخطأَ كما ينقل الصواب، ولا يفرّق بينهما. وهذه الدعوى ليست «مغالطةَ التكوين». فمغالطةُ التكوين أن تحكم على فكرةٍ بالبطلان لأنّها نشأت من سببٍ غير عقليّ.
الحكاية: طالبٌ انتقل إلى مدينةٍ أخرى للدراسة. لا جرحَ عنده، ولا سؤالَ مقموع. في السنة الأولى صلّى وحدَه، وفي الثانية صار يؤخّر صلاتَه، وفي الثالثة لم يعد يفكّر في الأمر أصلًا، لا رفضًا بل انصرافًا. ثمّ عاد في إجازةٍ إلى بيت أهله، فوجد نفسه يصلّي في اليوم الأوّل بلا مقدّمات. فتنبّه إلى شيءٍ أزعجه: أنّ ميلَه يتبع الغرفةَ التي هو فيها.
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ ما نسمّيه «قناعة» كثيرًا ما يكون انتماءً. وهذا يصدق على الفريقين. فمن بقي على دينه لأنّ كلَّ من حوله عليه، لم ينظر هو أيضًا، وإنّما جرت به الغرفةُ كما جرت بصاحب الحكاية. وأصدقُ ما في حكاية الطالب أنّه رأى ذلك في نفسه، وأكثرُنا لا يراه.
*ومن نشأ في بيتٍ مسلم:* قابل الباحثُ سايمون كوتي نحو خمسةٍ وثلاثين تاركًا من خلفيّةٍ مسلمةٍ في بريطانيا وكندا. فظهر أنّ همَّهم الأكبر الكلفةُ الاجتماعيّة لا مضمونُ العقيدة: الأسرة، والفضيحة، والقطيعة، والخوف. وشائعٌ في عيّنته أن يعود التاركُ إلى إخفاء أمره بعد أن كشفه. ولا نسبةَ لذلك في المصدر، فلا أذكر رقمًا. وهؤلاء أقلّيّةٌ مهاجرةٌ في محيطٍ علمانيّ.
فأمّا المجتمعُ الذي أغلبُ أهله مسلمون، وهو الذي أكتب لأهله، فليس فيما بين يديّ من بحوثٍ بحثٌ واحدٌ يقيسه. والذي أقوله فيه إذن ترجيحٌ لا إلزام. ومستندُه أنّ الكلفةَ حيث تعظم يعظم أثرُها. فمن خاطب التاركَ في العقيدة وحدها، فقد خاطب نصفَ مشكلته على الأرجح، وبدا له غافلًا أو متغافلًا.
ويترجّح مع هذا شيءٌ لا يُقال كثيرًا، وهو ترجيحٌ لا إلزام. فكلفةُ الإعلان تُفسد العدَّ في الجهتين معًا: تُبقي على الصورة من لم يبقَ على الاعتقاد، وتمنع من إعلان الترك من استقرّ عنده. فالعددُ الظاهر ليس هو العددَ الواقع، لا في جهة البقاء ولا في جهة الترك. ومقدارُ ذلك مجهولٌ عندي، ولا أبني عليه حكمًا على أحدٍ بعينه. ولو وُجد بحثٌ يقيس هذا في مجتمعٍ أغلبُ أهله مسلمون، فجاءت نتيجتُه بخلاف ما أقول، لسقط ما قلت. ولا أعرف اليوم بحثًا كذلك.
الباب السادس: من لم يقع له شيء، ولم يجد ما يُوجب التصديق
وهذا البابُ من الخروج ليس أقلَّ شأنًا من الأبواب الخمسة، بل هو في منزلتها سواءً.
رجلٌ لم يقع له شيء. أبوه دافئٌ متديّن، ولم يُقمع له سؤال، وليس في تاريخه جرحٌ ولا فضيحة، ولم ينتقل من غرفةٍ إلى غرفة. قرأ في الثامنة عشرة كتابًا في أدلّة علماء الكلام، وهم الذين يستدلّون بالعقل على العقائد، فأعجبه. ثمّ قرأ نقدَها فوجد النقدَ أمتنَ ممّا كان يُقال له. ثمّ قرأ الجوابَ عن النقد فوجده يُصلح موضعًا ويترك موضعًا. وبقي سبعَ سنواتٍ يقرأ في الجهتين، ثمّ استقرّ عنده أنّه لا يجد ما يوجب التصديق. ليس عنده اعتراضٌ يهدم، ولا جدارٌ من الاعتراضات إذا هُدم سقط معه شيء. إنّما عنده غيابُ ما يُوجب التصديق.
وليس في هذه الحكاية حادثةٌ يُسأل عنها أصلًا، وهذا هو وجهُ الصعوبة. فالمقابلاتُ التي يُجريها الباحثون تسأل عن يومٍ بعينه وحادثةٍ تُروى، وهذا الشكلُ من الخروج لا يومَ له. ولن أضع في فمه جوابًا: فالحكايةُ من تركيبي، والشاهدُ لا يُركَّب.
*ما تُظهره الحكاية:* أنّ الأبوابَ الخمسةَ قبله لا تحيط بكلّ من ترك، وأنّ موقفًا كهذا لا يُفسَّر بشيءٍ وقع، لأنّه لم يقع فيه شيء.
*وما لا تُظهره:* أنّ الأبوابَ الخمسةَ قبله وهم. فهي أنماطٌ وردت في العيّنات، وهذا نمطٌ يرد فيها أيضًا. لكنّ ظهورَه فيها يقلّ لسببٍ في طريقة البحث، لا في الواقع. ولذلك لا أقول لك إنّه أقلّيّة. فأنا لا أعرف مقدارَه، وطريقةُ الرصد نفسُها تميل إلى إغفاله. فمن قال لك «أقلّيّة» فقد أعطاك ترتيبًا بالعدد من عيّنةٍ لا يُستخرج منها ترتيب.
حين يأتي العقلُ بعد القلب: الاستدلالُ المدفوع
والذي يجمع الأبوابَ الأربعةَ الأولى أنّ العقلَ كثيرًا ما يأتي بعد القلب، ليؤيّد ما استقرّ فيه. والبابان الخامسُ والسادسُ ليسا من هذا، ولكلٍّ منهما سببُه.
أمّا الخامس فطريقتُه أخرى. فليس فيه استدلالٌ أصلًا حتى يُدفَع إلى نتيجة، إنّما فيه انصرافٌ بلا قرار. فطالبُ الحكاية لم يستقرّ في قلبه شيءٌ ثمّ التمس له حجّة، بل خفّ الأمرُ عنده حتى خرج من دائرة ما يفكّر فيه. وذاك أخفى، ولا يُعالَج بما تُعالَج به الأبوابُ الأربعة. وأمّا السادس فليس فيه دافعٌ يوجّه أصلًا، وقد مرّ بيانُه. فمن جمع الأبوابَ كلَّها تحت اسمٍ واحد، خرج عن قاعدته ثلثُها. وقاعدةٌ كهذه صُنعت لأنّ اسمَها حسنُ الوقع.
وأوّلُ ما يجب أن يُفهم أنّ هذا ليس تهمة، ولا عيبًا خاصًّا بمن ترك دينه. إنّه وظيفةٌ من وظائف العقل، معروفةٌ مدروسة، لها في علم النفس اسم: «الاستدلالُ المدفوع»، أي أن تستدلّ وفي نفسك دافعٌ إلى نتيجةٍ بعينها.
فكيف يعمل؟ الصياغةُ المعتمدةُ عند علماء النفس تقول: الدافعُ لا يخترع النتيجةَ اختراعًا، بل يوجّه البحث. يوجّهه فيما نتذكّره، وفي طريقة استدلالنا، وفيما نقبله من شواهد، حتى نبني حجّةً تبدو لنا معقولة. أي أنّ صاحبَها يشعر أنّه يستدلّ، وهو صادقٌ في شعوره. ولهذا لا ينفع أن تقول لأحد: «أنت متحيّز»؛ فهو لا يجد في نفسه تحيّزًا، بل يجد استدلالًا.
ومثالُه سيّارةٌ مستعملةٌ معروضةٌ للبيع، وتقريرُ فحصها ورقةٌ واحدةٌ يقرؤها رجلان. الذي أحبّ السيّارةَ من أوّل نظرةٍ يقرأ سطرَ «المحرّك يحتاج متابعة» فيقول: متابعةٌ لا عطب. والذي جاء وفي نفسه أنّها غالية يقرأ السطرَ نفسَه فيقول: هذا بابُ مصاريف. لم يكذب أحدُهما، ولم يخترع أحدُهما سطرًا. الورقةُ واحدة، والذي اختلف هو ما وقفت عنده العين وما مرّت عليه.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ كلًّا من الرجلين يعرف مصلحتَه ويستطيع أن يسمّيها. أمّا الاستدلالُ المدفوع في المسائل الكبرى فأكثرُ أصحابه لا يعرفون أنّ لهم فيه مصلحةً أصلًا، وذاك أخفى وأصعب.
وقد يقول قائل: «هذا في سيّارة، وأنت تدّعي أنّ الشيءَ نفسَه يقع في الحجج؛ فأرني ذلك في حجّةٍ بعينها». وهو طلبٌ عادل، فخذ حجّةَ الضبط الدقيق، وهي أنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة:
- المؤمنُ يقرأ: «احتمالُ هذا ضئيلٌ جدًّا، فالتصميمُ أرجح». فتقف عينُه عند ضآلة الاحتمال، وتمرّ سريعًا على أنّك لكي تقول «الاحتمالُ ضئيل» تحتاج أن تعرف أوّلًا: ما القيمُ الأخرى التي كان يمكن أن تقع، وكم هي؟ ومن أين نعرف ذلك؟ وهذا نفسُه موضعُ خلافٍ ثقيل.
- والملحدُ يقرأ: «إن كانت الأكوانُ كثيرةً فلا عجبَ أن يوافق أحدُها الحياة». وهذا فرضُ الأكوان المتعدّدة: أنّ كونَنا واحدٌ من أكوانٍ كثيرةٍ تختلف ثوابتُها. فتقف عينُه عند هذا الحلّ، وتمرّ سريعًا على أنّ هذه الأكوانَ لم يرصدها أحد. وتمرّ كذلك على أنّه بافتراضها يحمل «عبءَ الإثبات»، أي أنّ من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. وهذا عبءٌ يشبه العبءَ الذي يطالب به خصمَه.
والذي جرى في الجهتين واحد: لم يخترع أحدُهما مقدّمة، ولم يكذب أحدُهما. كلٌّ منهما وقف حيث يريحه، ومرّ سريعًا حيث يُتعبه. وهذا الوصفُ يصدق على المؤمن والملحد معًا. وهو أقوى ما يُقال في الاستدلال المدفوع، ولكنّه لا يصلح سلاحًا لفريقٍ على فريق.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّي أنا الذي اخترتُ ما يقف عنده كلُّ واحدٍ منهما، وأنا طرفٌ في المسألة. فلا تأخذه منّي: خذ أقوى حجّةٍ عندك، واكتب في سطرين ما تمرّ عليه سريعًا حين تقرؤها، ثمّ اعرضه على من يخالفك واسأله: أهذا هو؟
وثلاثُ نتائجَ تقلب ما نظنّه:
الأولى: الخبرةُ تزيد وسائلَ الدفاع. عرض الباحثان تابر ولودج على المفحوصين حججًا متوازنةً من الجهتين في مسائلَ سياسيّة، وقاسا عندهم ثلاثةَ آثار. أن يرى المرءُ الحجّةَ أقوى إذا وافقت رأيَه السابق. وأن يتشكّك في حجّة المخالف أشدَّ ممّا يتشكّك في حجّته. وأن يبحث عمّا يؤيّده قبل أن يبحث عمّا يخالفه. وكان من نتائجهم أنّ الأعلمَ بالمسألة خرج أشدَّ استقطابًا، أي أشدَّ تمسّكًا بطرفه وأبعدَ عن الطرف الآخر.
ومثالُه محامٍ كلّما ازداد علمًا بالقانون ازدادت قدرتُه على الدفاع عن موكّله؛ ولا يجعله علمُه أميلَ إلى أن يقول لموكّله: «أنت مخطئ».
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ المحامي مأمورٌ بالانحياز، يعرف موكّلَه ويعلن مصلحتَه؛ وصاحبُ المسألة الكبرى لا يعرف أنّ له موكّلًا أصلًا. فالمثالُ يُريك كيف يعمل الشيء، ويُخفي أخفى ما فيه.
*وحدُّ النتيجة نفسِها:* أنّ ميدانَها سياسيٌّ لا دينيّ، والمفحوصون طلبةٌ جامعيّون، والسنةُ ٢٠٠٦. والمسألتان فيها حقُّ حمل السلاح، والتمييزُ الإيجابيّ، وهو تفضيلُ فئاتٍ عانت الظلمَ في القبول والتوظيف. ونقلُها إلى الدين قياسٌ لا نقل. فأنا أسوقها احتمالًا، لا نتيجةً.
الثانية: المهارةُ نفسُها تُجنَّد. في تجربةٍ للباحث دان كاهان وزملائه، أُعطي الناسُ جدولَ أرقامٍ وطُلب منهم أن يستخرجوا نتيجتَه. فحين وافقت النتيجةُ الصحيحةُ هويّتَهم، أي ما ينتمون إليه من رأيٍ سياسيّ، أصاب الأقوى في الحساب أكثرَ من الأضعف. وحين خالفتها ذهب تفوّقُهم، فلم يفضُلوا الأضعفَ فضلًا يُعتدّ به، وقلّما أصاب هؤلاء أو أولئك. فكلّما زادت المهارةُ اتّسع الاستقطاب. فالقدرةُ لم تتعطّل، بل عملت في الاتّجاه المطلوب.
*وحدُّ النتيجة نفسِها:* أنّ ميدانَها سياسيٌّ لا دينيّ، والمسألةُ فيها حملُ السلاح. ولم تمرّ هذه الدراسةُ بإعادةٍ واسعةٍ في حدود علمي. فدرجتُها في الثبوت كدرجة سابقتها، وهي أدنى من درجة دراسة وود وبورتر التي يأتي ذكرُها. ونقلُها إلى الدين قياسٌ لا نقل. فأنا أسوقها احتمالًا، لا نتيجةً.
الثالثة: الحكمُ أوّلًا، والتبريرُ بعده. في الأحكام الأخلاقيّة خاصّةً يقع الحكمُ في النفس سريعًا بلا تفكير، ثمّ يُصنع له تعليل. ومثالُه أن تذوق طعامًا في بيت أحدهم فتنقبض نفسُك في لحظة، ثمّ تمضي الدقائقُ وأنت تبحث عمّا تقوله: «مالحٌ قليلًا». فالانقباضُ سبق العبارة، ولم يخرج منها.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ الطعامَ حكمُ ذوقٍ لا حكمٌ بالصدق والكذب، ولا أحدَ يدّعي في الملح برهانًا. ودعوى عالم النفس جوناثان هايت نفسُها خاصّةٌ بالأحكام الأخلاقيّة، لا بكلّ اعتقاد. وهو يستثني منها التحاورَ مع الغير والتفكيرَ المتأنّي. فمن عمّمها على مسائل الوجود زاد على هايت ما لم يقله، وأنا لا أزيده.
وقد يعترض معترضٌ هنا: «أنت تردّ ‹أثرَ الارتداد› لأنّه لا يخدمك، ثمّ تسوق نتائجَ تابر ولودج وكاهان كأنّها حقائقُ مستقرّة، وهي من البحوث نفسِها ومن زمنها». وأثرُ الارتداد دعوى تقول إنّ تصحيحَ الخطأ قد يزيد صاحبَه تمسّكًا به. والاعتراضُ صحيحٌ في ظاهره. وجوابُه أنّ هذه النتائجَ ليست في درجةٍ واحدةٍ من الثبوت. فأثرُ الارتداد أُعيد اختبارُه على نطاقٍ واسعٍ في دراسة وود وبورتر، فلم يظهر في موضعٍ واحدٍ منها، وإعادةُ التجربة أعلى ما يُطلب في هذا الباب. ونتيجتا تابر ولودج وكاهان لم تمرّا بمثل هذا الاختبار في حدود علمي، فهما أدنى درجةً منه. ومن أراد أن يزنني بميزاني فليفعل: إن ظهر غدًا أنّ هاتين النتيجتين لا تتكرّران إذا أُعيدت تجربتُهما، فلا يُعتمد عليهما، كما لا يُعتمد اليومَ على أثر الارتداد. ولا يتغيّر بذلك شيءٌ في الأبواب الستّة، لأنّها ليست مبنيّةً عليهما.
وهناك نتيجةٌ رابعة، وهي التي تجعل الأسئلةَ أنفعَ من إعلان النتائج. فالأرجحُ أنّ أخصَّ ما يعمل فيه العقلُ التبريرُ والإقناعُ بين اثنين. ولذلك يعمل وهو يحاور غيرَه أحسنَ ممّا يعمل وحدَه. ولاحظ أنّ العالِمَين اللذين قالا بهذا يريان الاستدلالَ الجماعيّ أنجحَ من الفرديّ لا أفشل. فليس في قولهما دعوةٌ إلى ترك الاستدلال، بل بيانٌ للحال التي يعمل فيها أحسنَ عمله.
والقراءةُ وحدَها أضعفُ الحالين، لأنّ القارئَ لا يجد من يحاوره. فاقرأ ومعك من تحاوره فيما تقرأ إن استطعت.
والمؤمنُ يستدلّ مدفوعًا كما يستدلّ التارك — وكاتبُ هذا الكتاب منهم
ويسقط كثيرٌ ممّن كتب في هذا الباب في خطأٍ واحد: يشرح الاستدلالَ المدفوع، ثمّ يشهره سلاحًا في وجه مخالفه وحدَه. وهذا أوّلُ نقضٍ للقاعدة. فالقاعدةُ إن صحّت فهي في الناس جميعًا، لا في فريقٍ منهم.
فالمؤمنُ يستدلّ مدفوعًا في إيمانه، كما يستدلّ التاركُ مدفوعًا في تركه. من قرأ نقدًا لدينه فتّش عن العيب فيه قبل أن يُتمّ نصفَه؛ ومن قرأ ردًّا على شكّه فعل الشيءَ نفسَه حرفًا بحرف. وكاتبُ هذا الكتاب واقعٌ فيه أيضًا. فمن جلس ليردّ لا يقرأ الاعتراضَ قراءةً محايدةً أبدًا. وأنا حين أختار الصيغةَ التي أعرض بها الاعتراضَ عليك، أختارها تحت ضغطٍ لا أراه كلَّه. والاعترافُ وحدَه لا يُصلح الميزان. الذي يُصلحه أن أزن فعلًا.
والعلاجُ عملٌ لا موعظة. فالموعظةُ هنا لا تُغني شيئًا، والذي يُغني اختبارٌ تُجريه بيدك. اكتب موقفَ مخالفك بأقوى صيغةٍ تستطيعها، ثمّ اعرضها على من يعتنقه فعلًا، واسأله: أهذا موقفُك؟ فإن قال: «ما كنتُ لأُحسنَ صياغتَه خيرًا من هذا» فقد نجحت. وإن قال: «ليس هذا ما أقول» فأنت تجادل دميةً صنعتَها بيدك، وكلُّ انتصارٍ عليها انتصارٌ على نفسك.
جرّبه الآن، أيًّا كنتَ. إن كنتَ شاكًّا فاكتب في ثلاثة أسطرٍ أقوى ما عند المؤمن. وإن كنتَ مؤمنًا فاكتب في ثلاثة أسطرٍ أقوى ما عند الملحد. ثمّ انظر: أكتبتَ موقفًا، أم كتبتَ صورةً مشوّهةً يسهل عليك هدمُها؟
ثمانيةُ أشياءَ لا تلزم ممّا سبق — وهي أهمُّ ممّا يلزم
قد يُستنتج ممّا سبق ثمانيةُ أشياءَ خاطئة، وكلُّ واحدٍ منها ظلمٌ لأحدٍ إن تُرك بلا بيان.
١. لا يلزم أنّ حجّةَ التارك باطلةٌ لأنّها جاءت بعد جرحه. فالانتقالُ من «كيف نشأ الاعتقاد» إلى «إذن هو باطل» مغالطةٌ لها اسم: مغالطةُ التكوين. والطرفان يقعان فيها: هذا يقول «الدينُ نشأ من جهازٍ في الدماغ، إذن هو وهم»، وذاك يقول «إلحادُك نشأ من جرحك، إذن هو باطل».
ومثالُها رجلٌ اشترى ميزانًا لأنّه يتّهم البقّالَ بالغشّ. دافعُه واضحٌ ومعلن. ثمّ وضع السلعةَ على الميزان فقرأ ٩٠٠ غرام لا كيلو. أيُبطل دافعُه ما قرأه على الشاشة؟ تُقرأ الشاشة، ويُترك الدافع. فالحجّةُ تُناقَش بذاتها، ولا يُردّ عليها بسيرة صاحبها.
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ الميزانَ جهازٌ مستقلٌّ عن حامله، يقرأ وإن كره صاحبُه. ومعنا فيه شاشةٌ خارجَ الرأس نقرؤها ونشير إليها. أمّا الحجّةُ فتُقرأ بالعقل الذي هو نفسُه موضعُ الدافع. فليس عندنا في المسائل الكبرى شاشةٌ ثالثة. وهذا يُضعف المثالَ ولا يُبطله. فيبقى صحيحًا أنّ الدافعَ لا يُبطل النتيجة، ولا يبقى صحيحًا أنّ قراءتَها سهلةٌ كقراءة شاشة.
٢. ولا يلزم أنّ كلَّ حجّةٍ تنظر في أصل الاعتقاد مغالطةُ تكوين. وهذا اعتراضٌ قويّ. يقول صاحبُه: «أنت سمّيتَ الحجّةَ مغالطةً ومضيت. والحجّةُ التي نسوقها ليست ‹نشأ كذا، إذن هو باطل›». ثمّ يسوقها كما يلي.
وتدور هذه الحجّةُ على كلمةٍ واحدة: «المسوِّغ»، وهو السببُ الذي يجعل تصديقَك بشيءٍ تصديقًا معقولًا. والاعتراضُ لا يقول لك: كلامُك كاذب؛ بل يقول: لم يبقَ عندك سببٌ يجعلك تصدّقه. والفرقُ بينهما كالفرق بين أن يُقال لك: «ساعتُك تكذب»، وأن يُقال: «ساعتُك تتوقّف أحيانًا، فلا تعتمد عليها». فالأولى حكمٌ على الوقت الذي تعرضه، والثانية حكمٌ على ثقتك بها. والاعتراضُ من «نظريّة المعرفة»، وهي البابُ من الفلسفة الذي يسأل: متى يكون تصديقُنا بشيءٍ معقولًا؟
«إن كان الجهازُ الذي أنتج عندك هذا الاعتقاد يُنتجه سواءٌ صدق أم كذب، فقد سقط مسوّغُك له. ولم أقل إنّ مضمونَه كاذب؛ قلتُ إنّك لم تعد تملك ما يجعل تصديقَك به معقولًا. وهذا في نظريّة المعرفة نقضٌ للمسوِّغ لا ردٌّ للنتيجة، وله اسمٌ وبحوث. وأشدُّ شاهدٍ عليه سُقتَه أنت: إن كان انتقالُ الدين يرتبط بدفء الأب، فطريقُ التوريث لا يتتبّع الصدق.»
وهذا اعتراضٌ صحيحٌ في بنائه، ولا يُجاب عنه بأن يُسمّى مغالطة. وجوابي عنه شطران:
- ما أُسلّمه: أنّ الفرقَ حقيقيّ، وأنّ مثالَ ميزان البقّال لا يردّه. وأنّ من عرف أنّ طريقَ توريثه لا يتتبّع الصدق لزمه أن يعيد النظر في مسوّغه. وأنا ألزم نفسي بهذا: من كان دينُه وراثةً محضةً فليس عنده مسوّغٌ جاءه من النظر، وإنّما عنده أثرُ الغرفة التي نشأ فيها. وهذه دعواي نفسُها في حكاية الطالب، أُطبّقها على نفسي.
- وما لا أُسلّمه: أنّ هذا النقضَ يعمّ كلَّ أحد. فالطريقُ الذي وصل به الاعتقادُ إليك ليس دائمًا هو الطريقَ الذي تقوّمه به. من تعلّم جدولَ الضرب من أبيه، ثمّ راجعه بنفسه فوجده صحيحًا، لم يعد مسوّغُه أنّ أباه علّمه. فالنقضُ يُصيب من لم ينظر، ويسقط عمّن نظر بطريقٍ آخر. وهذا موضعُ النزاع الحقيقيّ: أعندنا في هذه المسائل طريقٌ آخرُ نقوّم به ما ورثناه، أم لا؟ وهذا سؤالٌ لم أحسمه. وفصولُ الأدلّة كلُّها محاولةٌ للجواب عنه، ولا أعدك بأنّها تنجح.
فأين تقف أنت؟ الذي يترجّح أنّ هذا الاعتراضَ يصيب من ورث ولم ينظر، في أيّ جهةٍ كان، ولا يصيب من راجع ما ورثه. والذي أستطيع أن أعطيك إيّاه الآن: أنّ من راجع ما ورثه بطريقٍ غيرِ الطريق الذي ورثه به فقد صنع شيئًا. وهذا وحدَه يفرّق بينه وبين من لم ينظر، صحّت نتيجتُه أو لم تصحّ. وذاك أقلُّ ما أطلبه منك. ويبقى مفتوحًا سؤالٌ واحد: أيملك العقلُ في هذه المسائل طريقًا كهذا؟ وهو ما تحاوله فصولُ الأدلّة.
٣. ولا يلزم أنّ كلَّ تاركٍ مجروح. فالطريقُ الفكريُّ الخالص موجودٌ وحقيقيّ: من قرأ فبحث فترك، بلا جرحٍ ولا نفورٍ أخلاقيٍّ ولا انفصالٍ عن جماعته سبق ذلك. وقد مرّ بابُه وحكايتُه. ولا أقول لك إنّه أقلّيّة. فكلمةُ «أقلّيّة» ترتيبٌ بالعدد يعني «دون النصف». والعيّنةُ المتطوّعةُ غيرُ التمثيليّة لا تُستخرج منها نسبةٌ ولا ترتيب. وغايةُ ما يُقال: إنّ هذا النمطَ يرد في العيّنات. وطرقُ الرصد أضعفُ في التقاطه، لأنّه ليس فيه حادثةٌ تُروى.
٤. ولا يلزم أنّ أكثرَ التاركين ملحدون. ومن غفل عن هذا فخاطب تاركًا على أنّه ملحدٌ وهو ليس به، فقد خاطب غيرَه، ولم يصل جوابُه إلى صاحبه. فالبحثُ يُخرج أنماطًا من الطرق لا سببًا واحدًا. وفي دراسةٍ منها ستّةُ طرقٍ للخروج، ولا أقول أيُّها أشهر، فذاك ترتيبٌ لا أملكه فلا أدّعيه:
- خروجٌ إلى العلمانيّة، وهو غيرُ الإلحاد.
- وخروجٌ بتبديل الملّة إلى ملّةٍ أخرى.
- وخروجٌ إلى جماعةٍ أخرى أشدَّ توتّرًا مع محيطها. وليس معناه أنّ صاحبَه خرج معترضًا على الدين، بل أنّه انتقل إلى منظومةٍ دينيّةٍ جديدةٍ كاملة.
- وخروجٌ يسمّيه الباحثون «الخروجَ المندمج».
- وخروجٌ يُبقي فيه صاحبُه الإيمانَ في نفسه ويترك الجماعة.
- وخروجٌ يسمّيه الباحثون «خروجَ المنفرد بالرأي»: أن ينفرد المرءُ برأيٍ في دينه يخالف به جماعتَه. وهو وصفُ مسارٍ في دراسةٍ غربيّة لا حكمٌ شرعيّ؛ فللبدعة في الشرع حدٌّ غيرُ هذا، وليس كلُّ من خالف جماعتَه مبتدعًا.
وخذ امرأةً قطعت صلتَها بالوسط الذي نشأت فيه، وما زالت تصلّي في بيتها. هذه المرأةُ ليست ملحدة. ومن عاملها معاملةَ الملحدة دفعها إلى صفٍّ لم تختره، فصنع بيده التصنيفَ الذي كان يحذّر منه.
٥. ولا يلزم أنّ العلمَ أو الجامعةَ هي التي تأخذ الأبناءَ من دينهم. فمقولةُ «العلمُ يأخذهم» ضعيفةُ السند في البحوث التجريبيّة. بل وُجد في عيّنةٍ أمريكيّةٍ أنّ من لم يلتحق بالتعليم الجامعيّ كان أميلَ إلى التراجع الدينيّ في مرحلة الشباب. وبناءُ كتابٍ على عداوة العلم خسارةٌ بلا داعٍ.
*وحدُّ هذه النتيجة:* أنّها عيّنةٌ أمريكيّةٌ في حقبةٍ بعينها، وغايةُ الدراسة أنّها تُضعف المقولة، لا أنّها تقلبها.
٦. ولا يلزم أنّ الحجّةَ لا تنفع، فيُترك الاستدلال. اشتهر منذ سنة ٢٠١٠ أنّ تصحيحَ الخطأ قد يزيد صاحبَه تمسّكًا به، وسُمّي هذا «أثرَ الارتداد». ثمّ أُعيد اختبارُه على نطاقٍ واسعٍ في دراسة وود وبورتر، فلم يظهر فيها هذا الأثرُ في موضعٍ واحد. ولا تقول الدراسةُ إنّه مستحيل، بل إنّ دليلَه أضعفُ ممّا كان يُظنّ. والأصحّ أنّ التصحيحَ لا يزيد الخطأَ رسوخًا، وأنّ الناسَ يقبلون المعلومةَ الصحيحة حين تُعرض عليهم. وهذا كلُّ ما ثبت في هذه الدراسة التي أنقل عنها. أمّا أنّ التصحيحَ يغيّر المواقفَ تغييرًا يدوم، أو أنّ أثرَه يزول مع الوقت، أو أنّه لا يمتدّ إلى السلوك والانتماء، فتلك دعاوى أخرى لم تُثبتها هذه الدراسة، ولا أُسندها إليها. وفي البحوث ما يدرسها، ولم أتحقّق منه تحقّقًا يُرضيني، فلا أنقله. والذي يلزم من الثابت وحدَه: أنّ الاستدلالَ ليس ضارًّا. وهي نتيجةٌ متواضعة، لكنّها صادقة.
٧. وليست «متلازمةُ الصدمة الدينيّة» تشخيصًا طبّيًّا. وهي اسمٌ يُطلق على آثارٍ نفسيّةٍ يجدها بعضُ من ترك دينه، والمصطلحُ متداولٌ ونافعٌ في وصف الأثر، لا في الحكم على سببه: فتسميةُ الأثر لا تُثبت ما أحدثه. وقد صاغته مارلين وينِل سنة ٢٠١١، في سلسلة مقالاتٍ نشرتها في دوريّةٍ مهنيّة. ولم تصغه في كتابها الذي أصدرته سنة ١٩٩٣ دليلًا لمن خرجوا من الأصوليّة المسيحيّة ولغيرهم ممّن تركوا دينهم. وبين التاريخين ثمانيةَ عشرَ عامًا من العمل العلاجيّ مع تاركين بأعيانهم، بلا إطارٍ جاهز. وهو ليس في الدليل التشخيصيّ الأمريكيّ للاضطرابات النفسيّة، ولا في التصنيف الدوليّ للأمراض. ووسائلُ قياس الآثار التي يصفها ما زالت في أوّلها. وإخفاءُ هذا يُسقط الدعوى عند أوّل من يتحقّق منها.
٨. وأقوى ما يُعترض به على ما مضى كلِّه:
«دعواك لا تقبل التكذيب. إن قال التاركُ: ‹سببي فكريّ›، قلتَ: هذا هو الاستدلالُ المدفوع، وهو صادقٌ في شعوره. وإن قال: ‹سببي جرح›، فقد صدّقتَ نفسَك. فأيُّ شهادةٍ يستطيع أن يُدلي بها تُخرجك من دعواك؟ وما لا يقبل التكذيب لا يُخبر عن الواقع بشيء. وهو ميزانُ الحرارة العالقُ الذي ضربتَه أنت مثلًا في الفصل الأوّل.»
وصورتُه من الحياة: صديقٌ يقول لك: «أنت لا تحبّ هذا الفريقَ حقًّا، أنت تجامل أباك». فإن أنكرتَ قال: هذا ما يقوله المجامل. وإن سكتَّ قال: رأيت؟ فأيُّ شيءٍ تقوله يُخرجك من كلامه؟ وكلامٌ لا مخرجَ منه لا يُخبر عن شيء.
ومعنى أن تكون الدعوى «قابلةً للتكذيب»: أنّها لو كانت خاطئةً لأمكن أن يظهر ما يدلّ على خطئها. وهذا الاعتراضُ صحيحٌ ما لم أذكر ما يمكن أن يُظهر خطأ دعواي. وهذه ثلاثةُ طرقٍ تُختبر بها: طريقان يمكن أن يُكذّبا الدعوى، وثالثٌ لا يُكذّبها ولا يُصدّقها:
- الأوّل: تُكذَّب الدعوى إن وُجد أنّ سوابقَ الجرح والقمع والانفصال في ماضي التاركين ليست أكثرَ منها في ماضي الباقين. وهذا قياسٌ يقارن الفريقين معًا بطريقةٍ واحدة، ولم يُجرَ في مجتمعاتنا.
- والثاني: تُكذَّب إن وُجدت عيّنةٌ تُجمع بطريقةٍ لا تعتمد على من يتطوّع بالحكاية. فالاعتمادُ على الرواية المتطوَّعة هو بعينه ما يُخفي البابَ السادس.
- والثالث، وهو الذي أضعه في يدك أنت: أنا أقبل شهادتك على نفسك ولا أنازعك فيها، ولن أقول لك: «هو موجودٌ وأنت لا تراه». غير أنّي لا أعدّ هذا تكذيبًا للدعوى ولا تصديقًا لها. فقد قلتُ إنّ السؤالَ أداةٌ خشنة. ومن قال ذلك لم يجز له أن يجعل سكوتَ الرواية شهادةً حين توافقه، ثمّ يردّها حين تخالفه.
فالتكذيبُ يقع بالطريقين الأوّلين وحدهما، وكلاهما لم يُجرَ في مجتمعاتنا. فالدعوى قابلةٌ للتكذيب من حيث المبدأ، ولم تُختبر بعد. وهذا أقصى ما أملكه. ومن قرأها على أنّها مقرَّرةٌ فقد أخذ منّي أكثرَ ممّا أعطيت.
فأين تقف أنت؟ خذ الأبوابَ الستّةَ على أنّها احتمالاتٌ تجرّبها على نفسك وعلى من تعرف، لا وصفًا مقرَّرًا لك. فإن وجدتَ نفسك في واحدٍ منها فذاك بابُك، وإن لم تجدها في واحدٍ منها فذاك جوابُك.
ولماذا يبقى الناسُ على دينهم فعلًا؟
والقاعدةُ التي تصدق على من ترك تصدق على من بقي كذلك. وفي هذه الجهة ثلاثُ حكاياتٍ مركّبة، ولها شرطُ الحكايات السابقة نفسُه.
الأولى: رجلٌ في الخمسين لم يخطر له سؤالٌ في وجود الله قطّ. أبوه على الدين، وأولادُه، وجيرانُه، وزملاءُ عمله. ولو سألتَه عن دليله لساق لك ما سمعه في خطبة. ولو نشأ في بيتٍ آخرَ في مدينةٍ أخرى لكان اليومَ على غير ما هو عليه. وهو لا يعلم ذلك عن نفسه. وهذا ليس حكمًا على دينه بالبطلان، بل حكمٌ بأنّ مسوّغَه غائب. وهو الفرقُ الذي مرّ قبل قليل: بين نقض المسوّغ وردّ النتيجة. ولو طبّقتُ عليه ما طبّقتُه على الطالب في الباب الخامس لقلت: جرت به الغرفةُ كما جرت بصاحبه. وهذا ما أقوله.
والثانية: امرأةٌ يعود إليها السؤالُ فعلًا، ولا تنظر فيه. وليس ذلك منها كسلًا: فهي تعرف أنّ النظرَ إن انتهى بها إلى شيءٍ فسيكلّفها زوجَها وأولادَها وموضعَها بين أهلها. فالكلفةُ تعمل في جهة البقاء كما تعمل في جهة الترك. وأحسبُها في جهة البقاء عندنا أثقل. وهذا ترجيحٌ لا قياس، فليس فيما بين يديّ من بحوثٍ ما يزن الجهتين.
ومن قال: «أهلُ الإيمان عندنا نظروا فاطمأنّوا» فقد أهمل أمرين: أنّ كلفةَ السؤال — فيما أحسب — تصرف كثيرين عن النظر، وأنّ الاطمئنانَ الذي لم يُختبر ليس اطمئنانَ نظر. وهذه كلفةٌ في أحوال الناس، لا مَنعٌ في الشرع؛ فالنظرُ في القرآن مأمورٌ به لا محظور.
والثالثة: شابٌّ قرأ في الشبهات ثمّ رجع، ويقول: «قرأتُ وردَدت». وهو صادق. لكنّه قرأ الشبهةَ في كتابٍ يردّ عليها لا في كتاب صاحبها، فقرأها بصياغة خصمها. وهذا هو «رجلُ القشّ» الذي مرّ ذكرُه. ويقع فيه القارئُ حين يُقدَّم له الخصمُ مهزومًا سلفًا، ولا ذنبَ له فيه. فمن أراد أن يعرف موقفَه من شبهةٍ فليقرأها عند أصحابها أوّلًا.
وهذه الثلاثُ لا تحيط بمن بقي، كما لم تُحِط الأبوابُ الخمسةُ بمن ترك. فمن الباقين رجلٌ نظر: لا كلفةَ منعته، ولم يقف عند ما سمعه في خطبة، ويقرأ الاعتراضَ عند صاحبه لا عند خصمه. مكث سنين في أدلّة علماء الكلام ونقدِها والجوابِ عن النقد، فاستقرّ عنده أنّها تقوم. ويعرف أنّ سقوطَ صياغةٍ منها لا يُسقط مدلولَها، فعنده جملةُ أدلّةٍ لا دليلٌ واحد؛ ويعرف مع ذلك ما الذي يحمله لو سقطت جميعًا، فيسمّيه. وهي حكايةٌ مركّبةٌ كأخواتها، لا يُبنى عليها حكمٌ على صنف. وإنّما أذكرها لأنّ الطريقَ الذي لا عيبَ فيه ليس وقفًا على جهةٍ واحدة.
وأمّا أنا فأقول عن نفسي: لا أعلم كم من إيماني نظرٌ وكم منه غرفة. أعرف أنّي وُلدتُ في هذه الغرفة، وأعرف أنّي نظرتُ بعد ذلك نظرًا طويلًا، ولا أملك أن أفصل الأثرين في نفسي فصلًا نظيفًا. ومن ادّعى ذلك في نفسه فقد ادّعى أكثرَ ممّا يملك أحد.
حين يعود السؤالُ بعد كلّ جواب: أشكٌّ هو أم قلق؟
ومن الناس صنفٌ قلّ أن يخاطبه أحد.
وقد يعود سؤالُك بعد كلّ جواب: يُريحك الجوابُ ساعةً، ثمّ يرجع السؤالُ بصيغةٍ أدقّ ويأخذ ساعاتٍ من يومك، وأنت تصلّي وتصوم ولا تُخفي شيئًا. فهذا قد يكون قلقًا لا شكًّا في المعرفة. والعلامةُ التي أستطيع أن أصفها: أنّ الطمأنةَ تُريح ساعة، ثمّ يعود السؤالُ بصيغةٍ أدقّ. ولستُ أنقل هذا عن مقياسٍ علميٍّ مستقرّ، ولا عن دراسةٍ أُحيلك عليها؛ فهو وصفٌ من التجربة، لا حكمٌ من مقياس. ولا أقول إنّ كلَّ جوابٍ يُعطى لك يغذّي هذه الدائرة. فلو قلتُ ذلك لصنعتُ دعوى لا تخرج منها بأيّ شهادةٍ تُدلي بها، وتلك حالُ ميزان الحرارة العالق بعينها.
فإن كان كذلك فهو قلقٌ يُعالَج، لا شبهةٌ تُردّ. وهو لا يُنقص من دينك ولا من عقلك شيئًا. وههنا بابان لا يُخلط أحدُهما بالآخر. فمن عاد عليه الخاطرُ في أصل الخلق حتى يبلغ السؤالَ عن الله نفسِه، فقد سمّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك وسوسةً وأمره أن يستعيذ بالله وأن ينتهي فلا يسترسل معه؛ والحديثُ في الصحيحين من حديث أبي هريرة. فذاك إعراضٌ مأمورٌ به في موضعه. وأمّا أن تُساق كلمةُ «وسواس» لخنق سؤالٍ معرفيٍّ يستحقّ جوابًا فتلك وحدَها التي أُحذّر منها، وهي تُستعمل كثيرًا لإغلاق باب السؤال بلا جواب. ولا يمنع الإعراضُ المأمورُ به التوجيهَ إلى مختصٍّ يملك من وسائل العلاج ما لا يملكه كتاب. والذهابُ إلى مختصٍّ أنفعُ لصاحب هذا الحال من أن يبقى مع كتاب، ومعه من أهل العلم من يحرّر المسألةَ إن كان تحتها شبهةٌ تُردّ.
*وحدُّ هذا الكلام:* أنّ الحدَّ بين هذا القلق وبين الشكّ في المعرفة ليس حادًّا، وأنّ من الناس من يجمع الأمرين. ولستُ أملك أن أُشخّص أحدًا من صفحة، وليس في هذه العلامات ما يقوم مقامَ المختصّ. فمن قرأ هذه العلامات فوجد فيها نفسَه فليعرضها على من يملك وسيلةَ الحكم. ومن قرأها فلم يجد نفسَه فيها فليمضِ، ولا يُلبس نفسَه ثوبًا ليس له.
سؤالان توجّههما إلى نفسك الآن
الأوّل، في تحرير موقفك: أموقفي «عندي اعتراضٌ يهدم»، أم «لا أجد ما يوجب التصديق»؟
فإن كان الأوّل، فسل نفسك: لو أُجيب عن اعتراضي جوابًا تامًّا، أيتغيّر عندي شيء؟ فإن كان الجوابُ «نعم» فأنت في مسألةٍ فكريّةٍ فعلًا، وهذا الكتابُ لك، فأكمل. وإن كان الجوابُ «لا، وأعرف لماذا» فانظر في الشطر الثاني.
وإن كان الثاني، فلا نقصَ في عقلك ولا في صدقك، ولا أحمل خبرَك عن نفسك على تفسيرٍ نفسيّ. وهذا وصفٌ لحالك كما أخبرتَ عنها، لا حكمٌ لك ولا عليك؛ والحكمُ بالدليل. فسؤالُك ليس: «أيُهدم اعتراضي؟»، بل: ما الذي أعدّه موجِبًا للتصديق أصلًا؟ وهو أنفعُ سؤالٍ تسأله، لأنّه يُظهر لك ما تطلبه قبل أن يُعرض عليك شيء. وفصولُ الأدلّة مكتوبةٌ لهذا الصنف بعينه، ولا أعدك بأنّها تكفي.
ولا يصلح لصاحب هذا الموقف أن يُسأل: «لو أُجيب عن أقوى اعتراضاتك جوابًا تامًّا، أكنتَ تعود؟» فليس عنده جدارٌ من الاعتراضات يُهدم. إنّما عنده غيابُ ما يوجب التصديق، والغيابُ لا يُجاب عنه «جوابًا تامًّا». والفيلسوفُ غراهام أوبي، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد، يقرّر هو نفسُه أنّ الحججَ لا تنجح في الاتّجاهين، أي لا تُلزم حجّةٌ من أيّ الفريقين كلَّ عاقلٍ بنتيجتها. فمن كان هذا موقفَه فذلك السؤالُ لا ينطبق عليه أصلًا. وفي ذلك السؤال فخٌّ آخر إذا وُجّه إلى كلّ أحد. فمن أجاب «لا» وضعه السائلُ فورًا في خانة من ليست الحجّةُ هي الجدارَ الذي يحمل موقفَه. ولا مخرجَ له من هذه الخانة إلا أن يدّعي جدارًا لا يملكه.
والثاني، وهو للمؤمن، فلا تتخطَّه: لو ثبت عندك غدًا أنّ أقوى برهانٍ تعتمد عليه ساقطٌ عند أهل النظر، أكنتَ تترك دينك؟
فإن قلتَ «لا»، فذلك البرهانُ ليس هو ما يحملك. وقد يكون الذي يحملك أصدقَ منه وأعمق. لكنّ من الأمانة أن تعرف اسمه. وهذا السؤالُ عليّ أنا قبل أن يكون عليك، وجوابي عنه في آخر الكتاب.
من أين تبدأ الآن؟
من بدأ بألمٍ فليبدأ بالألم، ولا يُنفق سنةً في براهينَ لن يتحرّك عندها فيه شيء. وليس ذلك لضعفها، بل لأنّه يعالج في الموضع الخطأ. وبابُ الألم في هذا الكتاب مكتوبٌ له وحدَه.
ومن بدأ بحجّةٍ، أو بغياب حجّة، فليُكمل الكتاب، وليقرأ على ترتيب سؤاله.
ومن كان يقرأ ليفهم قريبًا له، فلا يبدأ معه بدليل. بل يبدأ بسؤالٍ واحد: «متى بدأتَ تشكّ؟»، لا «ما دليلك؟». فالأوّلُ يفتح الحديث. ولستُ أزعم أنّ الثاني يُغلقه. وإنّما أقول إنّه يبدأ من حيث لم يبدأ صاحبُك. والشاهدُ الذي أملكه يشهد بنفع السؤال الأوّل، ولا يشهد بضرر الثاني.
وأقربُ ما وجدتُه شاهدًا على هذا تجربةٌ ميدانيّةٌ في مسألةٍ اجتماعيّةٍ لا دينيّة. وهي محادثةٌ قصيرةٌ على أبواب البيوت، يُطلب فيها من المحاوَر أن يستحضر تجربةً خاصّةً به تشبه حالَ الآخر. فخفّضت تحيّزَه خفضًا استمرّ ثلاثةَ أشهر.
*وحدُّ هذه التجربة:* أنّها في التحيّز الاجتماعيّ لا في الاعتقاد. ولم تختبر أصلًا طريقةً تُغرق المحاوَرَ بالمعلومات حتى يُقال إنّ المعلومات لا تنفع. وإنّما قارنت هذا النوعَ من المحادثة بمحادثةٍ في موضوعٍ آخرَ لا صلةَ له، لتُقاس عليها. فالذي فيها أنّ هذا النوعَ من المحادثة نفع هناك، لا أنّ الدليلَ لا ينفع هنا. ومن نقلها على غير هذا فقد زاد عليها.