٢١. إن كان اللهُ موجودًا فلماذا لا يُظهر نفسَه؟
السؤال: رجلٌ يقول: أُقرّ بأنّ للكون خالقًا، وأُنكر أن يكون هذا الخالقُ قد تكلّم — فلم يُرسل وحيًا، ولم يُنزل كتابًا. فما الذي يلزمه؟
الجوابُ في سطرين: يلزمه بقدر ما ادّعى، لا أكثر. فمن قال «خلق ثمّ صمت» فقد ادّعى دعوى عن فعل الخالق، والدعوى تُسأل عن سندها. ومن قال «لم يثبت عندي أنّه تكلّم» لم يدّعِ شيئًا، وعبؤه أخفُّ كثيرًا. وأكثرُ من أخاطبهم هنا من هذا الصنف الثاني فيما أعلم، وهي ملاحظةٌ لا نتيجةُ مسح. فلا يلزمهم من هذه المسألة شيء.
وهذا وجهٌ من وجوه سؤالٍ يسأله كثيرون: إن كان اللهُ موجودًا، فلماذا لا يُظهر نفسَه بكلامٍ لا يُشكّ فيه؟ ومن الناس من يجيب: خلق ثمّ صمت. والسؤالُ الذي يلزم صاحبَ هذا القول سؤالٌ واحد، لا يدفع عن قوله ولا يُبطله: من أين عرفتَ أنّه صمت؟
أوّلًا: قولُ «خلق ثمّ صمت» بأقوى صيغه — أربعُ دعائم
من عرض هذا القولَ بأضعف صوره ثمّ هزمه، فقد هزم شيئًا صنعه بيده. وهذا ما يُسمّى «رجلَ القشّ»: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه. وصاحبُ هذا القول يُسمّى «الربوبيّ»: يؤمن بخالقٍ، ولا يؤمن بأنّه أرسل وحيًا. وأقوى ما عنده أربعُ دعائم، يقولها هكذا:
١. الدليلُ لا يصل إلى إلهٍ يتكلّم. أقصى ما تبلغه أدلّةُ وجود الله، إن نجحت، موجودٌ قليلُ الأوصاف. فهو «واجبُ الوجود»، أي ما وجودُه من ذاته لا من غيره فلا يمكن أن يعدم؛ أو مصمِّمٌ؛ أو عقلٌ أوّل. أمّا الانتقالُ من ذلك إلى نبوّةٍ وشريعةٍ وكتاب، فنقلةٌ من جنسٍ آخر تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخر. كمن رأى آثارَ أقدامٍ على الرمل فعرف أنّ رجلًا مرّ من هنا؛ فالآثارُ لا تخبره بما قاله الرجلُ ولا بما أراد. فمن وقف حيث انتهى دليلُه لم يتهرّب، بل انضبط.
٢. الدعاوى تتعارض. دعاوى الوحي كثيرةٌ متناقضة، وكلُّ صاحب دعوى يعرض من الشواهد مثلَ ما يعرضه غيرُه. وليس هذا اعتراضَ خصمٍ فقط. فالفيلسوفُ الأمريكيّ وليم ألستون مؤمن، وقد كتب واحدًا من أوسع الدفاعات الفلسفيّة عن التجربة الدينيّة، ومع ذلك يعترف بأنّ تعدّدَ الأديان مشكلةٌ لم يحلّها، ويسمّيها صعوبةً حقيقيّةً في موقفه هو. وله عنها جوابٌ أعرضه في القسم الخامس.
٣. الخفاء. والمقصودُ هنا ليس «لو كان موجودًا لظهر»؛ فتلك صيغةٌ ضعيفةٌ يسهل ردُّها، ومن نسبها إلى الفيلسوف الكنديّ جون شيلينبرغ لم يقرأه. صيغتُه أدقّ: الحبُّ الكامل يقتضي أن يكون المحبُّ مستعدًّا دائمًا لعلاقةٍ بمن يحبّ. والعلاقةُ تستلزم أن يعتقد الطرفُ الآخرُ بوجوده. فإذا وُجد إنسانٌ «غيرُ مقاوِم» — لا يصدّ ولا يعاند، ومع ذلك لا يعتقد — فوجودُه ينقض ذلك.
ومثالُه ابنٌ يفتح البابَ كلَّ ليلةٍ ينتظر أباه. ليس غاضبًا منه ولا معرضًا عنه؛ يريده، ويسأل عنه، ويصدّق أنّه قد يجيء. فإن مضت السنون ولم يجئ، لم يبقَ أمام الابن إلا أحدُ أمرين: إمّا أنّ أباه لا يريد أن يجيء، وإمّا أنّه ليس هناك. ولا يصحّ أن يُقال هنا «الابنُ معاند»؛ فهذا بعينه معنى «غير المقاوِم».
وهي حجّةٌ مصوغةٌ بإحكام، ولم تُحسم، وتجدها كاملةً في الفصل الخامس والعشرين. ولا أُخفي أنّ الربوبيّ يستطيع أن يستعملها لصالحه. فهو لا يدّعي إلهًا كاملَ الحبّ يطلب علاقةً بخلقه، فحجّةُ الخفاء لا تمسّه. وإنّما تمسّ من يؤمن بالوحي، وأنا منهم. وهذا ثمنُ أن تقول إنّ اللهَ يحبّ ويريد أن يُعرف. ومن لم يقل ذلك سلِم من هذا السؤال، لكنّه يقع في سؤالٍ آخرَ أعرضه في القسم الرابع: من أين للعقل وحدَه أن يفصل في مسائل العدل والظلم؟ فليس أحدٌ منّا بلا عبء.
٤. لا حاجة. ويقول صاحبُ هذا القول: «الكاملُ لا يحتاج أن يخاطب أحدًا، والمخلوقُ أُعطي عقلًا وتجربةً وحياةً مع غيره. فأيُّ عملٍ يقوم به الكلامُ لم يقم به ما أُعطي؟» وهذا سؤالُه هو لا سؤالي، وما عندي فيه تجده في القسم الرابع.
ثانيًا: ما يقوله أوبي — لا حجّةَ تُلزم في الجهتين، ولا يعني ذلك أنّ الكفّتين سواء
الدعامةُ الأولى صحيحة، وأقولها قبل أن يقولها عليّ أحد: لا واحدَ من أدلّة وجود الله يُنتج دينًا بعينه. ومن قفز من «ثمّ علّةٌ أولى» إلى «فهذا كتابي» فقد أوهم قارئَه أنّ البرهانَ يحمل ما لا يحمل.
والفيلسوفُ الأستراليّ غراهام أوبي، وهو ملحدٌ من أبرز من دافع عن الإلحاد، يقرّر أنّ حجج الإلحاد لا تنجح هي الأخرى، بمعنى أنّها لا تُلزم الخصمَ العاقل. فالحالُ في الجهتين واحدةٌ في هذا المعنى وحدَه: لا حجّةَ تُلزم هنا، ولا حجّةَ تُلزم هناك.
لكن انتبه: أوبي لا يقول إنّ الكفّتين متساويتان. هو يرى «الطبيعانيّة» — أي الموقفَ القائل إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد — متقدّمةً فيما يسمّيه الفلاسفةُ «الفضائلَ النظريّة». فهي أبسط، وتفترض من الموجودات أقلّ. ومثالُ ذلك تفسيران لصوتٍ سمعتَه في البيت ليلًا: أحدُهما يقول «الريح»، والآخرُ يقول «الريحُ، ورجلٌ لا تراه». فالأوّلُ أخفّ، لأنّه لا يُدخل في الحساب شيئًا جديدًا. فأوبي يرجّح موقفَه لهذا، وإن لم يدّعِ عليه برهانًا.
وموضعُ هذا الترجيح كتابُه الآخر الصادر سنة ٢٠١٣. وأمّا مسحُه النقديّ لأدلّة الوجود الصادر سنة ٢٠٠٦، وهو الذي أعتمد عليه هنا، فليس فيه هذا الترجيح، فلا تطلبه فيه. ولم أقابل هذا الترجيحَ على صفحةٍ بعينها من كتابه، وأقول ذلك صراحةً. فتعذُّرُ الإلزام شيء، وتساوي الكفّتين شيءٌ آخر، ومن قرأ أوبي على أنّه يقول «الأدلّةُ متعادلة» نسب إليه غيرَ قوله.
فالذي آخذه من أوبي أنّ من طلب في هذا الباب برهانًا يُلزم كلَّ عاقلٍ، فقد طلب ما لا يملكه أحدُ الفريقين. وأمّا أيُّ الكفّتين أرجحُ عنده، فقد قالها، وهي عليّ لا لي.
ثالثًا: «لم يثبت عندي» غيرُ «خلق ثمّ صمت» — وعبؤهما مختلف
| ما يُقال | ما هو في الحقيقة | ما يلزمه |
|---|---|---|
| «لم يثبت عندي أنّه تكلَّم» | توقُّفٌ عن التصديق | لا يلزمه شيء. وغايةُ ما أرجوه أن يكون توقُّفُه عن نظرٍ فيما عُرض عليه لا عن إعراضٍ عنه، وهذا شيءٌ يعرفه من نفسه، ولا يُطالَب ببيانه لأحد |
| «خلق ثمّ صمت» | دعوى مثبِتةٌ عن فعل الخالق | أن يبيّن كيف عرف أنّه صمت |
ومثالُ الفرق: من قال «لم تصلني منه رسالة» أخبر عن صندوق بريده أو هاتفه. ومن قال «لم يُرسل» أخبر عن فعل المرسِل، وهذا لا يُعرف بتفتيش صندوقك مهما دقّقت.
*وحدُّ هذا المثال:* لو طال الغيابُ جدًّا، وأنت تعلم أنّ المرسِلَ يعرف عنوانك، صار طولُ الغياب نفسُه قرينةً معتبرة. وهذه بعينها حجّةُ الخفاء، وهي حجّةٌ حقيقيّةٌ لا أهوّن منها، وموضعُها الفصلُ الخامس والعشرون.
وأمّا من يقول «لم يثبت عندي» — وهو الأكثر — فما الذي يُقال له؟
قد يقول قائل: هذا الكلامُ كلُّه يصارع صاحبَ «خلق ثمّ صمت»، وهو قليل؛ فلا يكاد أحدٌ يقول: «أنا أعلم أنّه صمت». فقد صرعتَ خصمًا نادرًا لأنّه الوحيدُ الذي يمكن أن يُطالَب بسند. وهذا صحيح، وأُقرّ به. وأمّا المتوقّفُ فهذا ما يُقال له:
١. لا أطالبك بسندٍ على النفي. التوقُّفُ ليس دعوى. ومن طالب المتوقّفَ بدليلٍ فقد قلب «عبءَ الإثبات»، وهو القاعدةُ القائلة إنّ من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. فلا أقول لك: «أثبت أنّه لم يتكلّم»، ولا أعدّ سكوتَك موقفًا يُدافَع عنه.
٢. والذي أطلبه واحدٌ وصغير: أن يكون توقُّفُك عن نظرٍ فيما عُرض عليك، لا عن إعراضٍ عنه. وفرقٌ بين «نظرتُ فلم يكفني» و«لم أنظر». والأولى موقفٌ معرفيٌّ تامٌّ من جهة النظر، وهي التي أطلبها.
٣. وأُقرّ بأنّ هذا الطلب زهيد. فمن نظر فلم يكفه ما رأى فقد أدّى ما يلزمه في هذا الحِجاج، وليس عندي بعد ذلك ما أُلزمه به. فهذا الكلامُ لا يُلزمك بشيء. وقولي ذلك صراحةً خيرٌ من أن أوهمك أنّه ألزمك.
٤. وأمّا صاحبُ الدعوى المثبِتة — من يقول «خلق ثمّ صمت» قولَ من يعلم لا قولَ من يتوقّف — فهو الذي يُطالَب بالسند. وهو فيما أعلم أقلُّهم عددًا. وقولي هذا، ووصفُه بالندرة قبل قليل، ملاحظتان لا قياسان. ولا أملك عليهما مسحًا أُحيل عليه، ولا أُخفي ذلك.
رابعًا: لماذا يحتاج «الصمتُ» إلى تعليلٍ أصلًا؟ — لأنّ الإنسانَ ليس آلة
المخلوقُ الذي نتكلّم عنه ليس آلةً بسيطة، ولذلك يحتاج صمتُ خالقه عنه إلى تعليل.
المصعدُ لا يحتاج كتيّبَ استعمال: زرٌّ واحدٌ ونتيجةٌ واحدة. أمّا جهازُ التخدير في غرفة العمليّات فيأتي معه كتيّبٌ في مئة صفحة — لا لأنّ صانعَه أكثرُ كلامًا، بل لأنّ فيه أربعين مفتاحًا، وخطأً واحدًا لا يُستدرك. والإنسانُ أقربُ إلى الثاني منه إلى الأوّل.
*وحدُّ هذا المثال — وهو ينكسر من وجهين:*
*الوجهُ الأوّل:* الكتيّبُ يجيء مع الجهاز لأنّ صانعَه أراد له استعمالًا بعينه، ولأنّ عليه واجبًا نحو من يستعمله. والربوبيّ ينكر الأمرين معًا: لا يُثبت للخالق قصدًا مخصوصًا، ولا واجبًا نحو خلقه. فالمثالُ يفترض عليه ما نحن نتنازع فيه، أي يبدأ من الجواب ثمّ يمشي إليه. وهذا ما يُسمّى «المصادرةَ على المطلوب»: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك. ومثالُها من سُئل: كيف تعلم أنّ صاحبَك صادق؟ فقال: لأنّه قال لي إنّه صادق. فلو سُقتُ المثالَ حجّةً لكان مصادرةً على المطلوب. ولذلك لا أسوقه حجّة. وغايتُه أن يقول: من أثبت للخالق قصدًا وعنايةً بخلقه لزمه هذا السؤال. ومن لم يُثبتهما، فالسؤالُ يأتيه من جهةٍ أخرى: من جهة اللوم والميزان الأخلاقيّ، لا من جهة الصنعة.
*الوجهُ الثاني، وهو أثقل:* قد يعترض الشاكّ هنا بأنّ الكتيّبَ الذي يأتي مع الجهاز واحد، ومن المصنع نفسِه، ومعروفُ النسبة إليه؛ وأمّا هنا فأربعون كتيّبًا متعارضة، ليس على واحدٍ منها ختمُ المصنع. ثمّ يقول، وهذه عبارتُه هو لا عبارتي: «لو شحنت شركةٌ جهازًا خطرًا مع أربعين دليلًا متناقضًا، لكانت الشركةُ هي المسؤولة». فالمثالُ في هذا الوجه يعمل ضدّي، وهو حجّةُ الخفاء نفسُها مقلوبةَ الوجه. وهذا ثمنُ المثال. ومن رأى ثمنَه أكبرَ من نفعه فليطرحه كلَّه، فلم يُبنَ عليه شيء.
لكنّ الاعتراضَ ليس في المثال، بل فيما تحته: كثرةُ الدعاوى، وغيابُ ما يفرز بينها. فهو يبقى قائمًا ولو طُرح المثال. وجوابُه ليس هنا، بل في الميزان الذي يأتي في الفصل التالي: خمسةُ أسئلةٍ تسألها لكلّ دعوى من الأربعين. وأكثرُها يُسقط ولا يرفع، أي يُنقص الأربعين ولا يعيّن لك واحدًا منها بالضرورة. فإن نقصت ولم يتعيّن منها شيء، فأنت حيث كنت، ولا يلزمك اليومَ أكثرُ من ذلك.
الميزانُ الأخلاقيّ: لماذا نغضب من الظلم؟ أربعةُ تفسيراتٍ لا اثنان
زميلٌ في صفّك نقل ورقةَ غيره في الامتحان، فنجح، ونجح على حساب من تعب. فغضبتَ. والسؤال: لماذا غضبت؟
ونحن جميعًا نتداول ونتردّد ونندم ونلوم. وتفسيرُ ذلك يحتمل أربعةَ أقوالٍ لا قولين:
- أن يكون في العقل ميزانٌ مركوزٌ فيه وحدَه، أي وضعه فيه خالقُه ولم يبيّنه بكلام: غضبتَ لأنّ في عقلك ميزانًا وُضع فيه يوم خُلقت. وهذا جوابُ الربوبيّ.
- أن يكون مركوزًا في العقل، ثمّ مبيَّنًا فوق ذلك بوحي: غضبتَ لأنّ فيه ميزانًا، وقد بُيّن لك فوق ذلك أنّه ميزان. وهذا قولي.
- أن يكون ثمّ ميزانٌ موضوعيٌّ قائمٌ بنفسه لا واضعَ له: غضبتَ لأنّ الغشَّ قبيحٌ في نفسه، ولو لم يقل ذلك بشرٌ ولا إله. وهذا قولُ من يُثبت «الواقعيّةَ الأخلاقيّة» — أي أنّ الخيرَ والشرّ حقيقتان لا مجرّدُ أذواق — بلا إله. وهو أثقلُ الأربعة عليّ، لأنّه يوافقني على أوّل الكلام ويمنعني آخرَه. فهو يُقرّ بأنّ ثمّ صوابًا وخطأً حقيقيَّين لا يتغيّران باتّفاق الناس، ثمّ يقطع الطريقَ من ذلك إلى أنّ لهما واضعًا يبيّنهما.
- ألّا يكون ثمّ ميزانٌ موضوعيٌّ أصلًا، وإنّما عادةٌ ومنفعةٌ واتّفاق: غضبتَ لأنّك نشأتَ في مدرسةٍ تغضب من هذا، وليس تحت غضبك إلا العادةُ والمنفعة. وهذا قولُ الفيلسوف الأستراليّ الأصل ج. ل. ماكي بنصّه. وحجّتُه المعروفة بـ«الغرابة» أنّ قيمًا موضوعيّةً لو وُجدت لكانت شيئًا غريبًا لا يشبه شيئًا ممّا نعرف. وهي عنده حجّةٌ على أنّ الأخلاقَ الموضوعيّة غيرُ موجودة، لا على أنّها تحتاج أساسًا.
والثالثُ والرابعُ كلاهما لا يُطوى ولا يُسقط من الحساب. والثالثُ خاصّةً لا يدخل في الأوّل: فلفظُ «مركوز» في الأوّل يفترض أنّ أحدًا وضع الميزان، والثالثُ ينفي أن يكون له واضع. ومن حصر الأقوالَ في اثنين أو ثلاثة فقد حصر حصرًا باطلًا.
ولذلك لا أسوق قولَ «اللومُ لا معنى له إن لم يكن ثمّ ميزان» مقدّمةً مسلَّمة؛ فلو سُقتُه كذلك لكان مصادرةً على المطلوب. فصاحبُ القول الرابع يقبل أن يكون ثمّ لومٌ بلا ميزانٍ موضوعيّ، ويفسّره تفسيرًا آخر. وصاحبُ القول الثالث يقبل الميزان، ويمنع الانتقالَ منه إلى الإله الذي أقول به.
وأقوى ما عند الربوبيّ هنا أنّ العقلَ كافٍ. وجوابي أنّ العقلَ يكفي في القدر المشترك، لكنّ الناسَ يختلفون به في التفصيل. فقد اتّفقوا على قبح الغدر، واختلفوا في كلّ فرعٍ تقريبًا: في المال، وفي الدم، وفيمن يستحقّ الرحمةَ أصلًا. وأقول هذا ملاحظةَ قارئٍ للتاريخ، لا قياسًا ولا نتيجةَ مسحٍ أملك سندَه.
*وحدُّ هذا الجواب:* الاختلافُ في التفصيل يقبل تفسيرًا آخر، هو أن تكون الأخلاقُ نتاجَ أنماطٍ من العيش تتغيّر، وهذا ما يقوله ماكي. فهذا لا يُثبت أنّ الوحي وقع. وغايتُه أنّ «خلق ثمّ صمت» ليس الفرضَ الأنظفَ تلقائيًّا. وصاحبُه مطالَبٌ بالدليل كما أُطالَب أنا.
خامسًا: ماذا يُنتج تعارضُ الدعاوى؟ — شهودٌ اختلفوا في وصف السارق
عشرةُ شهودٍ تناقضوا في وصف سارق: هذا يقول طويلٌ أسمر، وذاك يقول قصيرٌ أشقر. تناقضُهم لا يُنتج أنّ السرقةَ لم تقع؛ يُنتج أنّ تسعةً منهم على الأقلّ أخطؤوا.
*وحدُّ هذا المثال — وهو ثقيل، فلا أخفّفه:*
١. السرقةُ ثابتةٌ بغير الشهادات: المالُ مفقودٌ والبابُ مكسور. وليس في دعوى الوحي مالٌ مفقود؛ الشهاداتُ هي كلُّ ما عندنا. فالمثالُ يُدخل خِفيةً واقعةً مستقلّةً لا نظيرَ لها في المسألة. ومن قبله على علّاته فقد قبل ما لم يثبت.
٢. وقد يكون المخطئون عشرةً لا تسعة. فقولُ «تسعةٌ على الأقلّ» يحجز بصمتٍ مكانًا لشاهدٍ صادقٍ واحد. وهذا إدخالٌ ثانٍ لما لم يثبت. والصوابُ: قد يكونون كلُّهم مخطئين.
٣. والاعتراضُ في صيغته الحقيقيّة ليس «لم يقع». بل هو أنّ نوعَ الدليل المستعمَل هنا، وهو الشهادةُ والتجربةُ الباطنة، قد أنتج دعاوى متنافية، وقوّتُها متقاربة. فتنقص ثقتُنا بهذا النوع نفسِه. وهذه صيغةُ ألستون، وهو يعدّها صعوبةً في موقفه هو لا في موقف خصمه.
ولا يصحّ أن يُنقل عن ألستون اعترافُه ويُترك جوابُه. فهو لا يقف عند الاعتراف، بل يخلص إلى أنّ استمرارَه على طريقته في تكوين اعتقاده من التجربة الدينيّة عقلانيّ. وعلّتُه أنّه لا توجد أرضٌ محايدةٌ يُفصَل عليها بين الممارسات المتنافسة. ومن نقل عنه الاعترافَ دون الجواب فعل به ما يُفعل بأوبي حين يُنقل عنه نصفُ أطروحته.
*وحدُّ جوابه هو:* «انعدامُ الأرض المحايدة» يسوّغ ثباتَه، ويسوّغ بالقدر نفسِه ثباتَ كلّ صاحب ممارسةٍ أخرى. فجوابُه يُبيّن أنّ ثباتَه عقلانيّ، لكنّه لا يفرز الدعاوى، أي لا يميّز صادقَها من كاذبها. وهذا بعينه ما أقوله في الفصل الخامس والعشرين.
ثمّ إنّ المثالَ لا يعطيك السارق. ومن أراد أن يعيّنه احتاج ميزانًا مستقلًّا عن الشهادات نفسِها، وهذا موضوعُ الفصل التالي.
سادسًا: ماذا بقي من الدعائم الأربع؟
وهذا ما انتهت إليه الدعائمُ الأربع عندي:
- الأولى (الدليلُ لا يصل إلى إلهٍ يتكلّم): سلّمتُ بها.
- الثانية (الدعاوى تتعارض): سلّمتُ بها، بل زدتُها قوّةً بصيغة ألستون.
- الثالثة (الخفاء): لم تُحسم، وأجّلتُها إلى الفصل الخامس والعشرين.
- الرابعة (لا حاجة): نازعتُها بأنّ الإنسانَ ليس آلة، وبالميزان الأخلاقيّ، وبأنّ العقلَ يكفي في القدر المشترك ويختلف الناسُ به في التفصيل. ولم أُبطلها. فقد سلّمتُ بأنّ ردّي لا يُثبت وقوعَ الوحي، ولم أُسلّم بأنّها صحيحة.
فدعامتان مسلَّمتان، وثالثةٌ لم تُحسم فأُجّلت، ورابعةٌ نازعتُها ولم أُبطلها. وليس هذا كلامَ غالب. والذي بقي في يدي بعد ذلك شيءٌ واحد: أنّ دعوى «خلق ثمّ صمت» ليست الفرضَ المجّانيّ الذي لا يُسأل عن دليله. وذلك في صيغتها المثبِتة لا في صيغة التوقّف. وهذا قليل، وأقوله قليلًا.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ متوقّفًا نظرتَ فيما عُرض عليك فلم يكفك، فليس في هذه المسألة شيءٌ عليك. وإن كنتَ تقول «خلق ثمّ صمت» قولَ من يعلم، فعليك أن تبيّن من أين علمت، كما عليّ أن أبيّن من أين علمتُ أنّه تكلّم. ويبقى مفتوحًا أمران لا أدّعي حسمَهما: الفرزُ بين الدعاوى المتعارضة، وموضعُه الفصلُ التالي؛ والخفاء، وموضعُه الفصلُ الخامس والعشرون.