Skip to content

بعد السنة العاشرة

هذه ورقةٌ إلى من مضى على خروجه عشرُ سنين. ولم أخصَّه بها لأنّ من ترك أمسِ أقلُّ عقلًا، بل لأنّ من ترك أمسِ في أوّل أصعب سنةٍ في عمره: عنده جدلٌ لم يفرغ منه، وأهلٌ لم يقولوا كلمتهم بعد، ورأسٌ يعمل الليلَ كلَّه. وهو أحوجُ إلى من يجلس معه من صاحب العاشرة، لكنّه يحتاج إلى كلامٍ آخر غيرِ هذا. فهذا الكلامُ يحتاج إلى هدوءٍ لا يملكه الآن، وليس ذلك عيبًا فيه.

فأنا أكتب إلى العاشرة.

إلى حين يهدأ كلُّ شيء. حين يصير الأمرُ عاديًّا، ولا يسألك أحد، ولم تعد تقرأ في هذه المسائل ولا تعنيك. وهذه أصدقُ لحظةٍ للمحاسبة، لأنّها اللحظةُ الوحيدةُ التي لا خصمَ فيها.

وأبدأ بموضع هذه الورقة من الكتاب: أصلُ المسألة عندي يقينٌ قام على دليله في الفصول قبل الرسائل، وهذه محاسبةٌ بعده لا بديلٌ عنه. وما أُنصفك به ههنا إنصافُ من فرغ من الأصل، لا ترددٌ فيه.

وأقول لك من أوّل سطرٍ ما أنا فاعل: أُحاسب لا أُخوّف. لن تجد في هذه الورقة نارًا ولا عذابًا. وليس ذلك تلطّفًا منّي، بل لأنّ التخويف لا يصلح حجّةً أصلًا، ومن ساقه عليك أساء إليك وإلى ما يدافع عنه معًا. ونصفُ هذا الحساب في صالحك، وسأبدأ به.

وأقول الثانية: أنا أدعوك إلى المراجعة، ولا أستر ذلك بنفيٍ مهذَّب. فالورقةُ التي تعدّد عليك أثمانًا، وتضع لك عمودين للربح والخسارة، هي من أوّلها إلى آخرها طلبٌ أن تراجع. ومن كتب مثلها ثمّ قال «ولستُ أطلب منك أن تراجع» فقد أنكر ما يفعله في السطر التالي، وتلك حيلةٌ لا أدب. فأنا أطلبها صريحًا، ولك أن تردَّها.

أوّلًا: ما رُبح — ولا يجوز إنكارُه، وإن اختلفنا في مصدره

ذنبٌ لم يكن ذنبًا. خذ نموذجًا، ولا أحكي لك قصّةَ شخصٍ بعينه: فتًى في الثالثة عشرة مرّت بخاطره جملةٌ لم يقصدها، فأقام سنتين يظنّ نفسَه سقط. ثمّ رجلٌ يعيد الوضوءَ أربع مرّات، لا ورعًا بل لأنّ في رأسه عدّادًا لا يُغلق. هذا ألمٌ حقيقيّ، وُضع على أكتاف الصغار وما كان ينبغي أن يُوضع عليها. وما وُضع عليها لم يضعه النصّ. فالخاطرُ الذي يمرّ ولا يُعمل به ولا يُتكلَّم به معفوٌّ عنه بحديثٍ متّفقٍ عليه، وكراهتُه علامةُ إيمانٍ لا علامةُ سقوط. ومن خُيّل إليه أنّه أحدث فالنصُّ يأمره ألّا ينصرف حتى يستيقن. ومن خرج من هذا الحِمل فقد خرج من شيءٍ ثقيل. ولا يصحّ أن يُنكَر ثقلُه لمجرّد أنّ الخارجَ منه صار خصمًا.

وخوفٌ غُرس في الطفولة. صورٌ لا يحتملها ابنُ السابعة، تُلقى عليه في مجلسٍ عابرٍ بلا تمهيدٍ ولا رفق، ثمّ تسكن في رأسه عشرين سنة. من نزع عن نفسه ذلك الخوفَ المغروسَ بتلك الطريقة نزع شيئًا كان يؤذيه فعلًا.

وسلطةٌ تتكلّم باسم السماء. رجلٌ يخطئ في أمرٍ دنيويٍّ محضٍ ثمّ يجعل مخالفتَه مخالفةً لله، فلا يُراجَع ولا يُسأل. من كسر هذه في نفسه كسر شيئًا يستحقّ الكسر.

ولن أسحب منك هذا بعد أن أعطيتُك إيّاه. لكنّي أقول ملاحظةً واحدة: أكثرُ هذه المكاسب تحرّرٌ من تديّنٍ رديء، لا من دين.

ولن أقول بعدها: «فردَّها إن شئت، ولا يتغيّر في الحساب شيء»، لأنّ هذه الجملةَ غيرُ صحيحة. فلو صحّت ملاحظتي لكان العمودُ الأوّل كلُّه إصلاحًا لعطبٍ في تديّنٍ رديء، لا ربحًا جاء من الإلحاد. وهذا يغيّر الحسابَ نفسَه، وليس تعليقًا على هامشه. فأنا أقول الملاحظةَ بكامل وزنها. ولك أن تردّها إن رأيتَ أنّ ما تركتَه ليس صورةً رديئةً من الدين، بل الدينَ نفسَه في أصل بنائه. وهو ردٌّ يصحّ شكلًا: لو ثبت لأبطل عمودي الأوّل لا زاده. ولستُ أنكر أنّ الثلاثةَ قُدّمت إليك باسم الدين، وإنّما الخلافُ فيمن يحملها: أالنصُّ أم من نقله إليك؟ فالخاطرُ الذي يمرّ ولا يُعمل به معفوٌّ عنه، ومن شكّ في طهارته بعد يقينٍ مضى ولم يُعِد. والخوفُ مقرونٌ برجاءٍ لا يُفرَد عنه، وإلقاءُ أشدِّ ما في الباب على ابن السابعة خلافُ ما جرى عليه التعليمُ الأوّل من رفقٍ وتدرّج. ولا واسطةَ بين العبد وربّه، وقولُ العالِم يُؤخذ منه ويُترك، ولا طاعةَ لأحدٍ في معصية. فمن نسب الثلاثةَ إلى أصل البناء فعليه أن يسمّي النصَّ الذي أوجبها. ولا أُخفي وزنَ دعواي بأن أضعها حيث لا يناقشها أحد.

ثانيًا: وما ثمنُه لا يُدفع في السنة الأولى

ولا أبالغ فيه. لا أقول إنّ عيشَك كئيبٌ خاوٍ من الفرح؛ ذاك وصفُ من لم يجالس أحدًا منكم. بل أقول أربعةَ أشياءَ محدَّدة. والفرقُ بينها وبين ما يُسمع في كثيرٍ من الوعظ أنّها تُدفع متأخّرة، فلا تحسّ بها في السنة الأولى ولا الثانية.

١ · معنًى جاهز. الإنسانُ يصنع لنفسه معنًى يعيش به، وهذا واقعٌ لا أجادل فيه. بل أزيد: أدقُّ من حرّر هذه المسألة ممّن لا يستدعي إلهًا — سوزان وولف — لا يقول «اصنع معناك كما تشاء». إنّما يشترط أن يكون الشيءُ الذي ينجذب إليه قلبُك جديرًا بذلك في نفسه، لا في نظرك وحدك. فالمعنى إذًا ليس مزاجًا يُختلق، وهذا في صالحك لا عليك. وكثيرون يصنعونه ويعيشون به حياةً عامرةً فيما أرى، وبعضُهم من أحسن من عرفتُ خُلقًا ومعاملة.

لكنّ في المعنى المصنوع صفةً واحدةً تُغفَل: المصنوعُ يحتاج صانعَه حاضرًا. فمعناك مشدودٌ إلى عملك أو إلى ابنتك أو إلى ما تبنيه، وكلُّ ذلك قائمٌ بك أنت. فإذا ضعُفتَ ضعُف معك. وقد يأتي الضعفُ من مرضٍ طويل، أو من سنةٍ ترى فيها أنّ ما بنيتَه في عشرين سنةً أقلُّ ممّا وعدتَ به نفسَك، أو من سقوط المشروع الذي علّقتَ عليه اثنتي عشرة سنة.

أمّا المعنى الجاهز فصفتُه على العكس: منطقُه لا يشترط أن تكون بخير. وأنا أصف بهذا بناءَ الشيء نفسِه لا حالَ أهله، وإلّا كذّبني الواقع. فكم من مؤمنٍ ضعُف معناه عند أوّل قبر، وقد يفقد المكتئبُ من المؤمنين صلاتَه قبل أن يفقد عملَه. وفي تراث المتعبّدين عند المسيحيّين بابٌ مكتوبٌ اسمُه «الليلُ المظلم»، وليس نادرةً فيه. وهو حالٌ يجد فيها المتعبّدُ نفسَه بلا شيءٍ من أثر ما يعبد. فالفرقُ في تركيب الشيء، لا في ضمانٍ لصاحبه.

بل أزيد عليك: إذا تعطّل المعنى الجاهزُ عندنا سمّيناه «ابتلاءً»، فلا يُحسب عطبًا. وهذا يقع، وهو محسوبٌ عليّ: من قالها قبل النظر أطفأ بها سؤالًا كان ينبغي أن يُفتح، والخطأُ حينئذٍ في تعجّله لا في الكلمة. أمّا الكلمةُ في أصلها فخبرٌ معلَنٌ قبل الحادثة لا اسمٌ يُلحَق بها بعد وقوعها: نصُّنا يقول إنّ دعوى الإيمان لا تُعفي صاحبَها من الفتنة، وإنّ الخوفَ والفقدَ واقعان بأهله، كما في أوّل سورة العنكبوت وفي سورة البقرة. ودعوى تُعلَن بشرطها قبل وقوعه مكشوفةٌ للفحص لا محميّةٌ منه، وسأذكر آخرَ الورقة ما الذي لو ثبت أسقط هذا البند.

وهذا كلُّه ليس حجّةً على صدق المعنى الجاهز. فكونُ الشيء يعمل لا يشهد بأنّه صادق، والمعنى الجاهزُ عند أيّ جماعةٍ قد يعمل وهو باطل، ولذلك لا أحتجّ بأنّه يعمل. إنّما أصف كيف يتصرّف الشيءُ عند العطب، لأنّ الأشياء تُعرف عند العطب لا في العافية.

٢ · لغةُ الظلم. ولستُ أقصد أنّك لا تستطيع أن تقول «هذا شرّ». تقولها، وتقولها بأشدَّ ممّا يقولها كثيرٌ من أهل ملّتي. الذي أقصده جملةٌ أضيق: رجلٌ ظُلم فمات ولم يُنصَف. لا في محكمة، ولا في تاريخ، ولا في ذاكرةِ أحد — أُخذ حقُّه وانتهى.

وبأيّ معنًى نقول عنه «ظُلم» بعد أن انتهى كلُّ شيء؟ أمّا الفعلُ نفسُه فقد وقع، وهذا ثابت. لكنّ جملةَ «لم يُنصَف» ينقصها طرف: إنصافٌ عند من؟ ودفترُ حسابٍ في أيّ مكان؟ هذه الجملةُ تعمل عمليًّا في المحاكم، وتتوقّف حين يُغلق كلُّ باب.

ولا أقول هذا في وجهك قولَ من غلب، فعندك جوابان أعرفهما: أضعفُهما أنّ الظلمَ يبقى ظلمًا وإن لم يُردّ، وأنّ طلبَ دفترٍ في السماء تعزيةٌ لا معرفة.

وأقوى منه جوابٌ لا أُغفله: أنّ لكلمة «حقّ» مرجعًا، أي حقيقةً تشير إليها، وهذه الحقيقةُ لا تقوم بأحدٍ ولا تحتاج إلى دفتر، كما أنّ للرياضيّات حقائقَ ليس لها موضعٌ في الزمان والمكان. وهذا مذهبٌ له أهلُه، وليس مهزومًا، ولستُ أُبطله في سطر. ومعه اعتراضٌ ثالثٌ يصيب: وجودُ الحقّ غيرُ أدائه، أي غيرُ ردِّه إلى صاحبه. فالسرقةُ تبقى سرقةً وإن لم يُردّ المسروق، كما تبقى المعادلةُ صحيحةً وإن لم يحلّها أحد. فإذا انقطع الأداءُ لم يلزم من ذلك أن ينقطع الحقّ.

وعليّ معه إشكالٌ قديمٌ يُعرف بإشكال أوطيفرون، وصورتُه شِقَّان: أهذا حقٌّ لأنّه قُيّد في الدفتر، أم قُيّد في الدفتر لأنّه حقّ؟ فإن كان الأوّل فالدفترُ مصدرُه. وإن كان الثاني فالحقُّ موجودٌ بنفسه، ولا يحتاج إلى الدفتر ليوجد.

والإشكالُ مبحوثٌ عندنا من قديم، محرَّرٌ في بابٍ يُسمّى «التحسين والتقبيح»، وجوابي أنّ الشِّقَّين ليسا كلَّ الوجوه. فالدفترُ سجلُّ حسابٍ لا مصدرُ حقّ، وهذا أُسلّمه. ولا يلزم منه أنّ فوق اللهِ قانونًا يحكم عليه: فمرجعُ الحقّ علمُه وحكمتُه وعدلُه، وهي أوصافُه هو لا شيءٌ مفارقٌ له، والإلزامُ مصدرُه أمرُه، وأمرُه صادرٌ عنها. فلا أمرَ بلا حكمةٍ، ولا حاكمَ فوقه.

فدعواي إذًا أضيقُ ممّا قد يُفهم من هذا الباب، وهي بذلك أصدق. لستُ أقول إنّك فقدتَ مرجعَ الكلمة، بل أقول إنّك فقدتَ أداءها. وأقول معه: إنّ المذهبَ الذي يجعل الحقائقَ الأخلاقيّة قائمةً بذاتها له هو أيضًا ثمنٌ معروف، وليس مجّانيًّا.

وهنا رجلٌ لا يُتّهم بالميل إلى جهتي: جان أميري، كاتبٌ نمساويٌّ خرج من معسكرات النازية، ولم يطلب بعدها سماءً ولا صلحًا. وموقفُه في مقالته «الضغائن» أنّ رفضَ الصفح موقفٌ أخلاقيٌّ مشروع، لا عجزٌ نفسيّ. ويرى أنّ الصفحَ والنسيانَ بضغطٍ من المجتمع غيرُ أخلاقيّ. ويطلب أن يُنقَض الفعلُ في التاريخ نفسِه، لا أن يُسوّى حسابُه في مكانٍ آخر. فمن استشهد به على الحاجة إلى إله فقد قلب كلامَه.

وأصدقُ ما يُقال: كلامُه يهدم عليّ هذا الموضع ولا يبنيه. فإن كان أميري يرفض التسليمَ بما وقع لمجرّد أنّه وقع، فدفترٌ يُسوّى فيه الحسابُ هو بعينه ما يرفضه، وليس علاجًا للفراغ الذي وصفتُه. فالخانةُ التي قلتُ إنّها خاليةٌ ليست خالية: فيها جوابٌ، وإنّما هو ليس جوابي. وأنا أذكره لك كاملًا لا لأنّي أملك ردَّ موقفه من الصفح، بل لأنّ ورقةً تُخفيه لا تستحقّ أن تُقرأ. وأقول مع ذلك ما عندي: مطلبُه أن يُنقَض الفعلُ في التاريخ نفسِه، وذاك ما لا يملكه أحد. أمّا الذي أصفه فليس تسويةً تُرضي المجرم ولا صلحًا يُفرض على الضحيّة. هو ردُّ الحقّ إلى صاحبه بعينه، وإثباتُ الجريمة حقيقةً أخلاقيّةً على مرتكبها. وذاك غيرُ ما رفضه، وإن لم يكن كلَّ ما طلبه.

وأذكرها ولا أستغلّها: مات أميري منتحرًا سنة ١٩٧٨. ولا أضع موتَه في أيّ عمودٍ من أعمدة هذه الورقة، ولا أبني عليه حرفًا، ولا أجعله شاهدًا على شيء؛ فمن فعل ذلك فقد استعمل رجلًا لا يملك أن يردّ عليه. وإنّما ذكرتُه لأنّ من يعرف خبرَه سيفهم سكوتي عنه جهلًا أو فخًّا، وكلاهما أسوأ من ذكره.

٣ · بابٌ للذنب. وأثقلُ ما تحمله ما صنعتَه أنت، لا ما صُنع بك. الرجلُ الذي كنتَ سببًا في خرابه، والأمُّ التي قسوتَ عليها بأفعالك، لا برأيٍ اخترتَه، في سنةٍ لا تعود، وما لا تحكيه لأحد. الأثرُ باقٍ، وفي هذا نتّفق. أمّا الذي زال فشيئان: الاسمُ والباب.

وأضرب للأوّل مثالًا، لأنّ الكلامَ المختصرَ فيه يُساء فهمُه: صديقٌ لك خرّبتَ زواجَه بكلمة. أنت تستطيع أن تقول «أخطأتُ خطأً فادحًا»، وتستطيع أن تقول «كنتُ رديئًا تلك السنة»، وكلاهما وصفٌ لماضٍ وقع وانتهى. أمّا الذي لم يعد في لغتك فكلمةٌ تجعل الفعلَ دَينًا قائمًا يُطلب منك، لا حادثةً مضت. أي كلمةٌ يترتّب عليها إجراء، وهو خطوةٌ تُفعل لقضاء هذا الدَّين. وهذه الكلمةُ هي «الاسم». أمّا «الباب» فهو الإجراءُ نفسُه: أن يكون هناك من تطرق بابَه.

وقد وُضع في مكانه شيءٌ آخر: «سامح نفسك». وأنا لا أستخفّ به، ففيه ما هو نافعٌ فعلًا. فقد وُضع نموذجٌ علاجيٌّ لإصلاح الأثر النفسيّ لـ«الجرح الأخلاقيّ» عند المحاربين القدامى، أي الألم الذي يتركه في النفس فعلٌ يخالف ضميرَ صاحبه. وهو نموذجٌ «أوّليّ» كما ينصّ عليه عنوانُ ورقة لِتز وزملائه، وليس دعايةً ولا وعظًا. لكنّ جملةَ «سامح نفسك» غريبةُ التركيب في أصلها: المدينُ يُبرئ نفسَه بنفسه. فإن نفعت فهي تنفع راحةً للنفس، لا براءةً من الدَّين. والراحةُ غيرُ البراءة، وأرجو ألّا تخلط بينهما. ولا أقول هذا مدحًا لك، فأنا لا أشتري إصغاءك بالثناء عليك.

وعليّ هنا اعتراضٌ قويٌّ، وأسوقه بلفظه: إن كان الدَّينُ للرجل الذي خرّبتَه وللأمّ التي قسوتَ عليها، فبأيّ حقٍّ يُبرئك منه طرفٌ ثالثٌ لم يقع عليه الظلم؟ فالغرابةُ التي عبتُها عليك أشدُّ في جهتي أنا.

ولستُ أصف طرفًا ثالثًا أجنبيًّا عن الفعل: في الفعل الواحد حقّان، حقُّ من وقع عليه الظلم، وحقُّ الله الذي حرّمه. والتوبةُ تُبرئ من حقّ الله، ولا تُبرئ من حقّ العبد دون ردٍّ للحقّ أو عفوٍ من صاحبه، ولا يملك الظالمُ إسقاطَه عن نفسه. وغايةُ ما أقوله أنّ صاحبَ الحقّ يُنصَف: إمّا أداءً من ظالمه، وإمّا من فضل الله. والبابُ الذي وصفتُه لا يمحو الدَّين، بل هو قيدٌ ثانٍ في الحساب، ويبقى معه أداءُ الأوّل مطلوبًا. وهذا ما يقول به مذهبي، أذكره جوابًا عن الاعتراض لا برهانًا على صدق ديني. ومن فهم الغفرانَ على أنّه يُسقط حقَّ المظلوم بلا أداءٍ ولا رضًا منه، فقد وصف شيئًا لا أدافع عنه. فيبقى بيننا فرقٌ أضيقُ ممّا يبدو من بعيد: عندك الأثرُ بلا إجراء، وعندي إجراءٌ لا يُسقط حقَّ صاحبه.

٤ · جماعةٌ تحمل عنك. وهذا أكثرُ ما سمعتُ الناسَ يشكونه في الغرف المغلقة، وأنا أحكي عمّن جالستُهم لا عن دراسةٍ على عيّنة. وهو أقلُّ ما يُذكر في الجدل، لأنّ من يقوله في مناظرةٍ يبدو ضعيفًا.

إن كانت بلدُك كبلدي فأنت تعرف ما أصف: يموت أبوك، فيأتي أربعون رجلًا لا تعرف نصفَهم. يُغسَل، ويُحمَل، ويُدفَن، ويجلس الناسُ للعزاء ثلاثةَ أيّام — وتلك عادةُ بلدي لا حكمُ ديني — ويأتي الطعامُ بلا طلبٍ ولا ترتيب. لا تُدير أنت شيئًا في أثقل أسبوعٍ في عمرك. هذه آلةٌ تشتغل وحدها، وأنت لم تبنِها ولم تدفع لها.

وأقولها كاملةً لئلّا تكون حجّةً كاذبة: هذا أمرٌ اجتماعيٌّ لا مسألةٌ في العقيدة، ولا يدلّ على صدق شيء. وجماعةٌ كهذه يمكن أن تُبنى بلا دين، وقد بُنيت. ففي الدنمارك والسويد شبكاتُ سندٍ لا تقوم على إيمان أهلها، وإن بقي أكثرُهم أعضاءً في الكنيسة يُعمّدون فيها ويتزوّجون ويُشيّعون موتاهم، انتماءً وعادةً لا إيمانًا بالله. هكذا وصفهم من درسهم في الميدان، وسمّى ذلك «الدينَ الثقافيّ»، ووصف تلك الشبكاتِ راضيةً لا موحشة. فالبابُ ليس مغلقًا من حيث المبدأ، وأنا أُقرّ بذلك على نفسي.

لكنّ سؤالي عمليٌّ لا عقديّ: هل بُنيت مثلُ هذه الجماعة في مدينتك؟ وهو سؤالٌ لا ألزمك بجوابه، ولا أجعل جوابَك «لا» تهمةً لك. فليس مطلوبًا منك أن تبني وحدك في عشر سنين ما بنته ملّةٌ في أربعة عشر قرنًا. إنّما أقول إنّ ما لم يُبنَ بعدُ لا يحمل عنك اليوم.

ثلاثُ لحظاتٍ — وأقولها وصفًا لا إخراجًا

ولن أرسم هذه اللحظاتِ بتوقيتٍ مضبوط، كأن أقول: «بعدها بأسبوعين، وحدك، في السيّارة»، أو «ساعةً واحدةً بعد الولادة». فذلك صنعةٌ توحي بأنّي أعرف ما في داخلك أكثرَ ممّا تعرفه أنت. لذلك أترك الوصفَ بلا توقيت: إن وجدتَه في نفسك فهو لك، وإن لم تجده فوصفي خطأ، وأنت أعلم بنفسك منّي.

عند موت قريب. ليس في الجنازة؛ الجنازةُ مشغولة. بعدها بمدّة، حين يخلو المكان. والحاضرون كان عندهم كلامٌ يقولونه، وكان عندك صمتٌ محترم. وستمرّ، والناس يمرّون، ولا أدّعي غير ذلك.

والفرقُ الذي أعنيه هو بين من خرج من الغرفة ولديه جملةٌ ومن خرج ولديه معلومة. فإن كنتَ لم تجده في نفسك فقد أخطأتُ في وصفك، ولا أُلزمك بما لم تجد.

وعند مولود. وقد حدّثني غيرُ واحدٍ أنّه فاض في صدره امتنانٌ لم يجد له جهةً يوجّهه إليها. فيقول «الحمد لله» بحكم العادة ثمّ ينتبه، أو يقول «يا إلهي» ويمرّ. فإن لم يقع لك ذلك فدَعْه، فلستُ أصف ما في داخلك.

وأنا لا أبني على هذا شيئًا، فالشعورُ وحدَه ليس دليلًا، وأنت محقٌّ في ردّ من يجعله دليلًا. إنّما ألفت نظرك إلى أنّ الامتنانَ في أصل معناه له طرفان: ممتنٌّ، ومن يُمتنّ له. ولك أن تقول: هناك فرحٌ بلا أحدٍ يُشكر، وهو يقوم مقامَ الامتنان. وهذا قولٌ له من يقول به. وعندئذٍ يصير الخلافُ بيننا في الاسم لا في الشعور نفسِه. وهذا أقلُّ ممّا أردتُ أن أقول، وأنا أُقرّ به.

وعند ظلمٍ لا سبيل إلى ردّه. وهو الموضع الذي وصفتُه فوق. أقسى صوره حين لا تكون أنت المظلوم، بل تكون واقفًا تنظر إلى من ظُلم ولا تملك له شيئًا، ولا تملك أن تقول له إلّا: «أعرف».

وبالمقابل: ما يخسره المؤمن

ولو كتبتُ العمودَ الأوّل وحدَه لكنتُ بائعًا لا محاسبًا.

يخسر صعوبةَ السؤال إن أساء استعمالَ ما عنده. وهذا خسرانٌ يُحسب عليه لا له. فعنده جملةٌ صادقةٌ في أصلها هي: «لله في ذلك حكمة». فإن قالها قبل أن يشعر بالألم، أغلق بها بابًا كان عليه أن يدخله، وأطفأ سؤالًا كان ينبغي أن يحترق فيه. والعيبُ في استعجاله لا في الحكمة. وأنا رأيت هذا كثيرًا، ورأيتُ أنّ الجواب الجاهز في يد رجلٍ كسول يمنعه من أن ينظر.

ويخسر أن يُسائَل. من كان في الأكثرية لا يطالبه من حوله بدليل، وإن كان دينُه يطالبه به. فيمشي عمرَه كلَّه على قولٍ لم يفحصه، وليس عنده ما عندك: ثمنٌ دفعتَه فأجبرك على أن تعرف لماذا تدفعه. وهذه لك لا عليك.

ويخسر راحةَ من لا يحبّ. وهذه تُقال عادةً في سطرٍ فيُمَرّ بها سريعًا، لكنّها عندي أثقلُ ما في هذا العمود، فسأبسطها.

و«مشكلةُ الشرّ» هي السؤالُ عن هذا الألم كلِّه: من أين جاء، ولماذا يقع على من يقع. وهي عند من لا يؤمن لغزٌ فكريّ. فقسوةُ العالم عنده واقعةٌ تُوصف وتُقاوَم، ولا شكوى فيها، لأنّه لا أحد وراءها حتى تُوجَّه إليه. أمّا عندي فهي شكوى موجَّهةٌ إلى من أحبّ.

فحين يموت طفلٌ في الرابعة من السرطان، أقف أنا في موضعٍ لا تقف فيه أنت. أنت أمام حقيقةٍ بشعة، وأنا أمام حقيقةٍ بشعةٍ وسؤالٍ موجَّه إلى من أُحبّ. وليست الشكوى أهون من اللغز؛ الغالبُ أنّها أشدّ. وهذا ثمنٌ في جهتي أنا، أسجّله كما سجّلتُ ما في جهتك.

وسؤالٌ لا بدّ منه: أهذه أثمانُ الإلحاد أم أثمانُ الخروج؟

وهو أقوى ما يُوجَّه إلى هذه الورقة، ولذلك أضعه في صلبها لا في هامشها.

والأربعةُ التي عدّدتُها هي: الجماعةُ التي تُغسّل وتَدفن، والمعنى المتوارث، واللغةُ المشتركة، والباب. وأكثرُها أثمانُ مفارقة الأغلبيّة، لا أثمانُ العقيدة نفسِها. فمن وُلد علمانيًّا في مجتمعٍ علمانيّ يدفن أباه هو أيضًا بآلةٍ تشتغل وحدها: بلديّةٌ ودارُ عزاءٍ وأصدقاءُ عمل. فلا يدفع من هذا البند شيئًا، وبندُ الجماعة سقط عنه بالكامل، وأنا أقرّ به.

والذي يبقى بعد إسقاط هذا البند أضيقُ ممّا عدّدتُ، وهو ثلاثةٌ لا أربعة: أنّ المعنى المصنوعَ يحتاج صانعَه حاضرًا، وأنّ الحقَّ ينقطع أداؤه لا وجودُه، وأنّ الذنبَ يبقى بلا إجراء. وهذه الثلاثةُ لا تسقط بتغيير البلد، بل تسقط بجوابٍ عليها. أمّا البندُ الرابع فثمنُ المكان والزمان، لا ثمنُ القول نفسِه.

وما الذي يُبطل هذه الورقة؟

وقد يقول قائل: ورقةٌ تقول إنّ جدولَها ليس دليلًا، ثمّ لا تذكر ما الذي يُبطلها، تبقى رسالةً في شكل ميزان. فما الذي لو وقع قلتَ عنده: أخطأتُ؟ وهو محقّ، وهذه شروطي، وأنا مُلزَمٌ بها:

١ · إن وُجد مجتمعٌ غيرُ متديّنٍ يجد فيه الناسُ عند الموت والعزاء سندًا كالذي يجدونه في بلدي، سقط البندُ الرابع كلُّه. وهو ساقطٌ بحسب ما قرأتُ من وصف الدنمارك والسويد، وقد أسقطتُه فوق بيدي.

٢ · إن ثبت أنّ المعنى المصنوع يصمد عند العطب كما يصمد المعنى الموروث أو أكثر، سقط البندُ الأوّل. ومقياسُ ذلك ليس الشعور، بل هذا السؤال: من عاش ثلاثين سنةً بمعنًى صنعه ثمّ فقد ما بناه، أيثبت أم يضعف؟ وهو سؤالٌ يحتاج إلى بحث، ولا أدّعي أنّي بحثتُه.

٣ · إن ثبت أنّ للحقّ مرجعًا لا يحتاج إلى أداء، وأنّ فقدَ الأداء يعوّضه شيءٌ آخر، سقط البندُ الثاني. وأنا عرضتُ لك مذهبًا يقول بذلك، ولم أُبطله.

٤ · وإن قلتَ لي: «مرّت بي هذه المواضعُ فلم أجد فيها ما تصف» — فأنا أُصدّقك، ولا أقول لك إنّك لم تعرف اسمَها.

والجدولُ ليس دليلًا

وهنا أقف قبل أن يُساء فهم كلّ ما مضى.

لا شيءَ في هذه الورقة يرجّح أنّ قولًا صادقٌ أو كاذب. راحةُ الفكرة لا تشهد لها، ووحشتُها لا تشهد عليها، والكونُ غيرُ ملزَمٍ بأن يكون صالحًا للسكن. فإن كان قولُك هو الحقّ، فكلُّ ما عدّدتُه عليك ثمنٌ يجب أن يُدفع، ولا يصحّ أن تتركه إلى قولٍ آخر هربًا من ثمنه. وهذه رسالةٌ لا برهان، ومن قدّم لك جدولَ أرباحٍ وخسائرَ على أنّه دليلٌ فقد باعك سلعةً بغير اسمها.

فما فائدتُها إذًا؟ واحدةٌ فقط: أن تعرف ما اشتريتَ.

فأكثرُ من عرفتُهم في الجهتين لم يعرفوا. من دخل ظنّ أنّه اشترى راحةً لا سؤالَ معها، فوجد سؤالًا لا ينام. ومن خرج ظنّ أنّه اشترى صدقًا مجّانًا.

ولستُ أزعم أنّ فاتورةً ستأتيك لا محالة، ولا أنّك إن أنكرتَها فأنت تخفيها عن نفسك. فالدعوى التي لا يمكن أن يظهر خطؤها بأيّ حالٍ لا تصلح أن تكون دعوى. ولو جعلتُ إنكارَك لهذه الأثمان دليلًا عليك، لأخرجتُ كلامي من الحساب إلى التنجيم. إنّما أقول: إن مرّ بك شيءٌ من هذا فاعرف اسمه، وإن لم يمرّ فوصفي لك خطأ، وأنت أعلم بنفسك منّي.

وأطلب واحدةً: أن يكون في دفترك عمودان لا عمودٌ واحد، وأن يكون في العمود الذي ضدّك ما هو مكتوبٌ بخطّك أنت. وقد فعلتُ ذلك في ورقتي هذه بقدر ما استطعت: أسقطتُ بندًا بيدي، وعرضتُ عليك حجّةً تهدم موقفي، وسمّيتُ ما يُبطلني.

أن تدفع الثمنَ وأنت تعرف اسمَه أشرفُ من أن تدفعه وأنت تحسبه مجّانًا.