Skip to content

الإلحادُ في نظر العقلاء من الجهتين

هذه رسالةٌ إليك. وأوّلُ ما فيها نقدٌ لصورةٍ رسمها قومي عنك، لا نقدٌ لك.

في نصفها الأوّل أقول إنّ تلك الصورة باطلة، وهي ثلاثةُ أوصافٍ أسمّيها بعد سطور. وبطلانُها ليس ظلمًا لك وحدك، بل هو قبل ذلك خسارةٌ لمن يرسمها. وفي نصفها الثاني أقول إنّ صورةً شائعةً عن الإلحاد ليست هي الإلحادَ أيضًا. وأقول إنّ خصمي الحقيقيّ في هذا الباب أقوى حجّةً وأنبلُ خصومةً من الصورة التي يُعرف بها اليوم.

فإن لم تكن صاحبَ تلك الصورة فتجاوزِ النصفَ الثاني. لا يلزمك أن تدافع عن قولٍ لا تقول به، ولن أذمّ أحدًا على بابٍ لم يدخله.

أوّلًا: ثلاثةُ أوصافٍ تُقال عنك عندنا، ولا يصمد منها وصفٌ بلفظ العلم

يقال عندنا إنّ الملحد جاهل، أو صاحبُ شهوةٍ أراد أن يتحرّر من القيود، أو حاقدٌ على أهله. ثلاثةُ أوصافٍ تُقال في المجالس، ويُقال معها إنّها معلومة.

ولستُ أدفعها عنك بحسن ظنّ. أمّا الأوّلُ منها فأدفعه لأنّه يمكن أن يُختبر، وقد اختُبر فسقط. ففي سنة ٢٠١٠ سُئلت مجموعاتٌ دينيّةٌ ومذهبيّةٌ في الولايات المتّحدة أسئلةً في الأديان: في الكتب والمذاهب وأحكام التديّن. فكانت أعلى المجموعات في متوسّط الدرجات مجموعةَ الملحدين واللاأدريّين، واللاأدريّون هم الذين يقولون إنّهم لا يدرون أيوجد إلهٌ أم لا [pew-2010-religious-knowledge].

ولا أسوق هذا شاهدًا على أنّ الملحد أعلمُ بديني منّي. فالاستطلاعُ أُجري في بلدٍ واحد، ومقياسُه مسابقةٌ من اثنين وثلاثين سؤالًا، والمسابقةُ تقيس المعرفةَ لا الفهم. والذين سُئلوا ليسوا من أخاطبهم، وأكثرُ الأسئلة في المسيحيّة والأديان الكبرى، وللإسلام فيها أسئلةٌ معدودة.

وقد يقال لي: ليس هذا ما يعنيه الواعظ حين يقول «جاهل»؛ إنّما يعني «لم يبلغه الحقّ». ومن يقول ذلك صادقٌ في اعتراضه. فأضيّق دعواي حتّى تصير دعوًى واحدة: للتهمة صيغةٌ واحدةٌ فقط يمكن عدُّها، وقد عُدّت حيث أمكن عدُّها فلم تصمد. وما بقي منها لا يُعدّ أصلًا، فلا ينبغي أن يُقال كأنّه أمرٌ معلوم.

وأمّا «الشهوة» و«الحقد» فليسا دعويين أصلًا. إنّهما تخمينٌ لما في نيّتك، ولا أحدَ من الناس يطّلع على نيّتك: لا أنا ولا غيري. ومن جزم بأنّه يعلم لماذا تركتَ الدين، من غير أن يجلس إليك، فقد ادّعى أنّه يعلم الغيبَ المستورَ في نفس إنسان. وهذا أشدُّ ممّا يتّهمك به.

ثمّ إنّ لهذه الصورة كلفةً على قائلها لا عليك، وهي التي تعنيني: من صدّق أنّ خصمَه أحمق لم يستعدّ له. فإن جلس من يصدّقها إلى رجلٍ أمضى عشرَ سنواتٍ في المسألة، وليس معه هو إلا ما تعلّمه في مجلس، انكسر في نصف ساعة. ولا ينكسر لأنّ المسألة حُسمت لخصمه، بل لأنّه دخلها غيرَ مستعدّ. ثمّ لا يقول «قصّرتُ أنا»، بل يقول «الشبهةُ خطيرة»، ويهرب من الباب كلِّه.

تصغيرُ الخصم تدريبٌ على مناظرة ظلّ.

وأصدقُ ما يهدم هذه الصورة أنّ في جهتك رجالًا جعلوا هذه المسألة جزءًا كبيرًا من أعمارهم. منهم غراهام أوبي، وهو فيلسوفٌ أستراليٌّ من أبرز من دافع عن الإلحاد. درس أشهرَ أدلّة وجود الله دراسةً نقديّةً في مجلَّدٍ جامعيٍّ واحد [oppy-2006-arguing-gods]. وجون ماكي كتب في الأخلاق كتابًا لا يزال يُدرَّس بعد نحوِ خمسين سنة [mackie-1977-ethics]. ووليم رو صاغ مشكلةَ الشرّ صياغةً استدلاليّة، أي حجّةً ترجّح ولا تدّعي البرهان، فغيّرت صياغتُه الميدان [rowe-1979-varieties]. وبول درابر بنى في الألم واللذّة حجّةً تقارن بين فرضين، تُدرَّس اليوم في أقسام الفلسفة [draper-1989-pain-pleasure].

ولا أدّعي أنّي اطّلعتُ على ردودنا عليهم كلِّها. لكنّ أكثرَ ما وقع لي منها لم يكن ردًّا على هذه الكتب نفسِها، بل على خلاصاتٍ عنها. وهي جملةٌ ثقيلة، أقولها وأنا أعرف ثقلها. وهي شهادةٌ بما رأيتُ، لا إحصاءٌ لكلّ ما كُتب. فإن دلّني أحدٌ على ردٍّ عربيٍّ ناقش الكتابَ نفسَه في مواضعه، رجعتُ عن قولي بقدر ما دلّني عليه.

ثانيًا: وصورةٌ شائعةٌ عن الإلحاد، أهدمها كما هدمتُ الصورةَ الأولى

الآن دورُ الجهة الأخرى.

أكثرُ ما يصل إلى القارئ العربيّ اليومَ من الإلحاد صورةٌ واحدة: صورةُ دوكينز ومن سار على طريقته. وأقول هذا ملاحظةً لا إحصاءً، فإن كنتَ قرأتَ غيرَها فتجاوز هذه الفقرة. وهي كتبٌ فصيحةٌ واسعةُ الانتشار. لكنّ الذي أريد أن أضعه بين يديك أنّ الاعتراض عليها لم يأتِ من جهتي وحدها.

توماس ناجل ملحدٌ، ومن كبار فلاسفة العقل المعاصرين. وقد كتب سنة ٢٠٠٦ مراجعةً منشورةً نقد فيها الحجّةَ الأساسيّة في كتاب `The God Delusion`. وبيّن أنّها تقوم على افتراضٍ: أنّ كلَّ مصمِّمٍ لا بدّ أن يكون معقّدًا بقدر تعقيد ما صمّمه. والمؤمنُ لا يسلّم بهذا الافتراض أصلًا. ويقول ناجل في ردّه على دوكينز إنّ الإلهَ أيًّا كان ليس كائنًا مادّيًّا معقّدًا من سكّان العالم الطبيعيّ، حتّى يُطلب لوجوده تفسيرٌ مادّيٌّ كما يُطلب لكائنات هذا العالم. وإنّما تفسّر فرضيّةُ الإله ما في العالم بقصدِ عقلٍ لا جسدَ له [nagel-2006-fear-of-religion].

وأنا أعرف أنّ ناجل ليس شاهدًا محايدًا. فهو في جهته صاحبُ رأيٍ لا يشاركه فيه أكثرُ أهلها. كتب بعد ذلك `Mind and Cosmos`، وفي عنوانه نفسِه أنّ التصوّرَ المادّيَّ الدارونيَّ الجديدَ للطبيعة باطلٌ يقينًا أو يكاد، فنقده أهلُ جهته أنفسُهم نقدًا شديدًا [nagel-2012-mind-cosmos]. واختيارُه شاهدًا اختيارٌ منّي، وأنا أُعلنه لك.

وإريك ويلنبرغ ملحدٌ آخر. بنى نظريّةً في أسس الأخلاق تقول بواقعيّةٍ أخلاقيّةٍ بلا إله: فالخيرُ والشرُّ عنده حقيقتان لا مجرّدُ أذواق، وليس مصدرُهما إلهًا [wielenberg-2014-robust]. وله مقالةٌ محكَّمةٌ خصّصها ليقول إنّ حجّة دوكينز لا تنجح [wielenberg-2009-dawkins-gambit]. والمقالةُ المحكَّمة هي التي تُعرض قبل نشرها على مختصّين يقبلونها أو يردّونها. ومقالتُه منشورةٌ في `Philosophia Christi`، وهي مجلّةٌ محكَّمةٌ ذاتُ توجّهٍ مسيحيّ. وأذكر هذا لأنّه ممّا يُسأل عنه، ولأنّ الذي أطلبه منك أن تسأل.

والشاهدان كلاهما في حجّةٍ واحدةٍ من كتابٍ واحد. فلا أبني عليهما حكمًا على صنفٍ من الكتب؛ فنقدان لمقطعٍ واحدٍ لا يكفيان للحكم على مكتبة. وما أدّعيه أضيقُ من ذلك: أنّ أشهرَ حجّةٍ في أشهرِ كتابٍ اعترض عليها أهلُ جهتها أنفسُهم، بأدوات أهل الاختصاص. فاسأل عن غيرها، ولا تأخذ عنّي أنّ غيرَها مثلُها.

وأصرحُ ما في هذا كلِّه شرطُ أوبي. الرجلُ ملحدٌ فحص الأدلّةَ واحدًا واحدًا، وانتهى إلى أنّه لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين. و«النجاح» عنده أن تُلزم الحجّةُ بالتسليم كلَّ عاقلٍ كان ينكر نتيجتَها أو يتوقّف فيها. وهذا عنده لم يقع لحجّةٍ من الفريقين [oppy-2006-arguing-gods].

وهذا الشرطُ يصيب جهتي قبل أن يصيب جهتك. فإن لم توجد حجّةٌ تُلزم كلَّ عاقلٍ بالتسليم، وهو المعنى الذي حدّه أوبي، فليس في يدي أنا حجّةٌ تُلزمك بهذا المعنى. ومن أخذ بشرط أوبي لزمه أن يخفّف درجةً أو درجتين من دعوى الإلزام هذه، لا من يقينه بما هو عليه. وأنا أوّلُ من يلزمه ذلك، فلا أطلبه منك وأُعفي نفسي منه.

ثمّ إنّ أوبي نفسَه طبيعانيٌّ معلن، والطبيعانيّةُ هي الموقفُ القائل إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. وهو يرجّح الطبيعانيّةَ على القول بوجود إلهٍ بمقاييس يسمّيها «الفضائلَ النظريّة»، أي: قلّةُ ما تفترضه النظريّة من موجودات، وسعةُ ما تفسّره [oppy-2013-best-argument]. فتساوي الحجج في القوّة عنده لا يعني تساويَ الموقفين، والرجلُ الذي أستشهد بإنصافه ليس في صفّي. وأنا آخذ منه شرطَه ولا آخذ نتيجتَه، وأقول لك ذلك صراحةً.

ولستُ أسوق هذا لأنزع منك كتابًا أحببتَه. الكتبُ الشائعة تُحسِن أشياءَ لا تُحسِنها الكتبُ الأكاديميّة: تفتح البابَ، وتُخرج المسألةَ من دائرةٍ مغلقة، وتكتب بلغةٍ تُقرأ. لكنّ لها ثمنًا: من اكتفى بها ظنّ أنّ اللقاءَ الحقيقيّ قد وقع وانتهى، وهو لم يقع.

وقُلِ الشيءَ نفسَه في جهتي تمامًا: من قرأ الإيمانَ في كتب المنابر وحدها قرأ ما كُتب للوعظ لا للمناظرة. فلم يصل إلى أقوى ما عند أهله من حجج، وإنّما وصل إلى أوسعه انتشارًا.

وهنا إقرارٌ عليّ أن أقوله صراحةً لا أن أمرّ به. الأسماءُ التي سأذكرها بعد قليلٍ في جهتي ثلاثةُ فلاسفةٍ مسيحيّين من بلاد الغرب: سوينبرن وفان إنفاغن وآدمز، وأنا أذكرهم في رسالةٍ عربيّة. ومن حقّك أن تسأل: فأين نظيرُهم عندنا؟ وجوابي: لا أستطيع أن أضع بين يديك اسمًا عربيًّا معاصرًا اشتغل على هذه المسائل بعينها وبهذه الأدوات، وأدلّك على كلامه بموضعٍ وصفحة. وقد يكون موجودًا ولم أصل إليه، وقد لا يكون. فإن كان الأوّل فالنقصُ في اطّلاعي أنا. وإن كان الثاني فهو نقصٌ في متابعتنا المعاصرة، لا في أصل المسألة عندنا: فإثباتُ الصانع، وتعليلُ أفعال الله، ومسألةُ الشرّ، أبوابٌ مبسوطةٌ في كتب علم الكلام عند المسلمين، وهو النظرُ العقليُّ في العقائد. وحجّةُ الغزاليّ في حدوث العالم موضعُها الفصل السادس من هذا الكتاب. وليس واحدٌ من الأمرين حجّةً عليك.

ثالثًا: كيف يتكلّم أهلُ الصنعة في الجهتين

وهذا لبُّ الرسالة كلِّها: لا مَن يقول، بل كيف يقول.

رو هو صاحبُ أشهرِ صياغةٍ استدلاليّةٍ لمشكلة الشرّ. وفي المقالة نفسِها التي صاغها فيها وضع مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، وقرّر أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه [rowe-1979-varieties]. رجلٌ يبني الحجّةَ ضدّي، ثمّ يكتب بيده أنّي لستُ أحمق باعتقادي.

ودرابر ينصّ على أنّ حجّته تقارن بين فرضين ولا تنقض أحدَهما: فتوزيعُ الألم واللذّة أرجحُ على فرضٍ منه على فرضٍ آخر. وهذا لا يُثبت أنّ القولَ بوجود إلهٍ كاذب، ويمكن أن تُرجّحه أدلّةٌ أخرى [draper-1989-pain-pleasure]. والشرطُ مكتوبٌ بقلم صاحب الحجّة، لم يُنتزع منه انتزاعًا.

وماكي من أشدّهم على الإيمان، ومع ذلك يسلّم في كتابه الثاني بأنّ مشكلة الشرّ لا تُظهر تناقضًا منطقيًّا بين عقائد الإيمان الأساسيّة. والسببُ عنده أنّ دفاعًا بعينه ممكنٌ من جهة المنطق، هو «دفاعُ الخير من الرتبة الثانية». ومعنى هذا الدفاع أنّ من الخير ما لا يقع إلا بعد شرٍّ يسبقه: فالشجاعةُ لا تكون إلا مع خوف، والرحمةُ لا تكون إلا مع ألم. ثمّ يواصل ماكي الخصومةَ من بابٍ آخر [mackie-1982-miracle].

وفي جهتي أنا مثلُ ذلك. بيتر فان إنفاغن مسيحيٌّ مؤمنٌ بالله، ألقى في الشرّ محاضراتِ غيفورد، وهي سلسلةُ محاضراتٍ جامعيّةٌ مشهورة. ولم يجعل غايتَه أن يفسّر الشرّ، بل قصَرها على ما هو أضيقُ من ذلك. فعرض ما يسمّيه «دفاعًا». والدفاعُ عنده قصّةٌ قد تكون صادقةً في حدود علمنا، ولا يدّعي صاحبُها أنّها السببُ الواقعيّ. وغايتُه أن يبيّن أنّ الحجّةَ غيرُ ملزِمة، لا أن يقول لماذا يقع الشرّ ولماذا يُترك [van-inwagen-2006-evil]. ومارلين آدمز مؤمنةٌ بالله على ملّتها المسيحيّة. وهي تقرّر أنّ أشهرَ الدفاعات تعجز أمام الشرور الفظيعة، لأنّها تنظر إلى خير العالم كلِّه، لا إلى خير الإنسان المصاب نفسِه [m-adams-1999-horrendous]. وسوينبرن أشهرُ من صاغ الحجّةَ التراكميّة، وهي أن تُجمع الأدلّةُ الصغيرةُ فيرجّح مجموعُها ما لا يرجّحه واحدُها. وهو يضع الشرَّ في ميزانه دليلًا ضدّ القول بوجود إله، ويسلّم بأنّه يُنقص الاحتمالَ قليلًا. ثمّ ينتهي إلى أنّ وجودَ الله أرجحُ من عدمه إذا جُمعت الأدلّةُ كلُّها. وهي أرجحيّةٌ لا يقين، ولا يضع لها رقمًا [swinburne-2004-existence].

هؤلاء جميعًا يتكلّمون بلغة الترجيح لا الحسم. ويعرف كلٌّ منهم أين تضعف حجّتُه، ويقولها قبل أن يقولها خصمُه.

وفي سنة ٢٠٠٩ أُجري استطلاعٌ لآراء أساتذة الفلسفة، في أقسامٍ يتكلّم أكثرُها الإنجليزيّة، ونُشرت نتائجُه سنة ٢٠١٤. وكان الإلحادُ فيه رأيَ الأكثريّة بفارقٍ واسع، وكان القولُ بوجود إلهٍ رأيَ نحوِ سُبعِ المجيبين. وهذا إحصاءٌ للآراء، لا ميزانٌ للحجج [bourget-chalmers-2014-survey]. ولا يُثبت هذا شيئًا في المسألة نفسِها، فرأيُ الأكثريّة ليس دليلًا.

والذي أطلبه في هذه الرسالة هو هذا الأدب، لا هذه النتيجة.

رابعًا: جدالٌ قلّما التقى طرفاه

وأصدقُ ما أعرفه عن الجدل الدائر بالعربية أقولُه ملاحظةً لا إحصاءً: أكثرُ ما رأيتُه منه يدور بين رجلين لم يقرأ أحدُهما كتابًا واحدًا لخصمه.

الواعظُ في هذا الصنف يردّ على منشور، والملحدُ فيه يردّ على واعظ. فإذا نظرتَ في الردَّين وجدتَ كليهما مصيبًا، لأنّ كلًّا منهما يردّ فعلًا على ما وصله. لكنّ ما وصله صورةٌ لا يقف وراءها أحد. ولا أحدَ منهما يخاطب الآخر أصلًا؛ كلٌّ منهما يخاطب جمهورَه، ويحسب أنّه في ساحة مناظرة.

وقد وقع منّا نحن ما هو أسوأُ من هذا. يُنقل عندنا أنّ ماكي «يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعيّة تحتاج إلهًا». وللنقل أصلٌ لا أُنكره: فماكي كتب بقلمه أنّ القيم الموضوعيّة لو وُجدت لجعلت وجودَ إلهٍ أرجحَ ممّا يكون بدونها [mackie-1982-miracle]. لكنّها جملةٌ شرطيّةٌ كتبها رجلٌ ينفي الشرط؛ فأطروحتُه أنّ القيم الموضوعيّة لا توجد. وحجّتُه على ذلك «حجّةُ الغرابة»، وعليها بنى كتابَه في الأخلاق. ومعناها أنّ قيمًا موضوعيّةً كهذه تكون شيئًا غريبًا، لا نظيرَ له في الوجود ولا في طريقة معرفتنا بالأشياء [mackie-1977-ethics].

فأخذنا مقدّمةً كتبها ليهدمها، ونزعنا عنها «لو»، وجعلناها شهادةً منه لنا. وهذا هو الفرقُ بعينه بين أن تقرأ الرجلَ في موضعه وأن تقرأه في خلاصةِ ناقلٍ عن ناقل.

وأنا أعتذر عن هذه.

وإنّما صار هذا ممكنًا لأنّ كثيرًا من الجدال عندنا يتناقل النتائجَ ولا يرجع إلى مواضعها. تُنقل الخلاصةُ عاريةً من شرطها، ثمّ تُنقل عن الناقل، ثمّ يُصنع منها سلاح. والحجّةُ لا تُفهم من خلاصتها. فشرطُها في مقدّمتها، والمقدّمةُ لا تُقرأ إلا في موضعها.

خامسًا: المسألةُ التي بيني وبينك بعينها

وبيني وبينك مسألةٌ تستحقّ أن نلتقي عليها بأسمائها وأدلّتها ومواضعها. ورسالةٌ تقول هذا ولا تسمّي المسألةَ رسالةٌ ناقصة. فهذه المسألةُ كاملةً. وأذكرها لأنّها أثقلُ ما يُحتجّ به عليّ، لا لأنّها أسهلُ ما أجيب عنه:

الشرّ. لا بالصيغة التي تُقال على المنابر، بل بصيغتين محدَّدتين:

الأولى — صيغة رو (١٩٧٩). يقرّر رو أنّ في العالم آلامًا شديدة، ومثالُها ظبيٌ يحترق في حريق غابة، ويبقى أيّامًا يتألّم. وهي آلامٌ كان في وسع قادرٍ عليمٍ أن يمنعها، من غير أن يفوت بمنعها خيرٌ أعظم، ومن غير أن يقع شرٌّ مثلُها أو أشدّ، «فيما يظهر لنا» بعبارته. ثمّ يبني على ذلك أنّه إن وُجد ألمٌ واحدٌ من هذا النوع، فلا يوجد إلهٌ بالوصف المعروف. ويصرّح رو نفسُه بأنّ هذه المقدّمة معقولةٌ عنده، لا مُثبَتةٌ ببرهان [rowe-1979-varieties].

والثانية — صيغة درابر (١٩٨٩)، وهي عندي أثقل. لا يدّعي درابر أنّ الشرّ يُبطل القولَ بوجود إله، وإنّما يقارن بين فرضين: فرضِ وجود إله، وفرضِ «اللامبالاة». وفرضُ اللامبالاة أنّ حالَ ذوي الشعور من الأحياء على الأرض لم يصدر عن كائنٍ عاقلٍ غيرِ البشر يقصد بهم خيرًا أو شرًّا. ثمّ يقول إنّ توزيعَ الألم واللذّة في عالم الأحياء أرجحُ وقوعًا على الفرض الثاني منه على الأوّل. ويعني بهذا التوزيع أمرين: أنّ الألمَ واللذّةَ مرتبطان بالبقاء والتكاثر، وأنّهما يقعان على كائناتٍ ليست مسؤولةً أخلاقيًّا [draper-1989-pain-pleasure]. وثقلُ هذه الصيغة أنّها لا تُردّ بما تُردّ به الأولى.

والجوابُ المألوف عندنا أنّ عقولنا أضيقُ من أن تحكم بأنّه لا يوجد خيرٌ أعظم. وهو جوابٌ له وجه. وقد صرّح فان إنفاغن بأنّ غايتَه أن يبيّن أنّ الحجّة لا تصلح برهانًا، لا أن يقول لماذا وقع الشرّ [van-inwagen-2006-evil].

ولهذا الجواب ثمنٌ ينبغي أن أدفعه علنًا في موضعين:

أوّلهما أنّه سيفٌ ذو حدّين. فمن احتجّ على خصمه بقوله «لا أدري ما الخيرُ الخفيّ»، فقد أضعف في الموقف نفسِه قدرتَه على أن يحتجّ عليه بأيّ خيرٍ يراه. وهذا عيبٌ في بنية الجواب نفسِه، لا اعتراضٌ عابر.

وثانيهما أنّه لا يمسّ صيغةَ درابر أصلًا: المقارنةُ بين فرضين تبقى قائمةً وإن جهلنا التفاصيل، لأنّها لا تدّعي أن تعلمها.

وأصدقُ من قال هذا في جهة الإيمان بالله امرأةٌ مؤمنةٌ به على ملّتها المسيحيّة، هي مارلين آدمز. فهي تقرّر أنّ دفاعات الخير الأعظم تعجز أمام الشرور الفظيعة، لأنّها تنظر في ميزان العالم كلِّه، لا في حال الإنسان المصاب نفسِه [m-adams-1999-horrendous].

فهذه هي المسألة: اسمُها، وصاحبُها، وسنتُها، وموضعُها، وأين يضعف فيها موقفي أنا لا موقفُك. وإن أردتَ أن نلتقي فهنا الموضع — لا في «هل الكون مصادفة» ولا في «من خلق الخالق». وقد بسطتُ هذه المسألةَ والأجوبةَ عنها وحدودَ كلِّ جوابٍ منها في الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب؛ فإن كانت هي سببَك فارجع إليه.

سادسًا: وما الذي يزحزحني أنا

ومن حقّك أن تسأل: ما الذي يُحسب في ميزاني ضدّ موقفي؟ وهو سؤالٌ لم أجب عنه بعدُ، فأجيب:

أوّلًا: قد أكون أنا المخطئ في حجّتي، لا فيما أدين به. أقولها لا مجاملةً، بل لأنّ شرطَ أوبي الذي أخذتُه يلزمني بها: من قال «لا حجّةَ تُلزم» فقد قالها على نفسه أوّلًا.

وثانيًا، ما الذي يزحزحني في المسألة التي سمّيتُها؟ لو تبيّن لي أنّ صيغة درابر تبقى راجحةً بعد أن يُوزن معها كلُّ ما أضعه أنا في الكفّة الأخرى، ولم أجد في حساب الاحتمال فرقًا أستند إليه، لزمني أمران: أن أقول ذلك صراحةً، وأن أُسمِّيَ ما ضعُف باسمه، وهو جوابي عن الشرّ وطريقي في وزنه، لا ما أدين به؛ فإنّي لم أبنِه على ربح هذه الموازنة. وعجزُ الطريق عجزُ سالكِه، فلا أدّعي جوابًا حتّى أجده، ولا أتّخذ عجزي حجّةً لي. ولستُ أعِدك بأنّ ذلك سيقع. لكنّي أعِدك بأنّه الشيءُ الذي أنظر فيه، وأنّه المكان الذي أخافه في نفسي، وأنّي أعرف أنّي أخافه.

وثالثًا، إن قرأتَ كلَّ ما أطلبه، وجلستَ بالأدب الذي وصفتُه، ثمّ بقيتَ حيث أنت — فليس لي عندك شيء. لا أُلزمك بشيء، ولا أُصدر عليك في هذه الصفحات حكمًا، ولا أدّعي أنّي أعلم ما يصير إليه أمرُك. هذا حدُّ ما أملك، ولستُ أزيد عليه لأنّي لا أملك الزيادة.

وحدُّ هذه الرسالة

وهذه رسالةٌ لا برهان.

لم أُثبت لك شيئًا في هذه الصفحات، ولا حاولت. فوجودُ فلاسفةٍ عظامٍ بين الملحدين لا يجعل الإلحادَ صوابًا، كما أنّ وجودَ فلاسفةٍ عظامٍ بين المؤمنين لا يجعل الإيمانَ صوابًا. فكلُّ قولٍ يصحّ بحجّته، لا برجاله. وقد قصدتُ هذا الحدَّ ولم أقع فيه سهوًا. ومن طلب الدليلَ فموضعُه فصولُ الأدلّة من هذا الكتاب، وهي قبل الرسائل.

وحدٌّ ثانٍ أثقل، وهو في الرسالة نفسِها. قلتُ قبل قليل إنّ كلًّا منهما يخاطب جمهورَه ويحسب أنّه في ساحة مناظرة. وهذا الوصفُ يصدق على هذه الصفحات أيضًا: فهي مكتوبةٌ بخطابٍ موجَّهٍ إليك، لكنّها منشورةٌ في كتابٍ يقرؤه قومي قبل أن يقرأه غيرُهم. فقد يكون نصيبُك منها أن تكون شاهدًا في خصومةٍ بيننا نحن، لا أن تكون المخاطَبَ بها. ولستُ أعرف كيف أخرج من هذا خروجًا تامًّا وأنا أكتب حيث أكتب. وأقلُّ ما أفعله أن أقوله لك ولا أدعك تكتشفه.

وكلُّ ما أدّعيه بعد ذلك أضيق: أنّ بيني وبينك مسألةً واحدةً سمّيتُها بموضعها، وأنّ الجدالَ الدائرَ اليوم ليس فيها. وأنّ من دخل عليك بالأوصاف الثلاثة قد خسرك قبل أن يفتح فمه.

فإن جلستَ يومًا إلى واحدٍ منّا يقول لك «لا أدري» في موضعه، ويضع بيده في ميزانه الدليلَ الذي يُحتجّ به عليه، ولا يسألك عن نيّتك — فاعلم أنّه قرأ خصمَه. وإن جلستُ أنا إلى واحدٍ منكم يعرف أنّ حجّته ترجيحٌ لا حسم، ويعرف أين تعثّرت — فقد قرأ خصمَه كذلك.

وهذان الاثنان يقع بينهما كلامٌ يستحقّ أن يُسمَّى كلامًا. وسائرُ ما نراه رجلان يصرخان في اتجاهين متعاكسين، ويظنّ كلٌّ منهما أنّ الآخرَ سمعه.