Skip to content

٢٢. كيف تعرف أنّ كتابًا وحيٌ من الله؟ خمسةُ معايير

السؤال: بأيّ ميزانٍ تُختبر دعوى أنّ اللهَ تكلّم؟

الجوابُ في سطرين: بخمسة معايير، تُسلَّم إليك لتزن بها ما شئت، بما في ذلك ما أقوله أنا. وأكثرُها يُسقط ولا يرفع: أي يكشف الدعوى الضعيفة فيُخرجها من الحساب، ولا يُثبت صدقَ ما يبقى. وهذا حدُّها لا عيبُها: فالميزانُ الذي يُسقط ينقّي ما يُعرض عليك، ثمّ يبقى الحكمُ لك بأدواتٍ أخرى.

وأربعةٌ من هذه المعايير إجرائيّةٌ أو داخليّة: تسأل كيف وصل النصّ، وهل يتّسق مع نفسه، وهل يقول شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه، وما أثرُه فيمن عمل به. والخامسُ وحدَه ينظر في المقول نفسِه: أفي مضمونه ظلمٌ تعرفه يقينًا؟ وهذا الخامسُ أقربُ المعايير إلى ما يُخرج كثيرًا من الناس من دينهم فعلًا. فالذي أخرجهم ليس مسألةً في نشأة الكون، بل نصٌّ قرؤوه فاستقبحوه. وأقول هذا ملاحظةً، لا نتيجةَ مسحٍ أُحيل عليه.

لماذا لا أُجري هذه المعايير هنا على دينٍ بعينه؟

فإن قلتَ: أعطيتني ميزانًا، وقلتَ إنّه لا يرفع، ثمّ لم تُرني كيف يُمسَك، ثمّ جعلتَه ممّا أخرج به من هذا الكتاب — فهذا اعتراضٌ في محلّه، وجوابي عنه من ثلاثة وجوه:

١. إجراؤها على دينٍ بعينه عملٌ لا يُتقَن في فصل. فهو يحتاج مخطوطاتٍ، وتواريخَ نقل، ونصوصًا بلغاتها الأصليّة، وكلُّ بابٍ منه كتاب. ومن أجراه في صفحاتٍ فقد أوهمك أنّ الميزانَ أخفُّ ممّا هو.

٢. والتدريبُ عليها لا يحتاج دينًا بعينه: فهي تُجرى على دعوى غير دينيّة، فترى الأداةَ وهي تعمل، دون أن أحكم عنك في مسألةٍ حكمُها لك.

٣. وأُقرّ بالتفاوت: فأنا أمتنع هنا عن التعيين. والفصلان التاليان يفترضان دينًا بعينه، ويتكلّمان فيمن تسأله في شكّك وفي البيئة التي تعيش فيها. وقد يُقال: الحيادُ حيث لا يكلّف، والتعيينُ حيث يكلّف. وهذا وصفٌ صحيحٌ للحال. وجوابي أنّهما فصلان عمليّان موجَّهان إلى من اختار، وليسا جزءًا من الميزان.

المعاييرُ الخمسةُ غيرُ مرتّبةٍ بالقوّة — ولماذا

والمعاييرُ الخمسةُ لا تُرتّب بالقوّة. فمن رتّبها فليسأل نفسَه: أرتّبتُها قبل أن أعرف ما أريد أن أخرج به، أم بعد؟ فإن كان المعيارُ لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجوابَ المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة. والترتيبُ بعد معرفة الجواب هو هذه العلّةُ عينُها، لا فرعٌ منها.

ومثالُ ذلك قريب: من جعل «سلامةَ النقل» أقوى الخمسة، و«أثرَه في حامله» أضعفَها، فقد جعل أقوى المعايير المعيارَ الذي تُحرز فيه دعوى كدعواي أحسنَ ما عندها. وجعل أضعفَها المعيارَ الذي تُواجَه فيه بأسوأ ما عليها. وهذا بعينه ترتيبٌ بعد معرفة الجواب.

ومعيارٌ واحدٌ أصرّح بضعفه، هو أثرُه في حامله، لأنّ ضعفَه مذكورٌ بأسبابٍ تُفحص لا بذوقٍ يُدّعى. وهذا الضعفُ يقع عليّ حين أحتجّ بحسن الأثر، ويقع لي حين يُحتجّ عليّ بسوئه. وأنا أستعمله في الوجهين (انظر الفصل الرابع والعشرين). فاقرأه بكفّتيه، ولا تظنّ أنّ إعلانَ ضعفه خسارةٌ عليّ وحدي.

المعيار: سلامةُ النصّ — هل وصل إلينا كما قيل أوّلَ مرّة؟

وهي أسئلةٌ وصفيّةٌ تُطرح على كلّ دعوى وحيٍ بلا استثناء، ودعوى الدين الذي أؤمن به أوّلُها: أموجودٌ النصُّ بلغته الأولى، أم يُقرأ بترجمةٍ عن ترجمة؟ ألَه طريقُ نقلٍ يُعرف، أم في طريقه انقطاعٌ يُسأل عنه؟ وكم بين نسخه من فرق، ومن أيّ نوع؟ وجوابُ كلّ نصٍّ عن هذه الأسئلة يُقابَل على مخطوطاته وطبقات نقله عند أهل الاختصاص به، ولا يُقرَّر هنا عن أحد.

*المثال:* تتنازع مع أحدٍ في وصيّة، فتذهبان إلى المحكمة. أوّلُ ما تطلبه المحكمةُ الأصلُ الموقَّع، لا نسخةً منقولةً عن نسخة. ولو كان الأصلُ مفقودًا لم تبطل الوصيّةُ تلقائيًّا، لكنّ وزنَها في الميزان ينقص، ويصير النزاعُ في النقل قبل أن يكون في المضمون.

*وحدُّه:* سلامةُ النقل لا تُثبت صدقَ المنقول. فرسالةٌ محفوظةٌ حرفًا بحرفٍ منذ ألف سنة قد تكون كاذبةً من يوم كُتبت. فهذا المعيارُ يقول لك: هل تناقش النصَّ نفسَه أم تناقش شبحَه؟ ولا يقول أكثر.

وميزتُه أنّه يُفحص ولا يُدّعى: المخطوطاتُ تُعدّ، والفروقُ تُصنَّف، وطرقُ النقل تُتتبَّع. ولا أقول إنّه أوثقُ الخمسة، لأنّ هذا ترتيبٌ لها. والعلّةُ التي تمنع ترتيبَها باقيةٌ ولو تغيّر اللفظ. وهو مع ذلك أنفعُ الخمسة لي، فلا أرفعه بصيغة تفضيل. و«يُفحص» لا تعني «أدلَّ على الصدق»، فسلامةُ النقل لا تُثبت صدقَ المنقول. واللفظان يُخلطان كثيرًا. ومن خلطهما ظنّ أنّه أثبت أكثرَ ممّا في يده.

وأنبّه على نفسي: هذا المعيارُ بعينه يحابي نصًّا كالنصّ الذي أؤمن به. فمن ردّ تقديمي له فله وجه، وليَزِن بالخمسة غيرَ مرتّبة. ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزانَ وأخذ بإعلان صاحب الدعوى عن نفسه. وأنا صاحبُ دعوى، فلا تقبل شهادتي فيه.

المعيار: اتّساقُ التصوّر — هل يناقض الوصفُ نفسَه؟

أفي وصف الإله تناقض؟ أيُثبَت له وصفٌ في موضع، ثمّ يُنفى عنه نظيرُه في موضعٍ آخر بلا فرق؟

*المثال:* تنظر في جدول الحصص فتجد المعلّمَ نفسَه في فصلين في الساعة نفسِها. لا تحتاج أن تزور المدرسة لتعرف أنّ في الجدول خطأً؛ العطبُ ظاهرٌ في الورقة ذاتها.

*وحدُّه:* الاتّساقُ شرطٌ لا يكفي. فالروايةُ المخترعةُ بعنايةٍ متّسقةٌ تمامًا، والشهادةُ الصادقةُ قد تبدو مضطربةً حتى تُفهم. فهذا معيارٌ يُسقط ولا يرفع: مصفاةٌ تمنع الحصى، ولا تقول لك شيئًا عن الملح الذي يمرّ منها.

*وحدُّه الثاني:* أنّه داخليٌّ فقط. يفحص الورقةَ على نفسها، ولا يخرج بها إلى العالم ولا إلى الضمير. وقابليّةُ التكذيب تخرج بالنصّ إلى العالم، والمضمونُ الأخلاقيّ يخرج به إلى الضمير.

المعيار: قابليّةُ التكذيب — هل تقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه؟

أتقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه؟ أم أنّها مصوغةٌ بحيث يوافقها كلُّ احتمال؟

*المثال:* بائعان في سوق الهواتف. أحدُهما يقول: «بضاعتي جيّدة». والآخرُ يقول: «إن تعطّل الهاتفُ خلال سنةٍ رددتُ ثمنه». الثاني وضع على الطاولة شيئًا يمكن أن يخسره، فكلامُه يحمل معلومة. والأوّلُ قال ما يقوله كلُّ بائعٍ في كلّ حال.

والفكرةُ اشتهرت بالفيلسوف النمساويّ الأصل كارل بوبر، والأمانةُ تقتضي أن يُنقل حدُّها معها. فقد وضعها فاصلًا بين العلم وغيره، ونصّ على أنّ الدعوى التي لا تقبل التكذيب قد تكون ذاتَ معنى، بل قد تكون صادقة. لكنّها خارجُ العلم بهذا المعنى. أمّا مدُّها إلى المسائل التي لا يبلغها القياسُ ولا التجربة فأمرٌ متنازَعٌ فيه. وهذه هي المسائلُ التي تُسمّى «الميتافيزيقيّة»: كوجود الله، وهل للإنسان نفسٌ غيرُ بدنه، ولماذا يوجد شيءٌ أصلًا بدلَ لا شيء. فكونُ الدعوى غيرَ قابلةٍ للتكذيب لا يجعلها كاذبة؛ يجعلها غيرَ مختبَرةٍ بهذه الأداة، وذاك شيءٌ آخر.

وهذا المعيارُ يقطع في الاتّجاهين، وهو أخطرُ ما فيه: من طلب من دعواه أن تكون قابلةً للتكذيب لزمه أن يقبل التكذيبَ إن وقع.

وقد جرّبتُه على نفسي في عملٍ سابقٍ لهذا الكتاب. فهناك دعاوى عدديّةٌ شائعةٌ يقولها الناسُ عن نصٍّ أعظّمه، فعُدَّت الألفاظُ فيها لفظًا لفظًا. فخالف العدُّ ثلاثًا منها، فتركتُ عرضَها. وأشدُّ ما في تلك التجربة درسٌ يسبق العدد: الدعوى التي لا تحدّد ما تعدّه لا تُختبر أصلًا — فكلمةُ «يوم» غيرُ «يومًا»، وغيرُ «اليوم». فعيبُ تلك الدعاوى في صياغتها قبل أن يخالفها الرقم.

ولا أُكبّر هذا فوق قدره. فما تركتُه دعاوى ملحقةٌ لم أبنِ عليها شيئًا، ولم يعتقدها أحدٌ ركنًا من دينه، ولم تكن الدعوى الكبرى نفسَها. وأن تعترف بذنبٍ لم ترتكبه ليس اختبارًا. والسؤالُ الذي يهرب منه ذلك المثالُ هو السؤالُ الحقيقيّ:

فما الذي لو ظهر لأسقط الدعوى الكبرى عندي؟

أجيب، ولا أتعلّل بأنّ الجوابَ ثقيل. هذه صورٌ لو ثبتت واحدةٌ منها لسقطت الدعوى عندي، أو سقط أكثرُها:

  • أن يثبت في النصّ تبدّلٌ حقيقيٌّ في النقل — لا فروقٌ في طريقة كتابة الكلمات، ولا في وجوه قراءتها المعروفة، بل زيادةُ حكمٍ أو نقصُه في طبقةٍ متأخّرةٍ من النقل، بسندٍ يُعرف.
  • أن يثبت فيه تناقضٌ داخليٌّ لا يقبل الجمعَ إلا بتأويلٍ يُخترع لدفعه. والشرطُ أن يكون هذا التأويلُ ممّا لا يُقبل في نصٍّ آخر لو ورد فيه.
  • أن يقرّر خبرًا عن العالم يُكذّبه ما نعلمه يقينًا — لا فهمًا لنا عليه، بل خبرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه.
  • أن يأمر أمرًا نعلم يقينًا أنّه ظلم، بمقياس معيار «المضمون الأخلاقيّ» الآتي. وهذه الصورةُ وحدَها تقوم على مقدّمةٍ أتبنّاها ولا أدّعي أنّها مسلَّمة: أن يكون للعقل أن يردّ بحكمه نصًّا قطعيَّ الثبوت والدلالة — أي ثبت نقلُه ولا يحتمل لفظُه غيرَ معناه. وجمهورُ أهل السنّة لا يُسلّمون بها؛ فالنصُّ القطعيُّ عندهم لا يُردّ باستقباح العقل له. فمن كان على قولهم لم تقم عليه هذه الصورةُ، وبقيت عليه الثلاثُ قبلها. وللمعيار الآتي شرطٌ ثانٍ متنازَعٌ فيه، أذكره معه.

وأُقرّ بصعوبتين. الأولى أنّ الشرطَ في الصورتين الثانية والثالثة يفتح بابَ التأويل، ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل. وذاك عيبٌ في المعيار عندي، لا فضلٌ لي. والثانيةُ أنّ من أهل دعاوى الوحي من لا يقبل صورةَ تكذيبٍ أصلًا، وهو بذلك خارجَ هذا المعيار كلِّه. ومن كان كذلك فليقل ذلك صراحةً، وليعلم أنّ دعواه غيرُ مختبَرةٍ بهذه الأداة. وكم هم؟ لا أملك على ذلك مسحًا أُحيل عليه، فهي ملاحظةٌ لا قياس.

المعيار: المضمونُ الأخلاقيّ — أفي الدعوى ما تعرف يقينًا أنّه ظلم؟

أفي مضمون الدعوى ما تعرف يقينًا أنّه ظلم؟

لا «ما يستثقله ذوقُك»، ولا «ما يخالف عادةَ زمانك»، بل ما لو رأيتَه من رجلٍ لم تتردّد في تسميته ظلمًا، ولا يتغيّر حكمُك فيه بتغيّر الفاعل.

وهذا الشرطُ الأخيرُ مقدّمةٌ متنازَعٌ فيها لا مسلَّمة، وأقولها ولا أُخفيها: أن يكون للّفظ الأخلاقيّ معنًى واحدٌ في حقّ الخالق وفي حقّ المخلوق، فيُحمل «الظلم» على معنًى واحدٍ في الموضعين. ويُنازَع فيه بأنّ تعالي الإله — أي أنّه فوق أن يُقاس على خلقه — يجعل قياسَنا عليه غيرَ موثوق. وهي منازعةٌ معروفةٌ عند المسلمين قبل كلّ صياغةٍ حديثة: فعند الأشاعرة أنّ الظلمَ تصرُّفٌ في مِلك الغير بغير إذنه، ولا مِلكَ لأحدٍ مع الله، فلا يُتصوَّر منه ظلم. وفي المعيار مقدّمةٌ ثانيةٌ مطويّة: أنّ العقلَ يعرف الظلمَ قبل ورود الشرع، وتلك مسألةُ «التحسين والتقبيح العقليَّين»؛ فالأشاعرةُ لا يرون العقلَ يستقلّ بذلك، والماتريديّةُ يرونه يُدرك ولا يُنشئ حكمًا إلا بالشرع. وللفيلسوف الأمريكيّ مايكل ريا صياغةٌ حديثةٌ لمعنى التعالي في مسألةٍ أخرى، أعرضها في الفصل الخامس والعشرين. فأنا أتبنّى أنّ المعنى واحدٌ في الموضعين وأنّ في الظلم قدرًا يُعرف، ولا أدّعي أنّ ذلك مسلَّم ولا أنّه قولُ الجمهور. ومن لم يقبل ذلك لم يقبل هذا المعيارَ أصلًا، وهذا ثمنُه، ولا يُطوى. وسيأتي هناك أنّ جوابَ «ميزانُنا ناقصٌ في هذا الباب» يُبطل المعيارَ من أصله. فهذه الوجوهُ معلومةٌ عندي، وقائمة.

*المثال:* يدعوك صديقٌ إلى الانضمام إلى جمعيّةٍ أهليّةٍ يدخلها من شاء ويخرج منها متى شاء، ويعرض عليك دستورَها. لا تسأل أوّلًا عن سلامة نسخته، ولا عن اتّساق موادّه؛ تقرأ ما فيه من موادَّ تمسّ الناسَ في أنفسهم. والمقياسُ ما تقدّم لا غيرُه: ما تعرف يقينًا أنّه ظلم، لا ما يستثقله ذوقُك ولا ما يخالف عادةَ زمانك. فإن وجدتَ فيه ذلك، لم يُنجِه أنّ نسختَه أصليّة، وأنّ موادَّه لا تتناقض.

ولماذا هذا المعيارُ لازم؟ لأنّ المعاييرَ الأخرى كلَّها إجرائيّةٌ أو داخليّة، وليس فيها معيارٌ واحدٌ ينظر في المقول نفسِه. وكثيرٌ ممّن يشكّ يأتيه الشكُّ من نصٍّ استقبحه، لا من المخطوطات. وهي ملاحظةٌ لا قياس، ولا أملك عليها مسحًا أُحيل عليه. وميزانٌ لا يزن هذا البابَ يترك بابًا يدخل منه الشكُّ بلا وزن.

*وحدُّه — وهو ثقيل، فلا يُؤخذ هذا المعيارُ بلا قيد:*

  • معرفةُ الظلم يقينًا دعوى. وقد اختلف الناسُ فيما هو ظلمٌ اختلافًا عظيمًا، وما عدّه قرنٌ عدلًا عدّه الذي بعده جورًا. فمن استعمله فليستعمله فيما لا يكاد يختلف فيه اثنان، لا فيما يختلف فيه عصران.
  • وهو معيارٌ يعمل على ديني كما يعمل على غيره. وأقول ذلك وأنا أعلم أنّه أشدُّ الخمسة عليّ، وأنّ إدخالَه يفتح عليّ بابًا كنتُ في غنًى عن فتحه. وفي الفصل الخامس والعشرين أقف عند الاعتراض الأخلاقيّ نفسِه، ولم أحسم الجوابَ العامّ عنه.
  • ولا يقول لك هذا المعيارُ «فالدعوى كاذبة»؛ يقول: هنا موضعُ ثِقَلٍ يجب أن يُدفع، ومن مرّ عليه بلا دفعٍ فقد مرّ على أثقل ما في الطريق.

المعيار: أثرُه في حامله — وهو أضعفُ الخمسة، ولماذا

لا أثرُه في مؤسّساته، ولا في المنتسبين إليه بالوراثة، بل فيمن عمل به فعلًا.

وأُعلن ضعفَ هذا المعيار صراحةً لثلاثة أسباب:

  • الانتقاء. نأخذ نحن خيارَ أتباعنا ونقابلهم بشرار غيرنا، ثمّ نسمّي الفرقَ نتيجة. والخصمُ يفعل مثلَه بالضبط.
  • العيّنةُ تختار نفسَها. مدرسةٌ نتائجُها ممتازة: أهو منهجُها، أم أنّها لا تقبل إلا المتفوّقين أصلًا؟ لا تعرف حتى تعرف من دخلها، لا من تخرّج منها.
  • العواملُ متشابكة. الرجلُ الصالح غنيٌّ أو فقير، متعلّمٌ أو أمّيّ، نشأ في بيتٍ دافئٍ أو بارد. ونسبةُ أثره إلى معتقده وحدَه حكمٌ لا نملك أدواته.

وميزانُه ذو كفّتين: من احتجّ بحسن أثرٍ لزمه أن يسمع من يحتجّ بسوء أثر، بالمقياس نفسِه. ومن رفض إحدى الكفّتين فقد كسر الميزانَ ولم يستعمله. وكلتا الكفّتين تزن الدعوى لا أهلَها؛ فمن جعل المعيارَ حكمًا على أتباع دينٍ بأعيانهم فقد أخرجه عن موضعه.

تدريب: الميزانُ الخماسيّ على دعوى غيرِ دينيّة

خذ منشورًا مفترضًا يُنسب إلى مؤسّس جمعيّةٍ فكريّة، يُدعى الناسُ إلى الانتظام فيها، ثمّ تنحلّ فلا يبقى لها منتسبٌ ولا خَلَف. وهو مثالٌ مصنوعٌ للتدريب، لا إشارةٌ إلى جماعةٍ بعينها، فلا تطلب له اسمًا ولا تنزّل حكمَه على قومٍ أحياء. وإنّما صُنع كذلك ليكون الموزونُ دعوى ليست دينًا ولا حزبًا قائمًا، فتُجرَّب الأداةُ حيث لا خصومةَ لك فيها ولا ولاء. كيف تُوزن؟

المعيارالسؤالُ العمليّما يُنتجه
سلامةُ النصّأثمّ نسخةٌ كُتبت في حياة صاحبه، أم جُمع المنشورُ بعد ثلاثين سنةً من الذاكرة؟يقول لك: أتناقش المنشورَ نفسَه أم صورةً عنه
اتّساقُ التصوّرأيَعِد بالحرّية في مادّةٍ ويمنعها في مادّةٍ أخرى؟يُسقط ولا يرفع
قابليّةُ التكذيبأقال «سنبلغ كذا في عشر سنين»، أم قال «سننتصر في النهاية»؟يفرز ما يحمل معلومةً ممّا يوافق كلَّ حال
المضمونُ الأخلاقيّما الذي تقوله موادُّه في المخالف؟يوقفك عند ثِقَلٍ يجب أن يُدفع
أثرُه في حاملهمن عمل به فعلًا — لا من ورثه — ماذا صار؟أضعفُها، وله كفّتان

وانظر ماذا خرجتَ به: لم تخرج بحكمٍ «صادقٌ أو كاذب». خرجتَ بأنّ ثلاثةً من الأسئلة لها أجوبةٌ تُطلب، واثنين يوقفانك عند موضع ثِقَل. وهذا هو استعمالُ الميزان: يحوّل «أُصدّق أو لا أُصدّق» إلى قائمة أسئلة، لكلٍّ منها جوابٌ يُطلب من صاحب الدعوى. ومن أعطاك حكمًا مباشرًا فقد أعطاك رأيَه لا ميزانَه.

ثلاثُ قواعد تحفظ الميزانَ من أن يُستعمل على غير وجهه

١. لا تُفصِّل معيارًا على مقاس دعوى بعينها. إن كان المعيارُ لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجوابَ المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة.

والممنوعُ هنا التفصيلُ على المقاس، لا الزيادةُ في العدد. فمن زاد معيارًا لم يُخطئ بالزيادة وحدَها. ولو كانت الزيادةُ نفسُها ممنوعةً لامتنع أن يُضاف المعيارُ الوحيد الذي قد يزن به الشاكُّ ما أخرجه. والمعيارُ الخامسُ هنا — المضمونُ الأخلاقيّ — يعمل عليّ لا لي، وهذه قرينةٌ لا دليل. فالمعيارُ المفصَّلُ على المقاس يُنتظر منه أن ينفع صاحبَه. فمن زاد معيارًا يضرّه فقد رفع عن نفسه تهمةً واحدة، ولم يرفع كلَّ تهمة. فقد تكون الزيادةُ نفسُها هي ما يُشترى به التصديق. والفيصلُ أن يُجرى المعيارُ فعلًا، لا أن يُعلَن فقط. وأنا لم أُجره في هذا الكتاب على النصّ الذي أؤمن به، وأقول ذلك صراحةً (انظر الفصل الخامس والعشرين، الموضع السادس).

وإذ لم أُجره، فالذي يُجريه أنت. وليس ذلك عسيرًا. فأخفُّ صورةٍ للإجراء أن تأخذ معيارًا واحدًا، أيَّها شئت، فتسأل سؤالَه عن أوّل نصٍّ أوقفك، ثمّ تكتب ما خرجتَ به. ومن أجرى معيارًا واحدًا خيرٌ ممّن أعلن خمسة.

وإن كان الذي أوقفك نصًّا من نصوص الوحي، فللنظر فيه آلة: اكتب موضعَه ولفظَه، ثمّ اسأل عن لسانه وسياقه وحال وروده، واسأل من يعرف البابَ ويقول «لا أعرف» حين لا يعرف. فمن نظر في نصٍّ بغير آلته غلِط وهو لا يدري. وما يقف عنده الناظرُ أوّلَ مرّةٍ قد يزول بمعرفة اللفظ وموضعه، وقد يبقى بعدها فيكون اعتراضًا قائمًا لا شبهةً عابرة — على ما يأتي في ذلك الموضع.

٢. اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّه المتحمّس، وأكثرُ ممّا يظنّه الرافض.

٣. وحتى نتيجةُ الفحص شرطيّة. الفيلسوفُ الأمريكيّ ألفن بلانتينغا، وهو من أشدّ المدافعين عن عقلانيّة الإيمان، يصرّح بأنّ كتابه لا يقدّم حجّةً على صدق الإيمان. ونتيجتُه شرطيّة: *لو* كان الإيمانُ صادقًا فهو مسوَّغ، أي أنّ لحامله ما يبرّر حملَه عقلًا. وهذا كقول الطبيب: «لو كان هذا الدواءُ هو المناسبَ لحالتك، فتناولُك له معقول» — وهو غيرُ قوله: «هذا هو الدواءُ المناسب». والفرقُ بين هذا وبين «برهانٍ على وجود الله» فرقٌ يجب ألّا يضيع في النقل.