Skip to content

١٧. أليس الدينُ سببَ الحروب؟

السؤال: أليس الدينُ أكبرَ مصدرٍ للدم في التاريخ؟ الحروبُ الصليبيّة، ومحاكمُ التفتيش، والجماعاتُ المسلّحةُ اليوم — أفلا يكفي هذا؟

الجوابُ في سطرين: الدينُ يُرفع رايةً كما تُرفع كلُّ رايةٍ يجتمع عليها الناس. وقد وقعت في القرن العشرين مذابحُ منظّمةٌ واسعةٌ باسم العِرق والطبقة، لا باسم إله. لكنّ هذا ليس الجوابَ الحقيقيّ. فالسؤالُ الحقيقيّ ليس «من قتل أكثر؟»، لأنّ ذاك سؤالُ حساباتٍ لا سؤالُ حقيقة. السؤالُ الذي يستحقّ الجواب: أفي الدين صفةٌ ليست في غيره تجعل القتلَ باسمه أسهل؟ وجوابي أنّ الصفةَ موجودة، لكنّها ليست «الدين». إنّها اليقينُ المغلق أينما وُجد، أي اليقينُ الذي لا يقبل المراجعة.

أوّلًا: لماذا لا تصلح النسبةُ المئويّةُ للحروب الدينيّة

يتداول كثيرون في هذا الموضع نسبةً مئويّة: «إنّ الحروبَ الدينيّةَ لم تتجاوز كذا في المئة من حروب التاريخ». ولا تصلح هذه النسبةُ دليلًا، لا لأنّها في صفّ الخصم، بل لأنّ طريقةَ عدّها هي موضعُ النزاع نفسُه.

وانظر مثالًا تعرفه: تُنشر نسبةُ حوادث الطرق «التي سببُها السرعة». من كتب هذه النسبة؟ ضابطُ المرور في المحضر. وهو يكتب سببًا واحدًا في خانةٍ واحدة، والحادثةُ فيها سرعة، وإطارٌ أملس، ومطر، وسائقٌ لم ينم. فالرقمُ يصف خانةَ المحضر، لا ما وقع على الطريق.

وكذلك عدُّ الحروب. ما «الحربُ الدينيّة»؟ أهي التي رفع فيها الطرفان شعارًا دينيًّا؟ أم التي لولا الدينُ ما وقعت؟ والثانيةُ سؤالٌ عن تاريخٍ لم يقع، لا يُعدّ ولا يُحصى. فمن أعطاك رقمًا في هذا الباب فقد أعطاك تعريفَه مغلَّفًا في رقم، وهذا يقع من الفريقين معًا.

ثانيًا: الدينُ رايةٌ يرفعها النزاع — وحدُّ هذه الملاحظة

الذي يُرى في التاريخ كثيرًا أنّ النزاعَ على الأرض والسلطة والثأر يبحث عن عنوانٍ يجمع الناسَ عليه. حيّان يتنازعان على مجرى ماء، فترتفع أسماءُ القبائل. ودولتان تتنازعان على معبرٍ حدوديّ، فترتفع اللغةُ والعِرق. والدينُ من أقوى ما يُرفع، لأنّه من أعمق ما يجمع. وليس هذا تبرئةً له؛ إنّه وصفٌ لطريقةٍ تجعل خطرَه بقدر قوّته.

وحدُّ هذه الملاحظة ثقيل: هي قراءةٌ لا إحصاء، وأسوقها بهذه الصفة. ولا أقول إنّ هذا ما يقع «دائمًا»، فتلك دعوى في التاريخ كلِّه لا يملكها إلّا من استقرأه كلَّه. ومن منع خصمَه من رقمٍ فليس له أن يأخذ لنفسه دعوى أوسعَ من ذلك الرقم. ولا أُسندها إلى مؤرّخ، فليس عندي فيها مرجعٌ تاريخيّ. والمراجعُ التي أستند إليها في هذه المسألة كلُّها في الفلسفة وعلم الاجتماع. فمن طلب منّي إسنادَها إلى مؤرّخٍ فليس عندي، ومن حقّه ألّا يقبلها. وما يأتي بعدها لا يسقط بسقوطها.

وفي القرن العشرين ارتفعت راياتٌ لا دينَ فيها أبدًا: نقاءُ العِرق، وصراعُ الطبقات، وتمجيدُ الدولة. ولا تصلح مقايسةُ أعداد ضحاياها بأعداد غيرها، فالعدُّ في هذا الباب يعطيك تعريفَ العادّ مغلَّفًا في رقم. ولا يُستثنى من ذلك ما يوافقني. والذي يكفيني ولا يحتاج إلى رقم: أنّ الفظاعةَ المنظّمةَ الواسعةَ وقعت بلا دينٍ يُرفع، وهذه واقعةٌ لا نسبةٌ مئويّة.

ولا أسوق هذا لأقول «نحن أقلُّ إجرامًا»، فتلك مبارزةٌ لا تشرّف من كسبها. أسوقه لأكذّب صيغةً ساذجةً واحدة: «انزع الدينَ ينزل السلام». لم ينزل.

أقوى ما عند الخصم: الدينُ يمنح المقاتلَ تسويغًا لا يُناقَش

وليس هذا أقوى ما عند الخصم. أقوى ما عنده أن يقول: الدينُ ليس رايةً كسائر الرايات، لأنّه وحدَه يمنح المقاتلَ تسويغًا لا يُناقَش: أمرًا من سلطةٍ لا تُراجَع، وجزاءً بعد الموت لا يمكن أن يُكذَّب في الدنيا. فيُغلق بابُ التفاوض الذي يبقى مفتوحًا في نزاع الأرض والسلطة. فالنزاعُ على معبرٍ ينتهي بمعاهدة، أمّا القتلُ الذي يُتقرَّب به إلى الله فلا تهزمه الوقائع، لأنّ الوقائعَ ليست في ميدانه أصلًا. وهذه صيغةٌ جادّة، وهي التي يجب أن يُجاب عنها لا غيرُها.

وجوابُها أنّ الصفةَ المُشكِلةَ ليست «الدين»، بل اليقينُ المغلق أينما وُجد. والإيديولوجيا الشموليّة، أي الفكرةُ السياسيّةُ التي تريد أن تحكم حياةَ الناس كلَّها، تصنعه بالضبط. ففيها سلطةٌ لا تُراجَع. وفيها «حتميّةٌ تاريخيّة» تقوم مقامَ الجزاء، وهي القولُ بأنّ التاريخَ ماضٍ إلى نهايةٍ لا مفرّ منها. وفيها جزاءٌ في مستقبلٍ موعودٍ لا يمكن أن يُكذَّب في الحاضر. وفيها أنّ من خالف فهو عدوُّ التاريخ، لا مجرّدُ مخالفٍ في رأي. فما وُصف به الدينُ وُجد بتمامه حيث لا دين. وهذا يعني أنّ الوصفَ أصاب شيئًا حقيقيًّا، وأخطأ حين حصره في الدين. فالصفةُ أوسعُ من الدين، لا أنّها بعيدةٌ عنه.

وخذ اليقينَ المغلقَ في صورةٍ صغيرةٍ تعرفها: مشجّعٌ يرى أنّ كلَّ صفّارةٍ على فريقه ظلمٌ مدبَّر. إن أُعيدت اللقطةُ فأظهرت خطأَ لاعبه قال: اللقطةُ مزوّرة. وإن احتسب الحكمُ لفريقه ركلةَ جزاءٍ قال: يريد أن يُخفي تحيّزَه. هذا يقينٌ لا تستطيع واقعةٌ أن تمسّه، لأنّ صاحبَه يفسّر كلَّ واقعةٍ لصالحه. وهو في المدرّجات يصنع شجارًا؛ فإن اقترن بسلطةٍ لا تُراجَع وسلاحٍ في اليد صنع ما هو أسوأُ بكثير.

وهذا يقلب السؤالَ من «هل الدينُ سبب؟» إلى «ما الذي يُغلق بابَ المراجعة؟».

وحدُّ هذا الجواب أيضًا: هو يبيّن أنّ الصفةَ ليست صفةَ الدين وحدَه. لكنّه لا يبيّن أنّ الدينَ بريءٌ منها. بل الأصدقُ أنّ في الدين مادّةً تصلح لصنعها إن أُدير على وجهٍ بعينه. ولذلك يصير السؤالُ عمّن يفتي وبأيّ شرطٍ سؤالًا في صميم المسألة، لا سؤالًا إداريًّا على هامشها.

ثالثًا: محاكمُ التفتيش، والحروبُ الصليبيّة، والجماعاتُ المسلّحة — واحدًا واحدًا

ولا أبرّئ الدينَ تبرئةً رخيصة. قُتل ناسٌ وقاتلُهم على يقينٍ أنّه يتقرّب إلى الله بقتلهم. وكُتبت فتاوى، وقُرئت نصوصٌ قراءةً أباحت الدم. ومن قال «هؤلاء لا يمثّلون الدين» فقد قال شيئًا صحيحًا في الحكم، لكنّه ناقصٌ في وصف الواقعة. فالفاعلُ كان يقصد الدينَ قصدًا، وهذا جزءٌ ممّا يجب أن يُفسَّر، لا أن يُنفى.

وسؤالُك ذكر ثلاثةً بأعيانها: الحروبَ الصليبيّة، ومحاكمَ التفتيش، والجماعاتِ المسلّحةَ اليوم. ومن سُئل عن الصليبيّة فأجاب بستالين وهتلر، أجاب بمثاله هو لا بمثال سائله.

١. محاكمُ التفتيش. وهي أصعبُ الثلاثة عليّ، وعندها تسقط فكرةُ «الراية». لم يكن هناك مجرى ماءٍ، ولا معبر، ولا ثأرُ قبيلة. كان الأمرُ عقيدةً تُلاحَق لذاتها، ومؤسّسةً قائمةً عملُها المعلَنُ أن تفتّش عمّا في الصدور وتعاقب عليه. وهذا وصفٌ عامٌّ بلا مرجعٍ لمؤرّخٍ بعينه، ولا أُلزم به من نازعني في تفصيله. وإنّما أسوقه لأنّه المثالُ الذي يدور عليه الاعتراض. وهو يبقى أثقلَ الثلاثة، أيًّا كان الوصفُ الذي يصحّ منه.

فمن أراد أن يردّ محاكمَ التفتيش إلى نزاعٍ دنيويٍّ اتّخذ الدينَ عنوانًا، فقد ردّ ما لا يُردّ. وأقولها بلا تلطيف: هذا المثالُ لا تفسّره فكرةُ الراية، ولا أُدخله في جدولٍ يوازن بين الرايات. والذي يفسّره هو اليقينُ المغلق نفسُه: سلطةٌ لا تُراجَع، مقرونةٌ بقدرةٍ على العقاب، مسلَّطةٌ على الاعتقاد نفسِه.

ومن هذا المثال أستخرج قاعدةً، ولا أهرب منه: ليس لأيّ جهةٍ أن تفتّش عمّا في الصدور وتعاقب عليه. وما في الصدور هو ما يعتقده الإنسانُ في قلبه. ولا أتكلّم هنا في أحكام الأفعال الظاهرة، فتلك مسألةٌ أخرى. وهذا حكمٌ أقوله على مؤسّسةٍ لا على دين، وأُجريه على أهل ملّتي كما أُجريه على غيرهم. وإجراؤه عليهم ليس تبرّعًا منّي، فهو منصوصٌ عندهم: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي لم أُومَر أن أنقّب عن قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم»، والحديثُ في الصحيحين. وقال لأسامة بن زيد لمّا قتل رجلًا نطق بالشهادة: «أفلا شققتَ عن قلبه؟» أخرجه مسلم. وقال عمرُ بن الخطاب: «من أظهر لنا خيرًا أمِنّاه وقرّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء»، وقولُه في صحيح البخاري. وعليه قاعدةُ الفقهاء: نحن نحكم بالظاهر واللهُ يتولّى السرائر.

٢. الحروبُ الصليبيّة. يقول جمعٌ من مؤرّخيها المعاصرين إنّ التقوى كانت باعثًا حقيقيًّا عند كثيرٍ من الذاهبين إليها، لا غطاءً لمكسب: ففيهم من باع أرضَه وخرج، وما رجع بشيء. وأسوق هذا بلا مرجعٍ أُسنده إليه. فمن طلب منّي اسمَ مؤرّخٍ فليس عندي، ولا مرجعَ عندي لمؤرّخٍ في هذه المسألة كلِّها. ولا أبني عليه شيئًا. فهو إقرارٌ لا دعوى: لا أستعمله لي، ولا أُبطله عليّ. ولن أردّ هذه الحروبَ إلى الطمع في الأرض.

٣. الجماعاتُ المسلّحةُ اليوم. وهذه أقربُ الثلاثة إلى ما وصفتُه: يقينٌ مغلقٌ أُنشئ بفتوى، ثمّ سلطةٌ لا تُراجَع، ثمّ جزاءٌ لا يمكن أن يُكذَّب في الدنيا. ولا أقول «هؤلاء ليسوا منّا» ثمّ أمضي. بل أقول إنّ الطريقةَ التي صُنعوا بها معروفةٌ يمكن وصفُها، وإنّ من صنعها من أهل الدين مسؤولٌ عنها. فمن أفتى بإباحة دمٍ حرّمه الشرعُ فهو مسؤولٌ عن فتواه، ومن علّم أنّ الحكمَ في الدماء يُؤخذ من غير أهله فهو مسؤولٌ عن تعليمه. ولا أُطلق هذا على طائفة، ولا أسمّي أحدًا: فالمسؤوليّةُ تلحق الفعلَ بعينه، لا صنفًا من الناس.

والتفريقُ بين النصّ وبين ما فعله المنتسبون إليه ليس بابًا للنجاة، بل تفكيكٌ للسؤال. ومن استعمله في كلّ موضعٍ ضاق به، ثمّ احتجّ بفعل المنتسبين حيث أعجبه، فقد استعمل مسطرتين. أي قاس غيرَه بمقياسٍ ونفسَه بمقياسٍ آخر. والذي يجعل هذا التفريقَ مقبولًا شيءٌ واحد: أن تُجريه على نفسك أوّلًا.

والسؤالُ الذي ينفع هنا ليس «هل الدينُ سببُ الحرب؟»، بل: ما الذي يجعل رايتَه سهلةَ الرفع؟ من يفتي؟ وبأيّ شرطٍ يُقبل قولُه؟ وكيف يُنزع حقُّ الحكم في الدماء ممّن ليس أهلًا له؟ وليست هذه أسئلةً إداريّةً كما قد تبدو: هي بعينها سؤالُ «ما الذي يُغلق بابَ المراجعة؟» مصوغًا بلغة العمل. وهي عملٌ على أهل الدين، لا عذرٌ لهم.

رابعًا: النفعُ والضررُ لا يحكمان بالصدق — في الجهتين

افترض، جدلًا، أنّ الحسابَ خرج بأنّ الدينَ ضارٌّ في مجموعه. أيصير بذلك باطلًا؟ لا. فالدواءُ المرّ الذي يُحدث غثيانًا ليس كاذبًا في تركيبه، والإشاعةُ السارّةُ التي تُفرح حيًّا كاملًا ليست صادقة. فالنفعُ والضررُ ميزانُ قرارٍ، لا ميزانُ حقيقة: يصلح لأن تقرّر به ما تفعل، ولا يصلح لأن تعرف به ما هو صحيح.

وهذا يمنعني أنا قبل أن يمنعك. فليس لي أن أستدلّ على صدق الدين بما بناه من حضارة، أو بما يصنعه من تماسكٍ في المجتمع، وهو استدلالٌ شائعٌ في كتاباتنا. وممّا كُتب في أثر الدين في تعاون الناس كتابٌ خصّص فصلًا لمجتمعاتٍ علمانيّة، أي لا يقوم نظامُها على الدين. وهي مجتمعاتٌ بلغت التعاونَ نفسَه بمؤسّساتٍ بديلة 1. والمقالةُ العلميّةُ المحكَّمةُ هي التي يراجعها مختصّون قبل نشرها. وقد نُشرت المقالةُ في هذا الباب ومعها تعقيباتٌ مفتوحةٌ من باحثين آخرين، فيها المؤيّد والمعارض والمستدرِك. ثمّ نُشر معها ردٌّ من أصحابها في العدد نفسِه 2. أي أنّ أهلَ هذا الحقل يعلنون خلافَهم، وليس الحقلُ مصدرَ حكمٍ جاهز.

وحدُّ هذه الإحالة: هذا نظامُ المجلّة في كلّ مقالةٍ تنشرها، لا استثناءٌ صُنع لهذه المقالة. ولا يُقال إنّ التعقيباتِ كلَّها معارضة، ففيها المؤيّد. ولا يُذكر لها عدد، لأنّها لم تُحصَ. وبنيةُ النشر وحدَها تخدم الدعوى كما هي، بلا تهويل: فالحقلُ يعلن خلافَه في متن ما ينشره.

خامسًا: «الدينُ ضدّ العلم» — وما جرى لغاليليو فعلًا

ويُلحق بهذا الباب عادةً أنّ الدينَ والعلمَ في حربٍ أبديّة. وممّا جُمع في تفكيك الأساطير الشائعة عن هذه العلاقة كتابٌ يهدم رواياتِ الطرفين معًا 3.

وأدقُّ ما يُقال في غاليليو أنّه لم يُودَع زنزانةً ولم يُعذَّب. فالزنزانةُ والتعذيبُ هما الأسطورةُ الشعبيّةُ التي يصحّحها الكتاب. أمّا الواقعةُ نفسُها فقائمةٌ لا تُنكر: حوكم أمام محكمة التفتيش، وأُدين، وأُرغم على التبرّؤ من قوله، وقضى بقيّةَ عمره تحت الإقامة الجبريّة. فلا يُقال «لم يُسجن غاليليو» نفيًا مطلقًا. فالنفيُ المطلق يوهم القارئَ أنّ القصّةَ كلَّها مختلَقة، فإذا قرأها في موضعٍ آخر أسقط الكلامَ كلَّه، وحقَّ له. وهذه هي المناورةُ نفسُها التي لا تُقبل ممّن يبني على تصحيح قصّةٍ مدرسيّة. فلا تُقبل إذن من أحد.

وأمّا الأرضُ المسطّحة فأسطورةٌ يفنّدها الكتابُ نصًّا: لم يكن أهلُ القرون الوسطى يعتقدون أنّ الأرضَ مسطّحة. ولم تكن المسيحيّةُ وحدَها أمَّ العلم الحديث. وهذه هي الأسطورةُ التاسعةُ في الكتاب، بقلم نوح إفرون (Noah J. Efron). وعنوانُها «That Christianity Gave Birth to Modern Science»، أي «أنّ المسيحيّةَ وَلدت العلمَ الحديث». و«أطروحةُ الصراع» هي القولُ بأنّ العلمَ والدينَ في حربٍ دائمة. ومحرّرُ هذا الكتاب هو من جمع مقالاته، وهذه الأطروحةُ عنده صناعةُ القرن التاسع عشر أكثرَ منها وصفًا للتاريخ. وهذا قولُه هو، لا إجماعُ أهل الحقل أنقله.

وحدُّ ذلك: هذا لا يعني أنّ عالمًا لم يُضطهد قطّ باسم الدين، ولا أنّ كلَّ خصومةٍ بين الاثنين وهم. يعني أنّ الروايةَ المتداولةَ أخشنُ كثيرًا من الوقائع. ومن بنى موقفَه من الوجود على قصّةٍ من قصص المدرسة فقد بنى على رمل، ومن بناه على تصحيحٍ لتلك القصّة فقد بنى على رملٍ آخر.

فأين تقف أنت؟ الذي يترجّح أنّ الصفةَ التي تجعل القتلَ باسم فكرةٍ أسهل ليست «الدين»، بل اليقينُ المغلق أينما وُجد. ودليلُه أنّ كلَّ ما وُصف به الدينُ من ذلك وُجد بتمامه في القرن العشرين حيث لا دين. ويترجّح معه أنّ النفعَ والضررَ لا يحكمان بالصدق، فلا يفصل حسابُ الأرباح والخسائر في السؤال، لا لي ولا عليك. ومن أراد أن يعرف أصادقٌ الدينُ أم كاذب فليس أمامه إلّا الأدلّة. ويبقى مفتوحًا شيئان لا أطويهما. الأوّل أنّ في الدين مادّةً تصلح لصنع اليقين المغلق إن أُدير على وجهٍ بعينه، فلم تثبت براءتُه منه بشيءٍ ممّا قلت. والثاني أنّ محاكمَ التفتيش لا تفسّرها فكرةُ الراية، وهي أثقلُ الثلاثة عليّ. والذي تصنعه الآن سؤالٌ تُجريه على ما تحمله، في الدين وفي غيره: ما الذي كان سيجعلني أراجعه؟ وموضعُه الفهمُ للنصّ، وتنزيلُه على الواقعة، والحكمُ على الأشخاص — وبه تُبنى الفتوى ويُحكم في الدماء. فأمّا أصلُ الاعتقاد فمبناه على دليل، والدليلُ يُطالَب به صاحبُه ويُناقَش، فبابُ النظر فيه مفتوحٌ لا مغلق؛ والجزمُ بعد البرهان مطلوبٌ لا معيب، وليس المطلوبُ أن يُبنى أصلٌ على تردّد. وإنّما المعيبُ أن يُنقل الجزمُ من موضعه، فيُعطى الفهمُ منزلةَ الأصل، ويُقفل به بابُ النظر، ويُحمَل به على الناس. فمن لم يجد في شيءٍ ممّا يحمله موضعًا واحدًا يقبل المراجعة، ففيه من الصفة المُشكِلة مثلُ ما في خصمه.