Skip to content

١٣. ألم يُغنِنا العلمُ عن الله؟

السؤال: إذا كان العلمُ يفسّر المطرَ والمرضَ والزلزالَ وحركةَ النجوم، فما الذي بقي لله يفعله؟

الجوابُ في سطرين: العلمُ يجيب عن سؤال «كيف يجري ما يجري؟»، وسؤالُ الإله سؤالٌ عن «لماذا يوجد شيءٌ يجري أصلًا، ولماذا ينتظم؟». ومن أجاب عن الأوّل جوابًا تامًّا لم يُبطل الثاني. وهذا لا يُثبت أنّ الله موجود؛ كلُّ ما يفعله أنّه يُسقط دعوى أنّ العلمَ أثبت أنّه غيرُ موجود. وهما شيئان مختلفان.

المثالُ الأوّل: تقريرُ المعمل الجنائيّ

احترق مخزنٌ في الليل. وبعد أسبوعٍ وصل من المعمل الجنائيّ تقريرٌ في اثنتي عشرة صفحة: نقطةُ البدء في الركن الشماليّ الشرقيّ، والمادّةُ التي عجّلت الاشتعال، وكيف انتشرت النارُ دقيقةً بدقيقةٍ حتى انهار السقف، ولماذا لم تعمل رشّاشاتُ الماء. التقريرُ تامٌّ لا ثغرةَ فيه، وكلُّ سطرٍ فيه مقيسٌ ومُثبت.

ثمّ يجلس المحقّقُ ويسأل سؤالًا واحدًا: ومن أشعله؟ ولماذا؟

ولا يقوم أحدٌ في القاعة ليقول: «هذا سؤالٌ ساقط، فالتقريرُ كامل». فالجميعُ يفهم بلا شرحٍ أنّ كمالَ الجواب عن «كيف» لم يمسّ سؤالَ «لماذا» بشيء: لم يُجب عنه، ولم يُلغه.

*وحدُّ هذا المثال:* نحن نعلم سلفًا أنّ للمخازن أصحابًا وأنّ للناس دوافع، فسؤالُ «لماذا» في الحريق سؤالٌ وجيهٌ قبل أن يُسأل. أمّا في مسألتنا فالدعوى أنّ للعالم سؤالَ «لماذا» أصلًا. وهذه الدعوى هي موضعُ النزاع نفسُه، وليست نتيجةً مسلَّمة. فالمثالُ يُريك أنّ السؤالين مستقلّان، ولا يُثبت أنّ للكون من أشعله. ومن جعله دليلًا فقد حوّل تشبيهًا إلى برهان، وذاك أشهرُ ما يقع من الخطأ في هذا الباب.

الاعتراضُ الأقوى: «الإلهُ اسمٌ لما لا تعرفون، وهو ينسحب خطوةً كلّما عرفتم»

يقول المعترض، وهو محقٌّ فيما سأنقله عنه:

«هذا الكلامُ جميلٌ في التجريد. أمّا في التاريخ فقد كان الإلهُ دائمًا اسمًا لما لا نعرف. البرقُ كان فعلًا إلهيًّا حتى فُهمت الكهرباء. والوباءُ كان عقابًا حتى رُئيت الجرثومة. وحركةُ الكواكب كانت تحتاج دفعًا إلهيًّا حتى كُتب قانونُ الجاذبية. وفي كلّ مرّةٍ ينسحب الإلهُ خطوةً ويقول أهلُه: هو في ما بقي. فأنتم لا تصفون إلهًا، بل تصفون حدودَ معرفتكم في السنة التي تكتبون فيها — ودعوى تخسر أرضًا في كلّ جيلٍ لا تُبنى عليها ثقة.»

ويسمّون هذا النمطَ من الاستدلال «الاستدلالَ بالفجوة»: أن تجعل اللهَ جوابًا عن ثغرةٍ في معرفتنا لم نجد لها تفسيرًا بعد.

وهذا اعتراضٌ وجيه، ولستُ أقول بالصيغة التي يهدمها. فمن دافع عن صيغةٍ رديئةٍ ظنًّا منه أنّه يدافع عن الدين، خسر الاثنين معًا.

المثالُ الثاني: عطلُ المصعد — وعبارةٌ تضيق كلّما فُتح غطاء

المصعدُ في عمارتكم يتوقّف مرّةً في الأسبوع بلا نظامٍ يُعرف. فتقول شركةُ الصيانة: «شيءٌ في اللوحة». ويأتي الفنّيّ فيستبعد المحرّك، ثمّ الكابل، ثمّ مفتاحَ الأمان، ثمّ لوحةَ التحكّم. وكلّما فُتح غطاءٌ ضاقت العبارةُ خطوة، حتى صارت في حجم حسّاسٍ صغيرٍ في الباب.

فمن بنى ثقتَه على سعة العبارة خسر مع كلّ غطاءٍ يُفتح. وهذه هي حجّةُ المعترض بعينها، وهي صحيحةٌ حيث تنطبق.

*وحدُّ هذا المثال:* ليس كلُّ استدلالٍ بما لم يُفسَّر من هذا النوع. فهناك فرقٌ بين قولك «لا نعرف السببَ بعدُ»، وقولك «هذا صنفٌ من الأسئلة لا تجيب عنه هذه الأداة أصلًا». ومن أهمل هذا الفرق جعل التهمةَ تبتلع كلَّ سؤالٍ فلسفيٍّ قبل أن يُنظر فيه. وعندئذٍ يصير خصمًا في المسألة لا حَكَمًا فيها.

الفرقُ بين الاستدلال بفجوةٍ في العلم والاستدلال بانتظام العالم

أسهلُ شيءٍ أن يقول كلُّ من يدافع عن فجوةٍ إنّ فجوتَه من الصنف الثاني، صنفِ الأسئلة التي لا تجيب عنها الأداة. فلا بدّ من فارقٍ نحدّده قبل أن يبدأ النزاع، لا بعد أن يبدأ. وإلا وقعنا في المصادرة على المطلوب، أي أن نضع النتيجةَ التي نريد إثباتها في أوّل الدليل. وهذا هو الفارق:

الاستدلالُ بالفجوة يستند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ، فهو رهنُ ورقةٍ علميّةٍ قد تُنشر غدًا فتسدّ الفجوة. أمّا الاستدلالُ بالانتظام فيستند إلى ما فُسِّر فعلًا. فموضوعُه لا يزول بمزيدٍ من التفسير، لأنّه سؤالٌ عن الوصف الناجح نفسِه لا عمّا ينقصه.

فمن قال: «لا نعرف كيف نشأت الخليّةُ الأولى، إذن فهو الله»، فقد رهن دعواه بمقالةٍ قد تُنشر غدًا. ومن قال: «العالمُ يقبل أن يوصف بمعادلاتٍ رياضيّةٍ مختصرة»، فقد أشار إلى معطًى قائمٍ أمامنا، لا إلى ثغرة.

ولستُ أدّعي أنّ هذا الفارقَ محصَّنٌ من الخطأ. فالتاريخُ يُرينا أنّ ما ظُنّ انتظامًا نهائيًّا رُدَّ بعد ذلك إلى انتظامٍ أعمّ منه. فمداراتُ الكواكب عند نيوتن كانت تحتاج في رأيه تدخّلًا إلهيًّا يثبّتها. وعلّتُه عنده أنّ جذبَ الكواكب بعضِها لبعضٍ يُحدث اضطرابًا صغيرًا يتراكم مع الزمن. ثمّ استغنت المداراتُ عن هذا التدخّل لمّا عولجت المسألةُ رياضيًّا بعده بقرن. وذاك كان انتظامًا، لا فجوةً في الوصف. ومثلُه انخفاضُ «الإنتروبيا» في الحالة الأولى للكون. والإنتروبيا مقياسٌ لدرجة الفوضى في نظامٍ ما: غرفتُك المرتّبة إنتروبيتُها منخفضة، والمبعثرةُ مرتفعة. فهذا الانخفاضُ طُلب له قانونٌ فيزيائيٌّ يفسّره سنة ١٩٧٩.

فالذي أقوله هو هذا: أنّ ردَّ انتظامٍ إلى انتظامٍ أعمق ينقل السؤالَ ولا يُلغيه. وهذه دعوى قد تُخطئ، لا دعوى لا يمسّها شيء.

وموقعُ هذه الدعوى من العلم: سؤالُ «لماذا يوجد انتظامٌ بدلَ الفوضى؟» لا يُفصل فيه في معمل. فلا يصحّ أن يُقدَّم على أنّه نتيجةٌ علميّة، ولا أن يُحتجّ له بأنّه لا يُبطله أيُّ اكتشاف. فنجاتُه من الاكتشافات ليست فضيلةً فيه، وإنّما هي وصفٌ لنوعه. ففي العلم تُمدح الدعوى إذا كانت قابلةً للتكذيب، أي إذا كان يمكن لتجربةٍ أن تكشف خطأها لو كانت خاطئة. فمن جعل نجاةَ دعواه من تقدّم العلم شهادةً على نزاهتها، فقد عدّ عجزَ التجربة عن تكذيبها مزيّةً لها. وهذا في العلم عيبٌ لا مزيّة.

ما هو «الانتظام» بالتحديد؟ ثلاثةُ معانٍ متفاوتةُ القوّة

كلمةُ «الانتظام» تحمل ثلاثةَ معانٍ يخلطها الناس، وليست في القوّة سواءً:

  • الاطّراد: أنّ ما يجري هنا يجري هناك على النمط نفسِه، في كلّ ما بلغه القياس. الماءُ يغلي في مطبخك على الدرجة التي يغلي عليها في مطبخ من يسكن في الطرف الآخر من الأرض إذا كان المطبخان على ارتفاعٍ واحد، ولم يتّفق أحدٌ مع أحدٍ على ذلك. والحديدُ يصدأ هنا كما يصدأ هناك. بل إنّ الهيدروجين إذا توهّج أطلق ألوانًا بعينها هي له كبصمة الإصبع. وهذه البصمةُ نفسُها تأتينا من مجرّةٍ يبعد عنّا ضوؤها ملياراتِ السنين، فلا تفارق ما نراه في المعمل. ومن الأرقام الثابتة التي تقوم عليها الفيزياء رقمٌ يسمّونه «ثابتَ البنية الدقيقة»، ولم يتغيّر في كلّ ما بلغه القياسُ من الكون. وهذا معطًى مرصودٌ لا افتراض. أمّا أن نمدّه إلى الغد فليس معطًى. وهذا بعينه ما لا تستطيع تجربةٌ أن تُثبته.
  • الانضغاط، وهو أقوى المعاني الثلاثة عندي. ليست المسألةُ أنّ للعالم قوانين فحسب، بل أنّ وصفَه أقصرُ منه بما لا يُقاس. تخيّل مكتبةً فيها مليارُ كتاب: أن تجد كتابًا بعينه في رفّه شيء، وأن تجد أنّ المكتبةَ كلَّها يدلّ عليها فهرسٌ في صفحتين شيءٌ آخرُ تمامًا. والفيزياءُ من الصنف الثاني: معادلاتُ ماكسويل أربعةُ أسطرٍ تجمع بابَ الكهرباء والمغناطيس في الفيزياء التقليديّة كلَّه. وما كان أدقَّ منها، في مستوى الذرّات وما دونها، ردّته نظريّةٌ أخرى تُسمّى «الديناميكا الكهربائيّة الكمّيّة» إلى وصفٍ مختصرٍ كذلك. والمقصودُ قِصَرُ الوصف بالنسبة إلى ما يصفه، لا أنّ صيغةً بعينها هي آخرُ ما يُكتشف. وليس في المنطق ما يوجب أن يكون العالمُ قابلًا للاختصار؛ فعالمٌ تكون فيه كلُّ ذرّةٍ قانونًا لنفسها يمكن تصوّرُه بلا تناقض، وهو أشبهُ بمكتبةٍ فهرسُها بحجمها.
  • فاعليّةُ الرياضيّات: أن يُوضع بناءٌ رياضيٌّ لغير غرضٍ تجريبيّ، ثمّ يصلح بعد عقودٍ لغةً تُوصف بها الطبيعة. كأنّك تعلّمتَ في المدرسة لعبةَ أرقامٍ للتسلية لا فائدةَ لها، ثمّ وجدتَ بعد عشر سنين أنّ قواعدَها بعينها هي التي يُحسب بها الجسرُ قبل أن يُبنى، ولستَ صنعتَها لذلك، ولا أحدَ صنعها لذلك. ومن أمثلته الحقيقيّة الهندسةُ التي طوّرها ريمان سنة ١٨٥٤ مسألةً في الرياضيّات البحتة، ثمّ صارت لغةَ النسبيّة العامّة سنة ١٩١٥. وحسابُ المصفوفات كان بابًا في الجبر، ثمّ صار الصيغةَ التي كُتبت بها ميكانيكا الكمّ. وهذه الظاهرةُ هي التي سمّاها فيزيائيٌّ كبيرٌ سنة ١٩٦٠ «فاعليّةً غيرَ معقولة»، وقال إنّها هبةٌ لا نفهمها ولا نستحقّها. وهو لم يستنتج منها إلهًا، وأنا أنقل كلامه على وجهه.

وما الفرقُ بين هذا وبين الضبط الدقيق؟ و«الضبطُ الدقيق» أنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة. والثوابتُ أرقامٌ ثابتةٌ في قوانين الطبيعة. والفرقُ بينهما في موضع الاستدلال لا في قوّته. فالضبطُ الدقيق يستدلّ بقيم ثوابتَ بعينها تقع في نطاقٍ ضيّق، وهذا معطًى داخل القوانين. ولذلك يُعارَض معارضةً معتبرةً بفرض «الأكوان المتعدّدة»، وهو فرضُ أنّ كونَنا واحدٌ من أكوانٍ كثيرةٍ تختلف ثوابتُها. فإن صحّ هذا الفرضُ فلا عجبَ أن نكون في واحدٍ صالحٍ للحياة، كما لا عجبَ أن يربح أحدٌ في يانصيبٍ بيعت فيه مليارُ ورقة. أمّا الانتظامُ فيستدلّ بوجود قوانينَ قابلةٍ للاختصار أصلًا، بقطع النظر عن قيمها. والأكوانُ المتعدّدة لا تمسّه، لأنّ آلةً تولّد أكوانًا بقوانينَ متنوّعةٍ هي نفسُها انتظامٌ يُسأل عنه. فمن ردّ الضبطَ الدقيق بالأكوان المتعدّدة فقد أصاب موضعًا. لكنّه لم يُصب الموضعَ الآخر، وهو الانتظام.

ولماذا لا يُضعف هذا الاستدلالَ أن يوحّد العلمُ قوانينَه أكثر؟ لأنّ موضوعَه هو نجاحُ الوصف نفسُه. لمّا جمع ماكسويل الكهرباءَ والمغناطيس في وصفٍ واحدٍ زاد الانضغاطُ ولم ينقص. ولمّا جُمعت الكهرومغناطيسيّةُ مع القوّة النوويّة الضعيفة زاد كذلك. فكلُّ خطوةٍ نحو التوحيد تزيد المعطى الذي أسأل عنه ولا تُنقصه. ويبقى موضعٌ واحدٌ لا يُضعفه بل يُبطله: أن يثبت أنّ النظريّةَ النهائيّة واحدةٌ لا بديلَ لها منطقيًّا. وقد جعلتُه أوّلَ ما يغيّر رأيي. فالاستدلالُ ينجو من التوحيد، لكنّه لا ينجو من كلّ اكتشاف.

وأمّا أقوى ما يواجهه فثلاثةُ اعتراضات، أذكرها كما يقولها أصحابُها:

  • «الاطّرادُ واقعةٌ خامّ»، أي حقيقةٌ لا تفسيرَ وراءها. فيقال: العالمُ منتظمٌ وكفى، ومن طلب تفسيرًا لوجود التفسير لم يقف طلبُه عند حدّ. ومن الفلاسفة من ينازع في وجود «قوانين» أصلًا، ويرى أنّ في العلم نماذجَ وتناظراتٍ تصف ما يقع، لا قوانينَ تحكمه. ومن قال بهذا لم يقع في تناقض، وليس عندي ما يُلزمه.
  • «الانتظامُ النهائيّ لا يقبل السؤال»: إن كانت النظريّةُ النهائيّة هي الوحيدةَ الممكنةَ منطقيًّا، فسؤالُ «لماذا هذه دون غيرها؟» ساقطٌ لا مؤجَّل. وهذا احتمالٌ مفتوح، وهو أوّلُ ما ذكرتُه فيما يغيّر رأيي.
  • «وأنت تنتقي الموضعَ الذي تتوقّف عنده»: لماذا يكون «عقلٌ قاصد» أولى بأن نتوقّف عنده من «واقعةٍ خامّ»؟ والجوابُ الأمين أنّه ترجيحٌ لا إلزام. فالتفسيرُ بالقصد طريقةٌ نستعملها في مواضعَ أخرى، وهو يجعل المعطى متوقَّعًا؛ أمّا الواقعةُ الخامّ فلا تجعل شيئًا متوقَّعًا. وشرطُ الترجيح، كما سيأتي في الفصل الخامس عشر، أن يكون وقوعُ المعطى أرجحَ إذا صحّ أحدُ الفرضين منه إذا صحّ الفرضُ المقابل. فإن استوى عليهما لم يرجّح واحدًا منهما. وهذا كلُّه ترجيحٌ يقبل النزاع، ومن رفضه لم يخالف منطقًا.

ومثالُ الفرق بين التفسيرين: دخلتَ غرفتك فوجدتَ كتبَك مصفوفةً على الرفّ بحسب ألوانها. فقولُك «رتّبها أحدٌ قاصدًا» يجعل هذا الترتيبَ متوقَّعًا، وقولُك «هكذا وُجدت ولا مزيد» لا يجعله متوقَّعًا ولا مستبعَدًا. *وحدُّ هذا المثال:* نحن نعلم أنّ في البيت أناسًا يرتّبون الكتب؛ وفي مسألتنا وجودُ المرتِّب هو المتنازَعُ فيه نفسُه.

فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ الاطّرادَ واقعةً خامًّا لا تُسأل عن سببها، فأنت على رأيٍ لا يردّه هذا الاستدلالُ بعينه، لأنّ موضوعَه الانتظامُ لا الحدوث. وغايةُ ما بيني وبينك أنّي أرى هنا سؤالًا وأنت لا تراه. وهذا خلافٌ في التقدير لا في المعلومات، فلا يصحّ أن يُعدّ جهلًا منك. وإن رأيتَ فيه سؤالًا كما أرى، فالتفسيرُ بعقلٍ قاصدٍ يترجّح عندك ولا يُلزمك. ويبقى مفتوحًا أمرٌ واحدٌ قد يُسقط السؤالَ من أصله: أن تكون النظريّةُ النهائيّةُ واحدةً لا بديلَ لها.

رقمُ بنروز: فجوةٌ خسرناها، ودعوى عدديّةٌ تُنقل على غير وجهها

يُتداول في كثيرٍ ممّا يُكتب بالعربية رقمٌ مهولٌ يُنسب إلى الرياضيّ والفيزيائيّ البريطانيّ روجر بنروز: واحدٌ من عشرةٍ مرفوعةٍ للقوّة عشرةٍ مرفوعةٍ للقوّة مئةٍ وثلاثةٍ وعشرين. ويقال إنّه «احتمالُ نشوء الكون صدفة».

وهو ليس احتمالًا. هو نسبةٌ بين حجمين في فضاءٍ رياضيّ تُرسم فيه حالاتُ الكون الممكنة. والرقمُ الهائلُ فيه هو مقامُ الكسر لا بسطُه. وموضوعُه انخفاضُ الإنتروبيا في الحالة الأولى للكون، أي أنّ الكونَ بدأ على درجةٍ عاليةٍ من النظام. وأعجبُ من ذلك أنّ بنروز نفسَه يسوق هذا الرقمَ طالبًا له تفسيرًا فيزيائيًّا، وقد اقترح لذلك قانونًا سنة ١٩٧٩ يُعرف بـ«فرضيّة انحناء فايل». فصاحبُ الرقم كان يطلب من الفيزياء أن تسدّ هذه الفجوة، قبل أن يصل الرقمُ إلينا بعقود. ثمّ بُني عندنا عليها استدلال.

ومن نقل الرقمَ على غير وجهه لم يخسر هذا الاستدلالَ وحدَه، بل خسر ثقةَ كلّ قارئٍ يرجع إلى الأصل. فمن كذّبك في أمرٍ يعرفه، لم يصدّقك في أمرٍ لا يعرفه.

وهذه القاعدةُ تعمل في الاتّجاهين. فهي بعينها قصّةُ من يخرج من دينه لأنّ من يثق به ساق له في خلق الجنين دعوى علميّةً على أنّها من الدين، فاستطاع أن يفحصها بنفسه فوجدها غيرَ صحيحة. وإنّما بطلت دعوى الناقل لا دلالةُ النصّ، فخطأُ المستدِلّ لا يلزم منه بطلانُ ما استدلّ له. فالقاعدةُ في حقّه سببُ خروجٍ لا دعوةُ عودة. ولا أستثني نفسي منها، فالقاعدةُ التي لا تصلح إلا حيث تنفعني ليست قاعدة.

ثلاثةُ أشياء يقوم عليها العلمُ ولا يبرهن عليها: أنّ الغدَ يشبه اليوم، وأنّ عقولنا تصلح، وأنّ الأبسطَ أولى

ليس هذا تهمةً للعلم ولا انتقاصًا منه، بل وصفٌ لبنائه، وأهلُه يقولونه قبل غيرهم.

وحدُّ هذا كلِّه: لا شيءَ ممّا يأتي يرجّح القولَ بوجود إله، ولا ينفعه. ففرضُ الإله لا يحلّ «مشكلةَ الاستقراء». والاستقراءُ أن تستخرج قاعدةً عامّةً من حالاتٍ كثيرةٍ رأيتها، ومشكلتُه أنّك لا تملك برهانًا على أنّ ما لم تره سيشبه ما رأيت. فمن جعل اللهَ ضامنًا للاطّراد لزمه أن يُثبت أنّ العادةَ الجاريةَ في الطبيعة لا تُعلَّق. فإن أجاز أن تُعلَّق، لم يزدد الاطّرادُ عنده ضمانًا، بل صار أقلَّ ضمانًا. وفرضُ الإله كذلك لا يحلّ مسألةَ الثقة بالعقل، لأنّك تحتجّ بعقلك لتثبت أنّ عقلك موثوق. فالمؤمنُ والملحدُ عالقان هنا في الموضع نفسِه، وهذا تعادلٌ لا تقدّمٌ لأحدهما. وفائدةُ هذا كلِّه واحدةٌ محدودة: أنّ عبارتَي «العلمُ أثبت» و«العلمُ أغنى» تفترضان بناءً قائمًا على نفسه، وليس كذلك. فمن قرأ هذه الأمورَ ترجيحًا لجهةٍ فقد قرأ فيها أكثرَ ممّا فيها. ومن كتبها ليرجّح بها جهةً فقد ناور.

  • أنّ الغدَ يشبه اليوم. أنت تبني يومَك كلَّه على أنّ قطارَ السابعة يأتي في السابعة، لأنّه أتى في السابعة مئةَ مرّة. وليس في الدنيا تجربةٌ تُثبت أنّ المستقبلَ يشبه الماضي، لأنّ كلَّ تجربةٍ إنّما تُقرأ بافتراض ذلك. فمن أراد أن يبرهن على الاطّراد بالتجربة، استعمل الاطّرادَ نفسَه في البرهان عليه.

*وحدُّ هذا المثال:* للقطار جدولُ مواعيدَ وشركةٌ وسائق، فانتظامُه من صنع أناسٍ نعرفهم من غير هذا المثال. ومن نقل المثالَ إلى انتظام العالم، فقد أدخل الصانعَ فيه قبل أن يُثبته.

  • أنّ عقولنا صالحةٌ لبلوغ ما تبحث عنه. في المصنع يُضبط كلُّ ميزانٍ بمقارنته بميزانٍ مرجعيٍّ في غرفةٍ خاصّة. فإن سألتَ: وبأيّ شيءٍ يُضبط الميزانُ المرجعيُّ نفسُه؟ فالجوابُ ليس في المصنع.

*وحدُّ هذا المثال:* الميزانُ المرجعيُّ في المصانع يُضبط فعلًا بميزانٍ أعلى منه في هيئةٍ وطنيّة، فالسلسلةُ تنتهي في الواقع العمليّ وإن لم تنتهِ من حيث المبدأ. والمثالُ يُريك أنّ الأداةَ لا تصحّح نفسَها بنفسها، ولا يُريك أنّ فوقها عقلًا.

  • أنّ الأبسطَ أولى. وهذه قاعدةٌ نختار بها بين التفسيرات، لا نتيجةٌ خرجت من قياس. وسيأتي الكلامُ عليها في الفصل الخامس عشر.

هل كان بين العلم والدين حربٌ دائمة؟ التاريخُ لا يشهد لها ولا لنقيضها

يُتداول أنّ غاليليو سُجن وعُذّب، وأنّ أهلَ القرون الوسطى كانوا يعتقدون أنّ الأرضَ مسطّحة. وهاتان بعينهما هما اللتان يقرّر مؤرّخو العلم أنّهما أسطورتان.

ولا يصحّ أن تُختصر العبارةُ حتى تُقرأ «لم يقع لغاليليو شيء». فالواقعُ أنّه حوكم سنة ١٦٣٣ أمام محاكم التفتيش، وأُكره على التبرّؤ من قوله، ومُنع كتابُه، وقضى تسعَ سنواتٍ إلى موته تحت الإقامة الجبريّة. وهذا كلُّه لا ينفيه الكتابُ الذي حرّره مؤرّخُ العلم رونالد نمبرز سنة ٢٠٠٩ وجمع فيه نقضَ هذه الأساطير، وإنّما المنفيُّ عنده السجنُ والتعذيب، لا المحاكمةُ ولا الإكراه. والعبارةُ التي تُوهم أنّه لم يُمسّ بسوءٍ حكايةٌ تاريخيّةٌ نظيفةٌ كذلك، لكنّها من الجهة المقابلة.

وأمّا «أطروحةُ الصراع» — أي القولُ بأنّ العلمَ والدينَ في حربٍ دائمة — فصيغتُها الشائعة من صنع القرن التاسع عشر، وقد شاعت بكتابين: كتابِ جون ويليام دريبر (١٨٧٤)، وكتابِ أندرو ديكسون وايت (١٨٩٦). ولا أقول إنّها بدأت بهما، فلها ما قبلهما؛ وإنّما الذي يقرّره مؤرّخو العلم أنّها ليست وصفًا لعلاقةٍ مستمرّةٍ في التاريخ.

والكتابُ الذي يقرّر ذلك يهدم من الجهة الأخرى دعوى أنّ دينًا بعينه كان أمَّ العلم الحديث. ولها في تراثنا نظير: روايةُ «عصرٍ ذهبيٍّ ثمّ انحطاطٍ سببُه رجلٌ بعينه». والروايةُ تسقط بالوقائع، لا بتبرئة رجلٍ أو اتّهامه. فقد هدمها من درس المخطوطات الفلكيّة، فوجد إنتاجًا أصيلًا استمرّ إلى القرن السادس عشر. وهذا يهدم معها ما يقوله أنصارُ التراث وخصومُه على السواء. وأقصى ما يقوله أدقُّ من كتب في نشأة العلم أنّ مؤسّساتٍ بعينها كانت شرطًا مهيِّئًا له، كالتربة الصالحة للزرع: لا تُنبت شيئًا وحدَها، ولا ينبت شيءٌ بدونها. وتحويلُ الشرط المهيِّئ إلى سببٍ فاعلٍ هو الغلطُ الذي يتكرّر في النقل.

فالخلاصةُ أنّ التاريخَ لا يعطي واحدًا من الفريقين ما يريده. وهذا نفسُه مفيد: من جاءك بحكايةٍ تاريخيّةٍ نظيفةٍ في هذا الباب، من أيّ جهةٍ جاء، فاطلب منه المصدر.

ما لا يُثبته الفرقُ بين «كيف» و«لماذا»

لا يُثبت أنّ الله موجود، ولا يرجّح ذلك ترجيحًا يُعتدّ به. غايتُه أن يفكّ اشتباكًا: أن ترى أنّ سؤالَ «كيف» وسؤالَ «لماذا» لا يتزاحمان على موضعٍ واحد، وأنّ من قال «العلمُ أغنى» فقد أجاب عن سؤالٍ غيرِ الذي سُئل.

ثمّ إنّ الاستدلالَ بالانتظام هو أمتنُ ما في هذا الجواب. ومع ذلك يعدّه من راجع «اللاهوتَ الطبيعيّ» بأمانةٍ أضعفَ ما فيه. و«اللاهوتُ الطبيعيّ» هو الاستدلالُ على الله بالعقل والطبيعة لا بالوحي. وسببُ ضعفه أنّه يسمّي لغزًا حقيقيًّا، ولا يقدّم فرضًا محدَّدًا يمكن اختبارُه. ومن قال إنّ الاطّرادَ واقعةٌ خامّةٌ لا تُفسَّر لم يقع في تناقض. فلا حسمَ هنا.

*وحدُّ الدعوى نفسِها، لا المثال:* قد يكون الانتظامُ ممّا لا يقبل السؤالَ أصلًا، إمّا لأنّ النظريّةَ النهائيّة واحدةٌ منطقيًّا لا بديلَ لها، وإمّا لأنّ طلبَ تفسيرٍ لوجود التفسير طلبٌ لا معنى له. فإن صحّ أحدُ هذين، فلا يبقى في هذا الجواب شيء. ولا يكون العيبُ حينئذٍ في مثالٍ مكسور، بل تكون الدعوى نفسُها ساقطة. ولا أملك ما يُسقط الاحتمالين.

فأين تقف أنت؟ إن صحّ أحدُ الاحتمالين فليس عندي في هذه المسألة ما أقدّمه لك، ويبقى سؤالُك مفتوحًا. والذي كسبتَه على كلّ حالٍ أنّ من قال لك «العلمُ أثبت أنّ الله غيرُ موجود» قال ما لا يقوله العلم. وهذا وحدَه لا يُلزمك بشيء، لكنّه يُسقط عنك دعوى كانت تُساق عليك.