٥. لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء؟
السؤال: لماذا يوجد شيءٌ بدلَ ألّا يوجد شيء؟
الجوابُ باختصار: كلُّ ما عرفناه في حياتنا يبدو لنا أنّ وجودَه مستعارٌ من غيره، كالكتاب المستعار الذي ليس ملكًا لمن يحمله. وهذا حكمٌ نستخلصه نحن ممّا نرى، لا شيءٌ نراه بأعيننا. وهو «مقدّمةٌ حدسيّة»، أي قناعةٌ نجدها في أنفسنا ولا يُثبتها مثالٌ واحد. والإعارةُ لا تصنع الشيءَ المُعار مهما طالت سلسلةُ المُعيرين. فأمامنا ثلاثةُ احتمالات:
- إمّا أن يكون هناك موجودٌ لم يستعِر وجودَه من أحد.
- وإمّا أن تكون السلسلةُ نفسُها «واقعةً خامّة»، أي حقيقةً أخيرةً تُقبَل كما هي ولا تفسيرَ لها.
- وإمّا ألّا تكون القاعدةُ التي تطلب لكلّ شيءٍ تفسيرًا صحيحةً من أصلها.
وليس في واحدٍ من الثلاثة تناقض، والمفاضلةُ بينها هي المسألةُ كلُّها.
والنتيجةُ ليست أنّ الميزان يميل إلى الإيمان، بل أنّ الحجّةَ لم تُهدم. وبين الأمرين مسافة.
المؤمنُ والملحدُ كلاهما يقف — والخلافُ في موضع الوقوف لا في الوقوف
والمؤمنُ يقف هو أيضًا. من قال «اللهُ واجبُ الوجود بذاته»، أي وجودُه من ذاته لا من غيره، فقد انتهى إلى موجودٍ تفسيرُ وجوده في ذاته، لا إلى حقيقةٍ بلا تفسير. ومن قال «الكونُ موجودٌ وحسب» فقد انتهى إلى واقعةٍ خامّةٍ يقبلها كما هي. وهذا الفرقُ دعوى المؤمن، ولخصمه أن يمنعها عليه. فالخلافُ ليس بين من يقف ومن لا يقف، لأنّنا كلانا نقف. وإنّما الخلافُ في موضع الوقوف، وفي سؤالٍ واحد: هل بين الموضعين فرقٌ يُعتدّ به؟
وأنت تعرف هذا من طفلٍ صغيرٍ يسأل «لماذا؟» بعد كلّ جواب: لماذا المطر؟ لأنّ الغيم امتلأ. ولماذا امتلأ؟ لأنّ البحر تبخّر. ولماذا تبخّر؟ لأنّ الشمس سخّنته. ولا بدّ أن تقف في النهاية عند جوابٍ أخيرٍ لا «لماذا» بعده. والمؤمنُ والملحدُ في هذا سواء: كلٌّ منهما يقف عند جوابٍ أخير، ويختلفان في أيّ جوابٍ هو.
وهذه أعدلُ صورةٍ للخلاف أعرفها. ومن أخفاها عنك أوهمك بانتصارٍ لم يقع، وصوّر لك الملحدَ رجلًا يرفض أن يفكّر. والملحدُ ليس كذلك؛ ومن صوّره كذلك فقد صنع «رجلَ قشّ»، أي عرض رأيَ خصمه بأضعف صورةٍ ليهزمه.
فأنت وأنا في مشكلةٍ واحدة، لا أنا صاحبُ الجواب وأنت صاحبُ الاعتراض. والسؤالُ الذي بيننا واحد: هل بين موضعَي الوقوف فرقٌ يُعتدّ به عقلًا، أم لا؟
ليس السؤالُ «من صنع الكون؟» — و«من خلق الله؟» له صورتان
يتردّد في المناظرات سؤالٌ قصير: «ومن خلق الله؟» وله صورتان: إحداهما ضعيفة، والأخرى أقوى ما في هذه المسألة كلِّها.
الصورةُ الأولى، وهي الضعيفة: أن يُظنّ أنّ الحجّة تقول «كلُّ شيءٍ له صانعٌ صنعه في الماضي، والكونُ شيء، فله صانع»، فيُسأل: وما بالُ الصانع نفسِه؟ وهذا السؤالُ يصيب حجّةً لا يقول بها أحدٌ من المدافعين الجادّين عن الحجّة، لأنّ مقدّمتَهم ليست «كلُّ شيء» بل «كلُّ ممكن». والممكنُ ما ليس في ذاته ما يوجب وجودَه، فكان يمكن أن يوجد وأن لا يوجد. فمن ردّ تلك الصورة فقد ردّ صيغةً لا يدافع عنها أحد، وليس في ردّها كسبٌ كبير.
والصورةُ الثانية، وهي التي تُوجعنا: يقول صاحبها: أنت عرّفتَ «الواجب» بأنّه ما لا يُسأل عن مصدر وجوده، ثمّ قلتَ إنّ سؤال «من أين جاء وجودُه؟» لا يقع عليه. حسنًا، هذا صحيحٌ في معنى الكلمة. لكنّك منحتَ هذا الإعفاءَ في تعريفٍ من عندك. والتعريفُ لا يصنع إعفاءً في الواقع خارجَ كلامنا. ثمّ يأتي السؤالُ الحقيقيّ: لماذا أُمنَع أنا من أن أمنح الإعفاءَ نفسَه للحالة الفيزيائيّة الأولى، أي أوّلِ حالٍ كان عليها الكونُ المادّيّ؟ فأجعلها هي الواجبَ بذاته، ويتحقّق مطلبُك كلُّه بلا إله.
وهذه الصورةُ الثانية لا جوابَ حاسمًا عنها. وإنّما تنقل النزاعَ كلَّه إلى سؤالٍ واحدٍ يأتي بيانُه في موضعه: أيُّهما أولى بأن يكون الواجبَ بذاته، الحالةُ الفيزيائيّة الأولى أم اللهُ؟ وهي رأيُ الفيلسوف الأستراليّ غراهام أوبي، من أبرز من دافع عن الإلحاد في زماننا، وتنتهي المسألةُ فيها إلى «لا حسم». فمن سأل بها فهو في أقوى مواضعه، ولا يصحّ أن يُعامَل كمن يُصحَّح له خطأٌ في السطر الثالث.
وأمّا التمييزُ الذي يوفّر نصفَ الجدل فهو أن تفرّق بين سؤالين:
- من أحدثه؟ أي: أيُّ حادثٍ في الماضي أنتج هذا الشيء؟
- بمَ يقوم الآن؟ أي: ما الذي يُمسك وجودَه في هذه اللحظة؟
خذ المصباحَ في سقف غرفتك: سؤالُ «من ركّبه؟» سؤالٌ عن الماضي، وجوابُه كهربائيٌّ جاء قبل سنوات ثمّ ذهب. وسؤالُ «لماذا يضيء الآن؟» سؤالٌ عن هذه اللحظة، وجوابُه التيّارُ الذي يجري فيه الآن.
والحجّةُ التي نبحثها تسأل السؤالَ الثاني لا الأوّل. وهذا التمييزُ لا يهزم الصورةَ الثانية أبدًا. إنّما فائدتُه أن يمنع سوءَ فهم: أن يُظنّ أنّنا نتكلّم في سلسلةٍ من الأحداث عبر الزمن. والحجّةُ لا تُبنى على تلك السلسلة.
أوّلًا: ما معنى «ممكن»، وما معنى «واجب»؟
١ · رصيدُ الباقة. تفتح تطبيقَ شركة الاتصالات على هاتفك فيظهر رصيدُ باقتك: ٣٢٠٠ ميغابايت. لو لم تشاهد مقاطعَ الأمس لكان ٣٤٠٠، ولو تأخّر تجديدُ الباقة يومًا واحدًا لكان ٩٠٠. لا شيءَ في الرقم نفسِه يمنع أن يكون غيرَه. هو على هذا الرقم لأنّ أمورًا خارجَه وقعت على نحوٍ معيّن، وكان يمكن أن تقع على نحوٍ آخر. وفي الشاشة نفسِها رقمٌ من صنفٍ آخر: باقتان صغيرتان، إحداهما خمسون والأخرى سبعون، مجموعُهما مئةٌ وعشرون. وهذا لا يمكن أن يكون غيرَه، ولو أفلست الشركةُ كلُّها واحترق مبناها.
*وحدُّ هذا المثال:* هو يفرّق بين حادثةٍ وحسابٍ رياضيّ. أمّا الدعوى في هذه المسألة فأوسعُ من الرياضيّات. فمن سلّم بأنّ اثنين واثنين أربعةٌ بالضرورة، لم يلزمه أن يسلّم بأنّ في الواقع موجودًا ضروريًّا. فالمثالُ يُريك الفرقَ بين نوعين من الصدق، ولا يُثبت أنّ النوع الثاني يقابله شيءٌ موجودٌ في الواقع.
٢ · جدولُ المناوبة. في مدرستك جدولٌ للمعلّم المناوب. اسمُ المناوب يومَ الثلاثاء قابلٌ للتبديل، وقد بُدِّل مرّتين هذا الشهر. أمّا أنّ لكلّ يومٍ مناوبًا فليس اسمًا مكتوبًا في خانةٍ من خانات الجدول؛ بل هو الذي يجعل الجدولَ جدولًا.
*وحدُّ هذا المثال:* قاعدةُ الجدول شرطٌ وضعته إدارةُ المدرسة، فهي واجبةٌ بالنسبة إلى نظام المدرسة لا في نفسها. أمّا الواجبُ المطلوبُ في هذه المسألة فواجبٌ في نفسه، لا بالنسبة إلى نظامٍ ولا إلى شيءٍ آخر.
والتعريفُ شيء، والقاعدةُ التي تُبنى عليه شيءٌ آخر. والخلطُ بين الاثنين أخبثُ ما في هذه المسألة:
- الممكن: ما ليس في ذاته ما يوجب وجودَه، فكان يمكن أن يوجد وألّا يوجد. فإذا نظرتَ إلى ذاته وحدَها لم تجد فيها ما يرجّح وجودَه على عدمه، كرصيد الباقة.
- والواجب (واجبُ الوجود): ما وجودُه من ذاته لا من غيره، فلا يمكن أن يُعدم.
والحجّةُ التي تنتقل من الأوّل إلى الثاني تُسمّى «حجّةَ الإمكان والوجوب».
وهناك جملةٌ ثالثةٌ ليست تعريفًا: أنّ ما ليس في ذاته ما يرجّح وجودَه على عدمه، لا يوجد إلا بسببٍ من خارجه يرجّحه؛ أي أنّه يأخذ وجودَه من غيره. وهذه الجملةُ هي «مبدأُ السبب الكافي»، أي القاعدةُ القائلة إنّ لكلّ موجودٍ تفسيرًا لوجوده. وهي قاعدةٌ يُنازَع فيها ويُطالَب صاحبُها بوجهها، لا تعريفٌ يُسلَّم. ووجهُها عند متكلّمي أهل السنّة أنّها من أوائل العقول: فافتقارُ الممكن إلى مرجّحٍ ضروريٌّ عندهم، وعليه مدارُ إثبات الصانع في كتب الاعتقاد. ولو أدخلتُها في التعريف لخدعتُك، ولصار قولي «الممكناتُ تحتاج سببًا» تكرارًا لا خبرَ فيه، كقولك «الأعزبُ غيرُ متزوّج». والنزاعُ مع الفيلسوف الاسكتلنديّ ديفيد هيوم أثقلُ نزاعٍ في هذه المسألة، وكان سينقلب بذلك نزاعًا في الأسماء. ففي قراءةٍ لبعض شُرّاحه، لا ينكر هيوم أنّ «الممكن» يحتاج سببًا إذا أُدخلت القاعدةُ في تعريفه. إنّما ينكر أن نعلم أنّ في الواقع شيئًا ينطبق عليه ذلك التعريف. وهذه قراءةُ شُرّاحٍ يختلفون فيها، لا كلامٌ لهيوم أنقله بلفظه. فالنتيجةُ لا تُدسّ في أوّل الدليل. ومن دسّها وقع في «المصادرة على المطلوب»، أي أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك. وإنّما القاعدةُ مقدّمةٌ مستقلّةٌ تُطالَب بدليلها كسائر الدعاوى.
وأشهرُ غلطٍ في هذه المسألة أن يُفهم «الواجب» على أنّه «القويُّ جدًّا» أو «الأقدمُ زمنًا». فيتحوّل بحثٌ في نوع الوجود إلى مسابقةٍ في القِدَم والقوّة، ويصير النزاعُ: أيّهما أسبق، اللهُ أم المادّة؟ وليس هذا هو السؤالَ أبدًا. السؤالُ: هل هناك شيءٌ وجودُه من ذاته؟ ولو كان الجوابُ نعم، لم يكن معنى ذلك أنّه أقدمُ من غيره بمليارات السنين، بل أنّ سؤال «متى بدأ؟» لا يقع عليه أصلًا.
أين يقع الخلافُ في عبارة «موجودٌ واجبُ الوجود»؟ ثلاثةُ مواضع
ومواضعُ الخلاف في عبارة «موجودٌ واجبُ الوجود» ثلاثة. ومعها موضعٌ رابعٌ أثقلُ منها كلِّها، لكنّه لا يقع على العبارة. إنّما يقع على القاعدة التي تطلب لكلّ شيءٍ تفسيرًا، فينازع فيها من أصلها. وهو اعتراضُ هيوم. وأمّا الثلاثة فهي:
- أن يُنازَع في أنّ لهذه العبارة شيئًا يقابلها في الواقع. أي أنّها معنًى مفهوم، لكن لا شيءَ في الواقع يقع تحته، كما تفهم معنى «جبلٍ من ذهب» ولا تجد في الأرض جبلًا من ذهب.
- أن يُنازَع في أنّ لها معنًى أصلًا، بأن يُقال إنّ «الضرورة» وصفٌ للجُمَل لا للأشياء، فلا يصحّ أن تقول «موجودٌ واجب» كما لا يصحّ أن تقول «عددٌ أخضر». وهذا الاعتراضُ للفيلسوف البريطانيّ برتراند راسل، وهو أثقلُ من الأوّل.
- أن يُسلَّم بأنّ للعبارة معنًى، وبأنّ شيئًا في الواقع يقابلها، ثمّ يُنازَع في مَن هو هذا الشيء: فيُجعل الواجبُ حالةً فيزيائيّةً أولى لا إلهًا. وهذا رأيُ أوبي، ولا حسم فيه.
والذي لا يستقيم شيءٌ واحدٌ فقط: أن تقبل العبارةَ بمعناها، ثمّ تسأل عنها سؤالًا يناقض معناها، كأن تقول: «سلّمتُ بأنّه ما لا مصدرَ لوجوده، فمن أين جاء وجودُه؟». فهذا كمن يسألك: ما اسمُ زوجة هذا الأعزب؟ وهذا وحدَه هو ما أردّه، وهو أضعفُ ما في يد الخصم لا أقواه.
ثانيًا: التسلسل — هل تُعطي سلسلةٌ بلا أوّلٍ وجودًا، أم تنقله فقط؟
و«التسلسل» سلسلةُ أسبابٍ لا أوّلَ لها: كلُّ حلقةٍ فيها تأخذ من التي قبلها، ولا حلقةَ أولى. والسؤال: هل يكفي طولُ السلسلة، ولو امتدّت بلا نهاية، ليفسّر وجودَ ما فيها؟
٣ · الأغنيةُ في السمّاعة. تسمع أغنيةً في سمّاعتك. ولتعرف لماذا تسمعها الآن، لا يكفي أن تعرف من ضغط زرَّ التشغيل قبل دقيقة. اقطع الكهرباء الآن، فتنقطع الأغنيةُ في اللحظة نفسِها لا بعد ثانية. فالصوتُ لا يقوم بنفسه، بل هو محمول، أي يحتاج في كلّ لحظةٍ إلى شيءٍ آخر يحمله. وسؤالُك عن هذا الحامل ليس سؤالًا عن ماضي الأغنية.
*وحدُّ هذا المثال:* الأغنيةُ حدثٌ نعلم بالمشاهدة أنّه يُبثّ ويُحمَل. أمّا أنّ وجودَ الأشياء كلِّها من هذا الصنف فهو نفسُ ما نختلف فيه، لا نتيجةٌ نصل إليها. فمن سلّم بالمثال لم يلزمه أن يسلّم بالدعوى.
٤ · القطارُ بلا قاطرة. تقف على الجسر فترى قطارًا يمرّ تحتك: كلُّ عربةٍ تتحرّك لأنّ التي أمامها تجرّها، ولا قاطرةَ في أوّله. أطِلْه بخيالك ما شئت: أضِفْ ألفَ عربة، أو مليونًا، أو ما لا يُعدّ. لن يجعله الطولُ يتحرّك. فالعلّةُ ليست أنّ العدد قليل، بل أنّ كلَّ عربةٍ فيه من صنفٍ ينقل الحركة ولا يصنعها.
*وحدُّ هذا المثال:* هذا جرٌّ يقع في اللحظة نفسِها. أمّا سلسلةُ الآباء والأجداد فمن نوعٍ آخر تمامًا: الأبُ يموت ويبقى ابنُه، فلا يحتاج الابنُ إلى أبيه الآن. والخلافُ كلُّه في هذا: عن أيّ السلسلتين نتكلّم؟
٥ · المرآتان. ضع مرآتين متقابلتين في غرفةٍ مظلمة. في كلّ مرآةٍ صورةٌ للأخرى، وفي تلك صورةٌ للأولى، ولا آخِرَ لهذا التداخل. ثمّ أطفئ كلَّ مصدرٍ للضوء في الغرفة: لا يبقى شيء. فالسلسلةُ التي بلا نهاية كانت تعكس ضوءًا لم تصنعه، ولو طالت أكثرَ لما صنعته أبدًا.
*وحدُّ هذا المثال:* الضوءُ شيءٌ نعرف بالتجربة أنّ له مصدرًا خارج المرايا، والدعوى في الوجود نفسِه، وهي التي تحتاج إلى إثبات. فالمثالُ يُريك كيف تنقل سلسلةٌ ما لا تصنعه، ولا يُثبت أنّ الوجود من هذا الصنف.
٦ · سلسلةُ التوقيعات. تقدّم ورقةً في مبنىً حكوميّ، فيقول الموظّف: لا أوقّع حتى يوقّع مديري. وتصعد إلى المدير فيقول مثلَها. ولا يهمّك كم يبلغ عددُ الطوابق: إن لم يكن في المبنى واحدٌ يوقّع دون أن ينتظر غيرَه، فورقتُك لا تُختم أبدًا، ولو كان المبنى ألفَ طابق.
*وحدُّ هذا المثال:* طوابقُ المبنى محدودةٌ نراها، أمّا الدعوى ففي سلسلةٍ لا نهايةَ لها تحديدًا. ومن قال إنّ ما لا نهاية له يسلك سلوكًا غيرَ سلوك المحدود لم يُبطل عليه هذا المثالُ شيئًا. وهذا اعتراضٌ جادّ، لا جدالٌ فارغ.
وهناك سلسلتان لا واحدة، والتفريقُ بينهما في صالح الخصم أيضًا. سلسلةٌ في الطول، أي عبر الزمن: أبٌ عن أبٍ عن أب، كلُّ حلقةٍ فيها سبقت التي بعدها ثمّ ذهبت. وسلسلةٌ في العرض، أي في اللحظة الواحدة: العربةُ تُجرّ الآن، والصوتُ يُحمَل الآن، والتوقيعُ ينتظر الآن. ونسمّي الأولى «السلسلةَ الطوليّة»، والثانية «السلسلةَ العرضيّة». والحجّةُ إنّما تقوم على العرضيّة. فمن ردّ عليها بأنّ سلسلة الآباء يمكن أن تمتدّ بلا أوّل، فقد قال قولًا يحتمله النظر، لكنّه لم يمسّ الحجّةَ بشيء. ومن اتّهمه بأنّه أنكر البديهيّات فقد ظلمه.
لماذا لا يوجد مثالٌ يُثبت الدعوى؟ وماذا تفيد الأمثلةُ إذن؟
وقد تسأل: أين المثالُ الذي لا حدَّ له، فيُثبت الدعوى نفسَها؟ والجوابُ بلا مراوغة: لا يوجد.
ولن يوجد. والسببُ ليس ضعفًا في الخيال، بل طبيعةُ الدعوى نفسِها: كلُّ مثالٍ محسوسٍ تأتي به يقع داخل الوجود، والدعوى على الوجود نفسِه. فأنت تُري خصمَك شيئًا محمولًا لتقول له: والوجودُ كلُّه كذلك. فيقول لك: لا، ليس كذلك. وليس بينكما مثالٌ ثالثٌ يفصل بينكما.
فما الذي تفيده الأمثلةُ إذن؟ شيئان لا ثالث لهما:
- أنّها تحدّد موضعَ الخلاف. فبعدها تعرف بالضبط أنّ النزاع في سؤالٍ واحد: هل وجودُ الأشياء من صنف «المحمول» أم لا؟ لا في التسلسل، ولا في القِدَم، ولا في «من خلق الله».
- أنّها تُبطل ردًّا شائعًا، هو أنّ طولَ السلسلة يُغني عن مصدرٍ لها. وهذا الردُّ لا يبقى له وجهٌ في السلسلة العرضيّة عند من سلّم بأنّ الوجود محمولٌ في كلّ لحظة. لكنّ الأمثلةَ لا تُسقطه عند من ينازع في أنّ ما لا نهايةَ له يسلك سلوكَ المحدود، وهو الاعتراضُ الذي يرد على مثال سلسلة التوقيعات. أمّا في السلسلة الطوليّة فلا يسقط هذا الردُّ أبدًا.
وهذا كلُّه لا يُقيم الحجّة. فالحجّةُ تحتاج مقدّمةً واحدةً لم يُقِمها مثالٌ ولن يُقيمها: أنّ وجودَ الأشياء من هذا الصنف المحمول. وهي مقدّمةٌ حدسيّة. والخصمُ لا يشاركني فيها، وليس عندي ما أُلزمه به. فالأمثلةُ تحدّد موضعَ الخلاف وتُبطل ردًّا شائعًا، ولا تُقيم الحجّة. وما يُقيمها، إن قامت، حدسٌ لا مثال.
ثالثًا: ستّةُ ردودٍ على الحجّة، كلٌّ بأقوى ما يقوله أصحابُه
ردُّ إدواردز: ما يصدق على الأجزاء لا يصدق على الكلّ
الحائطُ مبنيٌّ من لَبِناتٍ صغيرة، وليس الحائطُ صغيرًا. وكلُّ خيطٍ في الثوب خفيف، والثوبُ ثقيل. فصفةُ الجزء لا تنتقل إلى الكلّ دائمًا.
وأنت تقول: كلُّ ما في الكون ممكن، أي ليس في ذاته ما يوجب وجودَه؛ فالكونُ كلُّه ممكن. وهذه نقلةٌ يُعترض عليها بحقّ. ويسمّي أهلُ المنطق هذا الخطأ «مغالطةَ التركيب»: أن تنقل صفةَ الأجزاء إلى المجموع بلا دليل.
وأقوى من ساق هذا الاعتراض الفيلسوفُ بول إدواردز سنة ١٩٥٩، بمثالٍ صار مشهورًا: خمسةٌ من الإسكيمو يقفون على ناصيةٍ في نيويورك، عند تقاطع الجادّة السادسة مع الشارع الخمسين. لكلّ واحدٍ منهم سببٌ يفسّر مجيئه: الأولى كرهت البردَ القطبيّ فانتقلت إلى جوٍّ أدفأ، والثاني زوجُها تبعها لأنّه لا يطيق فراقها، والثالث ابنُهما، والرابع رأى إعلانًا في صحيفةٍ يطلب إسكيمويًّا للظهور في التلفزيون، والخامس مخبرٌ خاصٌّ يراقب الرابع. فإذا عرفتَ سببَ كلّ واحدٍ منهم، هل بقي عليك أن تسأل: ولماذا جاءت المجموعةُ كلُّها؟
يقول إدواردز: لا. فطلبُ سببٍ للسلسلة كلِّها يقوم عنده على افتراضٍ خاطئ، هو أنّ السلسلة شيءٌ زائدٌ على أفرادها. فإذا فُسّر كلُّ فردٍ لم يبقَ شيءٌ آخرُ يحتاج إلى تفسير 1. وكذلك الكونُ عنده: من فسّر كلَّ ممكنٍ فيه بما قبله، لم يبقَ عليه شيءٌ يفسّره.
فهل يصيب هذا الاعتراض؟ الجوابُ الأمين: يصيب صورةً من الحجّة ويُخطئ أخرى. ومن قال لك «هذه شبهةٌ ساقطة» فقد أطلق حيث كان ينبغي أن يفصّل.
يصيب الصورةَ الساذجة: «كلُّ جزءٍ ممكن، فالكلُّ ممكن». هذه مغالطةٌ فعلًا، ومن ساقها استحقّ الردّ.
ولا يصيب الصورةَ الدقيقة. فهي لا تقول إنّ صفةً انتقلت من الأجزاء إلى الكلّ، بل تقول: مجموعةٌ كلُّ أفرادها يأخذ وجودَه من غيره، ليس فيها أحدٌ يُعطي الوجودَ من نفسه. والفرقُ بين الصورتين يظهر في هذا المثال:
٧ · الكتبُ المستعارة. في فصلك ثلاثون تلميذًا، ومع كلّ واحدٍ منهم كتاب. تسأل كلَّ واحدٍ: من أين لك هذا الكتاب؟ فيقول: استعرتُه من زميلي فلان. وتراجع الأجوبةَ واحدًا واحدًا فتجدها كلَّها صحيحة: لا كتابَ في الفصل بلا مُعير. ثمّ يبقى سؤالٌ لا يجيب عنه أحدٌ منهم: من أين دخلت الكتبُ إلى الفصل أصلًا؟
ولاحظ أنّك هنا لم تنقل صفةً من التلاميذ إلى الفصل. إنّما لاحظتَ أنّ كلَّ من في الفصل مستعير، وليس فيهم مالك، وأنّ الكتابَ لا يدخل إلا من يد مالك.
*وحدُّ هذا المثال:* نحن نعلم يقينًا أنّ الكتاب لا يُصنع بالإعارة، ولا نعلم مثلَ ذلك يقينًا عن الأشياء في الوجود، وهذا بعينه موضعُ الخلاف. وهناك حدٌّ أدقُّ من ذلك وأخطر: المثالُ يفترض أنّ الكتب دخلت الفصلَ مرّةً أولى، أمّا الدعوى ففي سلسلةٍ لا أوّلَ لها. فمن قال إنّ لكلّ كتابٍ مُعيرًا قبله بلا أوّل، لم يمسّه المثالُ بشيء. وهذا نفسُ ما نختلف فيه، وهو اعتراضُ «السلسلة التي لا أوّلَ لها». وكذلك من قال إنّ مجموعَ الطاقة في الكون قد يكون صفرًا، فقد ادّعى فصلًا يستقيم حسابُه بلا كتابٍ يدخله من خارجه. وهي دعوى فيزيائيّةٌ تُناقَش في بابها، لا تُردّ بابتسامة.
والحكم: الاعتراضُ يهدم الصورةَ الساذجة هدمًا تامًّا. ويدفع الصورةَ الدقيقة إلى سؤالٍ آخر: هل «مجموعُ الممكنات» شيءٌ يصحّ أن نسأل عن سببه أصلًا، أم هو اسمٌ جمعناه بألسنتنا لا شيءَ وراءه؟ ولا حسمَ في هذا، وأهلُ الاختصاص مختلفون فيه إلى اليوم.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ سلسلةً من المستعيرين لا تُغني عن مالكٍ واحد، مهما طالت، فالحجّةُ عندك قائمة. وإن كنتَ ترى أنّ الأجزاء إذا فُسّر كلٌّ منها لم يبقَ ما يُسأل عنه، فقد وقفتَ مع إدواردز. وليس بين الموقفين برهانٌ يُلزم أحدَهما صاحبَه. لكنّ الحجّةَ لا يتوقّف أمرُها على هذا الردّ وحدَه.
ردُّ هيوم: ما دليلُك على أنّ لكلّ حادثٍ سببًا؟ — ومن عليه أن يُثبت
الحجّةُ كلُّها تقوم على مبدأ السبب الكافي: أنّ لكلّ موجودٍ تفسيرًا، إمّا في ذاته لأنّه واجب، وإمّا في سببٍ خارجٍ عنه. وأشدُّ ما يُعترض به على مبدأٍ كهذا سؤالٌ أصلُه عند هيوم: وما دليلُك على المبدأ نفسِه؟ وقد سأله هيوم عن قاعدةٍ أضيقَ منه: «كلُّ ما يبدأ وجودُه فلا بدّ له من سبب»، في كتابه *رسالةٌ في الطبيعة البشريّة*، الكتاب الأوّل، الموضع I.iii.3 وعنوانُه «لماذا تكون العلّةُ ضروريّةً دائمًا» 2، والمعترضُ يسوق السؤالَ نفسَه على مبدأ السبب الكافي. وفي كتابه *محاوراتٌ في الدين الطبيعيّ*، القسم التاسع، يُنقض البرهانُ القبليّ على موجودٍ واجب، أي البرهانُ بالعقل وحدَه قبل أيّ تجربة. والناقضُ فيه كليانثيس، وهو مؤمنٌ لا ملحد: فكلُّ ما نتصوّره موجودًا نستطيع أن نتصوّره معدومًا، فلا يُبرهَن بالعقل وحدَه على وجود شيء 3. وأمّا القراءةُ التي تجعل هيوم يسلّم بالتعريف وينكر أن يقابله شيءٌ في الواقع، فهي قراءةُ شُرّاح، وليست كلامًا له بلفظه.
وحجّةُ هيوم في ذلك الموضع أنّ القاعدة ليست يقينًا بديهيًّا ولا مبرهَنًا: فأنت تستطيع أن تتصوّر بدءَ شيءٍ دون أن تتصوّر له سببًا، ولا تقع في تناقض. ومثالُه أنّ المربّعَ المستدير لا يُتصوَّر أصلًا، أمّا شيءٌ يبدأ بلا سبب فيُتصوَّر وإن لم نصدّقه. ولا ينكر هيوم القاعدة: يقول إنّ اعتقادَنا بها لا بدّ أن يأتي من الملاحظة والتجربة. ويبني المعترضُ على ذلك: فتجربتُنا كلُّها بأشياءَ داخلَ الكون، ولم نشهد قطّ كونًا يبدأ حتى نستخرج منه قاعدةً عليه. فالمبدأ عنده نعمل به ولا نبرهن عليه: الطبيبُ لا يقبل حُمّى بلا سبب، والقاضي لا يقبل حريقًا بلا سبب، والمهندسُ لا يقبل شرخًا بلا سبب. لكنّ عملَنا به في الطبّ والقضاء والهندسة لا يجعله قانونًا على الوجود كلِّه.
ويجيب المدافعون عن الحجّة: أن تستطيع تصوّرَ شيءٍ ليس دليلًا قاطعًا على أنّه ممكن. فأنت تستطيع أن تتصوّر ماءً ليس فيه هيدروجين: تقول الجملةَ ولا تجد في نفسك ما يمنعها، ومع ذلك هو مستحيل، كما بيّن الفيلسوفُ الأمريكيّ سول كريبكي 4. وكريبكي لا يُسقط شهادةَ التصوّر على الإمكان، بل يقيّدها: فالذي تصوّرتَه في الحقيقة مادّةٌ أخرى تشبه الماء، وهو يعدّ الحدسَ مع ذلك شاهدًا ثقيلًا. فعجزُك عن رؤية التناقض ليس شهادةً قاطعةً بأنّه غيرُ موجود.
وهذا جوابٌ صحيح، لكنّ له بقيّةً تعمل ضدّي. فأنّ الماءَ هو H₂O لم نعرفه بالحدس ولا بتحليل معنى كلمة «ماء»، بل عرفناه بالفحص في المعمل، ولولا هذا الفحصُ لما عرفنا أنّ في الأمر ضرورةً أصلًا. فالدرسُ الذي أستخلصه أنا من المثال، وليس قولًا لكريبكي، ليس «حدسُك فيما يمكن وما لا يمكن لا يُوثق به، فسلّم لي»، بل هو: الطريقُ إلى معرفة الضرورات هو الفحصُ، لا التأمّلُ فيما نجده في أنفسنا.
وليس عندنا فحصٌ لـ«الواجب بذاته». فلا جهازَ في معملٍ يفرز الواجبَ من الممكن، ولا تجربةَ تُعاد. فالمثالُ يُسقط حدسي وحدسَ خصمي معًا. ثمّ يترك الحكمَ للفحص، ولا نملك منه شيئًا في هذه المسألة. ومن أخذ من المثال نصفَه الأوّل وحدَه فقد استعمله ولم يفهمه.
وهنا أقوى اعتراضٍ على الحجّة. إذا انتهينا إلى «حدسٌ يقابله حدس»، فليست هذه قسمةً بالتساوي. فالحجّةُ تحتاج إلى مبدأ السبب الكافي، والخصمُ لا يحتاج إلى نقيضه؛ يكفيه أن يقول: لم تُقِم عليه دليلًا. وهذا ما يُسمّى «عبءَ الإثبات»: من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله، ومن قال «لم يثبت عندي» فليس عليه شيء. ولو قال لك زميلٌ: في حقيبتي هاتفٌ جديد، فقلتَ له: أرِنيه، فقال: بل أنت أثبِتْ لي أنّه ليس فيها! لعلمتَ في الحال أنّه قلب الأمر. من ادّعى أنّ في الحقيبة شيئًا فعليه أن يفتحها، ومن قال «لم أرَ شيئًا» فليس عليه أن يُثبت أنّها فارغة. وأنا في هذه المسألة صاحبُ الحقيبة، لا هو. فإذا تعادلت الحدوسُ خسر من يحمل عبءَ الإثبات. وأنا الذي أحمله هنا، فهذا التعادلُ يُنقص من نتيجتي، لا من نتيجته. وهذه القاعدةُ نفسُها يُنازَع فيها، وأُثبت النزاعَ ولا أطويه. فهي قاعدةٌ في أدب المناظرة: تقول لك من يُطالَب بالدليل في المجلس، ولا تقول لك أين الحقّ. وإنّما يصحّ أن يُحمَّل العبءُ جهةً واحدةً لو كان أحدُ القولين هو الأصلَ المفروغَ منه، وذاك موضعُ النزاع لا مقدّمتُه. ثمّ إنّها تتبع صورةَ الدعوى لا صاحبَها: فمن قال «لا صانعَ لهذا الوجود» فقد أخبر عن الواقع بخبر، ويُطالَب بمستنده كما أُطالَب أنا. وخصمي ههنا واقفٌ عند «لم يثبت عندي»، فالقاعدةُ تعمل ضدّي وألتزمها؛ فإن تجاوزه إلى النفي صار مدّعيًا مثلي، وانقسم العبءُ بيننا.
ردُّ فان إنفاغن: لو كان سببُ الكون واجبًا، لصار كلُّ شيءٍ واجبًا
يُسمّى هذا الردُّ في كتب الفلسفة «انهيارَ الجهات». و«الجهات» هي الأحوالُ الثلاثة التي يمكن أن يكون عليها الشيء: أن يكون ممكنًا، أو واجبًا، أو مستحيلًا. و«انهيارُها» أن يصير الممكنُ واجبًا، فلا يبقى في الوجود شيءٌ ممكن أصلًا.
وهذه من أدقّ ما في المسألة، وصاحبُها الفيلسوفُ الأمريكيّ بيتر فان إنفاغن.
وصورتُها: لو صحّ مبدأُ السبب الكافي بلا استثناء، لكان لمجموع كلّ الوقائع الممكنة تفسير. وهذا التفسيرُ إمّا واجبٌ وإمّا ممكن:
- فإن كان ممكنًا، فهو واحدٌ من الوقائع الممكنة، أي جزءٌ من المجموع الذي يفسّره، فيكون قد فسّر نفسَه بنفسه. وهذا «دَور»، كمن يقول لك: صدّقني لأنّي صادق.
- وإن كان واجبًا، وكان ما يفسّره يلزم عنه لزومًا لا يتخلّف، فإنّ الضرورةَ تنتقل منه إلى ما يفسّره. فيصير مجموعُ الوقائع «الممكنة» واجبًا، ولا يبقى فيها ممكنٌ أصلًا، وتنهار المقدّمةُ التي بُنيت عليها الحجّة 5.
والخطوةُ الحاسمة هي الثانية، ويسمّونها «سريانَ الضرورة». وقد تُصوَّر أحيانًا بآلةٍ تُخرج نتيجةً واحدةً دائمًا، وذلك تصويرٌ في غير موضعه: الآلةُ تُريك أنّ الناتج ثابتٌ لا يتغيّر، والمقصودُ أنّ صفة الضرورة تنتقل من شيءٍ إلى شيء. وبين الأمرين فرق، والمثالُ الصحيح هو هذا:
٨ · قالبُ الثلج. في ثلّاجة بيتكم قالبٌ لمكعّبات الثلج، له شكلٌ واحدٌ لا يتبدّل، والماءُ يُصبّ فيه صبًّا لا يتخلّف. فما الذي يخرج؟ مكعّباتٌ بشكلٍ واحدٍ لا يمكن أن يكون غيرَه. ولاحظ من أين جاء «لا يمكن»: لم يأتِ من الماء، ولا من المكعّب نفسِه، بل جاء من القالب، وانتقل إلى المكعّب عن طريق صبٍّ لا يتخلّف. فالمكعّبُ ورث ضرورةَ قالبه.
فإذا قلتَ: الذي يفسّر الممكناتِ موجودٌ واجب، والممكناتُ تلزم عنه لزومًا لا يتخلّف، فقد جعلتَ الممكناتِ مكعّباتٍ مصبوبةً في قالبٍ واجب. فهي واجبة. وإذا كانت واجبةً فليست ممكنة، وقد كانت حجّتُك تبدأ من أنّها ممكنة.
*وحدُّ هذا المثال:* القالبُ يعمل بطبيعته لا باختياره، ومن هنا انتقلت الضرورة. فمن جعل الذي يفسّر الممكناتِ فاعلًا مختارًا، قال إنّ الصبّ يمكن أن يتخلّف. أي أنّه كان يمكن ألّا يفعل، فينقطع انتقالُ الضرورة. وهذا بعينه جوابُ المدافعين عن الحجّة.
وجوابُهم في جملة: التفسيرُ لا يعني الإلزام. فالفعلُ الحرّ يفسّر ولا يُوجب. والفاعلُ المختار يفسّر فعلَه دون أن يكون فعلُه ضروريًّا، وبهذا لا تنهار الجهات. فإن سُئلتَ: لماذا لبستَ القميصَ الأزرق اليوم؟ فقلتَ: لأنّي اخترتُه، كان هذا تفسيرًا صحيحًا لما فعلت، ومع ذلك كان يمكنك أن تلبس الأبيض.
وهو جوابٌ متماسك، لكنّ له ثمنًا من ثلاثة أوجه:
- أنّه يشترط في الفاعل ما يُسمّى «الحرّيّةَ التحرّريّة»، أي القدرةَ على أن يفعل وألّا يفعل مع أنّ كلّ الظروف واحدة. وهذه الحرّيّة نفسُها موضعُ نزاعٍ واسعٍ بين الفلاسفة. وفان إنفاغن نفسُه إنّما ساق حجّتَه في كتابٍ موضوعُه حرّيّةُ الإرادة.
- أنّه يجعل «التفسير» أضعفَ ممّا تحتاجه الحجّةُ في خطوتها الحاسمة. فإن كان التفسيرُ لا يُوجب، بقي السؤال: ولماذا اختار هذا دون ذاك؟ فإن كان اختيارُه لسببٍ رجّحه، عاد الإلزامُ وعادت الضرورة. وإن كان بلا سببٍ يرجّحه، فقد قبلتَ واقعةً بلا سببٍ كافٍ، وهذا بعينه ما تنكره على خصمك.
- أنّه يفتح بابًا يستطيع الخصمُ أن يستعمله ضدّ صاحب الحجّة نفسِه. فمن أجاز واقعةً تفسّرها إرادةٌ بلا سببٍ يرجّحها، صعُب عليه أن يمنع خصمَه من واقعةٍ أولى بلا تفسير.
ولا حسم.
فأين تقف أنت؟ من قال إنّ الله فعل باختياره لا بطبيعته، فعنده جوابٌ متماسك، والحجّةُ لا تنهار عليه بهذا الردّ. وثمنُ جوابه عند خصمه أنّه قبِل فعلًا لا مرجّحَ له من خارج الإرادة، فصار قريبًا ممّا كان يرفضه عليه. وله أن يقول: الإرادةُ نفسُها هي المرجّح، وليس قبولُ فعلٍ يفسّره مريدٌ كقبولِ واقعةٍ بلا تفسيرٍ أصلًا. فإن رأيتَ الاختيارَ الحرَّ تفسيرًا كافيًا، فالحجّةُ عندك نجت من هذا الردّ. وإن رأيتَ أنّ كلَّ اختيارٍ يحتاج سببًا يرجّحه، فقد انهارت عندك. وهذا البابُ مفتوحٌ للطرفين معًا، فمن استعمله على خصمه استُعمل عليه هو أيضًا.
ردُّ الفيزياء: فكرةُ أنّ الأشياء «محمولةٌ في كلّ لحظة» جاءت من فيزياء أرسطو، وقد بطلت
وهذا أقوى ما يُقال على الحجّة من جهة العلم، وهو يقع على قلبها لا على طرفها. ومبلغُه أن يُسقط عنها سندًا كانت تستند إليه من الطبيعة، لا أن يُبطل مقدّمتَها. وليس عندي بعد ذلك ما يردّه ردًّا مُقنعًا.
فالحجّةُ كلُّها تقوم على أنّ وجود الأشياء محمولٌ في كلّ لحظة، أي على السلسلة العرضيّة. فمن أين جاءنا هذا الحدس؟ جاء من فيزياء أرسطو. فعند أرسطو لا تدوم الحركةُ إلا بمحرِّكٍ يلازم المتحرّك في كلّ لحظة؛ فإذا انقطع المحرّكُ وقف المتحرّك. وفي عالمٍ كهذا يكون كلُّ شيءٍ محتاجًا إلى من يُمسكه في كلّ لحظة، وتنبت فيه الحجّةُ العرضيّة نباتًا طبيعيًّا.
ثمّ مات ذلك العالم، أي سقطت تلك الفيزياء.
٩ · الكرةُ على الجليد. ادفع كرةً على سطحٍ أملسَ من الجليد، ثمّ ارفع يدك. عند أرسطو ينبغي أن تقف الكرةُ حين تفارقها يدُك، وهي لا تقف. وقانونُ «القصور الذاتيّ» من أوّل ما يُدرَّس في الفيزياء بالمدرسة. وهو يقول: الجسمُ يبقى على حاله بلا حاملٍ ولا مُمسك، والذي يحتاج إلى تفسيرٍ هو التغيُّر لا البقاء.
*وحدُّ هذا المثال:* قانونُ القصور الذاتيّ يتكلّم في الحركة، أمّا الدعوى ففي الوجود. ومن نقل القانونَ من إحداهما إلى الأخرى فقد قاس شيئًا على شيءٍ غيره. لكنّ العبءَ انقلب. فقد كان قولُنا «البقاءُ يحتاج إلى ممسك» أمرًا بديهيًّا تسنده الفيزياء. فصار بعدها دعوى فلسفيّةً فقدت سندَها من الطبيعة. وهي لم تُبطَل، لكنّها لم تعد تُقبل بلا دليل.
ويقول الفيزيائيّ الأمريكيّ شون كارول ما هو أثقلُ من هذا: إنّ «السببيّة» ليست فكرةً أساسيّةً في الفيزياء الأساسيّة أصلًا. فالنماذجُ الفيزيائيّة معادلاتٌ تصف أنماطًا تتكرّر عبر الزمن. والسؤالُ الصحيح فيها: هل هذا نموذجٌ متّسقٌ يطابق ما نرصده؟ ولا يظهر في معادلاتها بندٌ اسمُه «السبب»، ولا بندٌ اسمُه «الحامل» 6.
وتوضيحُ ما يقصده بمثال: إن سُئلتَ لماذا سقط الكوب؟ قلتَ: لأنّي دفعتُه بيدي. أمّا معادلةُ الفيزياء فلا تقول «دفعٌ ثمّ سقوط»؛ بل تقول: إن كان الكوبُ في هذا الموضع بهذه السرعة، فهو بعد لحظةٍ في ذلك الموضع. هي وصفٌ لما يجري، ليس فيه بندٌ اسمُه «السبب». فالسببُ، على قوله، كلمةٌ نستعملها نحن في حياتنا، لا بندٌ في المعادلة.
وهذا الردُّ لا يُبطل الحجّةَ ببرهان، لأنّ للمدافع أن يقول إنّ الفيزياء تصف الأنماط ولا تنفي ما وراءها. لكنّه ينزع السندَ الحدسيّ عن المقدّمة التي تحمل الحجّة. وهذا السندُ هو الوحيدُ الذي كانت تقوم عليه.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ تجد في نفسك، بعد هذا كلّه، أنّ وجودَ الأشياء يحتاج إلى ما يُمسكه في كلّ لحظة، فالحجّةُ عندك باقية، لكنّها قائمةٌ على حدسك أنت لا على الفيزياء. وإن لم تجد في نفسك ميلًا إلى هذه المقدّمة، فلم يفُتك برهانٌ يُلزمك، وليس عندي ما أُلزمك به. وإنّما سقطت عندك هذه الحجّةُ وحدَها، وبقي السؤالُ الذي سيقت من أجله.
ردُّ راسل: «الضرورة» وصفٌ للجُمَل لا للأشياء
في مناظرةٍ إذاعيّةٍ على «البرنامج الثالث» في الإذاعة البريطانيّة، يومَ ٢٨ يناير سنة ١٩٤٨، سأل القسُّ الفيلسوفُ فريدريك كوبلستون الفيلسوفَ البريطانيّ برتراند راسل عن سبب الكون. فأجاب راسل: «الكونُ موجودٌ وحسب، وليس وراء ذلك شيء». وأضاف أنّ من انتقل من «لكلّ إنسانٍ أمّ» إلى «فللنوع البشريّ كلِّه أمّ» فقد أخطأ في نقل الوصف من الأفراد إلى المجموع 7.
وهذا نصفُ موقفه، وهو النصفُ الأضعف. ونصفُه الأقوى في المناظرة نفسِها، وهو أشدُّ إيجاعًا:
«الضرورة» عند راسل وصفٌ للجُمَل لا للأشياء. فهي تُقال في الجملة التي يكون نفيُها تناقضًا بمجرّد معناها، كقولك «المثلّثُ له ثلاثةُ أضلاع». أمّا إذا وُصف بها شيءٌ موجود فلا يُدرى ما معناها. فعبارةُ «موجودٌ واجبُ الوجود» عنده ليست عبارةً لا يقابلها شيءٌ في الواقع فحسب، بل هي عبارةٌ بلا معنًى، كما لو قلتَ «عددٌ أخضر».
وهذا هو الموضعُ الثاني من مواضع الخلاف الثلاثة، وهو مفتوح. ولا يُجاب عن هذا الاعتراض بتكرار التعريف. فهو ينازع في أنّ ما عرّفناه شيءٌ يصحّ تعريفُه أصلًا. فمن ردّ عليه بقوله «هذا هو معنى الكلمة التي أستعملها»، فقد حوّل اعتراضًا على الحقيقة إلى اعتراضٍ على اللفظ، ثمّ انتصر في اللفظ.
وجوابُ المدافعين عن الحجّة: أنّ هناك ضروراتٍ تقع على الأشياء نفسِها لا على ألفاظنا، ولا ترجع إلى تحليل معاني الكلمات. ويسمّيها الفلاسفةُ «الضرورةَ الميتافيزيقيّة»، أي الضرورةَ التي في طبيعة الشيء. وأشهرُها أنّ الماء لا يكون ماءً إلا بتركيبه. وهذه ضرورةٌ في الشيء لا في الجملة، ولم نعرف صدقَ قضيّتها إلا بالفحص بعد التجربة 4. فإذا ثبت صنفٌ من الضرورة يقع على الأشياء، لم يبقَ قولُ راسل عامًّا لكلّ ضرورة.
وهو نزاعٌ حيٌّ إلى اليوم، ولا حسم فيه. وجوابُ المدافعين هذا يعمل ضدّهم من جهةٍ أخرى: فالضرورةُ التي أثبتها كريبكي لم يُعرف صدقُ قضيّتها إلا بالفحص، وليس عندنا فحصٌ يبلغ «الواجب بذاته». فالبابُ فُتح، لكنّ الطريقَ لم يُسلَّم لأحد. وأصلُ راسل غيرُ مسلَّمٍ عند متكلّمي المسلمين: فقسمةُ الموجود عندهم إلى واجبٍ وممكنٍ ومستحيل قسمةٌ عقليّة تُدرَك قبل النظر في المصاديق، وبها تُفتتح متونُ الاعتقاد. ولا ينازعه القائلون بالضرورة الميتافيزيقيّة وحدَهم.
١٠ · الترجمةُ عن ترجمة. بحثتَ عن أصل عبارةٍ في كتاب، فوجدتَ المترجمَ العربيّ ينقلها عن ترجمةٍ فرنسيّة، والفرنسيَّ عن ترجمةٍ لاتينيّة، واللاتينيَّ عن ترجمةٍ سريانيّة. تتبّعتَ الخيطَ فلم تجد في آخره مؤلّفًا قطّ: كلُّهم ناقلون. عندئذٍ يخرج السؤال: من أين دخل المعنى إلى السلسلة؟
*وحدُّ هذا المثال:* نحن نعرف مسبقًا أنّ المعنى يكتبه كاتب، ولا يتولّد من النقل. فلو نقلنا المثالَ إلى الوجود بلا برهانٍ مستقلّ، لكان مصادرةً على المطلوب، أي أنّه يفترض ما يريد إثباتَه. فهو يُريك صورةَ السؤال، لا صحّةَ جوابه.
فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ أنّ في الأشياء ضروراتٍ حقيقيّة، كضرورة تركيب الماء، فقولُ راسل لا يمنعك من عبارة «موجودٌ واجب». وإن رأيتَ أنّ الضرورة لا تُقال إلا في الجُمَل، فقد وقفتَ معه. ويبقى على الطرفين سؤالٌ واحدٌ مفتوح: كيف نعرف ضرورةً لا يبلغها فحص؟
ردُّ أوبي: لماذا لا تكون الحالةُ الأولى للكون هي الواجب؟
وهذا الردُّ هو الصورةُ الثانية من سؤال «ومن خلق الله؟». ويضع غراهام أوبي الاعتراضَ في أمتن صورةٍ له. فالطبيعانيّ، أي القائلُ بأنّ الطبيعة هي كلُّ ما يوجد، ليس عليه أن ينكر ما تطلبه الحجّةُ أصلًا. يكفيه أن يجعل الحالةَ الفيزيائيّة الأولى للكون هي الواجبَ بذاته، فيتحقّق المطلوبُ كلُّه بلا إله. وقولُنا «المادّةُ لا تصلح أن تكون واجبة» ليس حدسًا مجرّدًا، بل عليه دليلٌ عند متكلّمي المسلمين، وبه بنَوا إثباتَ الصانع بالعقل في كتب الاعتقاد. وصورتُه: أنّ كلَّ جسمٍ مركّبٌ من أجزاء، والمركّبُ مفتقرٌ إلى أجزائه، والمفتقرُ لا يكون واجبًا بذاته؛ وأنّ ما لا ينفكّ عن التغيّر لا يكون واجبًا بذاته. ولخصمِ الحجّة أن يمنع مقدّماته من وجهين: أنّ الحالة الفيزيائيّة الأولى قد لا تكون جسمًا مركّبًا على الوجه الذي يفترضه الدليل، وأنّ افتقارَ الكلّ إلى أجزائه ليس بيّنًا إذا كانت الأجزاء لا توجد إلا فيه. فالنزاعُ ينتقل إلى مقدّمات الدليل ولا ينتهي عندها. والذي يصحّ أن يُقال: دليلٌ يقابله منعٌ لمقدّماته، لا حدسٌ يقابله حدس.
ويقرّر أوبي أنّ حججَ الإلحاد لا تنجح هي أيضًا، وهذا يُحسب له. فرأيُه أنّه لا حجّةَ ناجحةٌ في الاتّجاهين، لأنّ «النجاح» عنده أن تُلزم خصمَك العاقلَ بنتيجتك، وهذا لم يقع لأحد.
وقولُ أوبي لا يقف عند هذا الحدّ. فأوبي لا ينتهي إلى أنّ الموقفين سواء. بل يرى أنّ الطبيعانيّة أرجحُ من الإيمان بالله. وسببُ الترجيح عنده البساطةُ وما يُسمّى «الفضائلَ النظريّة»، أي الصفاتُ التي تجعل نظريّةً أفضلَ من أخرى. فعنده أنّ الحالة الفيزيائيّة الأولى تكفي وحدَها، وأنّ إضافة عقلٍ مريدٍ وراءها زيادةٌ في الفروض بلا زيادةٍ في التفسير. وموضعُ هذه الدعوى كتابُه *The Best Argument Against God* (أقوى حجّةٍ على الإله) سنة ٢٠١٣ 8. وهذا وصفُها كما يعرضها ملخّصُ الكتاب وعروضُ الدارسين له، وليس موضعُها كتابَه سنة ٢٠٠٦. وأمّا كتابُه سنة ٢٠٠٦ 9 فالذي فيه أنّه لا حجّةَ ناجحةٌ في الاتّجاهين، وحسب. فالتعادلُ عنده في الحجج، لا في الحكم الأخير. فمن نقل عنه أنّه يقول «الطرفان سواء» فقد أخذ نصفَ قوله وترك نصفَه.
وأثرُ ذلك على حسابي أنّ خصمي لا يقول «لا أدري»، بل يقول: «الأرجحُ عندي غيرُ ما ترجّح عندك، ولسببٍ في المنهج يُعرض ويُناقَش». والردُّ عليه يقتضي مناقشةَ البساطة بوصفها صفةً تجعل النظريّةَ أفضل: هل الأبسطُ أقربُ إلى الصدق، أم هو أسهلُ في الاستعمال فقط؟ وهذا نقصٌ عليّ لا عليه.
فأين تقف أنت؟ أمامك ترجيحٌ لا برهان. فخصمي يرجّح بقاعدة «الأبسطُ أولى»، وتُعرف بـ«نصل أوكام»: لا تُكثر من الفروض بلا حاجة. والسؤالُ المفتوح: أهي دليلٌ على الصدق، أم أداةٌ تُسهّل العمل؟ فإن رأيتَها دليلًا على الصدق، فترجيحُ أوبي عندك قويّ. وإن رأيتَها أداةً للعمل لا غير، فمن حقّك أن تتوقّف حتى تُفحص القاعدةُ نفسُها. وفي الحالين لا يُلزمك أحدُ الطرفين بشيء.
رابعًا: الحدسُ في الإمكان والوجوب — لماذا نثق به، ومتى لا نثق
وعلى «الحدس في الجهات» يقوم ثقلُ الحجّة كلُّه.
الحدسُ في الجهات هو أن تحكم حكمًا مباشرًا بأنّ شيئًا ممكنٌ أو مستحيلٌ أو واجب، من غير برهانٍ ولا تجربة. مثالُه أن تقول: «كان يمكن أن أجلس في مقعدٍ آخر»، أو «يستحيل أن يكون هذا المثلّثُ مربّعًا»، أو «لا يمكن أن يوجد شيءٌ ولا يوجد في الوقت نفسِه». وهذه أحكامٌ لا تجرّبها في معمل، ولا تستخرجها من مقدّمات. إنّما تجدها في نفسك فتقول بها.
فلماذا نثق به؟ لأنّ الاستغناء عنه يُفقر المعرفةَ كلَّها: فالرياضيّاتُ والمنطقُ وأكثرُ الأخلاق تقوم على أحكامٍ من هذا النوع. وخصمي لا يقول بإسقاطه كلِّه، وليست تلك صورةَ رأيه. إنّما يقول إنّ هذا الحدس يُوثق به حيث يمكن أن نصحّحه بالبرهان أو التجربة، ولا يُوثق به حيث لا شيءَ يصحّحه. فهو كالميزان في محلّ البقالة: تثق به لأنّه يُضبط كلَّ حينٍ على أوزانٍ معروفة. فإن حملتَه إلى مكانٍ ليس فيه وزنٌ معروفٌ تضبطه عليه، لم تعرف أصادقٌ هو أم لا. وهذه الصورةُ المتدرّجة من رأيه هي التي تُوجع.
ولماذا نشكّ فيه؟ لأنّه يضعف كلّما ابتعدنا عمّا ألِفناه:
١١ · المكعّبُ في أربعة أبعاد. حاول أن تتصوّر مكعّبًا له أربعةُ أبعاد. لن تستطيع، وستجد في نفسك مانعًا كالذي تجده أمام «مربّعٍ مستدير». ومع ذلك فهو متّسقٌ تمامًا: تُحسب أحجامُه وزواياه، ويُدرَّس في الرياضيّات. فحدسُك هنا لم يقل لك شيئًا عن الإمكان، بل قال لك شيئًا عن حدود خيالك.
*وحدُّ هذا المثال:* المكعّبُ الرباعيّ شيءٌ رياضيّ، والوجودُ الواجب شيءٌ موجودٌ في الواقع، والقياسُ بينهما ليس تامًّا. لكنّ الدرس يبقى: عجزُ الحدس عن تصوّر شيءٍ ليس دليلًا على استحالته، وقدرتُه على تصوّره ليست دليلًا على إمكانه.
وهناك سؤالٌ يهدم الطرفين معًا. علمُ الأحياء يضعنا مع القردة في مجموعةٍ واحدةٍ اسمُها «الرئيسيّات». فلماذا نثق بحدسِ كائناتٍ من الرئيسيّات في مسألةٍ موضوعُها بنيةُ الوجود كلِّه؟ فعمرُ الواحد منها ثمانون سنة، وحدوسُها تشكّلت في بيئةٍ متوسّطةِ الحجم والسرعة. ولا تبلغ خبرتُها المباشرةُ ما دون الذرّة ولا ما فوق المجرّة. وعندي عن هذا جوابان. الأوّلُ أنّ الاعتراضَ في صورته العامّة ينقض نفسَه: فالحكمُ بأنّ عقلًا نشأ في بيئةٍ متوسّطةٍ لا يُوثق بحدسه فيما بَعُد عن خبرته، حكمٌ صدر عن ذلك العقل نفسِه، وموضوعُه صلةُ إدراكنا بالوجود كلِّه — وذلك أبعدُ عن خبرتنا ممّا اتُّهم به الحدس. فإن صدق أسقط نفسَه، وإن سقط بقي العقلُ على أهليّته. وهو جوابٌ قديمٌ عند المتكلّمين على من طعن في العقل: أنّ الطعنَ فيه لا يقوم إلا به. ولخصمي منه مخرجٌ واحد: أن يقصُر التهمةَ على حدس الجهات وحدَه، ويجعل حكمَه على نشأة العقل من الباب الذي يثق به. وهذا له، لكنّه يُلزمه أن يرسم الحدَّ بقاعدةٍ تُعرف قبل النزاع، لا بحدٍّ مرسومٍ على مقاس النتيجة. والثاني أنّ الحدس أداتُنا الوحيدة في هذه المسألة، وأنّ إسقاطَه لا يُبقي لأحدٍ شيئًا، لا لي ولا لخصمي. ومن أسقطه انتهى إلى «تعليق الحكم»، أي أن يتوقّف فلا يقول نعم ولا لا. ولم ينتهِ إلى نفي الإله. وهذا يُضعف موقفي أكثرَ ممّا يُضعف موقفه. وعبءُ الإثبات هو السبب: أنا أحتاج إلى الحدس لأبني، وهو يحتاج إليه ليمنع. والبناءُ أشقُّ من المنع.
خامسًا: متى تسقط حجّةُ الإمكان والوجوب؟ أربعُ حالات
تسقط هذه الحجّةُ عندي في أيّ واحدةٍ من أربع:
- أن يثبت أنّ «مجموع الممكنات» ليس شيئًا يصحّ أن يُسأل عن سببه، أي أن يثبت اعتراضُ إدواردز في صورته الدقيقة لا الساذجة. وحينئذٍ لا يبقى للسؤال موضوعٌ أصلًا.
- أن يثبت أنّ انتقال الضرورة لا ينقطع بالاختيار، أي أن يسقط جوابُ «الفعلُ الحرّ يفسّر ولا يُوجب»: إمّا بإبطال الحرّيّة التحرّريّة، وإمّا ببيان أنّ الاختيار نفسَه يحتاج إلى سببٍ يرجّحه. وحينئذٍ تنهار الجهات، ولا نجاةَ من حجّة فان إنفاغن.
- أن يثبت أنّ الضرورة وصفٌ للجُمَل وحدَها، أي أن يصحّ قولُ راسل على عمومه. فلا يبقى لعبارة «موجودٌ واجب» معنًى نبحث عن شيءٍ يقابله في الواقع.
- أن تقوم قرينةٌ على أنّ الحالة الفيزيائيّة الأولى تصلح أن تكون واجبةً بذاتها. ولا أشترط على خصمي هنا برهانًا، لأنّ عبءَ الإثبات عليّ لا عليه. بل يكفي أن يبقى الاحتمالان متساويين لا يرجّح أحدَهما شيء، فتسقط دلالةُ الحجّة على إله. وحينئذٍ لا يسقط بناءُ الحجّة، لكنّها تعجز عن أن تدلّ على إله. والدلالةُ على إلهٍ هي المقصودُ منها.
وممّا لا يُسقطها: أن يُقال «لا أفهم كيف»، أو أن يُقال «هذا كلامٌ قديم»، أو أن يُشتم القائلون بها.
حصيلةُ الحجّة: أيُّ دعوى صمدت، وأيُّها سقطت
| الدعوى | حالُها بعد الردود |
|---|---|
| سؤالُ «لماذا يوجد شيء؟» سؤالٌ مشروع | قائم، ولم يُبطله ردٌّ من الردود |
| سلسلةُ ما يأخذ وجودَه من غيره لا تُنشئ وجودًا | قويّ في السلسلة العرضيّة، ولا يمسّ الطوليّة |
| أنّ وجودَ الأشياء «محمولٌ في كلّ لحظة» | مقدّمةٌ حدسيّةٌ فقدت سندَها من الفيزياء، ولم يُقِمها مثال |
| المجموعُ ممكنٌ لأنّ أجزاءه ممكنة | ساقط في هذه الصورة الساذجة، ومتنازَعٌ فيه في الصورة الدقيقة |
| مبدأُ السبب الكافي بلا استثناء | ثمنُه غالٍ: يُقيَّد لينجو، وتقييدُه يُضعف الحجّة |
| «الواجب» هو اللهُ لا حالةٌ فيزيائيّةٌ أولى | لا حسمَ بحجّة الإمكان وحدَها: حدسٌ يقابله حدس، والعبءُ عليّ في ميدان الجدل |
ولو تمّ هذا كلُّه، لما أثبت أنّ الواجب واحد، ولا أنّه عالمٌ قادرٌ مريد، ولا أنّه خيِّر، ولا أنّه إلهُ دينٍ بعينه. وأقصى ما تبلغه هذه الحجّة، لو تمّت بكمالها، موجودٌ قائمٌ بنفسه. والانتقالُ منه إلى نبوّةٍ ووحيٍ وشريعةٍ نقلةٌ أخرى، تحتاج إلى أدلّةٍ من نوعٍ آخر. وهذا قصورٌ في هذه الحجّة وحدَها لا في الباب كلِّه: فالوحدانيّةُ وصفاتُ العلم والقدرة والإرادة لها أدلّتُها المستقرّةُ في كتب الاعتقاد، ولا يتوقّف ثبوتُها على ما تبلغه هذه الحجّة. ومن أوهمك أنّ برهانًا واحدًا يحملك من هنا إلى هناك، فقد حمّل الحجّةَ ما لا تطيق.
وأدقُّ من دافع عن هذا الباب الفيلسوفُ البريطانيّ ريتشارد سوينبرن، وهو أشهرُ من بنى للإيمان بالله حجّةً احتماليّةً تراكميّة، أي حجّةً تجمع شواهدَ كثيرةً يقوّي بعضُها بعضًا. فهو يُعلن نتيجتَه احتمالًا يزيد على النصف، لا يقينًا ولا برهانًا مُلزِمًا. ويُدخل الشرَّ في الميزان شاهدًا ضدّ وجود الله 10.
وأمّا الرقمُ الذي يُتداول عندنا، «سبعةٌ وتسعون في المئة»، فهو رقمُ سوينبرن فعلًا، لكنّه عن دعوى أخرى: هو احتمالُ فرضيّةٍ في كتابٍ آخر له، لا احتمالُ وجود الله. والفرضيّةُ عقيدةُ المسيحيّين في المسيح عليه السلام: أنّه كان الإلهَ متجسّدًا وقام من الموت. وقد حسبه بعد أن أدخل وجودَ الله في مقدّمات الحساب أصلًا 11. فمن ساقه دليلًا على وجود الله نقل رقمًا صحيحًا إلى مسألةٍ ليست مسألتَه. وهذا أخفى من الاختلاق وأشدُّ ضررًا، لأنّه يصمد أمام التحقّق الأوّل، ثمّ ينهار عند الثاني.