٨. الوعي: لماذا يصاحب الدماغَ شعور؟
السؤال: نستطيع أن نصف الدماغ خليّةً خليّةً وإشارةً إشارة. فلماذا يصاحب هذا كلَّه شعورٌ من الداخل؟ ولماذا لا يجري ذلك كلُّه في ظلامٍ تامّ، معالجةً صامتةً لا يحسّ بها أحد؟
وهذا الشعورُ من الداخل هو الذي نسمّيه «الوعي»: أن يكون لما تمرّ به طعمٌ عندك — أن يؤلمك الألم، وأن يكون للأحمر في عينك لونُه الذي تعرفه.
الجوابُ باختصار: ليس على جواب هذا السؤال إجماعٌ عند أهل هذا العلم. ولا يعني هذا أنّ الجميعَ يقرّون بعجزٍ واحد، بل هم فريقان. فمنهم من يقول إنّ السؤال قائمٌ ولم يُحَلّ بعد. ومنهم من يقول إنّ الشيءَ الذي يُطلب تفسيرُه موصوفٌ وصفًا فاسدًا، فلا يقوم السؤالُ أصلًا؛ ومن هؤلاء الفيلسوفُ الأمريكيّ دانيال دينيت وأصحابُه. وحاصلُ قولهم: أنت تشعر فعلًا، ولا نزاع في هذا. ولكنّ وصفَك لما يقع في داخلك غيرُ دقيق، فإذا صُحّح الوصفُ لم يبقَ سؤال. (واسمُ هذا المذهب «الظاهراتيّة الوهميّة».) فأهلُ الصنعة يختلفون في تحديد الشيء الذي يُراد تفسيرُه، قبل أن يختلفوا في تفسيره. ولذلك لا يصحّ أن تُقدَّم المسألةُ على أنّها ثغرةٌ في العلم يتّفق عليها الجميع. وأقصى ما تفعله هذه المسألة — إن سلّمتَ بوصفها — أنّها تُسقط دعوى من يقول: «وصفُ الإنسان بالذرّات والإشارات وصفٌ كاملٌ مغلق، لم يبقَ فيه شيءٌ يُسأل عنه». ومن لم يسلّم بوصفها لم تُسقط عنده شيئًا. وهذا فتحٌ لباب. وفتحُ الباب شيءٌ وعبورُه شيءٌ آخر، ولا يُعرف بعدُ من يعبره. ومن قدّمها برهانًا على وجود الله فقد حمّلها ما لا تحمل.
أوّلًا: المشكلاتُ السهلة والمشكلةُ الصعبة — ما الفرق بينهما؟
في غرفة العمليّات جهازٌ يراقب المريض: يميّز نبضةً من نبضة، ويحفظ ما مرّ، ويُطلق إنذارًا يوقظ الطبيبَ النائم. لو سألتَ مهندسَه: كيف يميّز الجهاز؟ لأجابك بدائرةٍ كهربائيّةٍ ورقم. ولو سألتَه: وهل يتألّم الجهازُ حين يصرخ إنذارُه؟ لضحك — لا لأنّ السؤال صعب، بل لأنّه عنده ليس سؤالًا عن الجهاز أصلًا.
ثمّ انظر إلى المريض نفسِه على السرير. طبيبُ التخدير يعرف تركيزَ الدواء في الدم بالمليغرام، ويعرف اللحظةَ التي يتوقّف فيها الجفنُ عن الاستجابة، واللحظةَ التي يعود فيها. هذا كلُّه مقيسٌ ومسجَّل. لكنّ سؤالًا آخرَ يقف عند حافّة الجدول ولا يدخله: متى انطفأ الشعورُ نفسُه؟ لا متى توقّفت الاستجابة، ولا متى انقطع تسجيلُ الذاكرة، بل متى صار «لا شيءَ هناك من الداخل». وليس على الشاشة عمودٌ لهذا.
هذا هو الفرقُ الذي سمّاه الفيلسوفُ الأستراليُّ ديفيد تشالمرز: المشكلاتِ السهلة والمشكلةَ الصعبة. وقد أعلن المصطلحين في مؤتمر توسون سنة ١٩٩٤، ثمّ نشرهما في مقالته «مواجهةُ مشكلة الوعي» سنة ١٩٩٥. أي قبل كتابه الذي صدر سنة ١٩٩٦، وهو الذي يُحال عليه وحدَه في العادة.
والمشكلاتُ السهلة ليست هيّنة: فيها عملُ قرنٍ كامل، وميدانٌ عامرٌ بالمعامل والباحثين. منها: كيف نميّز ما يقع على حواسّنا، وكيف نُخبر غيرَنا عن أحوالنا، وكيف يجتمع الانتباه، وكيف يفرّق الدماغُ بين النوم واليقظة. لكنّها كلَّها من جنسٍ واحد: كلُّ واحدةٍ منها سؤالٌ عن وظيفةٍ يؤدّيها الدماغ، وجوابُها آليّةٌ تؤدّي ذلك العمل. فإذا وُصفت الآليّةُ انتهى السؤال، كما ينتهي سؤالُك عن الهاتف حين تعرف كيف يلتقط الإشارة.
والمشكلةُ الصعبة من جنسٍ آخر. سواءٌ وصفتَ الآليّاتِ كلَّها أو بعضَها، يبقى سؤال: ولماذا يصاحب أداءَ هذه الوظائف شيءٌ محسوسٌ من الداخل؟ ليس السؤال: لماذا يميّز الدماغُ اللونَ الأحمر؟ بل: لماذا يكون لرؤية الأحمر طعمٌ خاصّ عندك لا تستطيع أن تصفه لغيرك؟
وهذا الطعمُ الخاصّ هو ما يسمّيه الفلاسفةُ «الكيفيّة»: كيف تكون التجربةُ من الداخل عند صاحبها — كيف يكون شعورُك وأنت ترى الأحمر، لا كيف يميّزه دماغُك.
وتشالمرز لا يستنتج من هذا وجودَ إله، ولا يقترب من ذلك. هو طبيعانيّ، و«الطبيعانيّة» هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد، فلا يستدعي في تفسيره إلهًا ولا شيئًا فوق الطبيعة. والحلُّ الذي يقترحه يسمّيه «ثنائيّةَ خصائصَ طبيعيّة»: أن تكون الخبرةُ من الداخل صفةً أساسيّةً في الطبيعة، كالشحنة الكهربائيّة والكتلة. وتربطها بالفيزياء قوانينُ تجمع بين النفس والمادّة، تُضاف إلى قوانين الطبيعة المعروفة. فالخبرةُ في هذا الحلّ لا تصدر عن عقلٍ وراء الكون. ومن نسب إليه غيرَ هذا فقد أخذ من تشالمرز سؤالَه، وترك جوابَه.
ثانيًا: ماذا يقول علمُ الدماغ اليوم؟ ثلاثُ نظريّاتٍ تُختبر
ومن سمع «لا أحدَ يملك جوابًا» ولم يسمع ما بعدها ظنّ الميدانَ ساكنًا، وهو ليس ساكنًا. فهذه ثلاثُ نظريّاتٍ قائمةٍ اليوم، تُجرَّب في المعامل، ويُنفَق عليها، ويُختلَف فيها. ولا واحدةٌ منها تستدعي إلهًا، ولا تقترب من ذلك.
١. نظريّةُ المعلومات المتكاملة (عالمُ الأعصاب جوليو تونوني، ٢٠٠٤). تبدأ من الخبرة لا من الدماغ. تسأل أوّلًا: ما صفاتُ أيّ خبرةٍ مهما كانت؟ فتجدها واحدةً لا تنقسم، ومحدَّدةً بعينها لا تختلط بغيرها. ثمّ تبحث في الجهاز عمّا يقابل هذه الصفات. وتضع لذلك مقياسًا بالأرقام يرمزون له بحرف «في». وهذا المقياسُ يبيّن مقدارَ ما يكون الجهازُ كُلًّا واحدًا، لا مجرّدَ أجزاءٍ متجاورة. ثمّ تقول: الوعيُ هو هذا التكاملُ نفسُه.
وهي أجرأُ الثلاث، لأنّها تدّعي أنّها تعالج المشكلةَ الصعبة لا السهلة. وثمنُ هذه الجرأة أنّها تنتهي إلى نتائجَ يستثقلها كثيرون: منها أنّ شبكةً بسيطةً جدًّا، إذا رُتّبت ترتيبًا خاصًّا، قد يكون لها شيءٌ من الوعي. وفي سبتمبر ٢٠٢٣ وقّع باحثون رسالةً مفتوحةً تصفها بأنّها «علمٌ زائف»، وعددُهم في النصّ المنشور يزيد على المئة. فرُدّ على الرسالة نفسِها بأنّها حكمٌ على مذهب، وليست نقدًا لتجربة. والنزاعُ قائم. ولم أراجع أسماءَ الموقّعين بنفسي على أصلها، فلا أذكر عددًا أدقَّ من ذلك.
٢. فضاءُ العمل الشامل (عالمُ النفس برنارد بارس، ثمّ عالمُ الأعصاب الفرنسيّ ستانيسلاس دُهين). صورتُها عند أصحابها مسرحٌ مضاء، وأقربُ منه إلى الفهم لوحةُ الإعلانات الكبيرة في ساحة المدرسة. ففي الدماغ عمليّاتٌ كثيرةٌ تجري في الظلام في وقتٍ واحد. وما ينجح منها في أن يُنشَر على شبكةٍ واسعةٍ من مناطق الدماغ يصير متاحًا للكلام والتذكّر والقرار، كما يُعلَّق خبرٌ على اللوحة فيقرؤه الجميع. وهذا المنشورُ هو «الواعي». (وليس هذا المسرحُ هو «المسرحَ» الذي يُتخيَّل في الرأس ويجلس أمامه مشاهدٌ واحد.)
ولهذه النظريّة علامةٌ في الدماغ تُقاس: اشتعالٌ واسعٌ متأخّر، بعد نحوِ ثلث ثانيةٍ من وقوع المؤثّر، يظهر حين يخبر الشخصُ أنّه رأى، ولا يظهر حين لا يخبر. وأشهرُ ما يُعترض به عليها أنّها تفسّر الوصول ولا تفسّر الشعور. أي أنّها تقول لك كيف تصل المعلومةُ إلى الكلام والقرار. فهي جوابٌ ممتازٌ عن المشكلات السهلة، لكنّه يُقدَّم على أنّه جوابٌ عن المشكلة الصعبة.
٣. نظريّاتُ الرتبة الأعلى (الفيلسوف دايفد روزنتال، وعالمُ الأعصاب هاكوان لاو). الحالةُ عندهم لا تكون واعيةً إلا إذا مثّلها الجهازُ لنفسه بحالةٍ ثانية، أعلى منها رتبة. فليس المهمّ أن يكون في دماغك تمثيلٌ للأحمر، بل أن يكون فيه تمثيلٌ لكونك الآن ترى الأحمر.
ومثالُها من حياتك: تمشي إلى المدرسة وأنت مستغرقٌ في حديثٍ مع صديقك، ثمّ تنتبه فتجد أنّك قطعتَ كيلومترين، عبرتَ فيهما الشوارع وتجنّبتَ السيّارات، ولا تذكر منهما شيئًا. المعالجةُ وقعت كلُّها، والذي غاب — عند أصحاب هذا المذهب — هو التمثيلُ الأعلى: أن يقول دماغُك لنفسه «أنا الآن أرى هذا».
والمقارنةُ بين هذه النظريّات لم تعد كلامًا. جرى في السنوات الأخيرة ما يسمّونه «التعاونَ الخصوميّ»: يجلس أصحابُ نظريّتين متنافستين قبل التجربة، ويتّفقون كتابةً على ما تتنبّأ به كلُّ نظريّة، وعلى النتيجة التي تُبطلها إن وقعت. ثمّ تُجرى التجربةُ في مختبراتٍ متعدّدةٍ لا يملكها أصحابُ النظريّتين. كأنّ فريقين يتّفقان على قواعد المباراة وحَكَمِها قبل أن تبدأ، فلا يعترض أحدٌ على النتيجة بعدها.
وقد جرى ذلك على نظريّة المعلومات المتكاملة وفضاء العمل الشامل، في تحالفٍ بحثيٍّ اسمُه *Cogitate*، ونُشرت نتيجتُه في مجلّة *Nature* سنة ٢٠٢٥: لم تخرج واحدةٌ منهما سالمة. فقد وافقت البياناتُ بعضَ ما تنبّأت به كلٌّ منهما، وتحدّت مبادئَ أساسيّةً في كلتيهما.
وليس الوعيُ ساحةً خاليةً يملؤها من شاء بما شاء، وليس في الوقت نفسِه مسألةً محسومةً يُنقل جوابُها. فمن قال «لا أحدَ يعرف» فقد صدق في المشكلة الصعبة، وأوهم فيما سواها.
وأنا لا أرجّح واحدةً من هذه النظريّات الثلاث، ولا أملك أدواتِ الترجيح بينها. والخلاصةُ شيئان: أنّ الميدان يعمل ولم يسكن، وأنّ أحدًا لم يحسمه بعد. فإن أردتَ أن تتابعه بنفسك، فابدأ بنتيجة تحالف *Cogitate*، وهي منشورةٌ مفتوحةٌ لكلّ قارئ. ثمّ بما يكتبه أصحابُ النظريّات الثلاث بأسمائهم: تونوني، ودُهين، وروزنتال. والحكمُ بينها لأهلها، لا لي ولا لمن يستعجل.
ثالثًا: ماري عالمةُ الألوان — هل في رؤية الأحمر شيءٌ لا تقوله الفيزياء؟
صاغ هذه الحجّةَ الفيلسوفُ الأستراليُّ فرانك جاكسون سنة ١٩٨٢. تخيّل عالمةً اسمُها ماري، نشأت في غرفةٍ لا لونَ فيها إلا الأبيضُ والأسود. وتعلّمت من خلف شاشةٍ رماديّة كلَّ ما تقوله الفيزياءُ وعلمُ الأعصاب عن رؤية الألوان: أطوالَ موجات الضوء، والخلايا المخروطيّةَ في شبكيّة العين، والطريقَ الذي تسلكه الإشارةُ في العصب. لا تنقصها معلومةٌ فيزيائيّةٌ واحدة.
ثمّ يُفتح البابُ، فترى طماطمةً حمراء.
أتعلّمت شيئًا جديدًا؟ الجوابُ الذي يخطر أوّلًا عند كثيرين: نعم، تعلّمت. وهو ما خطر لي أنا حين عرفتُ الحجّة. وليس عندي عدٌّ يُثبت أنّه جوابُ أكثر الناس، فتلك دعوى تجريبيّة. فإن كانت قد تعلّمت شيئًا جديدًا، وهي كانت تعرف كلَّ ما هو فيزيائيّ، فهناك شيءٌ غيرُ فيزيائيّ. وهذه هي «حجّةُ المعرفة».
ولها ردودٌ قويّة:
١. أقواها: أنّ الواقعةَ واحدةٌ والطريقَ إليها اثنان. ويسمّونه «استراتيجيّةَ التصوّرات الظاهراتيّة»، صاغه الفيلسوفُ براين لوار سنة ١٩٩٠، وبسطه الفيلسوفُ البريطانيُّ دايفد بابينو.
ومثالُه من اللغة قبل الدماغ: كان الناسُ يرون في المساء نجمًا لامعًا يسمّونه «نجمةَ المساء»، ويرون في الفجر نجمًا يسمّونه «نجمةَ الصباح». فمن عرف كلَّ شيءٍ عن «نجمة المساء»، ثمّ علم أنّها هي «نجمةُ الصباح»، لم يكتشف كوكبًا ثالثًا في السماء. فالكوكبُ واحد، هو الزُّهرة. والذي تجدّد عنده تصوّرٌ ثانٍ للشيء نفسِه، لا واقعةٌ ثانية. وكذلك من درس تركيبَ الماء كلَّه ثمّ ذاقه: لم يُضف إلى العالم مادّةً جديدة، بل أضاف إلى نفسه طريقًا جديدًا إلى الماء نفسِه.
فماري كانت تعرف الواقعةَ بالتصوّر الفيزيائيّ، أي بلغة الأطوال والخلايا المخروطيّة. ثمّ عرفتها بالتصوّر الظاهراتيّ، أي بالطريق الذي لا تملكه إلا بأن يقع الضوءُ على عينها فعلًا. ومعرفةُ الواقعة الواحدة من طريقين لا تُثبت أنّهما واقعتان.
وهذا من أقوى الردود المطروحة اليوم، ومن أوسعها انتشارًا في كتب الفلاسفة. ولا أدّعي أنّ عليه إجماعًا، فذاك شيءٌ لم أقسه. وهو أقوى من غيره لسببٍ واحد: أنّه يفسّر لماذا يبدو ما اكتسبته ماري علمًا بشيءٍ جديد. والردُّ الذي لا يفسّر لماذا يبدو الأمرُ كذلك قد يُسكت القارئ، لكنّه يترك الحجّةَ حيّةً في نفسه.
٢. وقد يكون ما اكتسبته قدرةً لا معلومة. ما حصل لماري قد يكون مهارةً: أن تتخيّل الأحمر، وأن تتذكّره، وأن تتعرّف عليه إذا رأته. والمهارةُ ليست معلومةً عن العالم. قِسْ على ذلك: من حفظ كتابَ السباحة كلَّه لا يعرف عن الماء أقلَّ ممّا يعرفه السبّاح، لكنّه لا يستطيع ما يستطيعه السبّاح.
وهذا جوابٌ حقيقيٌّ لا مراوغة، غير أنّه أضعفُ من الأوّل: فمن قال «إنّما اكتسبت ماري قدرةً» يُسأل: فلماذا يبدو لها ولنا أنّها عَلِمت شيئًا؟
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ مثال ماري نفسَه يضع في أوّله ما يريد أن يُثبته في آخره. وهذا ما يسمّيه أهلُ المنطق «المصادرةَ على المطلوب»: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك. فالمثالُ يفترض من البداية أنّ هناك «كيفيّةً» — طعمًا للتجربة من الداخل — زائدةً على الوصف الفيزيائيّ الكامل. فمن أنكر هذه الزيادةَ من أوّل الطريق لم يُلزمه المثالُ بشيء. وهو يقول: ماري كانت تعرف كلَّ شيءٍ عن الأحمر، ثمّ رأته؛ والرؤيةُ حدثٌ وقع في حياتها، لا معلومةٌ جديدةٌ أُضيفت إلى رصيدها.
وهناك أمرٌ يجب أن يُنقل مع الحجّة: جاكسون تراجع عن حجّته. انتقل بعد سنين إلى المادّيّة — وهي القولُ بأنّ كلَّ ما يوجد مادّةٌ وما يُبنى منها — وصرّح بأنّ حجّتَه الشهيرة خاطئة 1.
ولا أعدّ هذا التراجعَ ردًّا عليها. فالحجّةُ تُوزن بذاتها لا بصاحبها. وكثيرٌ من الفلاسفة ما زالوا يدافعون عنها بعد تراجعه، فتراجعُه لا يُسقط سطرًا واحدًا ممّا تقدّم. لكنّ من قدّمها إليك وسكت عن تراجع صاحبها، وهو تراجعٌ منشورٌ مشهور، فقد أوهمك أنّ صاحبها ما زال يقول بها. فالعيبُ في النقل، لا في الحجّة.
رابعًا: الغرفةُ الصينيّة — هل يكفي اتّباعُ القواعد ليحصل الفهم؟
صاغ هذه الحجّةَ الفيلسوفُ الأمريكيُّ جون سيرل سنة ١٩٨٠. وموضوعُها ليس الوعيَ مباشرةً بل الفهم، وهو أقربُ ما نستطيع أن نمسك به من الوعي.
تخيّل رجلًا لا يعرف من الصينيّة حرفًا، مغلقًا عليه في غرفة. تُدخَل إليه من فتحةٍ أوراقٌ فيها رموزٌ صينيّة. وعنده كتابٌ ضخمٌ مكتوبٌ بلغته يقول له: «إذا رأيتَ هذا الشكلَ متبوعًا بذاك، فأخرِج هذا الشكل». فيتّبع الكتابَ حرفًا حرفًا، ويُخرج أوراقًا. والرجلُ الذي في الخارج — وهو صينيّ — يقرأ ما خرج، فيجده جوابًا بليغًا عن سؤاله، ويظنّ أنّ في الغرفة من يفهم الصينيّة.
ولا أحدَ في الغرفة يفهم حرفًا. الرجلُ يقلّب أشكالًا لا يعرف معناها. وخلاصةُ سيرل أنّ تشغيل برنامجٍ لا يكفي لأن يكون هناك معنًى، ولا فهم، ولا شعور. وتشغيلُ البرنامج هو التعاملُ مع الرموز بحسب أشكالها وحدَها. فترتيبُ الرموز بحسب أشكالها لا يلد معانيَها.
وأشهرُ ردٍّ عليها «ردُّ المنظومة»: أنّك سألتَ عن الجزء الخطأ. الرجلُ وحدَه لا يفهم، هذا صحيح — كما أنّ خليّةً عصبيّةً واحدةً في رأسك لا تفهم شيئًا. لكنّ المنظومةَ كلَّها — الرجلَ والكتابَ والأوراق — هي التي تفهم.
ويردّ سيرل: فليحفظ الرجلُ الكتابَ كلَّه ويخرج من الغرفة؛ فتصير المنظومةُ كلُّها في داخل رأسه، وهو مع ذلك لا يفهم. ويردّ خصومُه: من حفظ منظومةً بهذا الحجم فقد نشأ في رأسه شيءٌ آخرُ غيرُه. ولا يصحّ أن يكون شعورُ الرجل شاهدًا على حال ذلك الشيء الآخر.
وما لا تُثبته الغرفةُ الصينيّة أهمُّ ممّا تُثبته. فسيرل ليس ثنائيًّا، ولا ينكر أنّ الدماغ يُنتج الوعي. و«الثنائيّ» من يقول إنّ في الإنسان شيئين: بدنًا مادّيًّا، وعقلًا أو روحًا ليس من المادّة. بل يقول سيرل إنّ الدماغ يُحدث العقلَ بقواه المادّيّة، كما تُحدث المعدةُ الهضم. فحجّتُه على أنّ *الصورة الحسابيّة* — أي اتّباع القواعد — لا تكفي. وليست حجّةً على أنّ في الإنسان روحًا منفصلةً عن البدن. ومن ساقها دليلًا على الروح خالف صاحبَها في النتيجة، كما خالفه في المقدّمة. والذي يسقط هنا صلاحيّةُ الحجّة للاستدلال، لا الشيءُ المستدَلُّ عليه. وهذا فرقٌ يجري على هذه المسألة كلِّها: فالثنائيّةُ المعروضةُ هنا مذهبٌ فلسفيٌّ بمقدّماته ولوازمه، يُؤخذ بالنظر ويُترك بالنظر. وثبوتُ الروح عند المسلم مأخذُه خبرُ الوحي، والقرآنُ يخبر بنفخ الروح في الإنسان، كما في سورة الحجر وسورة ص. وليس في الخبر بيانُ آليّةٍ تُعرض على مقدّمةٍ فيزيائيّة، فضعفُ حجّةٍ من هذه الحجج لا يمسّ خبرًا جاء من غير طريقها.
خامسًا: كيف يكون شعورُ الخفّاش؟ — سؤالُ ناجل
مقالةُ الفيلسوف الأمريكيّ توماس ناجل سنة ١٩٧٤، في ستَّ عشرةَ صفحة، وهي من أبعد ما كُتب في مسألة الوعي أثرًا.
الخفّاشُ يرى بالصوت. يُطلق صرخةً أعلى من أن تسمعها أذنُنا، ثمّ يبني من صداها صورةَ العالم حوله: أين الحائط، وأين الفراشة، وكم تبعد، وإلى أين تتّجه. ونحن نعرف هذا كلَّه: نقيس تردّدَ الصرخة، ونشرّح أذنَه، ونرسم خريطةَ المنطقة التي تعالج السمعَ في دماغه.
ثمّ يسأل ناجل سؤالًا لا يجيب عنه شيءٌ ممّا سبق: كيف يكون شعورُك لو كنتَ خفّاشًا؟ ولا يقصد: كيف يكون شعوري لو تعلّقتُ في كهفٍ وأكلتُ الحشرات — فذاك إنسانٌ يتخيّل نفسه يفعل ما يفعله الخفّاش. بل يقصد: كيف يكون الأمرُ من داخل الخفّاش نفسِه.
وموضعُ الحجّة: أنّ الحقائقَ التي يعيشها صاحبُها من الداخل لها زاويةُ نظر، أي أنّها تُرى من موضعٍ واحدٍ بعينه. والمنهجُ العلميّ يمضي دائمًا في الاتّجاه المعاكس: نحو وصفٍ لا زاويةَ له، يستوي فيه كلُّ من ينظر. وهذه فضيلتُه العظمى في كلّ بابٍ آخر. وهي هنا بعينها ما يجعله يمرّ بجانب المطلوب فلا يصيبه. كمن يصف لك مقعدك في الملعب بإحداثيّاتٍ دقيقة، ولا يستطيع بهذا الوصف أن يريك المباراةَ كما تراها أنت من مقعدك.
وناجل يقول في المقالة نفسِها ما يجب أن يُنقل معها. فهو يجادل فيها ضدّ الصور المعروفة من المادّيّة التي تردّ الشعورَ إلى الوصف الفيزيائيّ، لكنّه لا يستنتج أنّ المادّيّةَ كاذبة، ولا يُثبت أنّ في الإنسان جوهرًا ثانيًا. بل يقول: قد تكون المادّيّةُ صادقة، ونحن لا نملك بعدُ التصوّراتِ التي تجعلنا نفهم كيف تصدق. فعجزُنا عن فهم ذلك عجزٌ في أدواتنا للمعرفة، لا دليلٌ على أنّها كاذبة. وبين الأمرين مسافةٌ لا يُتسامح فيها: أن تقول «لا نعرف كيف» غيرُ أن تقول «ليس هناك كيف».
سادسًا: سبعةُ ردودٍ على من يجعل الوعيَ دليلًا على الله
١. الحجّةُ كلُّها تنفي ولا تُثبت. وهذه أهمُّ نقطةٍ في المسألة كلِّها. فكلُّ ما تستطيعه مسألةُ الوعي أن تبيّن أنّ المادّيّةَ الاختزاليّة غيرُ كافية. و«المادّيّةُ الاختزاليّة» هي القولُ بأنّ كلَّ ما في الإنسان، ومنه شعورُه، يُردّ إلى المادّة. فوصفُ المادّة عندهم يكفي لقول كلّ شيءٍ عن الإنسان. وبيانُ أنّ هذا القولَ لا يكفي ليس دعوى إيمان، ولا هو نصفُ الطريق إلى دعوى إيمان.
فمن قفز من «فشلت المادّيّةُ الاختزاليّة» إلى «إذن فالله موجود» فقد حصر الميدانَ في اثنين، والميدانُ مسكونٌ بغيرهما. كمن يقول: المفتاحُ ليس في جيبي، إذن هو في السيّارة — وقد يكون على المكتب، أو في الباب، أو في يد أخيك.
فمن هم هؤلاء الساكنون؟
- ثنائيّةُ الخصائص الطبيعيّة (وهي رأيُ تشالمرز في كتابه سنة ١٩٩٦): المادّةُ واحدةٌ لا اثنتان، فلا روحَ ولا جوهرَ ثانيَ. لكنّ لها خاصّيّةً إضافيّةً أساسيّةً لا تُردّ إلى غيرها. وتربط هذه الخاصّيّةَ بالفيزياء قوانينُ جديدةٌ تُضاف إلى قوانينها، كما أُضيفت قوانينُ الكهرباء والمغناطيس يومًا إلى قوانين الحركة. ومثالُها المقرِّب: أن يكتشف الفيزيائيّون غدًا ثابتًا أساسيًّا جديدًا لا يُستخرج ممّا في جداولهم ولا يُردّ إليه، فيُكتب فيها ولا يُمحى شيءٌ ممّا قبله.
- عمومُ النفسانيّة: وهي القولُ بأنّ في كلّ مادّةٍ شيئًا من الشعور، ولو في صورةٍ بدائيّة. وتفترق عن سابقتها في المدى — أي أين توجد هذه الخاصّيّة — لا في أصل الدعوى. وهذا الفرقُ هو ما يمنع أن يُظنّ المذهبان مذهبًا واحدًا. فثنائيّةُ الخصائص تُثبت الخاصّيّةَ الأساسيّة، وتسكت عن مداها. بل إنّ صاحبها يعدّ عمومَ النفسانيّة صورةً من صورها، لا مذهبًا مقابلًا لها. أمّا عمومُ النفسانيّة فتحسم المدى: الخبرةُ موجودةٌ في اللَّبِنة الأولى نفسِها، في الإلكترون وفي الحجر، بصورةٍ بدائيّةٍ لا تشبه شعورَك، كما لا تشبه ذرّةُ الحديد جسرًا من حديد. ودافعُها أنّ الفيزياء تصف ما تفعله الأشياء، ولا تصف ما هي في ذاتها: تقول لك إنّ الكتلةَ تقاوم التسارع، ولا تقول لك ما الكتلةُ من داخلها. فيملأ أصحابُ هذا المذهب ذلك الفراغَ بالخبرة.
- الوظيفيّةُ الموسَّعة: و«الوظيفيّة» أن تُعرَّف الحالةُ العقليّة بما تؤدّيه من عمل، لا بما صُنعت منه. وهذه الصورةُ الموسَّعة منها تجعل الكيفيّةَ نفسَها دورًا وظيفيًّا من نوعٍ خاصّ. وهذا الدورُ ليس مجرّدَ التمييز والاستجابة، بل أن يمثّل الجهازُ أحوالَه لنفسه تمثيلًا داخليًّا يُخفي عنه آليّتَه (وهي قريبةٌ من نظريّات الرتبة الأعلى التي مرّ ذكرُها). ومثالُها: جهازُ تكييفٍ بسيطٌ يعمل ويتوقّف بحسب الحرارة، وجهازٌ آخرُ يحمل نموذجًا لنفسه يقول به: «أنا الآن في حالة كذا، وأثق بمقياسي». فالثاني ليس أعقدَ حسابًا فحسب، بل صار له «داخلٌ» بالمعنى الوظيفيّ. والفرقُ بين هذا المذهب وعموم النفسانيّة أنّه لا يضيف إلى الفيزياء شيئًا أبدًا: كلُّ ما هناك تنظيمٌ ووظيفة.
- المذهبُ الغُموضيّ (الفيلسوفُ البريطانيُّ كولن مكغِن): الجوابُ موجودٌ في الطبيعة، لكنّ عقولَنا مغلقةٌ دونه — لا لأنّ فيه سرًّا، بل لأنّ لكلّ عقلٍ مدًى لا يتجاوزه. فالقردُ لا يبلغ حسابَ التفاضل، لا لأنّ التفاضلَ غيبٌ، بل لأنّ دماغه ليس أداتَه. فما الدليلُ على أنّ دماغَنا نحن مفتوحٌ لكلّ سؤالٍ يمكن أن يُطرح؟ وهذا مذهبٌ يُغيظ لأنّه لا يَعِد بشيء. وهو مع ذلك ليس هروبًا، فدعواه أنّ المشكلةَ في العقل الذي يُدرِك، لا في الشيء الذي يُدرَك. وهذه دعوى تُقبل أو تُردّ بالدليل.
فالميدانُ إذن فيه أربعةُ سُكّانٍ على الأقلّ سوى الفريقين المشهورين. ولا واحدٌ منهم يستدعي إلهًا في تفسيره. نعم، بنى صاحبُ أحد هذه المذاهب على مذهبه بعد ذلك غايةً في الكون، لكنّها غايةٌ بلا إلهٍ جامعٍ لصفات الكمال. وهذا وحدَه يكفي لإسقاط القسمة: «إمّا المادّيّةُ الاختزاليّة، وإمّا الله».
٢. ومسيرةُ ناجل نفسِه توضّح هذا. وليست قيمتُها في أنّ موقفَ الرجل يحسم المسألة، فالحجّةُ تُوزن بذاتها لا بصاحبها، كما مرّ في جاكسون. بل قيمتُها أنّ الرجلَ الذي يُنقَل عنه أنّه سار من المقدّمة إلى الإيمان، قد سار بها إلى آخرها، ثمّ وقف عند غير الإيمان.
ففي كتابه *العقل والكون* (٢٠١٢) قبل المقدّمةَ كاملة، بل أعلن في عنوان الكتاب أنّ التصوّرَ المادّيَّ الدارونيَّ الجديد للطبيعة «خاطئٌ على الأرجح». ثمّ رفض التوحيدَ صراحةً في صفحاته الأولى، وطلب بديلًا آخر: غائيّةً طبيعيّةً بلا فاعلٍ عاقل، أي أنّ في الطبيعة اتّجاهًا نحو غاية، دون أن يكون وراءه من يقصده. وقد نُقل الكتابُ في العربيّة على أنّه «رجوعُ فيلسوفٍ كبيرٍ إلى الله»، وهذه النسبةُ ضدُّ ما في نصّه. فكلُّ ما يثبت بهذا تصحيحُ نقلٍ، لا وزنُ حجّة.
٣. وحاصلُ مذهب دينيت: الخلافُ في تحديد الشيء المطلوب تفسيرُه، لا في تفسيره. وما يلي مذهبُه بألفاظي، لا اقتباسٌ من صفحةٍ بعينها.
وحاصلُه أن يقول لخصومه: أنتم تصفون «الكيفيّات» بأوصافٍ لا تجتمع: لا تُوصف، ولا تُقاس، ويعرفها صاحبُها معرفةً يقينيّةً لا يخطئ فيها أبدًا. ثمّ تطلبون منّي أن أفسّرها. وهذه ليست حقيقةً نتّفق عليها ثمّ نختلف في تفسيرها. بل هي نتيجةُ صورةٍ ذهنيّةٍ موروثة، يسمّيها «المسرحَ الديكارتيّ» نسبةً إلى الفيلسوف الفرنسيّ ديكارت. كأنّ في الرأس مسرحًا يُعرض عليه العالم، ويجلس أمامه مشاهدٌ يتفرّج. ولا مسرحَ هناك ولا مشاهد، بل عمليّاتٌ كثيرةٌ تجري في وقتٍ واحد، يسمّيها «المسوّداتِ المتعدّدة»، ولا واحدةَ منها هي «مكانُ الوعي».
ومنهجُه البديل: أن نأخذ ما يقوله الشخصُ عن نفسه معطًى نبدأ منه — ما يقوله، وما يفعله، وما يميّزه، وما يتذكّره — ونفسّره تفسيرًا كاملًا. فإذا فُسّر ذلك كلُّه، فمن ادّعى أنّ هناك بقيّةً لم تُفسَّر فعليه أن يبيّن ما هي. وعليه أن يبيّنها دون أن يقع في «المصادرة على المطلوب»، أي دون أن يضع في أوّل بيانه ما يريد أن يُثبته.
وأنبّه هنا على أمرين. الأوّل: أنّ كتابَ دينيت عنوانُه «الوعيُ مفسَّرًا»، وقد حرّفه خصومُه ساخرين إلى «الوعيُ مفسَّرًا حتى زال» — فهذا العنوانُ الساخر منهم لا منه. والثاني: أنّ من نقل عنه أنّه «اعترف بالعجز» فقد نسب إليه اعترافًا لا وجودَ له.
٤. والظاهراتيّةُ الوهميّة (illusionism) — وهي أدقُّ من أن تُختصر في قولنا «ينكرون أنّك تشعر». وأشهرُ من صاغ هذا المصطلح الفيلسوفُ البريطانيُّ كيث فرانكش في مقالته سنة ٢٠١٦، ودينيت من أصحاب المذهب. يقول أصحابُه إنّ ما يقع فيك فعلًا ليس محلَّ نزاع: أنت تتألّم، وترى الأحمر، وتشتهي. وإنّما النزاعُ في وصفك لما يقع. فالدماغُ يمثّل أحوالَه لنفسه تمثيلًا مبسَّطًا يُخفي آليّتَه. ولذلك تبدو الخبرةُ حاملةً صفاتٍ ليست فيها: أنّها بسيطةٌ لا أجزاءَ لها، وأنّها لا تُوصف، وأنّها مكشوفةٌ لصاحبها كشفًا تامًّا.
ومثالُه في يدك الآن: انظر إلى ما حولك، فستجد مجالَ بصرك كلَّه يبدو حادَّ التفاصيل من طرفه إلى طرفه. وليس الأمرُ كذلك: فالعينُ لا تُبصر بحدّةٍ إلا في بقعةٍ صغيرةٍ جدًّا في وسط الشبكيّة، وفي كلّ عينٍ نقطةٌ عمياءُ لا ترى شيئًا أبدًا. ومع ذلك لا ترى ثقبًا في العالم، ولا ضبابًا في أطرافه. فمجالُ البصر يُخبرك عن نفسه بما ليس فيه. والخبرُ صادرٌ عن الجهاز نفسِه الذي تسأله. فإن جاز هذا في حدّة البصر — وهو مقيسٌ لا نزاع فيه — فما الذي يمنع أن تكون «الكيفيّةُ» من هذا النوع؟
*وحدُّ هذا المثال:* أنّ النقطةَ العمياء وهمٌ في مضمون الخبرة، أي فيما تُريك إيّاه. والظاهراتيّةُ الوهميّة تدّعي أنّ الوهمَ في وجود الخبرة على الصفة التي نظنّها لها. والانتقالُ من الأوّل إلى الثاني هو نفسُه محلُّ النزاع، لا برهانٌ عليه.
ويسأل خصومُهم: الوهمُ نفسُه خبرةٌ يُشعَر بها؛ فمن أين جاء الشعورُ بالوهم؟ وهذا اعتراضٌ قائمٌ بلا جواب.
٥. والخامسُ أشدُّها، وهو عليّ لا لي: أنّ ردَّ الوعي إلى الله لا يسدّ هذه الثغرةَ بعينها. والثغرةُ هي: لماذا يصاحب هذا النشاطَ العصبيَّ بعينه هذه الكيفيّةُ دون سواها؟
وأوجزُ صيغةٍ لهذا الجواب: «شاء اللهُ ذلك». وليست هذه صيغةَ المتكلّمين على تمامها: فعامّتُهم يُثبتون الحكمةَ لله سبحانه، وإنّما اختلفوا هل تكون حكمتُه علّةً توجب عليه ما يفعل. غير أنّ هذه الصيغةَ الموجزةَ وحدَها ليست أقوى ما يُقال في المسألة. ومن هدم أضعفَ الصور فقد صنع ما يسمّونه «رجلَ القشّ»: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه. ومن ناقش أضعفَ الصيغ لم يناقش شيئًا.
وأقوى صيغه ما يسوقه فيلسوفُ الدين البريطانيُّ ريتشارد سوينبرن، وله ركنان:
- الأوّل: أنّ التفسيرَ الشخصيَّ نوعٌ من التفسير قائمٌ بنفسه، لا ستارٌ نغطّي به جهلَنا. والتفسيرُ الشخصيّ أن تردّ الأمرَ إلى قصد فاعلٍ له غايةٌ وقدرة، كما تفسّر حركةَ يدي بأنّي أردتُ أن أسلّم عليك، لا بحركة العضلات وحدَها.
- والثاني: أنّ وجودَ كائناتٍ واعيةٍ أرجحُ إذا كان هناك إلهٌ منه إذا لم يكن في الوجود إلا الفيزياء. فيدخل الوعيُ قرينةً في ميزانٍ تُجمع فيه القرائنُ واحدةً بعد واحدة، فترفع كلُّ قرينةٍ الاحتمالَ أو تخفضه.
وهذه دعوى تُوزن، ولا يصحّ أن تُهمَل.
غير أنّها لا تجيب عن السؤال المطروح هنا بعينه: لماذا يصاحب هذا النشاطَ العصبيَّ هذه الكيفيّةُ دون غيرها؟ و«الحقيقةُ الخامّ» هي الحقيقةُ الأخيرةُ التي نقف عندها بلا تفسيرٍ بعدها. فلو قلتَ «الوعيُ من الله»، فقد نقلتَ الحقيقةَ الخامّ من موضعٍ إلى موضع، وجعلتَها خامًّا هناك.
ومثالُ ذلك: يسخن هاتفُك في يدك فتسأل: لماذا؟ فيقال لك: لأنّ الشركةَ صنعته هكذا. وهو جوابٌ صحيحٌ لا كذبَ فيه، لكنّه لم يقل لك لماذا تسخن هذه القطعةُ بعينها دون تلك. فالسؤالُ انتقل من مكانٍ إلى مكان، ولم يُجَب.
فالثغرةُ باقيةٌ على الفرضين معًا، وإنّما اختلف موضعُ الجهل. وسوينبرن نفسُه لا يدّعي في كتابه أكثرَ من أنّ احتمالَ وجود الله يزيد على النصف. فهو لا يدّعي يقينًا، ولا شيئًا قريبًا من اليقين.
٦. وللثنائيّة ثمنُها كذلك. وأوضحُ من كتب في ذلك الفيلسوفُ الكوريُّ الأمريكيُّ جيغوان كِم. فالعالمُ الفيزيائيّ عنده مغلقٌ سببيًّا، أي أنّ لكلّ حادثٍ فيزيائيٍّ سببًا فيزيائيًّا يكفيه. فإن كان الألمُ شيئًا غيرَ فيزيائيّ، فكيف رفع يدَك عن الموقد الساخن؟
والأجوبةُ الممكنةُ ثلاثةٌ لا اثنان، ومن حصرها في اثنين وقع في الحصر نفسِه الذي مرّ في الردّ الأوّل:
- إمّا أنّ الألمَ لم يرفع يدَك أصلًا، فهو راكبٌ في السيّارة لا سائقُها؛
- وإمّا أنّ لحركة يدك سببين، كلٌّ منهما يكفيها وحدَه، وهذا إسرافٌ في الأسباب يستثقله كِم؛
- وإمّا أن يُنكَر الانغلاقُ نفسُه، فيكون في العالم الفيزيائيّ حوادثُ لا يكفيها سببٌ فيزيائيّ.
والثالثُ هو مخرجُ الثنائيّ حقًّا، وله وجه. فالانغلاقُ السببيُّ مقدّمةٌ فلسفيّةٌ يُستدلّ عليها بتتبّع الحالات، وليس قاعدةً مبرهَنة. ولذلك لا يصحّ أن يُعرض خبرًا مسلَّمًا لا يُناقش.
لكنّ ثمنَ هذا المخرج يُدفع في ميدان الفيزياء، لا في ميدان الفلسفة. وهذه صيغةٌ للحجّة أقوى من صيغة كِم. فالقوانينُ التي تحكم عالمَ حياتنا اليوميّة — الذرّاتِ، والدماغ، والأصابع — معروفةٌ اليوم معرفةً كاملةً في حدود ما جُرّب منها. ومعنى ذلك بدقّة: أيُّ مؤثّرٍ جديدٍ من جنس ما تدرسه الفيزياء، يحرّك ذرّةً في دماغك، كان لا بدّ أن يظهر أثرُه في تجاربَ أُجريت فعلًا على هذا المقدار المعروف من الطاقة.
فقولُ كِم «لا يُقبل الإسرافُ في الأسباب» قاعدةٌ فلسفيّةٌ يمكن أن تُردّ. أمّا مطلبُ الفيزيائيّ فهو أنّ على من يدّعي مؤثّرًا جديدًا أن يبيّن بدقّةٍ كيف تتغيّر المعادلة، وهذا مطلبٌ يُقاس. وأوضحُ من صاغه الفيزيائيُّ الأمريكيُّ شون كارول (وهذه إعادةُ صياغةٍ لمذهبه، لا اقتباسٌ من صفحة). والفرقُ بين الأمرين أنّ الأوّلَ يُناقَش، والثاني يُقاس. فالثمنُ قائم، وإن لم يكن حاسمًا. فهي حجّةٌ قويّةٌ لا برهانٌ قاطع. ولا تصدق إلا في حدود ما جُرّب، وداخل الإطار الفيزيائيّ الذي يبني عليه كارول حجّتَه. وهو يصرّح بأنّها تفترض من البداية أنّ العالمَ فيزيائيٌّ كلُّه.
وكِم هو شاهدي في هذا الموضع على المادّيّة. لكنّه هو نفسُه لا يترك شيئًا خارجَ الردّ إلى المادّة إلا الكيفيّات. أي أنّ شاهدي يستثني بعينه موضعَ النزاع.
٧. وعمومُ النفسانيّة طريقٌ ثالثة، ولها تتمّةٌ يجب أن تُعرف. وهي أن تكون الخبرةُ خاصّيّةً أساسيّةً في المادّة نفسِها، بلا نفسٍ منفصلةٍ عن البدن. والفيلسوفُ البريطانيُّ فيليب غوف في كتابه *خطأُ غاليليو* (٢٠١٩) يفصلها عن الإيمان بالله صراحةً، وهذا صادقٌ عن ذلك الكتاب.
وغوف نفسُه بنى عليها في كتابه *Why?* (٢٠٢٣) حجّةً على غايةٍ في الكون. وقال إنّ الوقت قد حان للمضيّ إلى ما وراء الإيمان بالله والإلحاد معًا. وقد كتب سنة ٢٠٢٤ أنّ الدليلَ صار يشير عنده إلى إلهٍ خيِّرٍ محدود القدرة 2.
فصاحبُ الكتاب الذي أستشهد به قد سلك الطريقَ من عموم النفسانيّة إلى غايةٍ في الكون. وليس هذا طريقًا إلى الإله الجامع لصفات الكمال الذي يقصده أصحابُ الحجّة. ومن نقل عن غوف أنّه يفصل عمومَ النفسانيّة عن الإيمان بالله، وسكت عن تحوّله المنشور هذا، فقد وقع في العيب نفسِه الذي يقع فيه من نقل حجّةَ جاكسون وسكت عن تراجعه. ففي الحالين يُنقل موقفُ مؤلِّفٍ في كتابٍ قديم، ويُغفَل تحوّلُه المنشورُ بعده. والفرقُ أنّ السكوتَ عن تراجع جاكسون يضرّ دعواي، والسكوتَ عن تحوّل غوف يخدمها. وهذا أدعى إلى التشدّد في ذكر تحوّل غوف، لا إلى التسامح فيه.
فهل يُثبت الوعيُ وجودَ الله؟
يبقى في اليد شيءٌ واحدٌ صحيح، وليس بالقليل. فمن قال إنّ الوصفَ المادّيَّ الاختزاليَّ للإنسان وصفٌ مغلقٌ مكتمل، فدعواه لا سندَ لها. ومن قال «الوعيُ سؤالٌ لم يُحسم» فليس متخلّفًا عن العلم، بل ينقل ما يقوله أهلُ الصنعة أنفسُهم.
وهذا لا يُثبت وجودَ الله، ولا يرجّحه ترجيحًا معتبرًا. ولا أقول إنّه «لا يقرّبه أبدًا»، فتلك دعوى لا أحتاجها ولا أملكها. فإذا ضعفت دعوى أحد المتنافسين، ارتفع حظُّ الباقين جميعًا ولو قليلًا. والقاعدةُ في وزن الأدلّة تقتضي ذلك، وهي: «ما لا يستبعد نقيضَه لا يُرجَّح بوقوعه»، أي أنّ الواقعةَ لا ترفع فرضًا إلا بقدر ما تُضعف منافسَه.
لكنّ الذي وقع هنا ليس إخراجَ المادّيّة الاختزاليّة من الميدان. فهي قائمة، وأصحابُها يقولون إنّ السؤالَ نفسَه موصوفٌ وصفًا فاسدًا. وإنّما سقطت دعوى اكتمالها وحدَها، وأثرُ ذلك في الميزان أقلُّ بكثيرٍ من أثر إخراجها. ثمّ إنّ الباقين في الميدان كثيرون: ثنائيّةُ خصائصَ طبيعيّة، وعمومُ نفسانيّة، ووظيفيّةٌ موسَّعة، ومذهبٌ غُموضيّ، وثلاثُ نظريّاتٍ علميّةٍ تُختبر في المعامل.
فما يصيب القولَ بوجود الله من هذه القسمة قليلٌ جدًّا، لا تُبنى عليه عقيدة، ولا يقترب من الإثبات ولا يقاربه. وهو ترجيحٌ ضئيلٌ لا إلزام. ولا يصحّ إنكارُه مع ذلك، لأنّ التجاوزَ في اتّجاه النفي تجاوزٌ أيضًا.
ومن وعدك بأكثرَ من هذا فقد وعدك بما لا يُوفى به. فافتح كتابَ تشالمرز تجده لا يجعل الوعيَ بابًا إلى إلهٍ أبدًا، وافتح ناجل تجده يرفض التوحيدَ بصريح العبارة، واقرأ عن جاكسون تجده قد رجع عن حجّته. فمن وُعد بغير هذا ثمّ قرأهم، خسر ثقتَه بمن وعده. ولهذا لا أعدك بأكثر ممّا يحمله الدليل.
فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ أنّ الشعورَ من الداخل لا يُفسَّر بالمادّة وحدَها، فقد رأيتَ ما يراه فريقٌ من أهل هذا العلم، ولستَ متخلّفًا عنه. لكنّ هذا لا يضعك أمام خيارين، بل أمام مذاهبَ عدّة. وليس الإيمانُ بالله إلا واحدًا منها، ولا يأخذ من هذه المسألة إلا ترجيحًا ضئيلًا. وأقصى ما تفعله هذه المسألة — إن سلّمتَ لها بوصف الشيء الذي تطلب تفسيرَه — أن تُسقط دعوى أنّ الوصفَ المادّيَّ الاختزاليَّ للإنسان وصفٌ مغلقٌ مكتمل. ومن لم يسلّم بذلك الوصف لم تُسقط عنده شيئًا. وهي على كلّ حالٍ لا تبني وحدَها إيمانًا. ولا جوابَ مجمَعٌ عليه على هذا السؤال، لا عند مؤمنٍ ولا عند ملحد. بل من أهله من يقول إنّ السؤال نفسَه لا يقوم.