١٠. لماذا يفهم العقلُ الكونَ، وتنجح الرياضيّات في وصفه؟
السؤال: لماذا تصلح معادلاتٌ كُتبت على ورقٍ لوصف شيءٍ لم يره كاتبُها قطّ؟
الجوابُ في سطرين: لأنّ في العالم انتظامًا يمكن أن يوصف وصفًا مختصرًا، أي بكلامٍ قليلٍ يغطّي حوادثَ كثيرة. وهذه واقعةٌ حقيقيّةٌ يصحّ أن يُسأل عنها. لكنّ صحّةَ السؤال عن شيءٍ لا تعني أنّ له جوابًا. فمن قال «هي كذلك ولا مزيد» لم يناقض نفسَه.
ولا تنهض هذه الواقعةُ وحدَها حجّةً تُلزم المخالفَ بوجود الله. وإنّما أنفي الإلزام، لا أن تكون في الخلق دلالةٌ على خالقه. فعليها اعتراضان قويّان لم أجد لهما جوابًا حاسمًا. الأوّلُ أنّ الرياضيّات قد تكون منتزَعةً من بنية العالم نفسِه لا مخترعةً خارجَه. والثاني يقع على فرض الإله، أي على تفسير هذا الانتظام بإلهٍ خلقه. فهذا الفرضُ لا يمنع أن يكون الكونُ غيرَ مفهوم، لأنّ إلهًا قادرًا يستطيع أن يخلق كونًا مفهومًا وكونًا غيرَ مفهوم.
فالذي يبقى لغزٌ قائم. ومن رأى أنّ وراء هذا الانتظام شيئًا نظّمه، وهو الذي أسمّيه «المبدأ المنظِّم»، فقد وجد للّغز موضعًا يستريح عنده. لكنّه يستريح عنده هو وحدَه. فقد بنى على مقدّماتٍ بدأ منها، ولا يُلزم بها من لم يبدأ من حيث بدأ.
أوّلًا: ما الذي يُدهش بالضبط؟ مثالان يفصلانه
أكثرُ الخلاف في هذا الباب سببُه أنّ المتحاورَين لا يتّفقان على الشيء الذي يُدهش بالضبط. فلنفصله بمثالين.
المثالُ الأوّل: مشيتَ في حيّك عشرين سنة، ثمّ جلستَ فرسمتَ له خريطة، فطابقت الخريطةُ الحيّ. لا عجبَ في هذا: أنت رسمتَ ما رأيت، والمطابقةُ هي معنى ما فعلتَه، لا اكتشافٌ زائدٌ عليه.
المثالُ الثاني: رسمتَ الخريطةَ نفسَها، ثمّ سافرتَ إلى مدينةٍ لم تزرها قطّ، فوجدتَ خريطتَك تدلّك فيها على شارعٍ لم تسمع باسمه. مشيتَ حيث قالت، فوجدتَ الشارع.
الدهشةُ في الثاني لا في الأوّل. ولا أحدَ يعجب من أنّ الأعدادَ التي وضعناها لعدّ الغنم تصلح لعدّ الغنم. الذي يحتاج جوابًا شيءٌ آخر: أن يبتكر رياضيٌّ بنيةً لأسبابٍ من داخل الرياضيّات وحدَها، كأنّها لعبةٌ في ذهنه لا يفكّر معها في الطبيعة أصلًا. ثمّ تصلح هذه البنيةُ بعد عقودٍ لوصف شيءٍ في العالم. ثمّ تخبرنا عنه بما لم نكن نعلم، فنذهب فنجده.
*وحدُّ هذا المثال:* خريطتُك وتلك المدينةُ من جنسٍ واحد، فكلتاهما شوارعُ وأرض. فليس عجيبًا جدًّا أن تتشابها. والدعوى في هذا الباب أنّ الرياضيّات من جنسٍ غيرِ جنس العالم. فإن قال قائل: بل هي في حقيقتها من جنس العالم، منتزَعةٌ منه لا مخترعةٌ خارجَه، فقد ردّ المثالَ الثاني إلى الأوّل. وهذا أقوى اعتراضٍ على الحجّة كلِّها.
ماكسويل وريمان: مثالان مشهوران لا يحملان الدعوى
هذان أشهرُ ما يُساق في هذا الباب، وكلاهما أضعفُ ممّا يُظنّ.
١. معادلاتُ ماكسويل. كان معلومًا في القرن التاسع عشر أنّ الكهرباءَ والمغناطيسيّةَ متّصلتان، وكانت تجاربُ فاراداي قد كشفت أكثرَ الوقائع. فجمع الفيزيائيُّ جيمس كلارك ماكسويل ذلك كلَّه في مجموعةٍ واحدةٍ من المعادلات سنة ١٨٦٥. ثمّ حسب من معادلاته سرعةَ اضطرابٍ ينتشر في الحقل، والحقلُ هو المجالُ الذي تعمل فيه القوّةُ الكهربيّةُ والمغناطيسيّةُ حول مصدرها. فخرج له رقمٌ يساوي سرعةَ الضوء المقيسة، فانتهى إلى أنّ الضوءَ والمغناطيسيّةَ أثران لشيءٍ واحد، وأنّ الضوءَ نفسَه اضطرابٌ كهربيٌّ مغناطيسيٌّ ينتشر في الحقل على هيئة موجات.
ولا يصحّ أن يُقال إنّ ماكسويل تنبّأ بموجاتٍ أخرى من الجنس نفسِه لم يرصدها أحد، فليس هذا في ورقة ١٨٦٥. الورقةُ توحّد ما كان معلومًا، ولا تتنبّأ بطيفٍ جديدٍ من الموجات. أمّا الطيفُ الأوسعُ من هذه الموجات فشيءٌ يلزم عن الورقة، وقد ظهر بعدها: ولّده هرتز في معمله بعد نحو عشرين سنة، والتقطه. وليس هذا الفرقُ تفصيلًا تاريخيًّا صغيرًا، لأنّ دعوى «التنبّؤ بما لم يُرصد» هي بعينها موضعُ الاستدلال. فإن لم يكن في الورقة تنبّؤٌ بما لم يُرصد، لم يعد المثالُ شاهدًا على التنبّؤ، وبقي شاهدًا على جمع ما كان معلومًا في مجموعةٍ واحدةٍ من المعادلات.
*وحدُّ هذا المثال:* لم يكن ماكسويل يلعب لعبةً رياضيّةً مجرّدة. كان يبني على تجاربَ معمليّةٍ كثيرة، ومعادلاتُه صُنعت لهذه الظاهرة بعينها. فالمثالُ يُريك قوّةَ الرياضيّات في جمع الوقائع واستنتاج ما يلزم عنها، ولا يُريك «رياضيّاتٍ نقيّةً» جاءت من خارج الفيزياء.
٢. هندسةُ ريمان. سنة ١٨٥٤ ألقى الرياضيُّ الألمانيُّ برنارد ريمان محاضرةً في جامعة غوتنغن، بنى فيها هندسةً للفضاءات المنحنية، بأيّ عددٍ من الأبعاد. ولم يكن في الأفق سؤالٌ فيزيائيٌّ يحتاجها؛ كان يعالج مسألةً في أسس الهندسة نفسِها. وبعد نحو ستّين سنة احتاج أينشتاين لغةً يصف بها الجاذبيّةَ، لا على أنّها قوّةٌ تشدّ الأشياء، بل على أنّها انحناءٌ في الزمان والمكان. فوجد اللغةَ جاهزةً، مكتوبةً منذ ستّة عقود.
*وحدُّ هذا المثال:* القصّةُ تُروى أنقى ممّا كانت. فالرياضيّون والفيزيائيّون كانوا في احتكاكٍ دائم. والأداةُ التي استعملها أينشتاين تُسمّى «حسابَ التفاضل المطلق»، وقد طوّرها ريتشي وليفي-تشيفيتا في سياقٍ ليس بعيدًا كلَّ البعد عن مسائل الطبيعة. فالأداةُ لم تنزل من سماءٍ خالصةٍ لا صلةَ لها بالعالم.
أربعةُ أمثلةٍ لا يُقال فيها «صُنعت لهذه الظاهرة بعينها»
فإن قلتَ: إذا كان للمثالين هذا الحدّ، فعلى أيّ شيءٍ تبقى الدهشةُ قائمة؟ لقد هدمتَ كلَّ ما يُريني اللغز، ثمّ تطلب منّي أن أشعر به!
فالجوابُ أنّ هذا الاعتراضَ صحيحٌ وثقيل. فإمّا أن يصمد مثالٌ لا يقع تحت هذا الحدّ، وإمّا أن يسقط اللغزُ كلُّه.
وماكسويل وريمان هما المثالان المتداولان، لكنّهما ليسا أقوى ما في الفيزياء. ففي الفيزياء نفسِها أربعةُ أمثلةٍ أخرى.
وتخيّل معي أنّك اخترعتَ مع أصحابك في المدرسة لعبةً بقواعدَ من عندكم، تُمضون بها الفسحة، ولا تفكّرون في شيءٍ خارج اللعبة. ثمّ يأتي بعد عشر سنين رجلٌ فيقول لك: قواعدُ لعبتكم هي بعينها ما يُرتَّب به جدولُ مباريات الدوريّ، وبها عرفتُ أنّ في الجدول مباراةً ناقصة، فذهبتُ فوجدتُها. هنا موضعُ الدهشة، لا في أنّ اللعبةَ تصلح للّعب.
١. زمرةُ SU(3) والجسيمُ Ω⁻. «الزُّمَر» بابٌ في الجبر يدرس التناظر، أي ما يبقى على حاله إذا قلّبتَه أو أدرتَه. وهو بابٌ رياضيٌّ مجرّد، نشأ في مسائل حلّ المعادلات لا في مسائل المادّة. وفي سنة ١٩٦١ رتّب الفيزيائيُّ الأمريكيُّ مُرَي غِلمان الجسيماتِ المعروفةَ يومئذٍ على ما يسمّيه الرياضيّون «تمثيلاتِ» هذه الزمرة. ووصل يوفال نئمان إلى الترتيب نفسِه مستقلًّا. فانتظمت الجسيماتُ في أشكالٍ هندسيّةٍ منتظمة. ثمّ انتظمت جسيماتٌ أخرى في شكلٍ من عشر خاناتٍ بقيت فيه خانةٌ فارغة، فقال غِلمان سنة ١٩٦٢ في مؤتمرٍ علميٍّ بجنيف: هنا جسيمٌ لم يُرَ بعد، وهذه شحنتُه، وهذا عددُه المسمّى «الغرابة»: ثلاثٌ سالبة. والغرابةُ رقمٌ يميّز به الفيزيائيّون أصنافَ الجسيمات بعضَها من بعض، كما يميّز رقمُ الفصل فصولَ المدرسة.
أمّا كتلةُ هذا الجسيم فلم يقلها الجبرُ وحدَه. حُسبت بقاعدةٍ تُعرف بقاعدة غِلمان–أوكوبو، وهذه القاعدةُ تعتمد على كتل إخوته في مجموعته، وهي كتلٌ قيست في المعمل. والمجموعةُ عشرةُ جسيماتٍ يسمّيها أهلُها «العُشاريّ». أي أنّ في الكتلة قياسًا من المعمل، لا حسابًا من الرياضيّات وحدَها. فالذي جاءت به الرياضيّاتُ وحدَها شيئان: الخانةُ الفارغة، وأعدادُ الجسيم الذي يملؤها، أي شحنتُه وغرابتُه. وهذا وحدَه موضعُ الاستدلال. وفي سنة ١٩٦٤ وجد باحثون الجسيمَ في مُسرِّع الجسيمات بمختبر بروكهيفن، عند الكتلة المتنبَّأ بها. خانةٌ فارغةٌ في تناظرٍ تقول: اذهب فستجد. فذهبوا فوجدوا.
٢. الأعدادُ التخيّليّة. وهي أعدادٌ تقوم على الجذر التربيعيّ لسالب واحد، وهو عددٌ لا يوجد بين الأعداد التي نعدّ بها ونقيس. اختُرعت في القرن السادس عشر حيلةً شكليّةً لإتمام حلّ المعادلة التكعيبيّة، على يد الإيطاليَّين كاردانو وبومبيلّي. ثمّ سمّاها ديكارت بعد ذلك «تخيّليّة»، ولم يكن من صانعيها. لكنّ التسميةَ تدلّ على أنّ أهلَ الرياضيّات أنفسَهم لم يروها تصف شيئًا في العالم. ثمّ جاءت بعد أربعة قرونٍ ميكانيكا الكمّ، وهي علمُ ما يجري في الذرّة وما دونها. فتبيّن أنّ هذه الأعدادَ ليست في هذا العلم اختصارًا حسابيًّا، بل هي بنيةُ «السَّعة» في الصياغة المتداولة للنظريّة. والسَّعةُ هي العددُ الذي يُحسب منه احتمالُ أن تجد الجسيمَ هنا أو هناك.
ولا أقول إنّ النظريّةَ لا تُكتب بدونها، فذاك أشدُّ ممّا أملك. فهناك صياغاتٌ بالأعداد الحقيقيّة وحدَها. والخلافُ في ثقلها وتعقيدها، لا في إمكانها. وقد نُشرت في السنوات الأخيرة أبحاثٌ تقول إنّ الصياغةَ بالأعداد الحقيقيّة تعطي في تجاربَ بعينها تنبّؤاتٍ مخالفة، ولم أقابلها على أصلها، فلا أبني عليها شيئًا. والمثالُ قائمٌ بدونها.
٣. فضاءاتُ هلبرت. وهي فضاءاتٌ رياضيّةٌ قد يكون لها عددٌ لا نهائيٌّ من الأبعاد. طُوّرت في أوائل القرن العشرين لمسائلَ من داخل الرياضيّات نفسِها (المعادلاتِ التكامليّةِ والمتسلسلات)، ثمّ صارت على يد فون نويمان سنة ١٩٣٢ الإطارَ الرياضيَّ لميكانيكا الكمّ نفسِها: لا أداةً من أدواتها، بل لغتَها.
٤. نظريّةُ العُقَد. وهي تصنيفُ العُقَد التي يمكن أن تُعقد في خيطٍ مغلق، ومعرفةُ متى تكون عقدتان مختلفتان في الظاهر عقدةً واحدةً في الحقيقة. بدأ هذا التصنيفُ في القرن التاسع عشر لخدمة نظريّةٍ فيزيائيّةٍ ماتت بعد ذلك. كانت تلك النظريّةُ تقول إنّ الذرّاتِ دوّاماتٌ معقودةٌ في «الأثير»، وهو وسطٌ كانوا يظنّونه يملأ الفضاء. فبقي التصنيفُ بابًا رياضيًّا لا يطلبه أحد، ثمّ وجد نفسَه بعد قرنٍ يصف طيَّ الحمض النوويّ، وعملَ الإنزيمات التي تقطعه ثمّ تصله. أي أنّ الأداةَ نجت من موت الغرض الذي صُنعت له، ثمّ عملت في غرضٍ لم يخطر لأحد.
فهذه أربعةٌ لا يُقال فيها «صُنعت لهذه الظاهرة بعينها»، وعليها تقوم الدهشةُ، لا على ماكسويل. وهي أقوى من المثالين المشهورين، وإن كانا أشهرَ منها.
*وحدُّ هذه الأمثلة الأربعة:* فزمرةُ SU(3) لم تُختر من الجبر اعتباطًا. كانت هناك زُمرٌ أخرى مرشَّحة، واختيرت هذه لأنّها وحدَها لاءمت الجسيماتِ المرصودة، فالتجربةُ هي التي اختارتها. ونظريّةُ العقد تصف منحنياتٍ في الفضاء، والحمضُ النوويُّ منحنًى في الفضاء، فهما من جنسٍ واحد كالخريطة والمدينة سواءً بسواء.
فالذي يبقى بعد هذا الحدّ أضيقُ ممّا يوهمه ذكرُ الأربعة بلا حدّ. يبقى فضاءُ هلبرت والأعدادُ التخيّليّة، وفيهما يظهر الانتقالُ من جنسٍ إلى جنسٍ ظهورًا أوضح. ومن ساق الأربعةَ متساويةً في القوّة فقد سوّى بين ما سقط منها وما لم يسقط.
فيغنر: من قال العبارة، وما الذي لم يقله
سنة ١٩٦٠ نشر يوجين فيغنر مقالةً عنوانُها «الفعّاليّةُ غيرُ المعقولة للرياضيّات في العلوم الطبيعيّة». وفيغنر فيزيائيٌّ حاز جائزةَ نوبل في الفيزياء بعد ثلاث سنواتٍ من نشرها، وليس فيلسوفَ دينٍ ولا متكلّمًا.
وخلاصةُ مقالته أنّ ملاءمةَ لغة الرياضيّات لصياغة قوانين الفيزياء «هبةٌ عجيبةٌ لا نفهمها ولا نستحقّها»، وأنّها لغزٌ قائم.
وفي نقل هذه المقالة أمران:
الأوّل: فيغنر لم يستنتج إلهًا، ولم يذكر اللهَ في المقالة أصلًا. ولا ترد في نصّها لفظةُ إلهٍ ولا خالقٍ ولا لاهوت، وهذه دعوى يختبرها من شاء في المقالة نفسِها.
والثاني: فيغنر لم يختم مقالتَه بدعوةٍ إلى بحثٍ في فلسفة العلم. فخاتمتُه امتنانٌ ورجاء: أن نشكر هذه الهبة، وأن نرجو أن تبقى صالحةً في البحث الآتي، وأن تمتدّ إلى فروعٍ أوسعَ من المعرفة. ولهذا الفرق معنى. فمن ختم بالدعوة إلى البحث ترك البابَ مفتوحًا لجوابٍ يأتي. ومن ختم بالامتنان فهو أقربُ إلى أن يترك اللغزَ لغزًا.
ففيغنر سمّى اللغزَ تسميةً دقيقة، وليس شاهدًا على وجود الله. وبين الأمرين فرقٌ لا يصحّ أن يُخفى.
الاعتراضُ الأوّل: الرياضيّاتُ لغةٌ صنعناها لوصف ما نرى
وهذا أقوى اعتراضٍ في الباب.
صورتُه أنّ الرياضيّاتِ ليست عالَمًا مستقلًّا نكتشفه، بل مجموعةُ أدواتٍ طوّرناها ونحن نحتكّ بالعالم. نشأ الحسابُ من عدّ المواشي وقسمة الميراث على الورثة، ونشأت الهندسةُ من قياس الأرض بعد فيضان النهر، ونشأ حسابُ التفاضل في يد نيوتن وهو يحلّ مسألةً في الحركة. فإن كانت الأداةُ قد بُرِدت على قياس القفل، فأيُّ عجبٍ في أنّها تفتحه؟
ويزيد المعترض: نحن نطوّر من الرياضيّات ما ينفع، ونُهمل ما لا ينفع. فالمطابقةُ التي تُدهشك صنعناها بأيدينا على مراحل، ثمّ نسينا أنّنا صنعناها، فأخذنا نعجب منها.
ومثالُ المعترض: تدخل ورشةَ حدّاد، فتراه يبرد مفتاحًا على قفلٍ مرّةً بعد مرّة حتى يدور. يقول المعترض: أتعجب من أنّه دار؟ العجبُ يكون لو أنّه لم يدر.
والجواب: هذا الاعتراضُ يفسّر الملاءمةَ ولا يفسّر الانتقال. المفتاحُ الذي بُرِد على هذا القفل نتوقّع أن يفتحه. أمّا الذي يحتاج جوابًا فأن تحمله إلى مدينةٍ أخرى فيفتح بابًا لم يره صانعُه. وهنا موضعُ الأمثلة الأربعة: زمرةٌ رُتّبت لأجل الجبر تقول لك أين يقف جسيمٌ لم يُرَ، وعُقَدٌ صُنّفت لنظريّةٍ ميّتة تصف إنزيمًا في خليّة.
ومع ذلك أقول بصراحة إنّ الاعتراضَ لا يسقط. فمن قال إنّ الرياضيّات في أصلها منتزَعةٌ من بنية العالم، لا مخترعةٌ خارجَه، فقد جعل «الانتقال» أهونَ ممّا صوّرتُه. فالعالمُ عنده واحدٌ في بنيته، فلا عجبَ أن تُنتزع أداةٌ من ركنٍ منه ثمّ تصلح في ركنٍ آخر. وهذا موقفٌ فلسفيٌّ متماسك، وله أهلُه، ولا أعرف دليلًا حاسمًا يُبطله.
الاعتراضُ الثاني: أنت تعدّ النجاحات وتنسى الإخفاقات
وهذا اعتراضُ ريتشارد هامنغ، وهو رياضيٌّ من أهل الرياضيّات، لا ناقدٌ لها من خارجها. وقد ساقه في مقالةٍ كتبها سنة ١٩٨٠ يعيد فيها طرحَ سؤال فيغنر.
وحاصلُه أنّ «الفعّاليّةَ غيرَ المعقولة» عبارةٌ مبنيّةٌ على عيّنةٍ منتقاة. فنحن نُدرِّس المسائلَ التي نجحت فيها الرياضيّات، ولا نُدرِّس ما عجزت عنه، والعاجزُ عنه أكثر.
وتُساق في هذا الاعتراض ثلاثةُ مواضع، ولكلٍّ منها حدُّه:
١. الاضطرابُ في الموائع. يخرج الماءُ من الصنبور هادئًا، ثمّ ينكسر انسيابُه ويضطرب. ونحن نملك معادلاتِ هذه الحركة (وتُسمّى معادلاتِ نافييه–ستوكس)، ولا نملك طريقةً عامّةً لحلّها؛ بل لا نعرف حتى اليوم هل لها أصلًا حلٌّ سليمٌ منتظمٌ يبقى على حاله ولا ينهار بعد حين. وهذه إحدى المسائل المفتوحة الكبرى في الرياضيّات. فالعجزُ هنا حقيقيّ، وموضعُه دقيق: لا في كتابة القانون، بل في استخراج ما يلزم عنه.
٢. مسألةُ الأجسام الثلاثة. ثلاثةُ أجرامٍ يجذب بعضُها بعضًا، كالشمس والأرض والقمر: أين تكون بعد زمنٍ طويل؟ وشائعٌ أن يُقال فيها إنّه لا صيغةَ تعطيك مواضعَها بعد حين. وهذه عبارةٌ خاطئة. فقد أعطى الرياضيُّ الفنلنديُّ كارل سوندمان سنة ١٩١٢ حلًّا بمتسلسلةٍ متقاربة، أي بمجموعٍ لا ينتهي من الحدود يقترب من الجواب شيئًا فشيئًا. ثمّ عُمّم حلُّه بعده على أعدادٍ أكبر من الأجسام. والصحيحُ أنّ هذا المجموعَ يقترب من الجواب ببطءٍ شديد، حتى لا ينتفع به حسابٌ عمليّ. ثمّ إنّ النظامَ نفسَه فوضويّ: أصغرُ فارقٍ في نقطة البداية يكبر حتى يبتلع الجواب، فلا يستقرّ حسابٌ على شيءٍ نافع. ويسمّي أهلُ الاختصاص هذا النظامَ «غيرَ تكامليّ». أي أنّ العجزَ في شكل الحلّ وفائدته، لا في وجوده.
٣. الطقس. ولا يُساق الطقسُ إخفاقًا للرياضيّات، لأنّه انتصارٌ لها. فمن أخبرنا أنّ التنبّؤ بالطقس ينقطع بعد أسبوعين؟ الرياضيّاتُ نفسُها. عندها مقياسٌ يقول كم يتضاعف الفارقُ الصغيرُ في كلّ يوم، ويسمّيه أهلُه «أُسَّ ليابونوف». ومنه يُحسب بمقدارٍ محسوبٍ متى يصير التنبّؤ بلا معنى. فنظريّةُ الفوضى، وتُسمّى أيضًا «الشواش»، ليست عجزًا عن وصف العالم، بل وصفٌ دقيقٌ لحدٍّ فيه. وهي من أنجح ما أنتجه القرنُ العشرون. فليس الطقسُ في قائمة الإخفاقات، وهو مثالٌ على أنّ المرءَ قد يسوق ضدّ نفسِه ما هو له.
والأجسامُ الثلاثةُ تدخل تحت هذا الحكم نفسِه. فعلّتُها أنّ النظامَ فوضويٌّ لا يُحلّ بصيغةٍ نافعة، وهذا وصفٌ رياضيٌّ لحدٍّ في العالم، كمقياس ليابونوف في الطقس سواءً بسواء. ولا يجوز أن يُحكم على المثالين بمقياسين. فإمّا أن يخرجا معًا من قائمة العجز، وإمّا أن يبقيا فيها معًا. فإن بقيا فيها، فهما عجزٌ عن استخراج ما يلزم، لا عجزٌ عن وصف الحدّ. وأنا أختار الثاني، وأقصر لفظَ «الإخفاق» على ما لا نملك له وصفًا أصلًا، كالجاذبيّة الكمّيّة.
ويبقى صحيحًا من الاعتراض: الجاذبيّةُ الكمّيّة، أي النظريّةُ التي تجمع الجاذبيّةَ وقوانينَ عالم الذرّة في وصفٍ واحد. وهي أهمُّ سؤالٍ مفتوحٍ في الفيزياء، ولنا فيها قرنٌ من المحاولات بلا نظريّةٍ متّفقٍ عليها. ثمّ أكثرُ ما يحيط بك: سعرُ سلعةٍ في السوق، وسلوكُ جماعةٍ من الناس، ومسارُ طيّ البروتين في الخليّة. والمقصودُ بالمسار الطريقُ الذي يسلكه البروتينُ وهو ينطوي، لا الشكلُ الذي ينتهي إليه. فالشكلُ صار يُتنبّأ به بدقّةٍ عاليةٍ منذ ٢٠٢١ بطرقٍ حاسوبيّةٍ حديثة. والعلمُ في هذا الموضع يتحرّك، فيُذكر العجزُ فيه مقيَّدًا لا مطلقًا.
ومثالُ هذا الاعتراض: صيدليٌّ يعلّق على جداره رسائلَ الشكر ممّن شُفوا، ولا يعلّق الوصفاتِ التي لم تنفع. فالجدارُ صادقٌ في كلّ ورقةٍ عليه، وكاذبٌ في مجموعه.
*وحدُّ هذا المثال:* انتقاءُ النجاحات عند العدّ يخفّف الدهشةَ، لكنّه لا يُلغيها. فحتى لو كانت النجاحاتُ قليلةً بين مسائل العالم كلِّها، يبقى أنّ في العالم طبقةً أساسيّةً تخضع لوصفٍ رياضيٍّ بالغ الإحكام، وهي قوانينُ الجسيمات والحقول والزمان والمكان. ويبلغ التطابقُ بين الحساب والقياس في أدقّ ما قيس نحوَ اثنتي عشرة خانةً عشريّة — وهو رقمٌ متداولٌ لم أقابله على مرجعٍ بعينه، فمن بنى عليه فليقابله أوّلًا. وموضعُ هذا القياس العزمُ المغناطيسيُّ الشاذُّ للإلكترون، وهو فرقٌ دقيقٌ في قوّة الإلكترون مغناطيسًا صغيرًا. والذي يحتاج تفسيرًا وجودُ هذه الطبقة أصلًا، لا نسبةُ المسائل المحلولة إلى المعلّقة.
وهامنغ نفسُه لا يقول إنّ اللغزَ انحلّ. قدّم أربعةَ تفسيراتٍ جزئيّة، ثمّ صرّح بأنّها لا تكفي. فمن نقل مقالتَه «إبطالًا تامًّا» للّغز فقد خالف خاتمتَها. وكذلك خالف آخرون مقالةَ فيغنر من الجهة الأخرى، حين جعلوها شاهدًا على الخالق. والغلطُ واحدٌ في الاتّجاهين: أن يُقرأ الرجلُ لينصر لا ليُفهم.
الاعتراضُ الثالث: هبْ أنّ اللغزَ باقٍ — فهل يُرجّح ذلك وجودَ الله؟
هبْ أنّ اللغزَ باقٍ، وأنّ الاعتراضين السابقين لم يحلّاه. هل يُرجّح ذلك فرضَ الإله، أي تفسيرَ الانتظام بإلهٍ خلقه؟ وهذا أخطرُ الاعتراضات على الاستدلال نفسِه، لا على وجود اللغز.
وقاعدةُ الترجيح معروفة. لا يكفي أن يوافق الشيءُ فرضَك. الذي ينفعك أن يكون وقوعُه متوقَّعًا لو كان فرضُك صحيحًا أكثرَ ممّا لو كان باطلًا. فإن كان وقوعُه متوقَّعًا على الحالين بالقدر نفسِه، فوقوعُه لا يقول لك أيَّ الحالين أنت فيه.
والمطلوبُ أن يرجّح الفرضُ ما وقع، لا أن يمنع نقيضَه. فقد يُشترط أن يستبعد الفرضُ نقيضَ ما يتنبّأ به، وذاك شرطٌ أشدُّ ممّا يحتاجه الترجيح. ويكفي أن يجعل الفرضُ الشيءَ الواقعَ أرجح، فيترجّح الفرضُ بقدر ذلك وإن لم يمنع النقيض. ومن اشترط المنعَ أسقط الترجيحَ الاحتماليَّ كلَّه، وأسقط معه حججًا أقبلها أنا. فحجّةُ بلانتينغا احتماليّةٌ محضة. ومن أخذ شرطَ المنع على إطلاقه هدم بيده ما يقبله فيها.
والمثال: صديقٌ يقول لك: «أنا أفهم في الكرة أكثرَ من الجميع». فتسأله: من يفوز في مباراة الغد؟ فيقول: «يحتمل أن يفوز هؤلاء، ويحتمل أن يفوز أولئك». ثمّ فاز الأوّلون. فماذا عرفتَ عن فهمه؟ لا شيء، لأنّ كلامَه كان يصدق مهما وقع. أمّا لو قال: «سيفوزون بهدفين، وأوّلُهما في الشوط الأوّل»، ثمّ وقع ذلك، فهذا شيءٌ آخر.
وبين الطرفين وسطٌ لا يُهمل: لو قال «الأرجحُ عندي أن يفوز هؤلاء» ثمّ فازوا، عرفتَ عن فهمه شيئًا يسيرًا، لا شيئًا معدومًا. فالفرقُ في المقدار لا في أصل الفائدة. وهذا الوسطُ هو الواقعُ في أكثر ما يجري بين الناس، وفي أكثر ما يجري في هذا الباب.
والاعتراضُ الثالث أنّ الإلهَ القادرَ لا يُستبعد عنده كونٌ غيرُ مفهوم. فهو يستطيع أن يخلق عالمًا فوضويًّا يعرّف نفسَه فيه لعباده بطريقٍ آخر، أو عالمًا مفهومًا في ركنٍ منه دون سائره. فما دام الفرضُ يتّسع للكون المفهوم ولغيره، فوقوعُ الكون المفهوم يعطيه رجحانًا غيرَ مقدَّرٍ بمقدار، أي لا نعرف كم هو، لكنّه ليس معدومًا. واللغزُ قائم. وهذا هو الفرقُ بين اللغز والدليل القويّ: اللغزُ يعطي رجحانًا لا يُحسب، والدليلُ يُلزمك بنتيجته.
وأنصفُ ما يُردّ به على هذا الاعتراض قولُ الفيلسوف البريطانيّ ريتشارد سوينبرن، وهو من أبرز من دافع عن الإيمان بالله بالحجّة الفلسفيّة. فهو لا يدّعي أنّ الإلهَ يمنع كونًا غيرَ مفهوم. دعواه أنّ عقلًا يريد أن يُعرَف أرجحُ أن يخلق كونًا مطّردًا من أن يخلق فوضى، وأنّ الرجحانَ يكفي في هذا الباب ولا يُشترط المنع. وموضعُ اعتراضي عليه شيءٌ آخر: أنّ هذا الرجحانَ غيرُ مقدَّرٍ بمقدار. وتقديرُه يُستخرج من الحال بعد وقوعها لا قبلها، فأنت تعرف كم كان متوقَّعًا بعد أن رأيتَ ما وقع. فالنزاعُ في مقدار الرجحان لا في انعدامه.
وأزيد: الفرضُ الذي لا قيدَ له لا يُختبر. ومن أراد أن يرجّح به فعليه أن يقول أوّلًا: أيُّ كونٍ كان هذا الفرضُ ينفيه؟ فإن لم يكن هناك كونٌ ينفيه، فليس قولُه تنبّؤًا، بل وصفٌ لما وقع بعد أن وقع.
الاعتراضُ الرابع: هل القوانينُ أشياءُ تحكم العالم، أم أوصافٌ لما يقع؟
وهذا أقوى ما يُعارَض به هذا الاستدلالُ كلُّه.
يُقال: «كلُّ تفسيرٍ علميٍّ يفترض قوانين، فلا يفسّر وجودَ القوانين». ويُساق هذا القولُ كأنّه مسلَّمة. وهو ليس مسلَّمة، بل موقفٌ في طبيعة القوانين، ويقابله موقفٌ آخرُ متماسك:
- الموقفُ الأوّل (القوانينُ حاكمة): القوانينُ أشياءُ في العالم تحكمه، وتُلزم الأشياءَ بأن تجري على مقتضاها. وعلى هذا الموقف يصحّ أن يُسأل: من أين جاءت هذه القوانينُ الحاكمة؟ وهو سؤالٌ لا يجيبه العلمُ من داخله، لأنّه يستعمل القوانينَ في كلّ جوابٍ يعطيه.
- والموقفُ الثاني (القوانينُ واصفة): القوانينُ ليست أشياءَ تحكم، بل أوصافٌ مختصرةٌ لما يقع. وأدقُّ صياغاته أنّ «القانون» قضيّةٌ من قضايا أفضلِ نسقٍ استنباطيٍّ صادقٍ عن العالم. والنسقُ الاستنباطيُّ قضايا قليلةٌ تُستنبط منها وقائعُ كثيرة، وأفضلُه الذي يوازن بين البساطة وسعة التغطية: أقلُّ القضايا لأكثر ما يقع. فالقانونُ على هذا ليس شيئًا موجودًا زيادةً على ما يقع، وهو عندهم كالفهرس: يصف الكتابَ ولا يكتبه. وعلى هذا الموقف جماعةٌ من فلاسفة الطبيعة، ويصرّح به بعضُ الفيزيائيّين المشتغلين بالفلسفة، كالفيزيائيّ الأمريكيّ شون كارول.
والمثال: في مدرستك لافتةٌ تقول «ممنوعٌ الجريُ في الممرّ». هذه قاعدةٌ تحكم: لولا الناظرُ لجرى الطلّاب. وفي مدرستك أيضًا أنّ أكثرَ الطلّاب يجلسون في الفسحة تحت الشجرة نفسِها كلَّ يوم، وليست هناك لافتةٌ بذلك؛ إنّما هو وصفٌ مختصرٌ لما يقع فعلًا. فالسؤالُ في قوانين الطبيعة: أهي من صنف اللافتة، أم من صنف العادة التي تُوصف؟ من قال بالأوّل سأل: من علّق اللافتة؟ ومن قال بالثاني لم يبقَ عنده هذا السؤال، وبقي عنده سؤالٌ آخر.
وهنا تنقص الدعوى نفسُها، لا المثالُ وحدَه. فعلى الموقف الثاني ينحلّ سؤالُ «لماذا توجد قوانين؟» إلى سؤالٍ آخر: «لماذا كان العالمُ قابلًا للاختصار؟» وقد يكون الجواب: هو كذلك، ولا مزيد. ولا أملك دليلًا يمنع هذا الجواب. فالقولُ بأنّ العلمَ لا يفسّر وجودَ القوانين لا يصحّ مطلقًا. إنّما يصحّ عند من قال بالموقف الأوّل. ومن ساقه مطلقًا ألزم به من لا يقول بهذا الموقف.
فما الذي يبقى بعد ذلك؟ يبقى شيءٌ أضيق: أنّ قابليّةَ العالم للاختصار ليست ضرورةً منطقيّة، حتى على الموقف الواصف نفسِه. وتصوَّرْ عالَمًا لا يمكن اختصارُه: كلُّ ما يقع فيه حادثةٌ مفردةٌ لا تشبه غيرَها، فلا تستطيع أن تقول فيه «الأشياءُ تسقط» ولا «الماءُ يغلي عند المئة»، بل تعدّ حوادثَه واحدةً واحدةً إلى الأبد. وليس في تصوّر هذا العالم تناقض. فوقوعُ الاختصار في عالمنا واقعةٌ كان يمكن ألّا تقع، ثمّ وقعت، والسؤالُ عنها سؤالٌ صحيح. لكنّ من قال «وقعت بلا سبب» لم يناقض نفسَه، ولا حجّةَ عندي تُلزمه. وهذا أضيقُ بكثيرٍ من القول بأنّ العلمَ عاجزٌ عن تفسير القوانين.
خلاصةُ الباب: ما ثبت في معقوليّة الكون وما لم يثبت
| ما يثبت | وما لا يثبت |
|---|---|
| أنّ في العالم طبقةً أساسيّةً تقبل وصفًا مختصرًا مطّردًا — وهذه واقعةٌ لا نزاعَ فيها. أمّا نسبةُ ما يقبل الاختصارَ من العالم إلى ما لا يقبله فمحلُّ نزاعٍ لم أفصل فيه | أنّ هذه الواقعة تُلزم بوجود إله — لا تُلزم |
| أنّ في الرياضيّات انتقالًا من ميدانٍ إلى ميدانٍ يستدعي السؤال (SU(3) · الأعدادُ التخيّليّة · العُقَد) | أنّ هذا السؤالَ لا جوابَ له إلا الإله — فالقولُ بأنّ الرياضيّات منتزَعةٌ من بنية العالم جوابٌ متماسكٌ لم أُبطله |
| أنّ قابليّةَ العالم للاختصار ليست ضرورةً منطقيّة، فيصحّ أن يُسأل عنها | أنّ العلمَ عاجزٌ من أصل طريقته عن تفسير القوانين — فهذا مشروطٌ بموقفٍ في طبيعتها لا يلتزمه الجميع |
| أنّ فرضَ مبدأٍ منظِّمٍ يعطي اللغزَ موضعًا مفهومًا عند من قبِل مقدّماته | أنّه الفرضُ الوحيد — فالقولُ بأنّ الانتظامَ واقعٌ بلا سبب موقفٌ متماسكٌ لمن التزمه |
ولا تبلغ هذه الحجّةُ إثباتَ صفةٍ واحدةٍ من صفات المبدأ المنظِّم: لا تبلغ إثباتَ أنّه واحد، ولا أنّه عليم، ولا أنّه رحيم، ولا أنّه تكلّم. وأقصى ما تبلغه إثباتُ مبدأٍ منظِّم، ولا تعيّن وحدَها أهو عقلٌ أم غيرُه. وسكوتُها عن ذلك قصورٌ فيها، لا حكمٌ على المنظِّم. والمسافةُ من هذا إلى دينٍ بعينه تُقطع بأدلّةٍ من جنسٍ آخر، لا بهذه.
فالحكم: لغزٌ قائمٌ لا حسمَ فيه إلى اليوم، ولا يبلغ درجةَ الدليل. وأقصى ما فيه أنّ من قبِل مقدّماتٍ بعينها وجد فرضَ المبدأ المنظِّم أحسنَ موضعٍ للّغز عنده. ومن وعدك في هذه المسألة بأكثرَ من ذلك، فقد قال ما لا يقوله أهلُ الاختصاص فيها.
فأين تقف أنت؟ بيدك الآن سؤالٌ حقيقيٌّ لا مفتعَل: أنّ العالمَ يقبل الاختصار، وأنّ رياضيّاتٍ وُلدت بعيدًا عن الطبيعة تعود فتخبرنا عنها بما لم نكن نعلم. وهذا ليس ضرورةً منطقيّة، فيصحّ أن تسأل عنه. والذي يترجّح أنّ هذا السؤالَ يجد عند من قبِل فرضَ المبدأ المنظِّم موضعًا يستريح فيه. لكنّه ترجيحٌ لا يُحسب بمقدار، ولا يُلزم من بدأ من مقدّماتٍ أخرى. ويبقى مفتوحًا أمران: أهي الرياضيّاتُ منتزَعةٌ من العالم فلا عجب، أم هي من جنسٍ آخر فالعجبُ قائم؟ وأهي القوانينُ حاكمةٌ تحتاج إلى من وضعها، أم أوصافٌ لا تحتاج؟ ومن أجابك «هي كذلك ولا مزيد» لم يناقض نفسَه، ولم يُجب. فالذي في يدك سؤالٌ يصحّ أن تحمله، لا جوابٌ يصحّ أن تُلزم به غيرَك.