١٩. لماذا يطلب اللهُ أن نعبده؟
السؤال: لماذا يطلب إلهٌ غنيٌّ عن كلّ شيءٍ أن يُحمَد ويُسبَّح ويُركَع له؟ أهذا إلهٌ، أم ملكٌ يطلب التصفيق؟
الجوابُ في سطرين: اللهُ لا يحتاج إلى العبادة. وهي في التصوّر الإسلاميّ حقٌّ للمعبود استحقَّه بكماله أوّلًا، ونفعُها بعد ذلك عائدٌ إلى العابد تشكيلًا له، لا نقلُ منفعةٍ إلى الله. وهذا لا يُثبت وجودَ الله أبدًا. ولا يجيب عن سؤال العقوبة، وهو أثقلُ ما في المسألة.
أوّلًا: معنى كلمة «إله» في العربيّة — وحدُّ ما يُفيده
كلمةُ «إله» في العربيّة ليست مرادفةً لـ«القوّة العظمى»، ولا لـ«الصانع الأوّل». أصلُها من مادّة (أ ل هـ)، وفيها معنى التعبّد والسكون إلى الشيء. ووزنُها بمعنى المفعول: فالإلهُ هو المألوه، أي المعبود. فالكلمةُ وصفٌ لعلاقةٍ بين عابدٍ ومعبود، لا وصفٌ لقوّةٍ في الطبيعة.
وفائدةُ هذا التحرير صغيرة، ولا يُحمَّل ما لا يحمل. وذلك لثلاثة أسباب:
- أنّ أصلَ الكلمة لا يفصل في نزاع، ولا يحكم على معناها المستعمَل. والحكمُ على الشيء من طريق نشأته هو «مغالطةُ التكوين» نفسُها: أن تحكم على فكرةٍ بالصدق أو الكذب من أصلها لا من دليلها. وهي هنا منقولةٌ من الأفكار إلى الألفاظ.
- وأنّ أصلَ المادّة نفسَه مختلَفٌ فيه عند أهل اللغة: أهو من «أَلِه» بمعنى تحيّر، أم بمعنى سكن، أم بمعنى عبد؟ والمختلَفُ فيه لا يُبنى عليه حكمٌ في نزاع.
- وأنّ الاعتراضَ يمكن أن يُصاغ بلا كلمةٍ عربيّةٍ واحدة. أعِد صوغَه بالإنجليزيّة، أو بلا كلمة «إله» أصلًا، فيبقى قائمًا بحروفه: لماذا يطلب الكاملُ ثناءً مكرّرًا؟
فالمتنازَعُ فيه علاقةٌ بين عابدٍ ومعبود، لا وظيفةٌ في الكون. ومعنى الكلمة لا يُسقط الاعتراض.
وانظر المعنى بلا أيّ كلامٍ عن الخلق: رجلٌ يقول «حياتي كلُّها للمال». هو لم يزعم أنّ المالَ خلق السماء، لكنّه صرف إليه غايةَ حبّه وغايةَ خضوعه، فرتّب عليه نومَه ويقظتَه وصداقاتِه، وما يقبله وما يرفضه.
وحدُّ هذا المثال: غايتُه أن يُريك معنى «أن تصرف غايتَك إلى شيء» في تجربةٍ يعرفها كلُّ أحد. وقد يُقال: هذا فخّ، يُراد به أن يُقال لك «أنت أيضًا تعبد شيئًا»، فتُسحب إلى داخل الملعب وأنت لم تدخله. والاعتراضُ في محلّه إن استُعمل المثالُ هكذا: فمن استعمله كذلك فقد صنع تعريفًا يشمل خصمَه بطريقة صياغته، ثمّ ادّعى أنّه اكتشفه. فأنا لا أقول ذلك، ولا أُلزمك به. فأن تحبّ شيئًا وترتّب عليه يومَك ليس «تألُّهًا» إلّا بتعريفٍ صُنع ليشملك. وأنا أُسقط هذا التعريف.
فمن تصوّر العبادةَ تصفيقًا في قاعةٍ لملكٍ يجلس على كرسيّ، فقد ناقش شيئًا غيرَ الذي يُقال. ولستُ ألومه، فالصورةُ التي وصلته هي هذه.
ثانيًا: أقوى صيغةٍ للاعتراض — طلبُ الثناء علامةُ حاجة
وليست الصيغةُ السهلةُ موضعَ الجواب. وأقوى ما في الاعتراض هذا:
يقول المعترض: «طلبُ الثناء المتكرّر علامةُ حاجةٍ عند من يطلبه. فنحن نستقبح في البشر من يشترط أن يُشكَر كلَّ يومٍ على ما أعطى، ونعدّه ناقصًا لا كاملًا. فمن نزّه الإلهَ عن كلّ حاجة، ثمّ أثبت له أنّه يطلب الحمدَ صباحًا ومساءً، فقد جمع بين نقيضين، أو استعار للإله أسوأَ ما في صور الملوك.»
وهذا اعتراضٌ جادّ، ومن اختصره في «شبهةٍ قديمة» لم يفهمه. وله صورةٌ أشدُّ منه بكثير: ليست «لماذا يطلب الحمد؟»، بل «لماذا يُعذَّب من لم يحمد؟».
ثالثًا: الجواب — الحمدُ يغيّر الحامدَ لا المحمود
الجوابُ أنّ الحمدَ ليس نقلَ منفعةٍ إلى المحمود، بل تشكيلٌ للحامد.
وانظر مثالًا صغيرًا: جارُك حمل عنك أكياسَك إلى الطابق الرابع، فشكرتَه. ماذا أخذ؟ لا شيءَ مادّيًّا: الأكياسُ صعدت، والوقتُ مضى. لكن انظر إلى من يفعل هذا عشرين سنة. من عوّد نفسَه أن يعترف بالجميل صار أرقَّ في معاملته، وأسرعَ إلى الاعتذار، وأقلَّ ظنًّا بأنّ كلَّ ما يأتيه حقٌّ له. ومن عوّد نفسَه الجحودَ صار أقسى. والذي أحسن إليه لم يزد ولم ينقص في الحالين.
وحدُّ هذا المثال: الجارُ محتاجٌ إلى الاعتراف في نفسه، ولو لم يشكره أحدٌ لتأذّى. والدعوى هنا أنّ المعبودَ غيرُ محتاجٍ أبدًا. فالمثالُ يُريك كيف يعود أثرُ الحمد على الحامد، ولا يُثبت أنّ هذا وحده حالُ المعبود.
رابعًا: العبادةُ المتكرّرة كتمرين الطبيب — وأين ينهار هذا التشبيه
من كُسرت ركبتُه يقول له الطبيب: امشِ نصفَ ساعةٍ كلَّ صباح، ولو تألّمت. والأمرُ ثقيلٌ ويوميٌّ ومكرّر، ولا يجني الطبيبُ منه شيئًا: لا يزيد أجرُه بخطوة، ولا ينقص. وقد يكون في ثِقَل التكليف ما يُعين على رسوخه. وهذه ملاحظةٌ أسوقها بقدرها، لا قاعدةً في بناء العادات أُسندها إلى بحث.
وعلى هذا التصوّر تُقرأ العبادةُ المتكرّرة: أوقاتٌ ثابتةٌ تقطع اليوم، وصومٌ يعلّم تأجيلَ الشهوة، وإنفاقٌ يفكّ قبضةَ اليد. والدعوى أنّ الأثرَ في الفاعل، لا أنّ عند المعبود نقصًا تسدّه العبادة.
وهنا ينهار التشبيهُ انهيارًا تامًّا، والاعتراضُ عليه في محلّه. فالطبيبُ إذا لم تمشِ لا يفعل بك شيئًا: ركبتُك تؤلمك، وتلك نتيجةٌ طبيعيّةٌ من جنس الفعل نفسِه. أمّا التصوّرُ الذي أصفه فيرتّب على الترك عقوبةً من خارج الفعل. فهذا ليس طبيبًا يصف مشيًا. وأيُّ تشبيهٍ لا يذكر العقوبةَ فهو تشبيهٌ لغير المسألة. فالتشبيهُ يصحّ في حدٍّ واحدٍ فقط: أنّ الأمرَ لا يعود بنفعٍ على الآمر. وما عدا ذلك فهو خارجٌ عنه، ولا أمدّه خطوةً واحدة.
وهنا يقول المعترضُ قولًا وجيهًا: «فإن كانت العبادةُ لصلاحي، وأنا صالحٌ بدونها، فقد استغنيتُ عنها». وهو ردٌّ صحيحُ البناء على الوجه الذي عرضتُه، وهو أنّ العبادةَ لصلاح العابد. ويبقى وجهٌ ثانٍ لم أبنِ عليه شيئًا ممّا مضى، وهو في التصوّر الإسلاميّ أسبقُ من الأوّل: أنّ العبادةَ حقٌّ للمعبود على عباده، أمر به واستحقَّه بكماله، لا خدمةٌ تُشترى بما تعود به على صاحبها. فالكاملُ يُحمَد لكماله، حمده الناسُ أو لم يحمدوه. ونفعُ العبادة في العابد ثمرةٌ لها لا علّةٌ لوجوبها، ومن استغنى عن الثمرة لم يسقط عنه حقُّ المستحِقّ. وحدُّ هذا الوجه أنّه لا يقوم إلّا بعد إثبات المعبود؛ فيعود بك الردُّ إلى سؤال الوجود. فإن لم يكن هناك إله، فكلُّ هذا وصفٌ لعادةٍ نافعةٍ أو ضارّة، يُقاس نفعُها بالتجربة. وذاك هو موضعُ السؤال الصحيح، ولا أدّعي أنّي أفصل فيه هنا.
خامسًا: النار — لماذا يُعذَّب من لم يعبد؟
وهناك سؤالٌ أثقلُ من سؤال الحمد كلِّه، وهو موضعُ الاعتراض بعينه. وهذه أقوى صورةٍ له:
يقول المعترض: ليس سؤالي «لماذا يطلب الحمد؟»، فقد أقبل منك أنّ الحمدَ يشكّل الحامد. سؤالي: لماذا يُعذَّب من لم يحمد، وعذابًا لا نهايةَ له؟ فإن كانت العبادةُ دواءً، فلا يُعاقَب من رفض الدواءَ بحرقٍ أبديّ. وكلُّ ما بنيتَه ينهار في اللحظة التي تدخل فيها العقوبة: «الأثرُ في الفاعل»، و«لا نقلَ لمنفعةٍ إلى المعبود». فالعلاقةُ تصير حينئذٍ معاملةً تحت التهديد، لا تربية. والطبيبُ الذي يصوّب مسدّسًا لم يعد طبيبًا، ولا ينفع أن تقول إنّ المشيَ نافعٌ في ذاته.
وفي هذا خمسةُ أشياء، وليس فيها جوابٌ حاسم:
١. الاعتراضُ يصيب البناءَ كما وصفتَه، وأُقرّ به. إن كان مآلُ التارك عذابًا لا ينتهي، فإطارُ «الدواء والطبيب» لا يصف العلاقة. ولا أُصلح التشبيهَ برقعة؛ أُسقطه.
٢. وهذا سؤالٌ في العدل، لا في العبادة. ولذلك لا يُجاب في كلامٍ عن معنى الحمد، بل في مسألة الجزاء والحكمة والعدل الإلهيّ. وتلك مسألةٌ مستقلّةٌ لها كتبُها ونزاعُها. ولم أُعطِ جوابَه هنا، وأقول ذلك صريحًا. وهو أوّلُ الأسئلة المفتوحة التي تجدها مجموعةً في آخر الفصل العشرين.
٣. وأنبّه على ما لا أملكه. وأبدأ بما ليس لي فيه رأي: من مات على الكفر لا ينقطع عنه العذاب. وهذا مقرَّرٌ عند أهل السنّة، نصّت عليه آياتٌ ظاهرةٌ متكرّرة، كما في سورة النساء وسورة الأحزاب، ونقل الإجماعَ عليه غيرُ واحدٍ من أهل العلم، منهم ابنُ حزمٍ والنوويّ؛ وعصاةُ الموحّدين لا يُخلَّدون عندهم باتّفاق. وأمّا النزاعُ الذي يُحكى فليس في هذا، وإنّما في مسألةٍ أخرى تُسمّى «فناء النار»، وهي قولٌ مرجوحٌ عند الأكثر، لا أبني عليه ولا أرجّح فيه. فالذي لا أملكه ليس خبرَ الخلود، وإنّما هو حكمةُ العذاب وتفصيلُها، وموضعُ ذلك كتبُ أهل العلم بأقوالهم وأدلّتهم. والفصلُ فيه ليس من عملي، ولا من أهليّتي. ومن أعطاك في مسألةٍ كهذه جوابًا في سطرٍ واحد، بلا ذكرٍ لمستنده ولا للخلاف فيها، فقد أعطاك رأيَه في ثوب الدين. وهذا وصفٌ لطريقة الجواب، لا طعنٌ في قائلٍ بعينه ولا في نيّته.
٤. وترتيبُ الجزاء لا يُبطل أثرَ الفعل في فاعله. وهذا كلُّ ما أملكه هنا، وأذكره بقدره. فمن مشى فانتفعت ركبتُه فقد انتفعت، سواءٌ أكانت عليه عقوبةٌ لو لم يمشِ أم لم تكن. فالذي قيل في أثر الحمد في الحامد يبقى صحيحًا في حدّه. أمّا الذي سقط فهو دعوى أنّ «الأثرَ في الفاعل» يستوعب العلاقةَ كلَّها، وهو لا يستوعبها.
٥. والأمانةُ هنا أن يُقال: ليس عندي في هذا جوابٌ من إنشائي. لكنّ في النصّ قيدًا لا يسعني أن أطويه عنك، وهو نقلٌ لا إنشاء: أنّ اللهَ لا يعذّب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وهو منصوصٌ في سورة الإسراء، وعليه كلامُ أهل العلم في من لم تبلغه الدعوة؛ وأنّه لا يكلّف نفسًا فوق وسعها، وهو منصوصٌ في آخر سورة البقرة. فالعقوبةُ في هذا التصوّر مرتّبةٌ على إعراضٍ بعد بلاغ، لا على جهلٍ قبله. وسؤالُك كما صُغتَه يسع من بلغته الدعوةُ ومن لم تبلغه، وهذا القيدُ يُخرج الثاني وحدَه. ويبقى الأوّل: من بلغه فأعرض، ومعه مقدارُ الجزاء ودوامُه. وذاك لم أُجب عنه، وهو باقٍ على قوّته.
فأين تقف أنت؟ الذي أطلبه منك شيءٌ واحدٌ صغير: أن تُبقيه سؤالَ عدل، ولا تجعله سؤالَ وجود. فإن لم يكن هناك إله، سقط السؤالُ معه. وإن كان، فالسؤالُ قائمٌ يحتاج جوابًا في العدل، لا في العبادة. فاجعله بعد سؤالك الأوّل: هل هناك إلهٌ أصلًا؟ لا لأنّه أهونُ منه، بل لأنّه لا يُجاب قبله.
سادسًا: من أين تأتي صورةُ العبادة إذلالًا وتهديدًا — ولمن يُقال هذا
ولستُ أفسّر هنا نفورَ أحد، ولا أردّ اعتراضَه إلى باعثٍ في نفسه، فالدعوى على باطن الناس لا أملكها. وإنّما أصف صورةً وصلت بعضَ الناس عن العبادة. فبعضُ من نفروا لم ينفروا من العبادة نفسِها، بل ممّن صوّرها لهم إذلالًا وتهديدًا. فمن نشأ تحت سلطةٍ قاسيةٍ تُصلّي به وتضربه، يسمع في كلمة «اخضع» ما لا يسمعه غيرُه: يسمع صوتًا بعينه، ووجهًا بعينه. ولا أقول إنّهم «كثير»، ولا أدّعي عدًّا لبواعثَ في بواطن الناس.
ولا أجعل هذا جوابًا عن اعتراضِ أحد. فالاعتراضُ باقٍ بما بقي له من قوّة، وفيه ما لم أُجب عنه.
ولو رددتُ نفورَ المعترض إلى جرحٍ في طفولته لما رددتُ عليه شيئًا. فتفسيرُ نشأة الرأي ليس ردًّا عليه. وهو يصيب رأيي كما يصيب رأيَه: فمن ردّ نفورَ غيره إلى قسوة أب، رُدَّ إيمانُه هو إلى رفق أب، وسقط الاثنان معًا. بل هذا هو الاعتراضُ في صيغته القويّة بعينها: طريقٌ كان سيعطي النفورَ نفسَه، صدق الدينُ أو كذب. ثمّ هي دعوى على باطنٍ لا أملكها. ولا أنصب فخًّا لا يستطيع صاحبُه أن يخرج منه: إن أنكر بدا مدافعًا، وإن سكت بدا مقرًّا. ومن منع هذا في موضعٍ ثمّ فعله في موضعٍ آخر فقد نقض كلامَه بيده، فلا أفعله.
وقد يعرف أحدٌ من نفسه أنّ كلمةَ «اخضع» تُثقله قبل أن يزنها. وهو وحدَه يعرف ذلك، لا أعرفه أنا، ولا يصحّ أن أدّعيه. ومن كان كذلك فليذهب إلى موضع الجرح، وليس في ذلك نقصٌ في عقله ولا في دينه. ومن لم يكن كذلك فليس نفورُه من هذا الصنف؛ ولا أعرف كم هم، ولا أدّعي عدَّهم، وفيهم من جلس إلى اعتراضه سنين لا شهرًا.
وحدُّ هذا الجواب كلِّه: هو تصحيحٌ لصورة، وإقرارٌ بسؤالٍ لم يُجب. وتصحيحُ الصورة لا يقيم دليلًا على وجود صاحبها. ومن قال «العبادةُ تُصلح النفس، إذن اللهُ موجود» فقد غالط: النفعُ ليس ميزانَ الصدق.