الفصل السادس: الأمانةُ والحقوق — ومأخذُه غيرُ ما تقدّم
نُعيد ما قدّمناه صريحًا: هذا الفصلُ ليس بندًا خامسًا في حديثِ الترمذيِّ المتقدّم؛ فذاك أربعةٌ لا نزيد عليها. وإنّما أفرَدنا الأمانةَ والحقوقَ لأنّ لها شواهدَها الخاصّةَ من آياتٍ أُخَر، فنذكرها منسوبةً إلى مأخذِها لا إلى غيرِه.
كرّاسٌ في يدِ غيرِ صاحبه
يُطلب من طالبٍ في وسطِ الصفِّ أن يمرِّر كرّاسًا إلى آخِرِ المقاعد. يبقى الكرّاسُ في يدِه ثوانيَ معدودة، ليس فيه سطرٌ له ولا اسمُه على غلافه. وأقربُ الطرقِ إلى يدِه أن يفتحَه، وأسلمُها أن يمرِّرَه مطويًّا كما أُعطي.
وأكثرُ ما في يدِك من ذلك الجنس: عملٌ تولّيتَه، وولدٌ وُضِع في حِجرك، ووديعةٌ حُفِظت عندك، وكلمةٌ قيلت لك على أنّها لا تُقال. أسماءُ أصحابِها عليها لا اسمُك، وأنت ممرِّرٌ لا مالك.
وحملُ الأمانةِ في أصلِه ثِقلٌ عُرِض فأشفق منه غيرُ الإنسان: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا﴾
وردُّها إلى أصحابها هو نصُّ الأمر: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا﴾
والعهدُ من جنسها، مسؤولٌ عنه صاحبُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا﴾
والأماناتُ في القاعةِ الصغرى محفوظةٌ بالأرقام: رقمُ جلوسٍ لا يشبه رقمًا آخر، وكشفٌ يُوقَّع عليه عند التسليم، فإن ضاعت ورقةٌ عُرِف موضعُ الخلل. وفي الكبرى لا يضيع منها شيءٌ أصلًا، وكلُّ ما مرَّ في يدِك من حقوقِ الناسِ مكتوبٌ باسمِ صاحبِه لا باسمِك.