Skip to content

الفصل الثالث: المستهترُ بالمراقب

«وضّاح» يدخل القاعةَ كما يدخل المرءُ مكانًا لا يعنيه. يقلب الورقةَ ثمّ يتركها، ويشغل نفسه بما حوله: مَن جلس بجواره، وما ماركةُ قلم الآخر، ولماذا نافذةُ القاعة مفتوحة. وإذا نبّهه المراقبُ اعتدل قليلًا، فإذا أدار المراقبُ ظهرَه عاد. عنده جملةٌ واحدة يردّدها كلّما ضاقت به الورقة: «بعدين». سأكتب بعد قليل، سأجيب في الجزء الأخير من الوقت، ما زال في العمر متّسع.

حين يدير المراقبُ ظهرَه

The hall you see

ورقةٌ مطويّةٌ صغيرةٌ في الجَورب، وعينٌ تقيس المسافةَ بين حذاء المراقب وبين المقعد، ويدٌ تنزل ببطءٍ محسوب. المسألةُ عند وضّاح مسألةُ توقيت: أن يعرف متى ينظر الرجلُ إلى الساعة، ومتى ينشغل بورقةٍ في يده. وهو لا يفكّر في السؤال نفسه، بل في الزاوية التي لا يراه منها أحد.

The greater hall

لا زاويةَ في القاعة الكبرى. المراقبُ فيها ليس رجلًا يمشي بين الصفوف فيغيب حين يبتعد؛ عِلمُه بالصفّ الأخير كعِلمه بالأوّل، وليلُه كنهاره. والذي يستتر من الناس ثمّ لا يستتر من الله، إنّما اختبأ من الأضعف وترك الأقوى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾

وأعجبُ ما في وضّاحٍ أنّه ليس جاهلًا بوجود المراقب؛ هو يعرف أنّ في القاعة رقيبًا، لكنّه يتعامل معه بمنطق مراقب المدرسة: عينٌ تُخدع، وظهرٌ يُدار، وانتباهٌ يتعب فيفتر آخرَ الساعة. وهذا هو موضعُ الغلط كلِّه؛ إذ قاس الغائبَ على الحاضر، والمحيطَ على المحدود.

وغشُّ وضّاحٍ لا يبقى في حدود الورقة. الرجلُ الذي تعوّد أن يكسب الدرجةَ بغير تعبٍ يخرج من القاعة بالعادة نفسِها: يشتري بميزانٍ ويبيع بآخر، ويأخذ حقَّه كاملًا ويعطي منقوصًا، ويقهر مَن لا يستطيع أن يشتكي. وفي التنزيل وصفٌ لهؤلاء يبدأ بالويل وينتهي بذكر اليوم الذي يقومون فيه: ﴿وَيْلٌۭ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ۝ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ ۝ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾

ولذلك تجد أثرَ الاستهتار خارجًا من القاعة إلى البيت والسوق: أمانةٌ تُودَع فلا تُردّ، وعهدٌ يُقطع فلا يُوفى، وحقٌّ لضعيفٍ يُؤخَّر حتى ييأس صاحبُه من طلبه. وكلُّ هذه، في ورقة الامتحان الكبرى، ليست هوامشَ بل هي متنُ الجواب.

أمّا التسويفُ فهو أخطرُ من الغشّ وأهدأ منه. الغشُّ يعرف صاحبُه أنّه غشّ، أمّا التسويفُ فيلبس ثوبَ العزم: «سأفعل». والوقتُ الذي يُنفق في انتظار الغد لا يُحسب فراغًا، بل يُحسب سطرًا مكتوبًا لا يملك صاحبُه محوَه. وفي القاعة الكبرى يُسأل الخارجُ عن أربعٍ لا يتجاوزهنّ حتى يجيب، منها عمرُه ووقتُه: «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن عمرِه فيمَ أفناه، وعن عِلمِه فيمَ فعَل، وعن مالِه من أينَ اكتسبَه وفيمَ أنفقَه، وعن جسمِه فيمَ أبلاه»

ولا يفيق وضّاحٌ غالبًا إلا حين تمتدّ يدٌ إلى ورقته لتأخذها. عندها تسقط الحيلُ كلُّها دفعةً واحدة: التوقيتُ الذي أتقنه، والزاويةُ التي اطمأنّ إليها، والجملةُ التي كان يردّدها. ويكتشف أنّ اللذّةَ التي كسبها بالمخالفة كانت أقصرَ من الوقت الذي أنفقه في تدبيرها.

نَفَسٌ قبل أن نُكمل

ولعلّك قرأت الفصلَ الأخير وأنت تعرف صاحبَه معرفةً قريبةً جدًّا. لعلّك رأيت في «وضّاح» جملتَك أنت، والزاويةَ التي اطمأننتَ إليها أنت، والليلةَ التي قلتَ فيها: غدًا أبدأ. فلا تُغلق الصفحة.

فإنّ في هذا الباب فصلًا رابعًا لم يُكتب لغيرك؛ كُتب لمن قرأ الثالثَ فوجد نفسه فيه. والجرسُ لم يُقرع بعد، والورقةُ في يدك، والمداد لم يجفّ. وليس في هذا الكتاب فصلٌ اسمُه: انتهى أمرُك.