Skip to content

الفصل الأول: زينةُ القاعة

# الباب الخامس: الأدواتُ المسموحة

على جدارِ كلِّ قاعةِ امتحانٍ لوحةٌ صغيرةٌ فيها سطران: ما يُسمح بإدخاله، وما يُمنع. قلمٌ أزرق، ومسطرة، وآلةٌ حاسبةٌ بسيطة. والطالبُ يقرأ اللوحةَ مرّةً واحدةً في أوّلِ يومٍ ثمّ ينساها، لأنّ عينَه تنشغل بالورقة.

وفي القاعةِ الكبرى لوحةٌ أخرى، أطولُ وأدقّ. المالُ فيها أداةٌ مسموحة، والصحّةُ أداةٌ مسموحة، والولدُ، والدارُ، والجاهُ، والعمرُ نفسُه. كلُّها مأذونٌ بها، لم يُمنع منها الطالبُ ولم يُجرَّدْ. غير أنّ في أسفلِ اللوحةِ حاشيةً بخطٍّ صغيرٍ لا يقرؤها إلا المتأنّي: الأدواتُ تُسلَّم مع الورقة. أي أنّ ما بين يديك ليس عونًا على الامتحانِ فحسب؛ هو بابٌ من أبوابِ الأسئلة.

«لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن عمرِه فيمَ أفناه، وعن عِلمِه فيمَ فعَل، وعن مالِه من أينَ اكتسبَه وفيمَ أنفقَه، وعن جسمِه فيمَ أبلاه»

سنن الترمذي · ٢٤١٧ — narrated by أبو بَرزة الأسلمي · graded حسنٌ صحيح by الترمذي

انظرْ في هذه الأربعة: العمرُ أداة، والعلمُ أداة، والمالُ أداة، والجسدُ أداة. وليس في السؤالِ توبيخٌ على أنّه أُعطي، وإنّما استيضاحٌ عن المصرف. فالقاعةُ مفروشةٌ لك، والسؤالُ عن الفرشِ لا عن الجدران.

لوحةُ المسموحات

The hall you see

مراقبٌ يمرّ بين الصفوفِ قبل أن يبدأ الوقت، فيرى هاتفًا منسيًّا على طرفِ طاولة، فيرفعه ويضعه في صندوقٍ عند الباب. صاحبُه يتنفّس بضيقٍ دقيقتين، ثمّ يكتشف أنّ يدَه صارت أخفّ، وأنّ السؤالَ الأوّلَ لم يكن صعبًا كما ظنّ.

The greater hall

لا يُنزع من يدك شيء. تُترك لك أدواتُك كاملةً: مالُك في حسابك، وعافيتُك في بدنك، وسنواتُك أمامك، وأحبابُك حولك. ثمّ يُقال: اكتب. وحين تُرفع الورقةُ تُرفع الأدواتُ معها، ويُوقَف عند كلِّ أداةٍ على حِدَة: من أين جاءت، وفيمَ ذهبت.

وهذا البابُ كلُّه في هذه الحاشية: كيف تُمسك أداةً مسموحةً بيدٍ لا تلتصق بها. فصلٌ في زينةِ القاعةِ وكيف تُقرأ، وفصلٌ في الورقتين اللتين لا ثالثَ لهما، وفصلٌ في خمسةِ أعمالٍ تُنفَّذ بالساعةِ لا بالنيّةِ وحدها.

دَخَلْتَ الْقَاعَةَ الْكُبْرَى بِتَقْوَى

وَحَوْلَكَ زِينَةٌ فِيهَا نَفَادُ

تَمَتَّعْ ثُمَّ لَا تَرْكَنْ إِلَيْهَا

سُؤَالٌ وَالْجَوَابُ هُوَ السَّدَادُ

وَمَا لَكَ غَيْرُ صَبْرٍ أَوْ شُكُورٍ

وَمَا لِسِوَاهُمَا أَبَداً عِمَادُ

دُعَاؤُكَ طَارِقٌ فِي اللَّيْلِ بَاباً

وَمَا لِلْمُسْتَغِيثِ سِوَاهُ زَادُ

وَيَصْعَدُ مَا عَمِلْتَ بِلَا ضَجِيجٍ

وَمَا زَرَعَتْ يَدَاكَ هُوَ الْحَصَادُ

القاعةُ الأرضيّةُ ليست غرفةً محايدةً بجدرانٍ عارية. هي مجهَّزةٌ تجهيزًا مقصودًا محكمًا: طاولاتٌ لامعة، ونافذةٌ تطلّ على حديقة، وساعةٌ مذهّبةٌ فوق السبّورة، ومقاعدُ بعضُها وثيرٌ وبعضُها خشن. وكلُّ قطعةٍ في هذا الأثاثِ موضوعةٌ بحساب، لا لتُريح الطالبَ ولا لتُتعبه، بل لتكشفَ عنه. والتجهيزُ نفسُه مادّةُ الامتحان: مَن انشغل بلمعانِ الطاولةِ عن الورقةِ فقد أجاب، ومَن نظر إلى الحديقةِ من النافذةِ ساعةً كاملةً فقد أجاب، وإن لم يخطّ حرفًا.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

آل عمران · ١٤

تعدّ الآيةُ الأدواتِ عدًّا كما تُعدّ في محضرِ تسليم: النساءُ والبنون، والمالُ المكوَّم، والخيلُ المسوَّمة، والأنعامُ والحرث. ثمّ لا تقف عند التعداد، بل تنقل البصرَ إلى ما هو خيرٌ من ذلك عند الله. وهذا موضعُ الامتحانِ بعينه: لا أن يزهدَ الطالبُ في الطاولةِ فيجلسَ على الأرض، ولا أن يعبدَ الطاولةَ فينسى الورقة، بل أن يعرفَ لكلِّ شيءٍ رتبتَه.

والمأزقُ الذي يقع فيه عامّةُ الجالسين أنّهم يكتفون بالنظرِ إلى ظاهرِ القاعةِ وبريقِها، ويعاملون المقاعدَ والتجهيزاتِ على أنّها مستقرٌّ دائم، ومَوطنُ إقامةٍ لا يُغادَر. أمّا الطالبُ اليقظُ الحصيف، فينفذ ببوصلتِه الإيمانيّةِ إلى باطنِ القاعةِ وحقيقتِها؛ يعلم بقلبِه ويقينِه أنّ هذه الزينةَ وسائلُ اختبارٍ مؤقّتة، وأنّ الدارَ برمّتها منزلُ عبورٍ لا محلُّ حبور، وشقّةُ سفرٍ لا منزلُ إقامة.

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ وَزِينَةٌۭ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌۭ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًۭا ۖ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌۭ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

الحديد · ٢٠

تصفّ الآيةُ أدوارَ العمرِ صفًّا كما يصفّ المراقبُ الأوراقَ على المكتب، ثمّ تضربُ مثلَ الغيثِ الذي يُعجب الزُّرّاعَ نباتُه ثمّ يصفرّ ثمّ يصير حطامًا. وليس في هذا تزهيدٌ في الزرع، وإنّما ضبطٌ للتوقيت: أن تعرفَ في أيِّ ساعةٍ من ساعاتِ الاختبارِ أنت جالس.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ۝ ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا

الكهف · ٤٥–٤٦

وههنا يجتمع الطرفان في نسقٍ واحد: ماءٌ نزل فاختلط به نباتُ الأرضِ ثمّ أصبح هشيمًا تذروه الرياح، ثمّ يُسمّى المالُ والبنون باسمِهما الصحيح: زينةُ الحياةِ الدنيا. لم يُقل إنّهما شرّ، ولم يُقل إنّهما الغاية. قيل: زينة. والزينةُ في قاعةِ الامتحانِ هي ما يُلفت النظرَ عن الورقة.

الطاولةُ الأولى

The hall you see

في الصفِّ الأمامِ طاولةٌ أوسعُ من غيرها، عليها مصباحٌ خاصّ ومقعدٌ مبطَّن. جلس عليها طالبٌ فاستقام ظهرُه، والتفت يمينًا وشمالًا ليرى مَن رآه. مضت ربعُ ساعةٍ وهو يعدّل جلستَه ويحرّك المصباح. ورقتُه بيضاء، والوقتُ يمشي.

The greater hall

في القاعةِ الكبرى لا تُقاس المقاعدُ بسَعتِها. الطاولةُ الواسعةُ سطرٌ في السؤال: أُعطيتَ سَعةً، فماذا صنعتَ بالسعة؟ والمقعدُ الخشِنُ سطرٌ آخر: ضُيِّق عليك، فبمَ أجبت؟ ويخرج من القاعةِ صاحبُ المقعدِ الخشنِ وقد ملأ ورقتَه، وصاحبُ المصباحِ الخاصِّ يحمل بياضًا مضيئًا.

«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم»

صحيح مسلم · ٢٥٦٤ — narrated by أبو هريرة · graded صحيح by مسلم

فالنظرُ الإلهيُّ لا يقع على الأثاث. ومَن فهم هذا استراح من مرضٍ ثقيلٍ يفتك بأهلِ القاعات: أن يقيسَ نفسَه بمقعدِ جارِه. ومن هنا تنبت المناعةُ الوجدانيّةُ ضدّ الاستغراقِ في التنافسِ المادّيِّ المترف: لا حسدَ لأنّ الأدواتَ ليست جوائز، ولا تفاخرَ لأنّها ستُجمع عند الباب، ولا أنانيّةَ لأنّ الوقتَ واحدٌ والورقةُ واحدة.

وفرقٌ بين رجلين: أحدُهما يمسك القلمَ ليكتب، والآخرُ يمسكه ليُريَ الناسَ لونَه. القلمُ واحد، والفرقُ في اليد. وكذلك المالُ في يدِ مَن يُنفقه غيرُه في يدِ مَن يعدّه، والعافيةُ في بدنِ مَن يقوم بها غيرُها في بدنِ مَن ينام عليها. الأداةُ لا تُحاسَب؛ يُحاسَب الإمساك.