كلمةٌ قبل أن تقرأ
اسمي بهاء فتحي فرحات، وُلدتُ سنة ألفٍ وتسعِمئةٍ وثمانين. ولستُ عالمًا ولا طالبَ علمٍ متخصّصًا، وإنّما رجلٌ جلس في القاعة كما جلستَ، وسمع الجرسَ كما سمعتَه، وأخّر ورقتَه كما أخّرتَها.
بدأتُ هذا الكتابَ سنة ألفين وواحدٍ وعشرين، وفرغتُ منه سنة ألفين وخمسٍ وعشرين. أربعُ سنواتٍ لم يكن في أكثرها يُكتَب، بل يُراجَع ويُعاد ويُهجَر ثمّ يُستأنَف. وليس فيه سطرٌ نقلتُه عن تصوُّرٍ لم أعِشْه. كلُّ مشهدٍ ههنا مررتُ به: الجرسُ الذي يدقّ وفي يدي نصفُ ورقة، والليلةُ التي نمتُ فيها وقد وعدتُ نفسي أن أسهر، واليومُ الذي عرفتُ فيه أنّ ما مضى لا يُشترى بشيء. وأحسبُ أنّك مررتَ بها أيضًا؛ فما اخترتُ هذه الصورةَ لأنّها بديعة، بل لأنّها الصورةُ الوحيدةُ التي يعرفها كلُّ من دخل مدرسةً يومًا.
وهذا الكتابُ تذكرة. لا فتوى، ولا موعظةَ منبر، ولا بحثًا يُناقَش. تذكرةٌ بأنّ وقتَ المذاكرة قد جاء، وأنّ ما هو مطلوبٌ منك معلومٌ لا يحتاج إلى كشف، وأنّ موعدَ اللجنة وحدَه هو غيرُ المعلوم. ولو كان معلومًا لهان الأمرُ ولاستعدَّ الناسُ كلُّهم في آخر ليلة؛ وإنّما أُخفي لتكون الحياةُ كلُّها استعدادًا، لا ليلةً واحدةً قبل الصباح.
وأنت لم تُوضَع في هذه الحياة عبثًا، ولا وُضعتَ فيها لتنتظر. أنت ههنا لسبب، والسببُ يُعرَف ويُعمَل به: فخُذْ بالأسباب، واطلبْ، واسْعَ، ولا تجعلْ يقينَك بالقدر بابًا للقعود؛ فالذي كتب الغايةَ هو الذي كتب الطريقَ إليها.
ولماذا كتبتُه
أمّا أنا فقد كان هذا الكتابُ حلمَ حياتي منذ عرفتُ الدنيا. لا لأنّي أردتُ أن يُقال، بل لأنّي أردتُ أن يبقى لي في هذه الأرض أثرٌ يُنتفَع به بعد أن يُطوى اسمي؛ فما بقي من الناس إلا ما نفع، وما نفع إلا ما صدَق.
فإن وجدتَ فيه خيرًا فادعُ لأبي وأمّي، وإن وجدتَ فيه خطأً فهو منّي وحدي، والكمالُ لله.
وكيف بُني
ثلاثةٌ أقولها لك في أوّل الطريق، لتقرأ وأنت تعرف ما بين يديك:
- كلُّ آيةٍ في هذا الكتاب بالرسم العثمانيّ، مأخوذةٌ حرفًا بحرفٍ من نصٍّ محقَّق، لا مكتوبةٌ بيدٍ ولا منقولةٌ عن ذاكرة. ومعها موضعُها: السورةُ ورقمُ الآية.
- وكلُّ حديثٍ فيه مخرَّجٌ: كتابُه، ورقمُه فيه، وراويه، والحكمُ عليه. ولم يدخلْه حديثٌ لا حكمَ له منسوبٌ إلى مصدرٍ يُفتَح ويُراجَع.
- والشعرُ الذي في صدور الأبواب من نظمي، لا منسوبٌ إلى أحد. أضعُه في صدر كلّ بابٍ لا زينةً، بل لأنّ البيتَ يُحفَظ حين تُنسى الصفحة.
وفي آخر كلّ بابٍ خريطةٌ تجمع مسارَه في لوحةٍ واحدة، ثمّ دروسٌ تُنفَّذ لا تُقال، ثمّ خلاصةٌ تُغنيك عن العودة إليه إذا نسيت.