أن تُترك بلا سؤال
وقد يظنّ ظانٌّ أنّ الامتحان يمكن أن يُتجاوَز بالصمت: يجلس ولا يجيب فيمرّ. وهذا ما نفاه الوحي نفيًا صريحًا:
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ
فليست المسألةُ إعلانَ انتساب، بل تحقيقَه بالعمل. والابتلاءُ في حقيقته اختبارُ طاعة العبد لربّه، ومدى امتثاله لتعاليم الوحيين في شؤون حياته كلّها. والناجحُ فيه مَن يملك البصيرة التي ينفذ بها من مظهر القاعة الخارجيّ وزخرفها الزائل إلى باطنها، مستيقنًا أنّ كلّ متعةٍ نزلت به وكلّ بلاءٍ أصابه إنّما هو سؤالٌ يطلب إجابةً فوريّة: إمّا ترقٍّ في مدارج الشاكرين، وإمّا ثباتٌ في خنادق الصابرين. وهذا المعنى بعينه هو الذي عجب منه النبيّ ﷺ:
«عجبًا لأمرِ المؤمن! إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابتْه سرّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرّاءُ صبَر فكان خيرًا له»
وفي المقابل، فإنّ الغفلة عن هذه الفلسفة والانغماس في الترف والتنافس المادّيّ المهلك تشتيتٌ يورث القلوب عللًا: حبَّ الدنيا، وحسدَ الآخرين، والتفاخرَ، والغرور. وصاحبُها لا يخسر لأنّه أخطأ الجواب، بل لأنّه لم يعلم أنّه في امتحان.
ومن ها هنا تُفهم الوصيّةُ التي تختصر منهج الجالس في القاعة:
«كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل»
فالغريبُ لا يبني في محطّة القطار بيتًا، وعابرُ السبيل لا يخاصم على مقعدٍ سيتركه بعد ساعة. وكلّما ضاقت الدنيا على المؤمن اتّسعت في عينه القاعةُ الأخرى، حتى صحّ فيه الوصف:
«الدنيا سِجنُ المؤمن، وجنّةُ الكافر»
وليس في هذا تزهيدٌ في الأرض ولا ذمٌّ لعمارتها؛ فالقاعةُ تُدخَل ويُستعمل ما فيها، ويُشرب ماؤها ويُؤكل زادُها ويُعمَّر بناؤها. إنّما الشأنُ أن يذكر الجالسُ أنّ الطاولة التي بين يديه ليست بيته، وأنّ ما وُضع عليها وُضع ليُسأل عنه لا ليُقتنى وحسب.
رجلان في القاعة
والناس في القاعة الكبرى على حالين في الجملة: رجلٌ يظنّ أنّه في استراحة، فيتصرّف تصرّف المستريح؛ يوسّع مقعده، ويجادل على المكان، ويقيس نفسه بجاره، ويغضب إذا سبقه أحدٌ إلى نافذة. ورجلٌ يعلم أنّه في جلسة، فيتصرّف تصرّف الممتحَن؛ يضنّ بالدقيقة، ولا يشغله ضجيجُ الصفّ، ولا يفرح بمقعدٍ ولا يحزن لآخر، لأنّ عينه على السطر الذي يكتبه لا على الكرسيّ الذي يجلس عليه. وليس بين الرجلين فرقٌ في الحظّ ولا في الذكاء، وإنّما الفرقُ في جملةٍ واحدةٍ يقولها أحدُهما لنفسه كلّ صباح: أنا الآن في امتحان.
| لجنةُ الدنيا | اللجنةُ الكبرى |
|---|---|
| ورقةٌ واحدة في مادّةٍ واحدة | العمرُ كلُّه في كلّ شيء |
| مراقبٌ يغفل، وعينٌ تُخدَع | لا غفلةَ ولا خديعة |
| نتيجةٌ تُعلَّق على جدار | نتيجةٌ تُؤخذ باليمين أو بالشمال |
| الرسوبُ فيها يُعاد | لا إعادة |
| زمنٌ مكتوبٌ في أعلى الورقة | زمنٌ لا يعلمه الممتحَن |