Skip to content

الفصل الثاني: جرسُ الزمن

في قاعةِ المدرسةِ ساعةٌ على الجدار، عقربُها الطويلُ يتحرّك حركةً مسموعةً في الصمت، ويرفع إليها الطلابُ رؤوسَهم في كلِّ دقيقتين. وليس في القاعةِ الكبرى ساعةٌ تُرى، ولكنّ عقربَها يتحرّك في صدرِك أنت: قلبُك هو العقرب، وأنفاسُك هي التكّات، وأنت تحمل عدّادَك معك إلى فراشِك وإلى عملِك وإلى سفرِك، ولا تستطيع أن تنزعه ساعةً واحدة.

والزمنُ في هذه القاعةِ يمرّ كالسحاب، ويسير كالبرقِ الخاطف، منبّهًا ومحذّرًا بتلك النهايةِ المفاجئةِ التي تنقطع معها الأنفاسُ وتُسحَب فيها الأوراق. وقد صوّر الحقُّ سبحانه جلالَ تلك المباغتةِ وصرامتَها بقوله:

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ۝ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ

يس · ٤٩–٥٠

تأمّلْ في الصورة: قومٌ في وسطِ خصومة، أصواتُهم مرتفعة، كلٌّ يجرُّ الحقَّ إلى ناحيته، لم يفرغوا من كلامِهم بعد. لا مرضَ سبق، ولا وداعَ جرى، ولا وصيّةَ كُتبت. صيحةٌ واحدة، فإذا الخصومةُ معلّقةٌ إلى الأبد، وإذا الكلمةُ الأخيرةُ لم تُقَل. هكذا يُسحَب الوقتُ في القاعةِ الكبرى: لا إنذارَ قبله بخمسِ دقائق، ولا صوتَ مراقبٍ يقول: بقيت لكم دقيقةٌ واحدة.

لا تمديدَ ولا استئناف

كلُّ مَن جرّب اللجنةَ يعرف تلك اللحظة: الورقةُ لم تكتمل، والسؤالُ الأخيرُ مبدوءٌ ولم يُتَمّ، فيرفع الطالبُ عينَيه إلى المراقبِ ويسأله بصوتٍ خافت: دقيقةً واحدةً فقط. وربّما تساهل مراقبُ الدنيا فأعطاه إيّاها. أمّا في القاعةِ الكبرى فالطلبُ نفسُه مذكورٌ في النصّ، والجوابُ مذكورٌ معه:

وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

المنافقون · ١٠–١١

فهو يسأل تأخيرًا إلى أجلٍ قريب، ويعِد بأنّه سيتصدّق ويكون من الصالحين. وليس في السؤالِ ما يُعاب لو كان في وقتِه؛ وإنّما العجزُ أنّه جاء بعد أن رُفع القلم. والجوابُ صريحٌ لا مواربةَ فيه: لا تأخيرَ لنفسٍ إذا جاء أجلُها. ثمّ يعود المشهدُ نفسُه في موضعٍ آخر، بلفظٍ أشدَّ إلحاحًا:

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ۝ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

المؤمنون · ٩٩–١٠٠

مرّةٌ واحدةٌ فقط يطلبها: أن يُرجَع. لا يطلب مالًا ولا ولدًا ولا صحّة، يطلب أن يُعاد إلى المقعد. والمقعدُ الذي كان يجلس فيه وهو يتثاءب، ويعدّ الدقائقَ حتى ينتهيَ الوقت، ويستثقل السطرَ الواحد، هو المقعدُ الذي سيتمنّى أن يُردَّ إليه فلا يُرَدّ.

جرسُ النهاية

The hall you see

يرنُّ الجرسُ فجأةً وقلمُ الطالبِ في منتصفِ كلمة. يقول: لحظةً واحدة. لا أحدَ يسمعه. يمدُّ يدَه ليُكمل الحرفَ فتُسحَب الورقةُ من تحت يده. يبقى القلمُ معلّقًا في الهواءِ يكتب على الخشب. يخرج مع الخارجين وفي جيبه إجابةٌ لم تصل إلى ورقتها.

The greater hall

تتوقّف التكّةُ في الصدر. لا جرسَ يُسمَع، ولكنّ اللجنةَ كلَّها تعرف أنّ واحدًا سلّم. تُطوى الصحيفةُ على ما فيها: على السطرِ التامّ، وعلى السطرِ الناقص، وعلى البياضِ الذي كان صاحبُه ينوي أن يملأه غدًا. ويُقفَل بابُ الكتابة، ويُختَم الملفّ، ولا يُفتح إلا يومَ العرض.

فلكلِّ أمّةٍ ولكلِّ فردٍ أجلٌ محدودٌ لا يتقدّم ولا يتأخّر، وفورَ انقضاءِ الوقتِ يُغلَق ملفُّ العملِ ويُقفَل بابُ الكتابة. وليس المرادُ من هذا أن يعيش الإنسانُ مرتعبًا من ساعتِه، فالمرتعبُ في اللجنةِ لا يكتب سطرًا مستقيمًا؛ وإنّما المرادُ أن يجلس جلسةَ مَن يعلم أنّ الوقتَ محدود. وقد جاء في وصفِ هذه الجلسةِ نصٌّ موجزٌ يُغني عن كلامٍ كثير:

«كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل»

صحيح البخاري · ٦٤١٦ — narrated by عبد الله بن عمر · graded صحيح by البخاري

الغريبُ لا يبني في أرضِ غربتِه بيتًا يقيم فيه دهرًا، وعابرُ السبيلِ لا يفرش متاعَه في منتصفِ الطريق. وانظرْ إلى وصيّةِ الراوي بعده: ألّا تنتظرَ الصباحَ إذا أمسيت، ولا المساءَ إذا أصبحت، وأن تأخذ من صحّتك لمرضك ومن حياتك لموتك. وهي بعينِها طريقةُ الطالبِ المُجيد: لا يؤجّل سؤالًا يقدر عليه الآن إلى آخرِ الوقت، لأنّه لا يضمن أن يبلغ آخرَ الوقت.

بابٌ مفتوحٌ ما دام العقربُ يدور

ومع صرامةِ العدّادِ في هذه القاعة، فإنّ في نظامِها ما يُدهش: أنّ بابَ التصحيحِ الذاتيِّ مفتوحٌ حتى آخرِ ثانية. الطالبُ الذي أفسد الصفحةَ الأولى بكاملها، والذي مضى عليه نصفُ الوقتِ ولم يكتب شيئًا يُذكَر، له أن يبدأ الآن، ولا يُقال له: فاتك الأوان. وقد جاء في سَعةِ هذا الباب:

«إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها»

صحيح مسلم · ٢٧٥٩ — narrated by أبو موسى الأشعري · graded صحيح by مسلم

يدٌ تُبسَط بالليلِ لمُسيءِ النهار، ويدٌ تُبسَط بالنهارِ لمُسيءِ الليل، ولا يُغلَق البابُ إلا بعلامةٍ كونيّةٍ كبرى. فالمسألةُ إذًا ليست في طولِ ما مضى من الغفلة، بل في أنّ العقربَ ما زال يدور. وما دام يدور فالورقةُ في يدك، والقلمُ لم يُسحَب، والسطرُ التالي بيضاءُ صفحتُه.