Skip to content

الفصل الثاني: كرّاسةُ الإجابةِ وصحيفةُ الأعمال

ورقةٌ تُفقَد وتُظلَم

الكرّاسةُ التي بين يدَيك في القاعةِ الصغرى شيءٌ هشٌّ جدًّا إذا تأمّلته. صفحاتٌ معدودةٌ لا تزيد، ووقتٌ محسوبٌ يُقفَل عليك بابُه وأنت في منتصفِ سطر، وخطٌّ إن ساءَ أضاع على قارئه نصفَ المعنى. ثمّ تخرج الكرّاسةُ من يدِك فتدخل في سلسلةٍ من الأيدي: يدٍ تجمع، ويدٍ تنقل، ويدٍ تفتح، ويدٍ تُصحّح وهي متعبةٌ في آخرِ الليل، ويدٍ ترصُد الدرجةَ في خانةٍ ضيّقة.

وفي كلِّ حلقةٍ من هذه السلسلةِ احتمالُ خلل: ورقةٌ تسقط من الحزمة، وصفحةٌ تلتصق بأختِها فلا يُقرأ ما فيها، ودرجةٌ تُنقَل من سطرٍ إلى سطرٍ فتستقرُّ في غيرِ اسمِها، ومصحّحٌ لم يفهم عبارتَك المختصرةَ فحسِبها جهلًا وهي إيجاز. وقد يتعب الطالبُ شهورًا ثمّ لا يجد ما يُثبت به تعبَه، لأنّ الشاهدَ الوحيدَ على سهرِه ورقةٌ ضاعت في الطريق. وهذا هو الفقرُ الأصليُّ في كلِّ سجلٍّ بشريّ: أنّه منفصلٌ عن صاحبه، يُحفظ في مكانٍ آخرَ ويُقرأ بعينٍ أخرى.

تسليمُ الورقة

The hall you see

ينادي المراقب: ارفعوا الأقلام. ويمرُّ يجمع الكرّاساتِ جمعًا سريعًا، ويرصُّها بعضَها فوق بعض، ويشدُّها بخيطٍ ويضعها في ظرفٍ يُختَم. ويخرج الطالبُ إلى الشمسِ وهو لا يدري أين ذهبت ورقتُه، ولا مَن يقرؤها، ولا كيف يقرؤها. بينه وبين نتيجتِه شهرٌ كاملٌ من الظنّ.

The greater hall

لا جمعَ ولا خيطَ ولا ظرف؛ لأنّ الصحيفةَ لم تفارقْ صاحبَها لحظةً حتى تُجمع إليه. هي مشدودةٌ إليه شدَّ الطائرِ في العنق: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلْزَمْنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كِتَٰبًۭا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ۝ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا﴾. ولا يُقال له: انتظرْ حتى تُعلَن النتيجة، بل يُدفع إليه كتابُه ويُقال له: اقرأْ أنت.

كتابٌ يُستنسَخ ثمّ ينطق

والفرقُ الثاني أنّ كرّاسةَ الدنيا تُكتب بعد التفكير، وصحيفةَ الآخرة تُكتب مع الحركة. فليس بين أن تفعلَ وأن يُدوَّن مهلةٌ يتسلّل منها شيء؛ إنّه استنساخٌ فوريٌّ لا تأخيرَ فيه ولا مراجعةَ بعده.

وقد وُكِّل بالإنسانِ من يتولّى هذا التدوين، ووُصفوا بالكرمِ وبالكتابةِ وبالعلمِ بما يقع: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ ۝ كِرَامًۭا كَٰتِبِينَ ۝ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. ولم يقفِ التسجيلُ عند الفعلِ الظاهرِ حتى بلغ اللفظَ الواحدَ يخرج من الفم: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ﴾. فالكلمةُ التي تقولها في القاعةِ الصغرى همسًا لجارِك ولا يسمعُها المراقبُ الواقفُ على بُعدِ خطوتَين، قد أُثبتت في القاعةِ الكبرى بحروفها ونبرتِها والقصدِ الذي حملها.

ثمّ يأتي يومُ العَرض، والذي يستوقف في وصفه أنّ الكتابَ لا يُتلى عليك من فمِ غيرِك، بل ينطق هو بنفسه: ﴿هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وليس بين يدَيك مُصحّحٌ تُجادله ولا لجنةُ تظلّمات؛ الورقةُ هي الشاهدُ والشهادةُ معًا. ويُفتح الكتابُ فيرى الرجلُ فيه ما نسِيَه هو من قديمِ عمرِه، فلا يجد إهمالًا لصغيرةٍ ولا تهوينًا من كبيرة، ويجد عملَه حاضرًا لا خبرًا عن عمل: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾.

فتأمّل انقلابَ الموقفِ كلِّه. في الدنيا أنت تُدافع عن نفسِك أمام كرّاسةٍ صامتةٍ فتقول: كتبتُ ولم يُقرأ لي. وهناك لا تحتاج إلى الدفاع لأنّ الورقةَ لا تسكت، ولا تحتاج إلى الاعتراضِ لأنّها لم تُكتب بيدِ غريبٍ عنك.

ذروةُ الباب: مصحّحٌ يعطيك درجةً على نيّةٍ لم تنفّذها

هنا يقف كلُّ قياسٍ بين اللجنتَين ولا يستطيع أن يمضي. فإنّك لو جئتَ إلى أعدلِ مصحّحٍ في الأرضِ وأصدقِهم، وقلتَ له: لقد نويتُ أن أكتبَ هذا الجواب، وحضرني تمامًا، ورفعتُ القلمَ لأكتبَه ثمّ انتهى الوقت — لم يزدْك على أن يعتذرَ إليك ويثنيَ على همّتك. والقاعدةُ في كلِّ لجانِ الدنيا واحدةٌ لا تتخلّف: لا درجةَ على ما لم يُكتب. الورقةُ البيضاءُ صفرٌ ولو كان صاحبُها أحفظَ أهلِ القاعة. وهي قاعدةٌ عادلةٌ في بابها، لأنّ المصحّحَ لا يملك أن يفتّشَ في رأسِ أحد.

فاسمعْ ما جاء في القاعةِ الكبرى: «إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيّئاتِ ثمَّ بيَّن ذلك: فمَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له عشرَ حسناتٍ إلى سبعِمئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ومَن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له سيّئةً واحدة».

أعِدْ قراءتَه بعينِ الممتحَن لا بعينِ السامعِ العابر. همٌّ بحسنةٍ لم تخرجْ إلى الوجود، لا يعلمُها أحدٌ ولا يقوم عليها شاهدٌ ولا أثر، تُكتب حسنةً كاملة — لا كسرًا منها ولا وعدًا بها. فإن خرجت إلى الفعل ضُوعفت أضعافًا لا يبلغُها حساب. وفي الجهةِ الأخرى: همٌّ بسيّئةٍ ثمّ تركها صاحبُها، فلا يُقيَّد عليه شيء، بل يُقيَّد له. والسيّئةُ إن وقعت قُيّدت واحدةً لا يُزاد عليها.

وهذا ميزانٌ لا يجري في قاعةٍ من قاعاتِ الأرضِ ولا في نظامٍ من أنظمتِها. مصحّحٌ يرصُد لك درجةً على سؤالٍ لم تُجبْ عنه، لأنّك أردتَ الإجابةَ إرادةً صادقة. ثمّ لا يرصُد عليك خطأً هممتَ به ثمّ رجعتَ عنه، بل يجعل رجوعَك نفسَه في خانةِ الكسب. ولو عُرض هذا على لجنةٍ دنيويّةٍ لعُدّ اختلالًا في التصحيح؛ لأنّ لجانَ الدنيا لا تُحاسب إلا على ما بلغ الورقة، إذ ليس لها إلى غيرِه سبيل.

وهنا يتّضح لِمَ كان الفصلُ الأوّلُ مقدّمةً لازمةً لهذا الفصل. إنّ الذي يرى الباعثَ هو وحدَه القادرُ على أن يُجازيَ على الباعث. فمَن كان علمُه محصورًا في الجسدِ لم يستطعْ أن يزنَ إلا الجسد، ومَن أحاط بالسرائرِ ابتدأ الحسابَ من السريرة. فسَعةُ العلمِ هي التي فتحت بابَ هذا الفضل، ولولا الرقيبُ الذي لا ينام لَما وُجد المصحّحُ الذي يكتب لك ما لم تكتبْه بيدك.

فإذا خرجتَ اليومَ من قاعةٍ صغرى وأنت تعلم أنّ الرجلَ الواقفَ في الصدرِ قد فاته منك كثير، فاذكرْ أنّك لم تخرجْ من الأخرى، وأنّ الذي فات ذاك لم يفتِ الآخر. لا لتقعدَ من الخوفِ عن الكتابة، بل لتعلمَ أنّ تعبَك الذي لم يرَه أحدٌ قد رآه واحد، وأنّ نيّتَك التي لم تجدْ لها ثمرةً في الدنيا محفوظةٌ عنده لم تسقطْ من الحساب.

Map of this part
السؤالمَن الذي يراك حقًّا، وأين يُحفَظ ما رآه؟ وما أثرُ الجواب في عملٍ تعمله الآن؟
المسار١افصلْ ضعفَ المراقب البشريّ عن حقيقة مَن لا يغفل٢انقلِ النظرَ من اليد والورقة إلى الباعث في الصدر٣قابلْ بين كرّاسةٍ تضيع في سلسلة أيدٍ وصحيفةٍ لا تفارق صاحبَها٤قفْ عند ميزانٍ يكتب لك ما لم تكتبْه بيدك
القاعتانمراقبٌ يجوع ويسهو ويُخدَع بالهيئة، وورقةٌ لا يُحسَب فيها إلا ما بلغ الورقرقيبٌ لا تعتريه سِنةٌ ولا نوم، وصحيفةٌ تُدوَّن مع الحركة ثمّ تنطق بها
الشواهدالبقرة ٢٥٥ · النساء ١ · ق ١٦ · ق ١٨ · غافر ١٩ · الإسراء ١٣–١٤ · الكهف ٤٩ · الانفطار ١٠–١٢ · الجاثية ٢٩ · صحيح البخاري ١ · صحيح البخاري ٦٤٩١ · صحيح مسلم ٢٥٦٤
المآلتعملُ عملًا واحدًا في السرّ والعلن، ولا تعدُّ تعبًا لم يره أحدٌ ضائعًا.
What to do with it
  1. ١اختبرْ عملَك بسؤالٍ واحد: هل يبقى على حاله لو خرج من القاعة كلُّ ناظر؟ فإن تغيّر فابدأْ بإصلاح باعثه قبل صورته.
  2. ٢اصرفْ إلى تصحيح القصد الجهدَ الذي تصرفه إلى تحسين الهيئة، واجعلْه أوّلَ خطوةٍ قبل كلِّ عملٍ تبدؤه.
  3. ٣اجعلْ لك في كلِّ يومٍ عملًا لا يعلمه أحدٌ سواه، وعاملْ خلوتَك معاملةَ أشهدِ مجالسك فلا تُبدّلْ فيها حرفًا.
  4. ٤احرسْ همسَك كما تحرس جهرَك، وزِنِ الكلمةَ قبل خروجها بنبرتها وقصدها لا بمن يسمعها.
  5. ٥إذا حبسك مانعٌ عن خيرٍ فجدِّدِ العزمَ عليه وقيِّدْه في آخر يومك، ثمّ التمسْ له بابًا أصغرَ تنفّذه غدًا.
  6. ٦اتركِ السيّئةَ حين تهمُّ بها لأجل مَن لا يغيب، ولا تعلّقْ دوامَ عملك بشكر الناس ولا بإنصافهم.
In short

بابٌ يقوم على مقابلتين: عينٌ ترى، وصحيفةٌ تحفظ. فمراقبُ القاعة الصغرى بشرٌ يجوع ويثقُل جفنُه وينحني، ولذلك يذاكر طالبُ الغشِّ غفلتَه لا مادّتَه. وفي القاعة الكبرى ينقلب الوصفُ: لا سِنةَ ولا نوم، والفرقُ ليس في حِدّة البصر بل في متعلَّقه؛ ذاك يرى اليدَ والورقة، وهذا يبتدئ من الباعث في الصدر. ومن هنا يسقط عملُ الرياء بانصراف النظّارة، ويثبت عملُ الصادق في السرّ والعلن سواء. ثمّ الكرّاسةُ تُجمع وتُشدُّ وتضيع في سلسلة أيدٍ، ويقرؤها مصحّحٌ متعبٌ لا يحسب إلا ما بلغ الورق؛ وصحيفةُ الآخرة لا تفارق صاحبَها، تُدوَّن مع الحركة، وتبلغ اللفظَ الهامس، ثمّ تنطق فتغني عن الدفاع. وذروةُ الباب أنّ الهمَّ بالحسنة يُكتب كاملًا وإن لم تبلغْه اليد، وأنّ تركَ السيّئة كسبٌ؛ وذلك فرعُ سَعةِ العلم لا استثناءٌ منها.