Skip to content

الفصل الثاني: مأساةُ ليلةِ الامتحان

«راشد» ليس كسولًا، وهذا أوّلُ ما ينبغي أن يُقال قبل حكايته. ذاكر العامَ كلَّه؛ كان يستيقظ والبيتُ نائم، ويكتب الملخّصات بخطٍّ نظيف، ويُسأل فيُجيب. حتى إذا لم يبقَ إلا الليلةُ الأخيرة، جلس إلى مكتبه وقال لنفسه: أنا مرتاح، وقد بذلتُ ما يكفي. ثمّ أسند رأسه إلى ذراعه ليستريح قليلًا. وحين فتح عينيه كانت الشمسُ في وسط النافذة، والامتحانُ قد بدأ.

الليلةُ الأخيرة

The hall you see

كتبٌ مفتوحةٌ على المكتب، وكوبُ شايٍ بَرَد، ومنبّهٌ ضُبط ثمّ أُسكت بيدٍ نصفِ نائمة. نومٌ طويلٌ بعد عامٍ من السهر. يدخل القاعةَ متأخّرًا فيجد الأسئلةَ سهلة، غير أنّ يده ترتجف والوقتُ يمضي، فيسلّم ورقةً فيها بعضُ الجواب وبياضٌ في آخرها.

The greater hall

عمرٌ طويلٌ في طاعة، ثمّ سنواتٌ أخيرةٌ يقول فيها صاحبُها: قد قدّمتُ، ولي أن أستريح. فيسترخي، وتفتنه زينةٌ لم تكن تفتنه، ويطول به الأملُ فيؤجّل التوبةَ من هَفوةٍ صغيرة. ثمّ يأتي الأجلُ في غير موعدٍ يتوقّعه، فتُطوى الصحيفةُ عند البياض.

والذي أوقع راشدًا لم يكن ذنبًا كبيرًا، بل كلمةٌ قالها لنفسه: «يكفي». ومن قال لنفسه في هذه القاعة «يكفي» فقد وضع القلم. زينةُ القاعة تفعل فعلَها في التعِب أكثرَ ممّا تفعله في النشيط؛ لأنّ التعِبَ يرى في اللهو مكافأةً استحقّها بما بذل.

والمشكلةُ في راشدٍ أنّه قاس نفسَه بماضيه لا بالوقت الباقي. كان ينظر إلى الشهور التي مضت فيراها كثيرة، ولا ينظر إلى الساعة التي بقيت فيراها هي وحدها موضعَ الامتحان. ومَن جعل رصيدَه القديمَ حُجّةً لراحته اليوم، فقد أنفق من رأس ماله وهو يحسب أنّه ينفق من ربحه. والفتورُ لا يأتي دفعةً واحدة؛ يبدأ بتأجيل سطرٍ واحد، ثمّ يصير التأجيلُ عادةً، ثمّ تصير العادةُ طبعًا لا يُنكره صاحبُه.

وعقابيلُ هذا التراجع ثلاثٌ يراها كلُّ من حضر:

  • فزعٌ عند سحب الورقة: لا لأنّ السطورَ ناقصة، بل لأنّ ما كان يلهو به يُنتزع من يده. هو يبكي على المقعد لا على الدرجة.
  • حسرةٌ حين تُقرأ الورقة: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ۝ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ · ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌۭ يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ﴾
  • عجزٌ عن التدارك: ليس في القاعة الكبرى دورٌ ثانٍ ولا لجنةُ ملاحق؛ إذا رُفعت الأوراق لم يُعَد فتحُها. وقد قال ﷺ في وداع الخارج: «يتبعُ الميّتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى معه واحد: يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أهلُه ومالُه ويبقى عملُه»

ولا يعني هذا أنّ عملَ راشدٍ كلَّه ذهب هباءً؛ فالحسابُ إلى ربٍّ لا يضيع عنده عمل. وإنّما المقصود أنّ النجاةَ ليست في كثرة ما كُتب فحسب، بل في أن تبقى اليدُ على القلم حتى اللحظة التي لا نملك تأخيرَها.