الفصل الثالث: خمسةُ توجيهات
وهذه خمسةُ توجيهاتٍ تُنفَّذ لا تُقال، كلٌّ منها عملٌ له وقتٌ ومكانٌ وعلامةٌ تُعرف بها.
الأوّل: أن تجلسَ جِلسةَ العابر
استحضرِ الحقيقةَ الأولى: أنّك في قاعةٍ لا في بيت، وألّا تركنَ إلى بهجةِ الظاهرِ على حسابِ الباطن. ولهذا الاستحضارِ صورةٌ نبويّةٌ محدّدة:
«كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل»
والعملُ فيه: أن تنظرَ إلى ما حولك مرّةً واحدةً في اليومِ نظرةَ مسافرٍ إلى أمتعتِه في محطّة. ليس المطلوبُ أن تكرهَ متاعَك، بل ألّا تبنيَ عليه.
الثاني: أن تأخذَ المباحَ أخذَ الزاد
خُذ من شهواتِ القاعةِ وزينتِها بالقدرِ الذي أُذن لك فيه، مستعينًا به على أداءِ أمانةِ العبوديّةِ وطاعةِ ربّك، من غيرِ تجاوزٍ إلى ما مُنعت منه، ولا إغراقٍ في ترفٍ يُلهي. والزادُ يُقاس بالطريقِ لا بالشهيّة.
«ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وتركَها»
والعملُ فيه: اختَرْ في كلِّ شهرٍ بابًا واحدًا من أبوابِ التوسّعِ فخفِّفه اختيارًا لا اضطرارًا، لتعلمَ أنّك تملك الأداةَ ولا تملكك.
الآلةُ الحاسبة
طالبٌ يستعمل الحاسبةَ في موضعِها فيوفّر دقائقَ يكتب فيها. وآخرُ يقلّب أزرارَها ويعجب بشاشتِها ويحسب ما لا يُسأل عنه، حتى إذا نظر إلى الورقةِ وجد سؤالًا لا تنفع فيه حاسبة.
كذلك المالُ والجاهُ والوقت: أدواتٌ لها موضعٌ في الجوابِ ومواضعُ لا تدخل فيها. والفطنُ مَن عرف أينَ تُستعمل الأداةُ وأينَ تُوضع جانبًا، لا مَن حملها في كلِّ سطر.
الثالث: أن تُحاسبَ نفسَك قبل رفعِ الورقة
التوازنُ بين الشكرِ والصبرِ لا يقوم بالنيّةِ وحدها، بل بمراجعةٍ قصيرةٍ تسأل فيها نفسَك: أيَّ ورقةٍ كنتُ أحمل اليوم، وبمَ أجبت؟
«حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسَبوا، وتَزيَّنوا للعَرضِ الأكبر، وإنَّما يخِفُّ الحسابُ يومَ القيامةِ على مَن حاسبَ نفسَه في الدنيا»
والعملُ فيه: دقيقتان قبل النوم، سطرٌ للنعمِ وسطرٌ للمكاره، وحكمٌ على جوابِك في كلٍّ منهما.
الرابع: أن تُتقنَ لا أن تُكثر
الميزانُ لا يزن العملَ بكثرتِه العدديّة، وإنّما بجودتِه وعمقِه وإخلاصِه، والقبولُ مشروطٌ بأمرين: إخلاصٌ تامٌّ لوجهِ الله، ومتابعةٌ تامّةٌ لهديِ النبيّ ﷺ. وقد جاء التنصيصُ على وصفِ العملِ لا على عدده:
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا
«إنَّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»
والعملُ فيه: خُذ عملًا واحدًا تكرّره كلَّ يومٍ بغيرِ حضور، فأصلحْ حضورَك فيه أسبوعًا كاملًا قبل أن تزيدَ عملًا جديدًا.
الخامس: أن تُرجِّحَ عند التعارض
ستأتيك ساعاتٌ لا يتّسع فيها الوقتُ للسؤالين معًا، فيلزمك ترجيح. والترجيحُ لا يُمتحن فيه أحدٌ وهو مستريح، وإنّما في ساعةٍ ضيّقة: موعدٌ يزاحم موعدًا، ومكسبٌ يزاحم أمانة، ونومٌ يزاحم قيامًا. وهناك تُعرف جهةُ القلب. وقد بيّن الوحيُ جهةَ الترجيحِ بيانًا لا لبسَ فيه:
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْءَاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
فمَن قصَد بعملِه حرثَ الآخرةِ زِيد له فيه، ومَن قصَد حرثَ الدنيا أُعطي منها ولم يكن له في الآخرةِ نصيب. وهذا هو ميزانُ الترجيحِ حين تتزاحم الأوقاتُ والنيّات.
«الدنيا سِجنُ المؤمن، وجنّةُ الكافر»
وليس في هذا الوصفِ تنغيصٌ للعيش، وإنّما ضبطٌ للسقف: مَن عرف أنّ سقفَ القاعةِ منخفضٌ لم يقفزْ فيها، ومَن ظنّها الدارَ الأخيرةَ أنفق عمرَه في تزيينِ جدارٍ سيُهدَم.
«الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله»
فالكيِّسُ مَن حاسب وعمل، والعاجزُ مَن ترك النفسَ لهواها ثمّ سمّى ذلك رجاءً.
وهذه التوجيهاتُ الخمسةُ ليست مقاماتٍ تُدَّعى، وإنّما أعمالٌ صغيرةٌ متكرّرةٌ يعرفها صاحبُها بأثرِها لا بشعورِه نحوها. والدليلُ على أنّ التوجيهَ نزل من الرأسِ إلى اليدِ أن يظهرَ في يومٍ عاديٍّ لا في يومِ عزيمة.
آخرُ عشرِ دقائق
يعلن المراقبُ: عشرُ دقائق. فتتغيّر القاعةُ كلُّها في لحظة: تُترك المصابيحُ والمقاعدُ والنوافذ، وتنحني الرؤوسُ على الورق. لا أحدَ ينظر إلى طاولةِ جارِه. الكلُّ صار يعرف فجأةً ما هو المهمّ.
وفي القاعةِ الكبرى لا يُعلَن عن العشرِ دقائق. تُرفع الورقةُ بلا إنذار، فيكون الفارقُ بين اثنين: أحدُهما كان يكتب كأنّ الإعلانَ قد صدر، والآخرُ ينتظر أن يُقال له.
«يتبعُ الميّتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى معه واحد: يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أهلُه ومالُه ويبقى عملُه»
يتبعك أهلُك ومالُك وعملُك؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد. ولذلك كانت الأدواتُ مسموحةً كلَّها، لكنّ الخارجَ من القاعةِ لا يحمل معه إلا ما كتب. وما كتبه قد يظلّ يُكتب بعده:
«إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»