Skip to content

الفصل الأول: ورقةُ السلطة والمال

# الباب السادس: طلابٌ سبقوك

لم تكن أوّلَ من جلس على هذا المقعد. القاعةُ قديمةٌ، تعاقبت عليها دفعاتٌ لا يُحصيها إلا الذي كتب أسماءَها. والفرقُ بين قاعةِ المدرسة وقاعةِ الكون أنّ الأولى تُخفي أوراقَ السابقين في أدراجٍ مُقفَلة، والثانيةَ نشرت أوراقَهم على الجدران: مصحَّحةً، مُذيَّلةً بالدرجة، مكتوبًا في حاشيةِ كلٍّ منها سببُ الدرجة. فالقصصُ القرآنيُّ ليس حكايةً تُروى للتسلية، إنّه أرشيفُ اللجنة فُتِح لك عمدًا وأنت بعدُ في أوّل الوقت.

وفي هذا الباب أربعُ أوراق. اثنتان من ورقةٍ واحدة، اختلف فيهما الجوابُ فاختلفت النتيجة. وواحدةٌ رسب صاحبُها في الوجهين معًا: في السرّاء وفي الضرّاء. وواحدةٌ كُتبت كلُّها خطأً حتى بقيت دقائق، فمُحيت وأُعيدت، ودُفع في تصحيحها أغلى ثمنٍ في هذا الكتاب.

لوحةُ النتائج في الرواق

The hall you see

في الرواق الطويل قبل القاعة لوحةٌ زجاجيّة، عُلّقت خلفها أوراقُ دفعةٍ مضت: ورقةٌ بالأحمر وأخرى بالأخضر، ونموذجُ إجابةٍ مطبوعٌ إلى جوارهما. يمرّ أكثرُ الطلاب مسرعين، أحدُهم يُصلح ياقتَه في الزجاج ولا يقرأ ما خلفه. وطالبٌ واحدٌ يقف، ويضع إصبعَه على السطر الذي أضاع درجةَ صاحبِه، ويهمس: هنا سقط.

The greater hall

وفي القاعة الكبرى ليست أوراقُ السابقين خلف زجاج، بل في كتابٍ يُتلى عليك في الليل والنهار: اسمٌ وموقفٌ وجوابٌ ونتيجة. ما قُصَّ عليك خبرُ من قبلك لتستمتع بالحكاية، بل لتقرأ في ورقةِ غيرك سؤالَك أنت.

مَقاعِدُنا مَقاعِدُ مَنْ تَوَلَّى

وَقَدْ خَطَّتْ أَنامِلُهُمْ كِتابا

فَأَوَّلُهُمْ تَوَسَّدَ ظِلَّ حُكْمٍ

فَلَمَّا قامَ عَنْهُ غَدا سَرابا

وَثانٍ عَدَّ ما يَحْوي زَمانا

فَأَصْبَحَ كُلُّ مَجْموعٍ تُرابا

وَثالِثُهُمْ عَلا حَتَّى تَناهى

وَأَلْقاهُ الْعُلُوُّ عَلى خَرابا

وَرابِعُهُمْ أَفاقَ عَلى نِداءٍ

فَقامَ إِلى الصَّوابِ وَقَدْ أَنابا

أوّلًا: سليمان عليه السلام — أثقلُ ورقةٍ وُزّعت، ونجح صاحبُها

يظنّ الناسُ أنّ الامتحان الصعب هو امتحانُ الفقر. والحقُّ أنّ أثقلَ ورقةٍ وُزّعت في تاريخ هذه القاعة كانت ورقةَ رجلٍ أُعطي كلَّ شيء. آتاه اللهُ نبوّةً ومُلكًا، وسخّر له ما لا يخطر لعقلٍ: الريحَ تجري بأمره، والجنَّ تعمل بين يديه، والطيرَ في نظامٍ محسوب. وكلُّ زيادةٍ في العطاء زيادةٌ في وزن الورقة؛ لأنّ كلَّ نعمةٍ سؤالٌ إضافيّ في آخر الصفحة.

والفرقُ بين الورقتين أنّ ورقة الحرمان تُصرّح بأنّها اختبار، فيتنبّه صاحبُها ويستعين. أمّا ورقةُ العطاء فتأتي في هيئة جائزة، مغلّفةً بالتهنئة، يحفّها المُهنّئون، حتى ينسى الممتحَنُ أنّه ممتحَن. ومن هنا كان أكثرُ الساقطين في هذا الباب من الذين ظنّوا أنّهم تسلّموا النتيجة وهم بعدُ في أوّل السؤال.

وسليمانُ عليه السلام سأل هذا المُلك سؤالًا صريحًا لا يُخفيه، وقيّده بقيدٍ يكشف موضعَ قلبه منه:

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

ص · ٣٥

فمن قرأ الطلبَ وحده حسِبه طلبَ متوسّع. ومن قرأ ما قبله علم أنّه طلبُ رجلٍ استغفر قبل أن يسأل، وسأل لِمُلكٍ يخدم به لا يُخدَم فيه.

ثمّ جاءت اللحظةُ التي تُختبر فيها النفوسُ حقًّا: ليست لحظةَ الحرمان، بل لحظةَ التمكين المباغت. عرشُ ملكةٍ في أقصى الأرض يُنقل إليه في أقلَّ من طرفةِ عين، فيستقرُّ بين يديه. وهنا موضعُ الزلل عند عامّة الناس؛ فالنعمةُ إذا جاءت دفعةً واحدةً أدارت الرؤوس. أمّا هو فلم ينظر إلى العرش، نظر إلى المُعطي، وقال ما جعله القرآنُ نموذجَ الإجابة الصحيحة عن ورقة السلطة والمال:

هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ

النمل · ٤٠

وتأمّل ترتيبَ الكلمات في جوابه: نسبَ الفضلَ أوّلًا، ثمّ سمّى النعمةَ ابتلاءً، ثمّ أعلن أنّ الشكر لا يُغني اللهَ شيئًا وإنّما يعود نفعُه على الشاكر، ثمّ ختم بأنّ ربَّه غنيٌّ عن الجميع كريمٌ مع الجميع. أربعةُ معانٍ في سطرين، أجابت عن الورقة كلِّها.

وقبل ذلك بمشهدٍ واحد، وقف الجيشُ العظيم كلُّه من أجل نملةٍ حذّرت قومَها، فتبسّم النبيُّ الملك، ولم يكن تبسُّمَ المستهزئ، بل تبسُّمَ من رأى في الصغير آيةً، فانقلب في الحال إلى دعاء:

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًۭا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ

النمل · ١٩

فهذا هو ميزانُ الناجح في ورقة السرّاء: لا يشغله اتّساعُ المُلك عن نملةٍ في الطريق، ولا يشغله سماعُ النملة عن ذِكر المُنعم.

حاملُ المفاتيح

The hall you see

طالبٌ سلّمه المراقبُ حلقةَ مفاتيح: بابُ القاعة، ودرجُ الأسئلة، وخزانةُ الأوراق. جلس زملاؤه ينظرون إليه نظرةً فيها شيءٌ من الحسد. فتح ما أُمر بفتحه، وأغلق ما أُمر بإغلاقه، ولم يمدَّ يدَه إلى الدرج الذي لم يُؤذن له فيه، وردّ الحلقةَ في آخر الوقت وهي كما أخذها. سأله أحدُهم: أما أغرَتْك؟ قال: كانت في يدي، ولم تكن لي.

The greater hall

وفي القاعة الكبرى تُعرض حلقةُ المفاتيح نفسُها بأسماءٍ أخرى: مالٌ في حساب، ومنصبٌ في إدارة، وكلمةٌ مسموعة، وجسدٌ صحيح. وعن كلِّ مفتاحٍ سؤالان اثنان: أفتحتَ به ما أُذن لك فيه؟ ولمن قلتَ إنّه؟

ثانيًا: قارون — الورقةُ نفسُها، والنتيجةُ مقلوبة

وفي القاعة نفسِها، وفي الصفّ نفسِه تقريبًا، جلس رجلٌ أُعطي من جنس ما أُعطي سليمان: مالًا لا يُحصى، حتى إنّ مفاتحَ خزائنه وحدَها كانت تُثقل عُصبةً من أولي القوّة. أُعطي، ولم يُعطَ مثلَ سليمان جوابًا. خرج على قومه في زينته، فانقسم الناسُ فريقين: فريقٌ تمنّى مكانه، وفريقٌ يعلم أنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى:

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ ۝ وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرُ جَمْعًۭا ۚ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ

القصص · ٧٦–٧٨

والجملةُ التي هوى بها جملةٌ واحدة، فيها حرفٌ صغيرٌ أهلكه: نسبَ العطاءَ إلى علمٍ عنده هو. لم يُنكر النعمة، ولا قال إنّها ليست عظيمة؛ إنّما بدّل التوقيعَ في أسفل الورقة، فمحا اسمَ المُعطي وكتب اسمَه. وهذا هو الرسوبُ بعينه: لا في مقدار الإجابة، بل في نسبتها.

وقد رأى سليمانُ الزينةَ ولم يرَ فيها إلا يدًا أعطته. ورآها قارونُ فلم يرَ خلفها يدًا أصلًا. والعينُ واحدةٌ في الحالين، والمنظرُ واحد، وإنّما اختلف ما وراء العين. ولذلك لم يكن الحُكمُ على الرجلين حكمًا على مقدار ما مَلَكا، بل على ما مَلَكهما.

وقارونُ لم يُنبَّه مرّةً واحدةً ثمّ تُرك. نُصح، وذُكِّر بالدار الآخرة، وذُكِّر بنصيبه من الدنيا فلم يُطلَب منه أن يرميه، ودُلَّ على الإحسان كما أُحسن إليه. وكلُّ ذلك تنبيهُ مراقبٍ يمرّ بجانب الطاولة ويقرع الخشبَ بإصبعه: راجِعِ السطرَ الأوّل. فلم يرفع رأسه.

ثمّ جاء التصحيح، وكان تصحيحًا رأسيًّا لا أفقيًّا: خُسف به وبداره الأرض، فلم تكن له فئةٌ تنصره من دون الله، وما كان من المنتصرين. وأمّا الذين تمنّوا مكانه بالأمس، فأصبحوا في الصباح التالي يعرفون ما لم يكونوا يعرفونه ليلًا:

فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍۢ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ ۝ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ

القصص · ٨١–٨٢

انظر كم استغرق تحوُّلُ الحسد إلى حمد: ليلةً واحدة. وهذا كلُّ ما بين مشهدِ الزينة ومشهدِ الحفرة.

صاحبُ الطاولة اللامعة

The hall you see

دخل بحقيبةٍ لم يرَ الصفُّ مثلَها، وصفَّ على الطاولة أقلامًا بألوانٍ لا يحتاج منها إلى اثنين، وأدار الساعةَ في معصمه حتى يقع عليها الضوء. التفتت إليه الرؤوسُ التفاتةً واحدة، ثمّ عادت إلى الورق. وحين رُفعت الأوراقُ في آخر الوقت، كانت ورقتُه أنظفَ ورقةٍ في القاعة: بيضاءَ إلا من اسمه، مكتوبًا بخطٍّ جميل.

The greater hall

وفي القاعة الكبرى تُوضع الخزائنُ في الكفّة فلا تزن شيئًا؛ لأنّ الميزان لم يُصنع للمعادن. يُترك الذهبُ حيث هو، ويُرفع القلبُ وحده، ويُقرأ ما كُتب في أسفل الصفحة: باسم مَن؟

«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم»

صحيح مسلم · ٢٥٦٤ — narrated by أبو هريرة · graded صحيح by مسلم

وقد جرت سنّةُ الوداع في هذه القاعة أن يخرج المالُ مع صاحبه إلى الباب ثمّ يقف عنده:

«يتبعُ الميّتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى معه واحد: يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أهلُه ومالُه ويبقى عملُه»

صحيح البخاري · ٦٥١٤ — narrated by أنس بن مالك · graded صحيح by البخاري

الأوّل رسب في المال، والثاني في السلطان، والورقةُ واحدة: مَن صاحبُ الفضل؟