وبينة على طريقة ما سلف إلى الاولين.
تحداهم به.
إذ كان من جنس القول الذى زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا التي تلقفت ما برعوا فيه من سحرهم، وأتت
على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما سخر لسليمان الريح والطير والجن حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع اللطف.
ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الأول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة..فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك.
واجمع عليه لبك، ثم اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك ويجرك،.
واسترشده يرشدك، وهو حسبي وحسبك، ونعم الوكيل " * * * رأى الرافعى في إعجاز القرآن: قال في كتاب " تاريخ آداب العرب " 2 / 153: " وجاء القاضى أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة 403 فوضع كتابه المشهور " إعجاز القرآن " الذى أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الاعجاز على حدة، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي، ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابى الذى كان يعاصره، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ التأليف في الاعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفى ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ.
على أن كتاب الباقلانى وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذبه وصفاه وتصنع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجها من التأليف لم يرضه من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ".
فإن مرجع الاعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شئ من المعارضة البيانية بين جنس وجنس من القول، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنثر، ذهبت بأكثره، وغمرت جملته، وعدها في محاسنه وهى من عيوبه، وكان الباقلانى، رحمه الله وأثابه، واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على بصر وتمكن وحسن تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من
الاغراق في الحشد، والبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل إذ كان أكبر
غرضه في هذا الكتاب أن " ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه، ويهدي إلى الحجة " وهذه ثلاثة لو بسطت لها كل علوم البلاغة وفنون الادب - لوسعتها، وهى مع ذلك حشو ووصل.
على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الاعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد، ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والاصول التى أوقع الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده، لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في خطره ومنزلنه، وبعد غوره، وإحكام ترتيبه، وقوة حجته، وبسط عبارته، وتوثيق سرده، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه.
وما زاد الباقلانى، رحمه الله، على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله في هذا الباب كالمستحث للخواطر الوانية، والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الادب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيونه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: " إن الناقص في هذا الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها " وقد كانت علوم البلاغة لم تهذب لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي ولم تجرد فيها الامهات والاصول، ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك شيئا، وأجمل شيئا، وهذب شيئا، ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة.
وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره "
وقد طبع كتاب " إعجاز القرآن " عدة طبعات: الاولى بمطبعة الاسلام بمصر
في سنة 1315.
والثانية على هامش كتاب الاتقان للسيوطي المطبوع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1317.
والثالثة على هامشه كذلك في المطبعة الازهرية بالقاهرة سنة 1318.
والطبعة الرابعة في المطبعة السلفية سنة 1349، وهى بتحقيق الاستاذ محب الدين الخطيب.
وقد عارضها بنسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وصدرها بكلمة طيبة عن الباقلانى.
ومع أن هذه الطبعة أحسن طبعات الكتاب جميعا، فإنها لم تخل من شوائب التصحيف والتحريف، والنقص الكثير: وفيها ما هو أكثر من ذلك.
فقد كرر فيها كلام الباقلانى من السطر الحادى عشر من صفحة 17 إلى السطر الاول من ص 19، فأعيد بنصه وفصه ابتداء من السطر الثاني والعشرين من صفحة 217 إلى السطر التاسع من صفحة 219، مع أنه مقحم في هذا الموضع إقحاما يأباه المقام.
ومن أمثلة النقص الواقع فيها: ما جاء في ص 41: " وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة.
فرأيناه غير مختلف " وقد ورد هذا الكلام في طبعتنا كاملا ص 56 ".
عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا.
ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ".
ومنها في ص 70 وكقول على " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما قال ذلك والدين في قل ".
وهو في طبعتنا: " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك والدين في قل ".
ومنها ما جاء في ص 77 " ومن البليغ عندهم الغلو، كقول النمر بن تولب " وهو في طبعتنا: " ومن البليغ عندهم الغلو والافراط في الصفة، كقول النمر بن تولب ".
ومنها في ص 83 " إذا فريق منكم بربهم يشركون.
ويعدون من البديع الموازنة.
وفى طبعتنا ص 133 "..يشركون.
ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة.
ويعدون من البديع الموازنة ".
ومنها في ص 87 " ونحوه صحة التفسير، كقول القائل ".
وفى طبعتنا ص 143 " ونحوه صحة التفسير، وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها، ولا زيادة ولا نقصان، كقول القائل ".
وفى نفس الصفحة منها: " ومن البديع التكميل والتتميم، كقول نافع بن خليفة ".
وهو في صفحتنا نفسها: " ومن البديع التكميل والتتميم وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصحة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها.
كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق.
وكقول نافع بن خليفة ".