Skip to content

Books to be read, not browsed

إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 26 of 104.

وإنما ضمن الله عز وجل فيه البيان لمثل من وصفناه، فقال: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (2) .

وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3) .

/ فصل في أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن بنوة نبينا عليه السلام بنيت (1) على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة.

إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة، وأحوال خاصة، وعلى أشخاص خاصة.

ونقل بعضها نقلا متواترا يقع به العلم وجودا.

وبعضها مما نقل نقلا خاصا، إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم شاهدوه، فلو كان الأمر على خلاف ما حكى لا نكروه، أو لا نكره بعضهم،

فحل محل المعنى الأول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه.

وبعضها مما نقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد.

فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة، عمت الثقلين، وبقيت بقاء العصرين.

ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الاتيان / بمثله - وجه دلالته، فيغني ذلك عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الإتيان (2) بمثله.

وكذلك قد يغني عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله، عن النظر في حال أهل العصر الأول.

وإنما ذكرنا هذا الفصل، لما حكي عن " بعضهم " أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه، ويكفي عجز أهل العصر الأول في الدلالة، لانهم خصوا بالتحدى دون غيرهم (3) .

ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه، إن شاء الله.

فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته

القرآن، وبنى أمر نبوته عليه - فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها، وننبه بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه.

فمن ذلك قوله تعالى: (الر.

كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) (1) فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة.

/ وقال عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (2) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه.

ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.

وقال عز وجل: (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين) .

وهذا بين جدا فيما قلناه، من إنه جعله سببا لكونه منذرا.

ثم أوضح ذلك بأن قال: (بلسان عربي مبين) (3) .

فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة، لم يعقب كلامه الأول به.

وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه.

ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده.

وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على وجه معجزته.

فمن ذلك سورة المؤمن (4) .

قوله عز وجل: (حم.

تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى: (غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير.

ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك / تقلبهم في

البلاد) فدل على أن الجدال في تنزيله كفر وإلحاد.

ثم أخبر بما وقع (1) من تكذيب الأمم برسلهم، بقوله عز وجل: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الانبياء.

ورد براهينهم فقال تعالى: (فأخذتهم فكيف كان عقاب) .

ثم توعدهم بالنار، فقال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) .

ثم عظم شأن المؤمنين بهذه الحجة، بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما وعدهم عليه من المغفرة، فقال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) .

فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه.

ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم عطف على وعيد الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: (هو الذي يريكم آياته) .

فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: (رفيع الدرجات ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق) / فجعل القرآن والوحي به كالروح، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولأنه لا فائدة للجسد

من دون الروح.

فجعل هذا الروح سببا (2) للانذار، وعلما عليه، وطريقا إليه.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م