Skip to content

Books to be read, not browsed

خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 67 of 104.

خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه

قال الراوي: لما حضرته الوفاة قال لولى له: من بالباب؟ فقال: نفر من قريش يتباشرون بموتك! فقال: ويحك، ولم؟ ثم أذن للناس، فحمد الله وأثنى عليه (1) فأوجز، ثم قال: / أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف (2) قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم: من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض (3) وفره.

ومنهم: المصلت (4) لسيفه، والمجلب برجله (5) ، والمعلن (6) بشره، قد أشرط نفسه (7) ، وأوبق دينه، لحطام (8) ينتهزه، أو مقنب (9) يقوده، أو منبر يفرعه (10) وبئس المتجرأن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك

عند الله عوضا.

/ ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف

نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية.

ومنهم: من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال عن حال (1) ، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى.

وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد (2) ناد، وخائف منقمع (3) ، وساكت مكعوم (4)

وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، في بحر أجاج، أفواههم دامية (5) ، وقلوبهم قرحة (6) ، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا.

/ فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ (7) ، وقراضة الجلم (8) ، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم (9)

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م