Skip to content

Books to be read, not browsed

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 70 of 104.

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي

(1) أخبرني محمد بن علي الأنصاري (2) بن محمد بن عامر، قال: حدثنا على ابن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمرى، قال: حدثنا الأنصاري علي بن محمد الحنظلي - من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن محمد، عن محمد بن حسان (3) ، عن محمد بن حجاج اللخمي (4) ، عن مجالد (5) ، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة؟ / قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله (6) .

قال: لست أنساه بعكاظ، إذ وقف على بعير له أحمر، فقال: أيها الناس اجتمعوا، وإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.

أما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، أقسم بالله قس قسما

حقا لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن كان في الارض رضا ليكونن سخطا (1) ، إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ولحقتكم مدته.

مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يروى شعره؟ فأنشدوه: / في الذاهبين الأولي * ن من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي * ي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محا * لة حيث صار القوم صائر * * * أخبرني الحسن بن عبد الله بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين (2) بن إسماعيل، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبيد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه: أن وفدا من إياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن حال قس ابن ساعدة، فقالوا: قال قس: يا ناعي الموت والأموات في جدث * عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق (3) منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها الأورق الخلق (4)

/ مطر ونبات (1) ، وآباء وأمهات، وذاهب وآت.

وآيات في إثر آيات، وأموات بعد أموات.

ضوء وظلام، وليال وأيام، وغني وفقير، وشقي وسعيد، ومحسن ومسئ.

أين الأرباب الفعلة؟ ليصلحن كل عامل عمله.

كلا، بل هو الله واحد،، ليس بمولود ولا والد، أعاد (2) وأبدى، وإليه

المآب غدا.

أما بعد، يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الحسن الذي لم يشكر؟ أين الظلم الذي لم ينقم (3) ؟ كلا ورب الكعبة ليعودن مابدا، ولئن ذهب يوم ليعودن يوم.

قال: وهو قس بن ساعدة (4) بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار.

أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية.

وأول من توكأ على عصا (5) .

وأول من تكلم ب " أما بعد (5) ".

/ خطبة لأبي طالب الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس.

وأن محمد بن عبد الله، ابن أخى، لا يوازن (6) به فتى من قريش إلا رجح به: بركة وفضلا وعدلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال مقلا، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعلى (7) .

* * * / قد نسخت لك جملا من كلام الصدر الاول ومحاوراتهم وخطبهم،

وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن.

فتأمل ذلك، وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف، وأهل البيان واللسن، والفصاحة والفطن، والألفاظ المنثورة، والمخاطبات الدائرة بينهم، والأمثال المنقولة عنهم.

ثم انظر - بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل - في ذلك، فسيقع لك الفصل (1) بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، وتعلم أن نظم القرآن يخالف نظم (2) كلام الآدميين، وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ، والخطيب والخطيب، والشاعر والشاعر، وبين نظم القرآن جملة.

فإن خيل إليك، أو شبه عليك، وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر والقرآن، لأن الشعر أفصح من الخطب، وأبرع من الرسائل، وأدق مسلكا من جميع أصناف المحاورات - ولذلك (3) قالوا له صلى الله عليه وسلم: هو شاعر أو ساحر - وسول إليك الشيطان أن الشعر أبلغ وأعجب، وأرق (4) وأبرع، وأحسن الكلام وأبدع - فهذا فصل فيه نظر بين المتكلمين، وكلام بين المحققين.

باب (1) سمعت (2) أفضل من رأيت من أهل (3) العلم بالأدب والحذق بهذه الصناعة، مع تقدمه في الكلام - يقول: إن الكلام المنثور يتأتى فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في الشعر، لأن الشعر يضيق نطاق الكلام، ويمنع القول من انتهائه، ويصده عن تصرفه على سننه.

وحضره من يتقدم في صنعة الكلام، فراجعه في ذلك، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة، وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة.

ويشهد عندي للقول الأخير: أن معظم براعة كلام العرب في الشعر، ولا نجد في منثور قولهم ما نجد في منظومه، وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد لم يعهد في سالف أيام العرب، ولم ينقل في دواوينهم (4) وأخبارهم.

وهو، وإن ضيق نطاق القول، فهو يجمع حواشيه، ويضم / أطرافه ونواحيه، فهو إذا تهذب في بابه، ووفى (5) له جميع أسبابه - لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب.

وقد حكي عن " المتنبي " أنه كان ينظر في المصحف، فدخل إليه بعض أصحابه، فأنكر نظره فيه، لما كان رآه (6) عليه من سوء اعتقاده، فقال له: هذا (7) المكي على فصاحته كان مفحما! ! فإن صحت هذه الحكاية عنه في إلحاده عرف بها (8) أنه كان يعتقد أن الفصاحة في قول الشعر [أمكن] وأبلغ (9) .

وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الأمر اتضاح الشمس، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن.

فانظر فيما نعرضه عليك (1) ، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه، ينكشف لك الحق.

إذا أردنا (2) تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها، ورشاقة (3) معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع (4) خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه التى يجئ تفصيلها، ونبين ترتيبها وتنزيلها.

* * *

فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، وأسخف من أن نفكر فيه.

وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه (5) على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع! ومن نظر فيما نقلناه عنه، وفهم موضع جهله، كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم، وآتاه من علم.

فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء: " والليل الاضخم، والذئب / الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم "! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه!

وقال أيضا، " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس "! وكان يقول: " والشاء وألوانها، وأعجبها السود، وألبهانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون " (1) ! وكان يقول: " ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين (2) ، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريش (3) قوم يعتدون "!

وكان يقول: " والمبديات (4) زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه.

"! / وقالت سجاج بنت الحارث بن عقبان - وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها - فقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى (5) ، ما بين صفاق وحشا "! وقالت: فما بعد ذلك؟ قال: أوحي إلي: " إن الله خلق النساء أفواجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا، فينتجن لنا سخالا نتاجا "! فقالت: أشهد أنك نبى (6) ! ! ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه، كراهية التثقيل.

وروي: أنه سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقواما قدموا عليه من بني حنيفة، عن هذه الألفاظ؟ فحكوا بعض ما نقلناه، فقال أبو بكر: سبحان

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م