Skip to content

Books to be read, not browsed

فصل في التحدي — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 89 of 104.

فصل في التحدي

يجب أن تعلم أن من حكم المعجزات إذا ظهرت على الأنبياء أن: يدعوا فيها أنها من دلالتهم وآياتهم، لأنه لا يصح بعثة النبي من غير أن يؤتى دلالة، ويؤيد بآية، لأن النبي لا يتميز من الكاذب بصورته (1) ، ولا يقول نفسه، ولا بشئ آخر، سوى البرهان الذي يظهر عليه، فيستدل به على صدقه.

فإن ذكر لهم أن هذه آيتي، وكانوا عاجزين عنها - صح له ما ادعاه.

ولو كانوا غير عاجزين عنها - لم يصح أن يكون برهانا له.

وليس يكون معجزا إلا بأن يتحداهم إلى أن يأتوا بمثله.

فإذا تحداهم وبان عجزهم - صار ذلك معجزا.

وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي، لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزا، فإنما يعرف أو لا إعجازه بطريق (2) ، لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه (3) وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزا.

/ فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل به.

ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه،

والتقريع به، والتمكين (4) منه - صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء، وانقلاب العصى ثعبانا تتلقف ما يأفكون.

وأما من كان من أهل صنعة العربية، والتقدم في البلاغة، ومعرفة فنون (5) القول، ووجوه المنطق - فإنه يعرف - حين يسمعه - عجزه عن الاتيان بمثله،

ويعرف أيضا أهل عصره، ممن هو في طبقته أو يدانيه في صناعته، عجزهم عنه، فلا يحتاج إلى التحدي حتى يعلم به كونه معجزا.

ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزا حتى يعرفوا عجز غيرهم عنه - لم يجز أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم، أن القرآن معجز حتى يرى عجز قريش عنه بعد التحدي إليه، وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر العرب عنه حتى ينتهي إلى التحدي إلى أقصاهم، وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب عنه، ثم يعرف حينئذ كونه معجزا.

وهذا القول - إن قيل - أفحش ما يكون من الخطأ! ! / فيجب أن تكون منزلة أهل الصنعة في معرفة إعجاز القرآن بأنفسهم منزلة من رأى اليد البيضاء وفلق البحر، بأن ذلك معجز.

وأما من لم يكن من أهل الصنعة، فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة، يعرف بها كونه معجزا، فيساوي حينئذ أهل الصنعة، فيكون استدلالهها في

تلك الحالة به على صدق من ظهر ذلك عليه على سواء (1) ، إذا ادعاه - دلالة على نبوته وبرهانا على صدقه.

فأما من قدر أن القرآن لا يصير معجزا إلا بالتحدي إليه، فهو كتقدير من ظن أن جميع آيات موسى وعيسى، عليهما السلام، ليست بآيات حتى التحدي إليها والحض عليها، ثم يقع العجز عنها، فيعلم حينئذ أنها معجزات (2) .

وقد سلف من كلامنا في هذا المعنى ما يغني عن الاعادة.

ويبين ما ذكرناه في غير البليغ: أن الأعجمي الآن لا يعرف إعجاز القرآن إلا بأمور زائدة على الأعجمي الذي كان في ذلك الزمان مشاهدا له، لأن من هو من أهل العصر يحتاج أن يعرف أو لا أن العرب عجزوا عنه، وإنما يعلم عجزهم عنه بنقل الناقلة إليه أن (3) النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى العرب إليه فعجزوا عنه، ويحتاج في النقل إلى شروط، وليس يصير القرآن بهذا النقل

معجزا، كذلك لا يصير معجزا بأن / يعلم العربي الذي ليس ببليغ أنهم قد عجزوا عنه بأجمعهم (1) ، بل هو معجز في نفسه، وإنما طريق معرفة هذا (2) وقوفهم على العلم بعجزهم عنه.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م