تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 303
بالياء حملا على [أنا] لأن الذي هو [أنا] في المعنى.
ومنه قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} غلب فيه جانب [أنت] على جانب [من] فأسند إليه الفعل وكان تقديره: فاستقيموا فغلب الخطاب على الغيبة لأن حرف العطف فصل بين المسند إليهم الفعل فصار كما ترى. قال صاحب الكشاف تقديره: فاستقم كما أمرت وليستقم كذلك من تاب معك.
وما قلنا أقل تقديرا من هذا فاختر أيهما شئت.
وقوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} فأعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان [من تبعك] يقتضي الغيبة تغليبا للمخاطب وجعل الغائب تبعا له كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ وهو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى.
وكقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} فإن الخطاب في [لعلكم] متعلق بقوله [خلقكم] لا بقوله [اعبدوا] حتى يختص بالناس المخاطبين إذ لا معنى لقوله [اعبدوا لعلكم تتقون] .
ومنه قوله تعالى: {وما ربك بغافل عما تعملون} فيمن قرأ بالتاء.
ويجوز أن يكون المراد ب[ما تعملون] الخلق كلهم والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وكل سامع أبدا فيكون تغليبا ولا يجوز أن يعتبر خطاب من سواه بدونه من غير اعتبار التغليب لامتنان أن يخاطب في كلام واحد اثنان أو أكثر من غير عطف أو تثنية أو جمع.
ومنه قوله تعالى:
vol. 3 · p. 304
الثالث: تغليب العاقل على غيره.
بأن يتقدم لفظ يعم من يعقل ومن لا يعقل فيطلق اللفظ المختص بالعاقل على الجميع كما تقول: "خلق الله الناس والأنعام ورزقهم"، فإن لفظ [هم] مختص بالعقلاء.
ومنه قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} لما تقدم لفظ الدابة والمراد بها عموم من يعقل ومن لا يعقل غلب من يعقل فقال: {فمنهم من يمشي} .
فإن قيل: هذا صحيح في {فمنهم] لأنه لمن يعقل وهو راجع إلى الجميع فلم قال: [من] وهو لا يقع على العام بل خاص بالعاقل؟.
قلت: [من] هنا بعض [هم] وهو ضمير من يعقل.
فإن قلت: فكيف يقع على بعضه لفظ ما لا يعقل؟.
قلت: من هنا قال أبو عثمان: إنه تغليب من غير عموم لفظ متقدم فهو بمنزلة من يقول رأيت ثلاثة زيدا وعمرا وحمارا.
وقال ابن الصائغ: [هم] لا تقع إلا على من يعقل فلما أعاد الضمير على كل دابة غلب من يعقل فقال: [هم] ومن بعض هذا الضمير وهو للعاقل فلزم أن يقول [من] فلما قال: بوقوع التغليب في الضمير صار ما يقع عليه حكمه حكم العاقلين فتمم ذلك بأن أوقع [من] .
وقوله تعالى حاكيا عن السماء والأرض: {قالتا أتينا طائعين} ، إنما جمعهما جمع.