تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 329
ومنها: قصد الاهتمام، كقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} فعدل عن الغيبة في [قضاهن] و [أوحى] إلى التكلم في [وزينا السماء الدنيا] للاهتمام بالإخبار عن نفسه فإنه تعالى جعل الكواكب في سماء الدنيا للزينة والحفظ وذلك لأن طائفة اعتقدت في النجوم أنها ليست في سماء الدنيا وأنها ليست حفظا ولا رجوما فعدل إلى التكلم والإخبار عن ذلك لكونه مهما من مهمات الاعتقاد ولتكذيب الفرقة المعتقدة بطلانه.
ومنها: قصد التوبيخ، كقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا} ، عدل عن الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أن قائل مثل قولهم ينبغي أن يكون موبخا ومنكرا عليه ولما أراد توبيخهم على هذا أخبر عنه بالحضور، فقال: {لقد جئتم} لأن توبيخ الحاضر أبلغ في الإهانة له.
ومنه قوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم} ، قال: {تقطعوا أمرهم بينهم} دون [تقطعتم أمركم بينكم] ، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه من أمر دينهم إلى قوم آخرين ويقبح عندهم ما فعلوه ويوبخهم عليه قائلا ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم به قطعا تمثيلا لأخلاقهم في الدين.
vol. 3 · p. 330
فائدة.
اختلف في قوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} بعد {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} .
فقيل: إن الكلام تم عند قوله: {لا ريب فيه} وهذا الذي بعده من مقولا لله تصديقا لهم.
وقيل: بل هو من بقية كلامهم الأول على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} .
فإن قلت: قد قال في آخر السورة: {ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} ، فلم عدل عن الخطاب هنا قلت إنما جاء الالتفات في صدر السورة لأن المقام يقتضيه فإن الإلهية تقتضي الخير والشر لتنصف المظلومين من الظالمين فكان العدول إلى ذكر الاسم الأعظم أولى. وأما قوله تعالى في آخر السورة: {إنك لا تخلف الميعاد} ، فذلك المقام مقام الطلب للعبد من ربه أن ينعم عليه بفضله وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن فيه ما يقتضي العدول عن الأصل المستمر.
البحث الرابع: في شرطه.
تقدم أن شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه وشرطه أيضا أن يكون في جملتين أي كلامين مستقلين حتى يمتنع بين الشرط وجوابه.