تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 348
إلى أسعد حال والتقدير حينئذ: فامتازوا عنكم إلى الجنة، هكذا قرره السكاكي في"المفتاح".
قيل: وفيه نظر لأنها إذا كانت طلبية ومعناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى الجنة فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر.
ولهذا قال بعضهم: إن تضمين أصحاب أهل الجنة للطلب ليس المراد منه أن الجملة نفسها طلبية بل معناه أن يقدر جملة إنشائية بعدها بخلاف قوله: {وقولوا للناس حسنا} .
ومنه قوله تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم} فإنه يقال: كيف جاء الجزم في جواب الخبر وجوابه أنه لما كان في معنى الأمر جاز ذلك إذ المعنى: آمنوا وجاهدوا.
وقال ابن جني: لا يكون [يغفر] جوابا ل[هل أدلكم] وإن كان أبو العباس قد قاله لأن المغفرة تحصل بالإيمان لا بالدلاة. انتهى. وقد يقال الدلالة: سبب السبب.
إذا علمت هذا فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته وأنه مما ينبغي أن يكون واقعا ولا بد وهذا هو المشهور.
وفيه طريقة أخرى نقلت عن القاضي أبي بكر وغيره وهي أن هذا خبر حقيقة غير مصروف عن جهة الخبرية ولكنه خبر عن حكم الله وشرعه ليس خبرا عن الواقع حتى يلزم ما ذكره من الإشكال وهو احتمال عدم وقوع مخبره فإن هذا إنما يلزم الخبر عن الواقع أما الخبر عن الحكم فلا لأنه لا يقع خلافه أصلا.
vol. 3 · p. 349
وضع الطلب موضع الخبر.
كقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} .
وقوله: {قل أنفقوا طوعا أو كرها} .
وقوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} .
وقوله: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك} فقوله: {وألق} معطوف على قوله: {أن بورك} ف[ألق] وإن كان إنشاء لفظا لكنه خبر معنى. والمعنى: فلما جاءها قيل: بورك من في النار وقيل: ألق.
والموجب لهذا قول النحاة إن أن هذه مفسرة لا تأتي إلا بعد فعل في معنىالقول وإذا قيل كتبت إليه أن ارجع وناداني أن قم كله بمنزلة: قلت له وقال لي قم كذا قاله صاحب المفتاح.
وما ذكره من أن بورك خبرية لفظا ومعنى ممنوع لجواز أن يكون دعاء وهو إنشاء وقد ذكر هذا التقدير الفارسي وأبو البقاء فتكون الجملتان متفقتين في معنى الإنشاء فتكون مثل {لا تعبدون إلا الله} .
وقوله: {يا ليتنا نرد ولا نكذب} إلى قوله: {وإنهم لكاذبون} فإنه يقال: كيف ورد التمني على التكذيب وهو إنشاء؟.