تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 373
وقال الأزهري: ليس هو من باب [ما انفك] و [مازال] إنما هو من انفكاك الشيء إذا انفصل عنه.
وقوله: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم} ، المعنى: فلم عذب آباءكم بالمسخ والقتل؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد لأن الجاحد يقول: إني لا أعذب لكن احتج عليهم بما قد كان.
وقوله: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} .
فعدل عن لفظ [أصبحت] إلى [تصبح] قصد للمبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته إذ هو المقصود بالإنزال.
فإن قلت: كيف قال النحاة: إنه يجب نصب الفعل المقرون بالفاء إذا وقع في جواب الاستفهام، كقوله: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} و [فتصبح] هنا مرفوع؟.
قلت: لوجوه:.
أحدها: أن شرط الفاء المقتضية للنصب أن تكون سببية وهنا ليست كذلك بل هي لإستئناف لأن الرؤية ليست سببا للإصباح.
الثاني: أن شرط النصب أن ينسبك من الفاء وما قبلها شرط وجزاء وهنا ليس كذلك لأنه لو قيل: إن تر أن الله أنزل ماء تصبح لم يصح لأن إصباح الأرض حاصل سواء رئي أم لا.
فإن قيل: شاع في كلامهم إلغاء فعل الرؤية كما في قوله: [ولا تزال- تراها- ظالمة] .
vol. 3 · p. 374
أي ولا تزال ظالمة وحينئذ فالمعنى منصب إلى الإنزال لا إلى الرؤية ولا شك أنه يصح أن يقال إن أنزل تصبح فقد انعقد الشرط والجزاء.
قلت: إلغاء فعل الرؤية في كلامهم جائز لا واجب فمن أين لنا ما يقتضي تعيين حمل الآية عليه؟.
الثالث: إن همزة الاستفهام إذا دخلت على موجب تقلبه إلى النفي، كقوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} ، وإذا دخلت على نفي تقلبه إلى الإيجاب فالهمزة في الآية للتقرير فلما انتقل الكلام من النفي إلى الإيجاب لم ينتصب الفعل لأن شرط النفي كون السابق منفيا محضا: ذكره العزيزي في "البرهان".
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا} .
الرابع: أنه لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فكان ينقلب النصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت فتشكر إن نصبت فأنت ناف لشكره شاك تفريطه وإن رفعت فأنت مثبت لشكره. ذكر هذا الزمخشري في الكشاف قال وهذا ومثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله.
وقال ابن الخباز: النصب يفسد المعنى لأن رؤية المخاطب الماء الذي أنزله الله ليس سببا للاخضرار وإنما الماء نفسه هو سبب الاخضرار.
ومنه قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} ،.