تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 393
الثاني: أن ينفى المسند إليه، فينتفي المسند، نحو ما قام زيد إذا كان زيد غير موجود لأنه يلزم من عدم زيد نفي القيام ومنه قوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} ، أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم.
ومنه قول الشاعر:
*على لاحب لا يهتدي لمناره*
أي: على طريق لا منار له فيهتدى به ولم يكن مراده أن يثبت المنار فينتفي الاهتداء به.
الثالث: أن ينفى المتعلق دون المسند والمسند إليه نحو ما ضربت زيدا بل عمرا.
الرابع: أن ينفى قيد المسند إليه أو المتعلق نحو ما جاءني رجل كاتب بل شاعر، وما رأيت رجلا كاتبا بل شاعرا، فلما كان النفي قد ينصب على المسند وقد ينصب على المسند إليه أو المعلق وقد ينصب على القيد احتمل في قولنا: ما رأيت رجلا كاتبا أن يكون المنفي هو القيد فيفيد الكلام رؤية غير الكاتب وهو احتمال مرجوح ولا يكون المنفي المسند أي الفعل بمعنى أنه لم يقع منه رؤية عليه لا على رجل ولا على غيره وهو في المرجوحية كالذي قبله.
vol. 3 · p. 394
نفي الشيء رأسا.
لأنه عدم كمال وصفه أو لانتفاء ثمرته، كقوله تعالى في صفة أهل النار: {لا يموت فيها ولا يحيى} فنفى عنه الموت لأنه ليس بموت صريح ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة كقوله تعالى: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} أي ما هم بسكارى مشروب ولكن سكارى فزع.
وقوله: {لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} وهم قد نطقوا بقولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} ولكنهم لما نطقوا بما لم ينفع فكأنهم لم ينطقوا.
وقوله: {لهم قلوب لا يفقهون بها} .
وقوله: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
ومنه قوله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ، فإن المعتزلة احتجوا به على نفي الرؤية لأن النظر لا يستلزم الإبصار، ولا يلزم من قوله: {إلى ربها ناظرة} إبصار.
وهذا وهم لأن الرؤية تقال على أمرين: أحدهما الحسبان والثاني العلم، والآية من المعنى الأول أي تحسبهم ينظرون إليك لأن لهم أعينا مصنوعة بأجفانها وسوادها يحسب الإنسان أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا.