تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 402
{إنا لنراك في ضلال} لأن نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتة.
وقال الزمخشري: لأن الضلالة أخص من الضلال فكان أبلغ في نفي الضلال عنه، فكأنه قال: ليس به شيء من الضلال كما لو قيل: [لك] لك تمرة فقلت: ما لي تمرة.
ونازعه ابن المنير وقال: تعليله نفيها أبلغ [من نفي الضلال] لأنها أخص [منه] وهذا غير مستقيم فإن نفي الأعم أخص من نفي الأخص ونفي الأخص أعم من نفي الأعم فلا يستلزمه لأن الأعم لا يستلزم الأخص فإذا قلت هذا ليس بإنسان لم يلزم سلب الحيوانية عنه وإذا قلت هذا ليس بحيوان لم يكن إنسانا والحق أن يقال الضلالة أدنى من الضلال وأقل لأنها لا تطلق إلا على الفعلة الواحدة8 منه والضلال يصلح للقليل والكثير ونفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى لا من جهة كونه أخص بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
والثاني: كقوله تعالى: {وجنة عرضها السماوات والأرض} ، ولم يقل [طولها] لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس. وأيضا إذا كان للشيء صفة يغني ذكرها عن ذكر صفة أخرى تدل عليها كان الاقتصار عليها أولى من ذكرها لأن ذكرها كالتكرار وهو ممل وإذا ذكرت فالأولى تأخير الدلالة على الأخرى حتى لا تكون المؤخرة قد تقدمت الدلالة عليها.
vol. 3 · p. 403
وقد يخل بذلك مقصود آخر كما في قوله: {وكان رسولا نبيا} لأجل السجع وإذا كان ثبوت شيء أو نفيه يدل على ثبوت آخر أو نفيه كان الأولى الاقتصار على الدال على الآخر فإن ذكرت فالأولى تأخير الدال.
وقد يخل بذلك لمقصود آخر، كما في قوله تعالى: {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وعلى قياس ما قلنا ينبغي الاقتصار على صغيرة وإن ذكرت الكبيرة منها فلتذكر أولا.
وكذلك قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} وعلى ذلك القياس يكفي [لهما أف] أو يقول [ولا تنهرهما] [فلا تقل لهما أف] وإنما عدل عن ذلك للاهتمام بالنهي عن التأفيف والعناية بالنهي حتى كأنه قال: نهى عنه مرتين: مرة بالمفهوم وأخرى بالمنطوق.
وكذلك قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} فإن النوم غشية ثقيلة تقع علىالقلب تمنعه معرفة الأشياء والسنة مما يتقدمه من النعاس فلم يكتف بقوله: {لا تأخذه سنة} دون ذكر النوم لئلا يتوهم أن السنة إنما لم تأخذه لضعفها ويتوهم أن النوم قد يأخذه لقوته فجمع بينهما لنفي التوهمين أو السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب تلخيصه وهو منزه عن جميع المفترات ثم أكد نفي السنة والنوم بقوله: {له ما في السماوات وما في الأرض} لأنه خلقهما بما فيهما والمشاركة إنما تقع فيما فيهما ومن يكن له ما فيهما فمحال نومه ومشاركته إذ لو وجد شيء من ذلك لفسدتا بما فيهما وأيضا فإنه يلزم من نفي النسة نفي النوم أنه لم يقل لا ينام وإنما قال: {لا تأخذه} .