تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 430
وأما قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} ، فإن التقدير: كما يحب المؤمنون الله قال: وحذف الفاعل لأنه غير ملتبس.
واعترض عليه بأنه لا حاجة لذلك فإن المعنى حاصل بتقديره مبنيا للفاعل.
وأجيب بأنه تقدير معنى لكن محافظة على اللفظ فلا يقدر الفاعل إذ الفاعل في باب المصدر فضلة فلذلك جعله كذلك في التقدير.
vol. 3 · p. 431
الاستعارة.
هي من أنواع البلاغة وهي كثيرة في القرآن ومنهم من أنكره بناء على إنكار المجاز في القرآن والاستعارة مجاز وقد سبق تقديره. ومنع القاضي عبد الوهاب المالكي إطلاق لفظ الاستعارة فيه لأن فيها إيهاما للحاجة وهكذا كما منع بعضهم لفظ القرآن مخلوق وهو لا ينكر وقوع المجاز والاستعارة فيه إنما توقف على إذن الشرع.
ولا شك أن المجوزين للإطلاق شرطوا عدم الإبهام وقد يمنعون الإبهام المذكور لأنه في الاصطلاح اسم لأعلى مراتب الفصاحة.
وقال الطرطوسي: إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها وإن امتنعوا امتنعنا ويكون هذا من قبيل أن الله تعالى عالم والعلم هو العقل ثم لا نصفه به لعدم التوقيف. انتهى.
والمشهور تجويز الإطلاق.
مباحث الاستعارة.
ثم فيها مباحث:.
الأول: وهي "استفعال"، من العارية، ثم نقلت إلى نوع من التخييل لقصد المبالغة.
vol. 3 · p. 432
في التخييل والتشبيه مع الإيجاز نحو لقيت أسدا وتعني به الشجاع.
وحقيقتها أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إل شيء لم يعرف بها وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي أو بحصول المبالغة أو للمجموع.
فمثال إظهار الخفي، قوله تعالى: {وإنه في أم الكتاب} ، فإن حقيقته أنه في أصل الكتاب فاستعير لفظ [الأم] للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول. وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان وذلك أبلغ في البيان.
ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا، قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل} لأن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة فاستعير للولد أولا جانب ثم للجانب جناح وتقدير الاستعارة القريبة: [واخفض لهما جانب الذل] أي اخفض جانبك ذلا.
وحكمة الاستعارة في هذاجعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة مركبا احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى فاستعير الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجناح لأن من ميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه المراد خفض يلصق الجنب بالإبط ولا يحصل ذلك إلا بخفض الجناح كالطائر وأما قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
فيقال: إنه أرسل إليه قارورة وقال: ابعث إلي فيها شيئا من ماء الملام فأرسل.