النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
vol. 2 · p. 402
وقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد}
وقوله: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} فإنه حال مؤكدة لقوله: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها} وبهذا يزول الإشكال في أن شرط الحال الانتقال ولا يمكن ذلك هنا فإنا نقول ذلك شرط في غير المؤكدة ولما لم يقف ابن جني على ذلك قدر محذوفا أي معتقدا خلودهم فيها لأن اعتقاد ذلك أمر ثابت عند غير المؤمنين فلهذا ساغ مجيئها غير منتقلة
ومنهم من نازع في التأكيد في بعض ما سبق لأن الحال المؤكدة مفهومها مفهوم عاملها وليس كذلك التبسم والضحك فإنه قد يكون من غير ضحك بدليل قوله: "تبسم تبسم الغضبان"
وكذلك التولية والإدبار في قوله تعالى: {ولى مدبرا} {ثم وليتم مدبرين} فإنهما بمعنيين مختلفين فالتولية أن يولي الشيء ظهره والإدبار أن يهرب منه فليس كل مول مدبرا ولا كل مدبر موليا ونظيره قوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} فلو كان أصم مقبلا لم يسمع فإذا ولى ظهره كان أبعد له من السماع فإذا أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع ومن الدليل على أن التولي لا يتضمن الإدبار قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} فإنه بمعنى الإقبال
vol. 2 · p. 403
وقوله: {ولم يعقب} إشارة إلى استمراره في الهروب وعدم رجوعه يقال: فلان ولى إذا رجع وكل راجع معقب وأهل التفسير يقولون: لم يقف ولم يلتفت وكذلك قوله: {وأرسلناك للناس رسولا} قيل: ليست بمؤكدة لأن الشيء المرسل قد لا يكون رسولا كما قال تعالى: {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} وقوله: {وهو الحق مصدقا} جعلها كثير من المعربين مؤكدة لأن صفة الحق التصديق قيل ويحتمل أن يريدوا به تأكيد العامل وأن يريدوا به تأكيد ما تضمنته الجملة
ودعوى التأكيد غير ظاهرة لأنه يلزم من كون الشيء حقا في نفسه أن يكون مصدقا لغيره والفرض أن القرآن العزيز فيه الأمران وهو كونه حقا وكونه مصدقا لغيره من الكتب فالظاهر أن {مصدقا} حال مبينة لا مؤكدة ويكون العامل فيها الحق لكونه بمعنى الثابت وصاحب الحال الضمير الذي تحمله الحق لتأوله بالمشتق
وقوله: {قائما بالقسط} ف "قائما" حال مؤكدة لأن الشاهد به لا إله إلا هو قائم بالقسط فهي لازمة مؤكدة وقد وقعت بعد الفعل والفاعل
قال ابن أبي الربيع: ويجوز أن يكون حالا على جهة أخرى على معنى شهد الله أنه منفرد بالربوبية وقائم بالقسط فإنه سبحانه بالصفتين لم ينتقل عنهما فهو متصف بكل واحدة منهما في حال الاتصاف بالأخرى وهو سبحانه لم يزل بهما لأن صفاته ذاتية قديمة