Skip to content

Books to be read, not browsed

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 904 of 1,926.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

vol. 2 · p. 411

فعرضوا عليه البداءة بالإلقاء على عادة العلماء والصناع في تأدبهم مع قرنائهم ومن ثم قيل تأدبوا تهذبوا وأجيب بأنه إنما لم يؤكد في الآية لأنه استغنى عن التأكيد بالتصريح بالأولية في قوله: {وإما أن نكون أول من ألقى} وهذا جواب بياني لا نحوي

فإن قيل: ما وجه هذا الإطناب وهلا قالوا إما أن تلقي وإما أن نلقي فالجواب من وجهين:

أحدهما: لفظي وهو المزاوجة لرءوس الآي على سياق خواتمها من أول السورة إلى آخرها

والثاني: معنوي وهو أنه سبحانه أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم عند أنفسهم على موسى فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه في إسنادهم الفعل إليه

ذكر ذلك ابن جني في "خاطرياته" ثم أورد سؤالا وهو إنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان فيذهب بهم هذا المذهب من صيغة الكلام! وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو من معروف معانيهم وليست بحقيقة ألفاظهم ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم

التاسع: تصدير الجملة بضمير مبتدأ يفيد التأكيد ولهذا قيل بإفادة الحصر ذكره الزمخشري في مواضع من كشافه

vol. 2 · p. 412

قال في قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} معناه الحصر أي: لا يؤمن بالآخرة إلا هم

وقال في قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} أن معناه: لا ينشر إلا هم وإن المنكر عليهم ما يلزمهم حصر الألوهية فيهم ثم خالف هذه القاعدة لما خالف مذهبه الفاسد في قوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار} فقال: هم هنا بمنزلتها في قوله:

*هم يفرشون اللبد كل طمرة*

في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص انتهى

وبيانه أن مقتضى قاعدته في هذه الآية يدل على خروج المؤمنين الفساق من النار وليس هذا معتقده فعدل عن ذلك إلى التأويل للآية بفائدة تتم له فجعل الضمير المذكور يفيد تأكيد نسبة الخلود لهم لا اختصاصه بهم وهم عنده بهذه المثابة لأن عصاة المؤمنين وإن خلدوا في النار على زعمه إلا أن الكفار عنده أحق بالخلود وأدخل في استحقاقه من عصاة المؤمنين فتخيل في تخريج الآية على قاعدة مذهبه من غير خروج عن قاعدة أهل المعاني في اقتضاء تقديم الضمير الاختصاص والجواب عن هذا أن إفادة تقديم الضمير المبتدأ للاختصاص والحصر أقوى وأشهر عندهم من إفادة مجرد التمكن في الصفة وقد نص الجرجاني في دلائل الإعجاز على أن إفادة تقديم الفاعل على الفعل للاختصاص جليلة وأما إرادة تحقيق الأمر عند السامع أنهم بهذه الصفة وأنهم متمكنون منها فليست جليلة وإذا كان كذلك فلا يعدل عن المعنى الظاهر إلا بدليل وليس هنا ما يقتضي إخراج الكلام عن معناه الجلي كيف وقد صحت الأحاديث وتواترت على أن العصاة يخرجون من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره حتى لا يبقى فيها موحد أبدا فهذه

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE