النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
vol. 2 · p. 418
ونحوه: {سيجعل لهم الرحمن ودا} {ولسوف يعطيك ربك فترضى} {سوف يؤتيهم أجورهم} لكن قال: في قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر
وقد اعترض عليه بأن وجود الرحمة مستفاد من الفعل "لا" من السين وبأن الوجوب المشار إليه بقوله لا محالة لا إشعار للسين به
وأجيب بوجهين:
أحدهما: أن السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر فإذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة تمحضت لإفادة الوقوع وتحقيق الوقوع يصل إلى درجة الوجوب وفيه نظر لأن ذلك يستفاد من المقام لا من السين
والثاني: أن السين يحصل بها ترتيب الفائدة لأنها تفيد أمرين الوعيد والإخبار بطرقه وأنه متراخ فهو كالإخبار بالشيء مرتين ولا شك أن الإخبار بالشيء وتعيين طرقه مؤذن بتحققه عند المخبر به
ثالثها: النون الشديدة وهي بمنزلة ذكر الفعل ثلاث مرات وبالخفيفة فهي بمنزلة ذكره مرتين
قيل: وهذان النونان لتأكيد الفعل في مقابلة تأكيد الاسم بأن واللام ولم يقع
vol. 2 · p. 419
في القرآن التأكيد بالخفيفة إلا في موضعين: {وليكونا من الصاغرين} وقوله تعالى: {لنسفعا بالناصية} ولما لم يتجاوز الثلاثة في تأكيد الأسماء فكذلك لم يتجاوزها في تأكيد الأفعال قال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} لم يزد على ثلاثة مهل وأمهل ورويدا كلها بمعنى واحد وهن فعلان واسم فعل
رابعا: "لن" لتأكيد النفي كإن في تأكيد الإثبات فتقول: لا أبرح فإذا أردت تأكيد النفي قلت: لن أبرح قال سيبويه: هي جواب لمن قال: سيفعل يعني والسين للتأكيد فجوابها كذلك وقال الزمخشري: لن تدل على استغراق النفي في الزمن المستقبل بخلاف "لا" وكذا قال في المفصل: "لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل وبني على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى: {لن تراني} قال: هو دليل عن نفي الرؤية في الدنيا والآخرة وهذا الاستدلال حكاه إمام الحرمين في الشامل عن المعتزلة ورد عليهم بقوله تعالى لليهود: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا} ثم أخبر عن عامة الكفرة أنهم يتمنون الآخرة فيقولون: {يا ليتها كانت القاضية} يعني: الموت
ومنهم من قال: لا تنفي الأبد ولكن إلى وقت بخلاف قول المعتزلة وأن النفي بلا أطول من النفي بلن لأن آخرها ألف وهو حرف يطول فيه النفس فناسب طول المدة بخلاف "لن"